登入بعد انتهاء العشاء، غادر كل من رشا ورزان ولؤي المطعم.
وقفت رشا أمام سيارتها ولوّحت لهما بابتسامة. "كانت أمسية جميلة... علينا أن نكررها قريبًا." ابتسمت رزان وهي تعانقها عناقًا سريعًا. "بكل تأكيد." أما لؤي، فاكتفى بابتسامة خجولة وهو يودعها. "إلى اللقاء." استقلت رشا سيارتها وغادرت، بينما اتجهت رزان ولؤي نحو سيارته. ساد الصمت أغلب الطريق، ولم يقطعه سوى صوت الموسيقى الهادئة المنبعثة من المذياع. لكن رزان كانت تلاحظ من حين لآخر الابتسامة التي لم تفارق وجه أخيها. وحين وصلا إلى المنزل، أوقف لؤي السيارة، ثم ترجل منها بخفة وكأنه يعيش أسعد أيامه. ابتسمت رزان وهي تراقبه. كانت تعلم جيدًا مصدر تلك السعادة. دخل الاثنان المنزل، واتجه كل منهما نحو الدرج. وقبل أن يصعد لؤي إلى غرفته، نادته رزان. "تصبح على خير... يا مشاغب." استدار إليها، وارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة. "وأنتِ أيضًا." ثم أضاف بعد تردد قصير: "شكرًا يا رزان... على هذا اليوم." ابتسمت له بحنان. "لا داعي للشكر." هز رأسه مبتسمًا، ثم أكمل طريقه نحو غرفته. أما هي، فدخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء. خلعت معطفها، وجلست أمام مكتبها. كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا. ألقت نظرة أخيرة على الملف الذي أعدته لمشروعها، ثم بدأت ترتب المستندات داخل حافظة جلدية أنيقة. خطة العمل... دراسة السوق... الخطة المالية... تصور الهوية التجارية... كل شيء كان في مكانه. ورغم ذلك... لم تستطع مقاومة رغبتها في مراجعة الأوراق مرة أخرى. أخذت نفسًا عميقًا. "غدًا..." همست بها لنفسها. كان موعد الغد يعني لها الكثير. ليس لأنه مجرد اجتماع عمل... بل لأنه قد يكون الخطوة الأولى الحقيقية نحو الحلم الذي رافقها منذ سنوات. أغلقت الملف أخيرًا،وذهبت للإستحمام بعدها توجهت الى السرير لكن النوم لم يأتِ بسهولة. ظلت تتقلب في فراشها طويلًا، تتخيل مجريات الاجتماع، والأسئلة التي قد تُطرح عليها، والإجابات التي ستقدمها. ولم تغمض عينيها إلا بعد ساعات. حل صباح الأربعاء. استيقظت رزان قبل رنين المنبه بدقائق. وعلى غير عادتها، لم تشعر بأي كسل. نهضت مباشرة، رتبت سريرها، ثم ارتدت ملابس رسمية بسيطة وأنيقة، تعكس شخصيتها العملية. صففت شعرها بعناية، واكتفت بمكياج خفيف منحها مظهرًا طبيعيًا. وقبل مغادرة غرفتها، ألقت نظرة أخيرة على الحافظة التي تضم مشروعها. حملتها بثقة، ثم نزلت إلى الطابق الأرضي. تناولت فطورًا خفيفًا مع عائلتها، ولم يفت والدها أن يلاحظ توترها. ابتسم وهو يناولها فنجان القهوة. "ثقي بنفسك يا رزان... لقد تعبتِ كثيرًا من أجل هذه اللحظة." ابتسمت له. "سأبذل كل ما بوسعي." ودعتها والدتها بدعوات صادقة، بينما تمنى لها لؤي التوفيق وهو يرفع إبهامه مبتسمًا. غادرت المنزل. وبعد نحو ساعة من القيادة، توقفت سيارتها أمام مبنى شركة رأفت للأدوية. رفعت رأسها تتأمل المبنى الزجاجي الشاهق. كان يحمل هيبة الشركات الكبرى. نزلت من السيارة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم شددت قبضتها على الحافظة. "بسم الله." همست بها، قبل أن تتجه