Se connecterاجتمعو جميعًا حول مائدة الفطور.
كان الحديث يدور بين والد ووالدة رزان، بينما كانت هي تحتسي قهوتها بهدوء. وفجأة، اهتز هاتفها معلنًا عن مكالمة واردة. ألقت نظرة على الشاشة. رشا. ردت على المكالمة وهي ما زلت جالسة على الطاولة. "مرحبًا يا رشا." في الجهة المقابلة، أخبرتها أنها ستعمل نصف يوم فقط، وأنها ستكون متفرغة في المساء. قالت بحماس: "ما رأيك أن نلتقي؟" ابتسمت رزان وهي أفكر في جدول أعمالها. "لا أدري... لدي بعض الأمور التي أريد إنهاءها. إذا وجدت وقتًا، سأتصل بك." "حسنًا، سأنتظر اتصالك." أنهت المكالمة. وضعت الهاتف على الطاولة، ثم رفعت رأسها... لتجد لؤي يحدق بها بصمت. ابتسمت بخبث. "ما الأمر؟" تنحنح محاولًا إخفاء ارتباكه، لكنه فشل. "إذا خرجنا معا ... فسأتكفل أنا بالحساب." اتسعت ابتسامت رزان. لم تكن بحاجة إلى أن يسألها مع من ستخرج. ولا إلى أن يذكر اسم رشا. فهمت ما يقصده من أول لحظة. تظاهرت بالجدية وهي تومئ برأسها. "حسنًا... سأخبرها أين نلتقي." اتسعت عيناه قليلًا، قبل أن يخفض رأسه وهو يحاول إخفاء ابتسامته. أما رزان... فاكتفت باحتساء قهوتها، وهي تقاوم ضحكة كادت تفضحها. يبدو أن أخي الصغير... لم يعد صغيرًا كما كنت أظن. صعدت إلى غرفتها مباشرة بعد انتهاء الفطور. وضعت كوب القهوة على المكتب، ثم فتحت حاسوبها المحمول، وأعادت البحث عن المعلومات التي جمعتها في الليلة الماضية حول شركة رأفت للأدوية. تنقلت بين صفحات موقع الشركة، واطلعت على الخدمات التي يقدمها قسم الأبحاث والتطوير، ثم دوّنت رقم التواصل الخاص بالشركات. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تظغط زر الاتصال. بعد دقائق من الحديث مع موظفة الاستقبال، تم تحويل المكالمة إلى القسم المختص. عرّفت بنفسها وبمشروعها، ثم طلبت موعدًا لعرض خطة العمل ومناقشة إمكانية إجراء الاختبارات اللازمة لمنتجاتها. وبعد مراجعة جدول المواعيد، حُجز لها موعد صباح يوم الأربعاء. ابتسمت براحة وهي تغلق الهاتف. "الخطوة الأولى... تمت." قضيت بقية النهار في ترتيب ملف المشروع. راجعت خطة العمل، ونظمت الدراسات المالية، وطبعت ملخصًا يتضمن فكرة العلامة التجارية، والأهداف، وخطة الإنتاج الأولية، حتى يكون كل شيء جاهزًا لموعد الغد. مع اقتراب المساء، طرق باب غرفتها. "ادخل." فتح لؤي الباب وأطل برأسه مبتسمًا. "رزان، ألم تستعدي بعد؟" أغلقت الملف الذي كانت تراجعه، ثم وقفت. "بل أنا جاهزة... كنت أنتظرك فقط." ابتسم وهو يدير مفاتيح سيارته بين أصابعه. "إذًا هيا، سنذهب بسيارتي." التقطت هاتفها قبل أن تغادر، واتصلت برشا. "لقد خرجنا من المنزل، سأرسل لك موقع المطعم الذي سنتلتقي فيه." "حسنًا، سأكون هناك بعد دقائق." وصل لؤي ورزان إلى المطعم قبل رشا بقليل. اختارا طاولة قريبة من النافذة، وما هي إلا دقائق حتى شاهدو رشا تدخل من الباب الرئيسي. وقبل أن تناديها، لاحظت لؤي يقف بسرعة من مقعده. اتسعت عيناه دون أن يشعر، وكأن وجودها وحده كان كافيًا ليبدل ملامحه. أما رشا، فلم تنتبه إلى ذلك. اقتربت وهي تبتسم. "مرحبًا." صافحت لؤي أولًا. "كيف حالك يا لؤي؟" ثم نظرت إليه بإعجاب صادق. "لقد كبرت حقا... وأصبحت شابًا وسيمًا." احمر وجه لؤي على الفور. اكتفى بابتسامة خجولة وهو يتمتم: "شكرًا." صحيح أن رشا تكبر لؤي بعامين لكنه معجب بها وهذا ظاهر في عينيه وتصرفاته ابتسمت رزان في داخللها وهي تراقب ارتباكه، لكنها تظاهرت بعدم ملاحظة شيء. التفتت رشا نحو رزان وعانقتها . "اشتقت إليك." "وأنا أيضًا." جلسو جميعًا، وبعد لحظات حضر النادل وقدم لهم قوائم الطعام. تولى لؤي اختيار الأطباق. كانت رزان تعرف ذوقه جيدًا، ولم يخيب ظنها يومًا في اختيار الطعام. مر الوقت بين الأحاديث والضحكات حتى امتلأت الطاولة بالأطباق. وبينما كانو يتناولون العشاء، التفتت رشا الى رزان وسألت: "كيف تسير خطة مشروعك؟" وضعت رزان الشوكة جانبًا، ثم أجابتها: "بشكل جيد. انتهيت تقريبًا من إعداد كل شيء، وحجزت صباح اليوم موعدًا مع قسم الأبحاث في شركة رأفت للأدوية." رفعت رشا حاجبيها بدهشة. "حقًا؟" أومأت رزان برأسها. "لدي موعد معهم صباح الغد لمناقشة المشروع وإجراء اختبارات الجودة والسلامة الخاصة بالمنتجات." ابتسمت رشا بحماس. "يا لها من مصادفة..." ثم أضافت وهي تنظر إليها بثقة: "أتمنى أن تسير المقابلة كما تتمنين، وأن يقتنعوا بمشروعك." ابتسمت رزان وهي تمسك كوب العصير. "وأنا أيضًا... لكن في داخلها، كانت تشعر بمزيج من الحماس والقلق. غدًا... لن يكون مجرد اجتماع عمل. بل قد يكون أول خطوة حقيقية نحو تحقيق الحلم الذي عملت من أجله سنوات طويلة.في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







