Se connecter✨ ألمانيا شقّت سيارة دايمون سكون الليل، قاطعةً المسافات نحو قلب الجبال الوعرة، فيما كانت أضواء المصابيح الأمامية تشق عتمة الطريق الضيق، وظلّ المحرك يزأر بين المنحدرات الصخرية، إلى أن توقّف محركها الهادر أمام بيت جبلي معزول. ترجّل دايمون بطلّته المهيبة وخطواته الثابتة، وكانت ملامحه جامدة، إلا أن شيئًا ثقيلًا وغامضًا استقر في عينيه. وما إن دفع الباب الخشبي حتى انفتح ببطء، مصدرًا صريرًا خافتًا، ليجد البيت غارقًا في عتمة موحشة، لا ينير أرجاءها سوى وميض شاحب ينبعث من مصباح جانبي. دخل دايمون إلى قلب البيت بخطوات هادئة، ثم توقف في منتصف الصالة. ظلّ واقفًا للحظات، يطيل التأمل في ذلك السكون، حتى لمح شبح أليساندرو نازلًا من الدرج، خطوة تلو الأخرى، كأنه طيف خرج لتوّه من عالم آخر. كان عاري الصدر، لا يرتدي سوى سروال جينز داكن، بينما استقرت بين أصابعه سيجارة تحترق ببطء، كأنها تحاكي احتراق روحه المتآكلة. امتدّ بصر دايمون الحاد إلى جسده. كان نصف جسده العلوي تحفة مشوّهة ومرعبة من الحروق الفادحة؛ أنسجة متفحمة، وندوب غائرة، وآثار تروي بصمت قصة الجحيم الذي اقتحمه وتركه واقفًا على حافته.
تغيرت ملامح أناليس، وغلف صوتها شيء من الذنب وهي تجيب: — إنه شاب عرفته في جنوب أفريقيا... كان يعمل لدينا، وقد قتله جاد بدم بارد. صمتت نيهان للحظات، ثم قالت بثقة: — جاد لن يعرف أبدًا ما يدور بيني وبين هندريك... فأنا على وشك الزواج والرحيل قريبًا. اتسعت عينا أناليس بدهشة. — ستتزوجين؟! ولماذا؟ ارتسمت على شفتي نيهان ابتسامة باردة، تلك الابتسامة التي لا تكشف شيئًا مما يدور خلفها. — لأن عليّ ذلك... حدقت أناليس فيها طويلًا، ثم سألت بحيرة: — وهندريك؟ شعرت بغصة مريرة في حلقها. — هندريك سيدرك مع مرور الوقت أن ليس كل ما نتمنى نملكه... وأن الحياة لا تسير دائمًا وفق رغباتنا. تأملتها أناليس للحظات، قبل أن تسأل بصوت خافت: — وأنتِ... هل تحبينه حقًا؟ خفضت نيهان عينيها للحظة، ثم أخرجت سيجارتها ودستها بين شفتيها وأشعلتها. سحبت نفسًا عميقًا، وأطلقت الدخان ببطء: — أحبه أكثر مما تتخيلين... بدت أناليس عاجزة عن فهمها. — بما أنك تحبينه، فلماذا ستتركينه إذن؟! — لا أفهم كيف تفكرين؟!... لو كنت مكانك، لناضلت على حبي حتى آخر نفس. رفعت نيهان عينيها إليها، وارتسم على شفتيها شيء من الاستهزاء. — تما
استيقظا منهكين من فرط الإرهاق، وقد مضى وقت طويل على الموعد الذي كان يفترض بهما أن ينهضا فيه. فتح هندريك عينيه بتثاقل، ثم مد يده إلى ساعة معصمه. وما إن وقعت عيناه على الوقت حتى اتسعتا بفزع، وقفز من مكانه، وكأن أحدهم صب عليه دلوًا من الماء البارد. نظرت إليه نيهان بعينين مثقلتين بالنعاس، وهي بالكاد تستطيع إبقاء جفنيها مفتوحين. — ما بك؟ — لقد استغرقنا في النوم... لا بد أن أخاك يبحث عني الآن. تمتمت نيهان بكسل، وهي تحيط خصره بذراعيها، وعيناها مغمضتان بإصرار، وكأنها ترفض أن تسمح للوقت بأن ينتزعها من دفء اللحظة. — ممم... لا بأس، دعك منه... التفت إليها هندريك بنظرة تجمع بين الضيق والقلق. — أخبرتك مرارًا أن نواجهه بالحقيقة، ورفضتِ في كل مرة... لقد مللت من هذا الكتمان والتسلل خلف ظهره. رفعت نيهان إصبعها بهدوء ووضعته على شفتيه، مطالبة إياه بالصمت. — شش... دع الأمر حتى يحين وقته المناسب... زفر هندريك بضيق، ثم قال وهو يتجه نحو ملابسه: — هيا، انهضي... لا تقضي يومك نائمة. تمددت مكانها بكسل، وأخذت تفرك عينيها بظهر كفها قبل أن تنهض مترنحة. التقطت رداء الحرير وارتدته، ثم بقيت تتابعه بنظراته