بخطوات واثقة نحو المدخل الرئيسي. استقبلها موظف الاستقبال بابتسامة مهنية. "صباح الخير، كيف يمكنني مساعدتك؟" بادلتْه الابتسامة. "لدي موعد مع مدير قسم الأبحاث." تفقد الموظف جدول المواعيد على شاشة الحاسوب، ثم رفع رأسه قائلًا: "أهلًا بكِ آنسة رزان. نعم، موعدك مسجل." ثم أشار بيده نحو الممر. "تفضلي إلى قاعة الاجتماعات، وسيكون مدير القسم معك خلال دقائق." "شكرًا لك." دخلت رزان القاعة، وجلست بهدوء. أخرجت ملفاتها من الحافظة، وبدأت ترتبها فوق الطاولة، حتى تكون مستعدة لعرض مشروعها. لم تمضِ سوى دقائق قليلة، حتى فُتح الباب. دخل رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، يحمل بين يديه جهازًا لوحيًا. ابتسم معتذرًا. "أعتذر عن التأخير، آنسة رزان." نهضت من مكانها فورًا. "لا بأس، سيدي. لم يسبق وصولي وصولك سوى بدقائق." مد يده إليها مصافحًا. "فادي... مدير قسم الأبحاث." صافحته بابتسامة واثقة. "تشرفت بمعرفتك، سيد فادي." جلسا متقابلين، وبدأ الاجتماع. شرحت رزان فكرة مشروعها بثقة وسلاسة، متنقلة بين صفحات العرض دون تردد. كانت تتحدث بلغة علمية دقيقة، مدعومة بالأرقام، ونتائج دراسة السوق، والخطة المالية، ورؤيتها المستقبلية للعلامة التجارية. أما فادي... فكان ينصت باهتمام شديد، يدون بعض الملاحظات بين الحين والآخر، دون أن يقاطعها. ومع مرور الوقت، لم يستطع إخفاء إعجابه. فمن النادر أن يجلس أمامه صاحب مشروع ناشئ يمتلك هذا القدر من الإعداد والدقة، خاصة في مجال مستحضرات العناية بالبشرة، وهو مجال يتطلب التزامًا صارمًا بمعايير الجودة والسلامة. أنهت رزان عرضها، ثم نظرت إليه بثقة وقالت: "يبقى أمامي خطوة أخيرة قبل إطلاق منتجاتي إلى السوق." دفعت الملف نحوه برفق، ثم تابعت: "أحتاج إلى جهة تمتلك مختبرات معتمدة وخبرة علمية موثوقة لإجراء جميع اختبارات الجودة والثبات والسلامة على المنتجات، بما يضمن مطابقتها للمعايير المطلوبة." توقفت لثوانٍ، ثم قالت بثقة وهدوء: "ولهذا السبب اخترت شركة رأفت. لم آتِ طالبـةً مجاملة أو استثناء، بل جئت لأنني أؤمن أن جودة أي منتج تُقاس بالمعايير التي يخضع لها قبل أن يصل إلى المستهلك. وإذا أثبتت منتجاتي كفاءتها داخل مختبراتكم، فسأعتبر ذلك أول شهادة حقيقية على أنها تستحق أن ترى النور. لذلك... آمل أن تمنحوا مشروعي فرصة ليُقيَّم بموضوعية، وأن تنال خطة التعاون المقترحة موافقتكم. ساد الصمت داخل القاعة..في الجهة الأخرى من المدينة... كان مازن يجلس في مكتبه الفخم. دخل عليه أحد مساعديه ووضع أمامه تقريرًا ماليًا. قال الرجل: "يبدو أن شركة رأفت تجاوزت الأزمة." أغلق مازن الملف بهدوء. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "كنت أعلم أن عبد الرحمن سيتدخل." سأله مساعده باستغراب: "ألا يزعجك ذلك؟" هز مازن رأسه نافيًا. "في عالم الأعمال..." "كل إنسان يبحث عن مصلحة شركته." ثم نهض من مكانه متجهًا نحو النافذة. "لقد قدمت عرضًا، وهو رفضه." "وانتهى الأمر." توقف للحظة، ثم أردف بصوت منخفض: "لكن يبدو أن عبد الرحمن ما زال يؤمن بأن الصداقة أهم من المال." ولم يعلّق بعدها بكلمة. مرت الأعوام... وتوسعت شركة رأفت أكثر من أي وقت مضى. واستعادت مكانتها في السوق. وفي مساء أحد الأيام... كان حسن رأفت وعبد الرحمن الكيلاني يجلسان في حديقة المنزل، يحتسيان القهوة كالعادة. قال حسن وهو يبتسم: "أتعلم؟" "كلما نظرت إلى هذه الشركة..." "أتذكر اليوم الذي أنقذتني فيه." ضحك عبد الرحمن. "أما زلت تتذكر؟" نظر إليه حسن باستغراب. "وهل ينسى الإنسان من وقف معه حين أدار الجميع ظهورهم له؟" ساد بينهما صمت مريح. ثم قال حسن:
الرئيس التنفيذي للشركة آنذاك. رفع نظره ببطء نحو المجتمعين. ثم قال بثبات: "شركة رأفت لم تسقط طوال ثلاثين عامًا... ولن تسقط اليوم." ساد الصمت مجددًا. لكن الجميع كان يدرك أن الكلمات وحدها لم تعد تكفي في اليوم التالي... وصلت إلى مقر الشركة سيارة سوداء فاخرة. ترجل منها رجل في الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة أنيقة، تعلو وجهه ابتسامة يصعب تفسيرها. كان ذلك... مازن مازن. أحد أبرز رجال الأعمال في البلاد، وصاحب مجموعة استثمارية ضخمة توسعت بسرعة لافتة خلال السنوات الأخيرة. استقبله حسن رأفت بنفسه، ثم اصطحبه إلى مكتبه. جلس الاثنان متقابلين. وما إن قُدمت القهوة، حتى بادر مازن بالكلام. "سمعت بما تمر به شركتكم." أجابه حسن بهدوء. "أخبار السوق تنتشر بسرعة." ابتسم مازن ابتسامة خفيفة. "وأنا لا أحب أن أرى شركة بهذا الحجم تنهار." تعلق نظر حسن به. "هل لديك اقتراح؟" أخرج مازن ملفًا جلديًا من حقيبته، ووضعه أمامه. "لدي عرض." فتح حسن الملف. وما إن قرأ أولى الصفحات... حتى انعقد حاجباه. رفع بصره ببطء. "واحد وخمسون بالمئة من أسهم الشركة؟" أجاب مازن بكل هدوء
توقفت عن الكلام للحظة. ثم قالت بسعادة لم تستطع إخفاءها: "حقًا؟" "نعم." "سأكون جاهزة خلال ساعة." ابتسم سيف. "سأمر لاصطحابك." لم تستطع سارة إخفاء فرحتها. وقفت أمام خزانة ملابسها وقتًا طويلًا، تبحث عن فستان يجمع بين الأناقة والبساطة. كانت تعلم أن الانطباع الأول لا يتكرر. اختارت فستانًا بلون أزرق هادئ، ونسقت معه حقيبة صغيرة وحذاءً بكعب منخفض، ثم اكتفت بحلي بسيطة ومكياج ناعم. وقفت أمام المرآة، وأخذت نفسًا عميقًا. كانت تشعر أن هذه الزيارة... قد تكون بداية فصل جديد في حياتها. وصل سيف في الموعد تمامًا. فتح لها باب السيارة، ثم انطلقا نحو منزل آل رأفت. طوال الطريق، كان الحديث بينهما هادئًا. قالت سارة وهي تنظر من نافذة السيارة: "هل جدك صارم كما يقول الجميع؟" ابتسم سيف بخفة. "صارم عندما يتعلق الأمر بالمبادئ." ثم أردف: "لكنه عادل." هزت رأسها وهي تحاول طمأنة نفسها بعد دقائق... دخلت السيارة إلى بوابة القصر. كان المنزل يعكس تاريخًا طويلًا من العراقة. ساعدها سيف على النزول، ثم دخلا معًا. استقبلهما كبير الخدم بابتسامة احترام. "أهلًا بكما." قادهما إلى الصالون الرئيسي. ولم
لم تتمالك سارة نفسها. ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت امتزجت فيه السعادة بالتأثر: "هذا أسعد خبر سمعته منذ زمن." أمسكت يده بكلتا يديها، وأضافت: "وأنا موافقة... بكل قلبي. ابتسم سيف ابتسامة هادئة، للمرة الأولى منذ خروجه من منزل جده. كان يظن... أن الطريق أصبح واضحًا أمامه. لكن... لم يكن يعلم أن القدر... كان يخبئ له طريقًا آخر تمامًا. في الجهة المقابلة.. كانت أجواء منزل الكيلاني مختلفة تمامًا. الابتسامات لم تغادر الوجوه منذ أن أخبرت رزان عائلتها بنجاح أولى خطوات مشروعها، وتوقيع عقد التعاون مع شركة رأفت. قال والدها وهو يرفع كوب الشاي مبتسمًا: "كنت أعلم أن إصرارك سيقودك إلى هذا اليوم." وأضافت والدتها بفخر: "هذه مجرد البداية يا رزان... وأنا واثقة أن القادم أجمل." ابتسمت رزان بخجل. "ما زال أمامي طريق طويل." قاطعها لؤي ضاحكًا: "يكفي تواضعًا... بعد سنوات سأقول للناس إنني شقيق صاحبة أشهر علامة تجارية للعناية بالبشرة." ضحك الجميع. ثم نهض لؤي فجأة وقال بحماس: "بما أن اليوم مناسبة سعيدة... ما رأيكم أن نخرج جميعًا؟" ابتسم والده وهو يهز رأسه. "اعذرن
تنهد الجد بهدوء، ثم قال: "لأنني أعرفك أكثر مما تعرف نفسك." انعقد حاجبا سيف. فأكمل الجد: "منذ وفاة والدك... وأنت لم تعش لنفسك يومًا واحدًا." خفض سيف بصره دون أن يجيب. أما الجد، فتابع بصوت امتزج فيه الحنان بالفخر "كنت لا تزال شابًا عندما حملت مسؤولية الشركة، وتحملت أعباء لم تكن سهلة حتى على رجال أكبر منك سنًا. لم أطلب منك يومًا أن تتراجع، لأنني كنت أعلم أنك قادر على حمل الأمانة." توقف لثوانٍ، ثم أكمل: "لكنني رأيتك، عامًا بعد عام، تؤجل حياتك الشخصية في سبيل العمل." رفع سيف عينيه إليه. "وهل الزواج قرار يُفرض يا جدي؟" ابتسم الجد ابتسامة خفيفة. "لا... لكنه أيضًا قرار لا ينبغي أن تؤجله إلى ما لا نهاية." أخذ سيف نفسًا عميقًا. "أنا لا أرفض الزواج، لكنني أرفض أن تحدد لي الوصية متى أتزوج." هز الجد رأسه بتفهم. "لم أحدد لك موعدًا." رفع سيف الملف. "لكنها تشترطه حتى تصبح الشركة باسمي." أجاب الجد بثبات: "صحيح." ساد الصمت بينهما للحظات. ثم قال سيف: "وهل يهمك من ستكون المرأة التي سأتزوجها؟" تأمله الجد طويلًا قبل أن يجيب: "حين يحين الوقت... سنتحدث في ذ
في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيّم على مكتب سيف، بينما كان منشغلًا بمراجعة بعض الملفات الموضوعة أمامه. قطع تركيزه طرقٌ خفيف على الباب. "تفضل." انفتح الباب، ودخل رجل وقور يحمل في ملامحه هيبة السنين. وما إن رآه سيف حتى نهض من مقعده فورًا. "جدي... لم تخبرني أنك ستأتي اليوم." ابتسم الجد وهو يصافحه. "وهل يجب أن أخبرك في كل مرة أنني سأزورك؟" ضحك سيف بخفة، ثم اقترب ليساعده على الجلوس. بعد أن استقر الجد في مكانه، أخذ يتأمل المكتب من حوله، قبل أن يسأل: "كيف تسير أمور الشركة؟ جلس سيف في مقعده وأجاب بثقة: "كل شيء يسير وفق الخطة الموضوعة. المشاريع الحالية تحقق نتائج جيدة، ونسب الأرباح في ارتفاع، كما بدأنا التعاون مع عدد من المشاريع الجديدة الواعدة." أومأ الجد برضا. "هذا ما كنت أريد سماعه." ساد صمت قصير بينهما. لكن ملامح الجد تغيرت قليلًا، وكأن هناك أمرًا آخر يشغل تفكيره. رفع نظره إلى حفيده وقال: "في طريقي إلى هنا... التقيت بفتاة من عائلة الكيلاني." توقفت يد سيف عن تقليب الملفات. رفع رأسه ببطء، وقد ظهر الاستغراب على ملامحه. أما الجد، فاكتفى بابتسامة غامضة وهو يقول: "يبدو أ