حلَّ الليل وأسدل ستائر العتمة على أرجاء قصر دي فالك، فانطفأت المصابيح تباعًا. استقرَّ كل فرد في غرفته، أما نيهان، فقد كانت في غرفتها تتزين وتتعطر، حتى تسللت رائحة عطره المميز إلى أنفاسها. اقترب منها بخطى هادئة، يطالع انعكاسها على سطح المرآة، ثم وضع يديه على كتفيها، وأسند رأسه قرب رأسها، متأملًا عينيها بابتسامة خفية، قبل أن يطبع قبلة رقيقة على خدها ويهمس: — دخلت الجنة مجدداً... إياك أن تعاودي طردي منها. نيهـان، وهي ترمقه بنظرة ذات مغزى: — الشيطان لا تُفتح أبواب الجنة في وجهه... وأنا أعلم أنك ستعذبني هذه الليلة أشد العذاب. هندريك بابتسامة ماكرة: — قليل من العذاب... لا أكثر. نهضت من مكانها لتقابله وجهًا لوجه، تطالعه بنظرات مشتعلة، ثم ألقت برداء الحرير على أرضية الغرفة، وبقيت فقط بملابسها الداخلية، وتوجهت بخطى متمايلة نحو الفراش. نيهان بصوت هامس: — الشموع التي أشعلتها... أريدك أن تحرقني بها، في كل أنحاء جسدي... تخلص هو من ملابسه العلوية، متجهًا نحوها بخطواته. التقط إحدى الشموع المشتعلة بيده، وصعد فوقها ممتطيًا جسدها، وبدأ يقطر قطرات الشموع الملتهبة على عنقها، هابطًا ببطء نحو صدره
ظلّ جاد يهدّئ من روعها بكلماته، محاولًا أن يبدّد شيئًا من اضطرابها، وحين حان وقت الغداء، توجه الجميع إلى مائدة الطعام، ليجلس كل واحد منهم في مكانه المعتاد، وبدأوا بتناول الطعام وسط صمت مطبق أثقل أجواء المكان. استقرت ليرا إلى جانبه، إلا أن قربها منه لم يكن يعني أن غضبها قد هدأ؛ فقد بقي العبوس مرتسمًا على ملامحها، بينما كان جاد يرمقها بين الحين والآخر بنظرات محمّلة بعتاب خفي، وكأنه يحاول أن يفهم إلى متى ستظل مصرّة على معاقبته بصمتها. كانت تتناول طعامها بكسل وتراخٍ شديدين، تحرّك الملعقة بين أصابعها دون رغبة، فيما كان التعب ينهش جسدها ببطء، والنعاس يغالب جفونها التي كانت تكدّ لتبقى مفتوحة. لم تذق طعم النوم ليلة أمس حين كان مريضًا، ثم تلتها ليلة أخرى أنهكها فيها ما سمعته عن ظلمه وجوره، وكأن جسدها قرر أخيرًا أن يعلن استسلامه. استقرت يده فوق فخذها تحت الطاولة، ومال قليلًا نحوها، هامسًا بصوت خفيض لا يكاد يسمعه سواها: — هل تشعرين بالنعاس؟ أجابته دون أن ترفع عينيها عن طبقها، بصوت مثقل بالإرهاق: — كثيرًا... حدّق في وجهها للحظات، ثم قال بنبرة هادئة تحمل شيئًا من الحزم: — اصبري، ليس الآن.
نظر إليها لوكاس بأسى عميق. — أنا لست ملكًا لك... لا أدري هل تكذبون عليّ أم لا، لكن قلبي يخبرني بالحقيقة الكاملة. صمت للحظة، ثم تابع: — العيب ليس فيك أبدًا... فأنت امرأة فاتنة، لكن... لا تلومي قلبي على اختياره. وضعت أناليس يدها على صدرها، كأنها تحاول أن تمنع الألم من تمزيقها، وانطلقت من بين شفتيها شهقة موجعة: — أرجوك... لا تتركني مرة أخرى... نظر إليها لوكاس طويلًا، ثم سألها بصدق لم يترك لها مجالًا للهروب: — هل أنتِ قادرة على العيش مع رجل لا يحبك، ولن يمنحك قلبه أبدًا؟ تعلقت به بنظرة مرتجفة، وكأنها تتشبث بآخر خيط من الأمل، ثم أمسكت به برجاء محموم، هامسةً بصوت مكسور: — سأجعلك تحبني... فقط امنحني فرصة. — أنا أحبك حقًا... ولكن، ليس بالطريقة التي تتمنينها. مسحت أناليس دموعها بظهر كفها، لكن دموعًا أخرى أسرعت لتحل محلها. كانت ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها. — أتحبها إلى هذا الحد... رغم أنك فقدت الذاكرة؟! أجابها بنبرة يغلفها اليقين: — أشعر براحة مطلقة وأمان عجيب بجانبها... صحيح أن الذاكرة غائبة، لكن الإحساس الذي يجتاح كياني ما إن أكون معها حيٌّ لا يموت... وهذا يعني شيئًا واحدًا،
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس







