FAZER LOGINشعرت ليرا بأن الأرض تميد تحت قدميها. رفعت يدها المرتعشة إلى فمها، تحدق في وجهه بذهول مطلق.كان يتحدث معها وكأنها امرأة غريبة لا تربطها به أي علاقة، وكأن كل ما عاشاه معًا لم يكن سوى شيء تافه يمكن محوه بقرار واحد.تدخل ألكسندر بلهجة آمرة:— لا داعي لأغراضها، دعي كل شيء خلفك.تقدم نحوها، وأمسك معصمها بقسوة، وجذبها خلفه.— هيا!انتفضت ليرا من قبضته، وحاولت التراجع، لكن أباها شدها بعنف، مجبرًا إياها على السير نحو الباب.— أبي، أرجوك...!اندفعت نيهان خلفهما، وأمسكت بذراع ألكسندر محاولة انتزاع ليرا منه.— اتركها! لا يحق لك أن تعاملها بهذه الطريقة!لكن ألكسندر دفعها بعيدًا، ومضى بها إلى الخارج، دون أن يلتفت إلى صرخاتها.كانت ليرا تبكي وتنتحب، وتتعثر خطواتها وهي تحاول الالتفات نحو جاد مرة بعد مرة، وكأنها لا تزال تنتظر منه أن يتحرك، أن يمنعها من الرحيل الذي بدا أشبه بانتزاع روحها من جسدها.— جاااد...خرج اسمه من بين شهقاتها، محملًا بالرجاء.لكن جاد لم يتحرك.ظل واقفًا في مكانه، يراقبها وهي تُسحب بعيدًا عنه، بينما كان صوت بكائها يملأ أرجاء القصر ويتردد في الممرات.ورغم ذلك، بقيت ملامحه جامدة لا
رفع جاد رأسه حين رآهما تدخلان، ثم قال بنبرة باردة: — جيد أنك أتيتِ... كنت على وشك استدعائك. تقدمت نيهان إلى الداخل، وأبقت ليرا خلفها، ثم قالت وهي ترمق جاد باستنكار: — زوجتك مرعوبة وخائفة للغاية، وأنت هادئ وكأن الأمر لا يعنيك. لم يبدُ على جاد أي تأثر، بل أجابها بلا مبالاة: — ليس هناك ما يستدعي الخوف... أبوها ليس غريبًا، بل هو مرحب به في أي وقت، وسنكرم ضيافته كما ينبغي. أطلق ألكسندر ضحكة ساخرة، ثم مال إلى الأمام قليلًا وقال بخشونة: — لم آتِ لأحظى بالضيافة... جئت لأستعيد ابنتي! ارتجفت ليرا خلف نيهان، ثم تمتمت بصوت ضعيف: — أبي... لكن ألكسندر زجرها بإشارة حادة من يده، دون أن يلتفت إليها التفاتة كاملة. — حين أتحدث، تصمتين! أم أن عيشتك مع هذا الهمجي قد أنستك قواعدي؟ اشتدت ملامح جاد فور سماعه الإهانة، وانخفض صوته على نحو ينذر بالخطر. — لا تغلط في الكلام... الحديث بيني وبينك، فدعها جانبًا. رفع ألكسندر حاجبيه بعجرفة، ثم قال بنبرة متعالية: — ليس لدي متسع من الوقت لأضيعه في الترهات. أنا رجل أعمال، وقد ساومتك عليها مسبقًا، وأنت قبلت الصفقة! لم يتغير وجه جاد، ولم يحاول حتى إنكار الأ
أما في غرفة أناليس، فكانت الأخيرة تقبع في إحدى زواياها، منكمشة على نفسها، تشهق بالبكاء. انحلت بعض خصلات شعرها المجعد حول وجهها، واحمرّت عيناها، فيما كانت أنفاسها تتقطع بين شهقة وأخرى، عاجزة عن استيعاب أنها تخلّت للتو عن الرجل الذي أحبته طوال حياتها. وإلى جانبها، وقفت نيهان تراقبها بصمت، وقد ارتسمت على ملامحها علامات الأسى. رفعت أناليس رأسها فجأة، والتفتت نحوها بعينين غارقتين في الدموع: — لا أستطيع العيش بدونه... لماذا فعلت هذا؟ لماذا أقدمت على ارتكاب هذه الحماقة؟! خرجت الكلمات من فمها متعثرة، وتبعها بكاء مرير. اقتربت منها نيهان وجلست إلى جوارها، ثم وضعت يدها على كتفها، تحاول تهدئتها. — ليست نهاية العالم يا أناليس... أعلم أنك تتألمين الآن، لكن عليك أن تتعلمي كيف تحبين نفسك، وأن تفضليها على أي شيء آخر. لا يمكنك أن تظلي أسيرة رجل لا يبادلك المشاعر ذاتها، مهما كان مقدار حبك له. هزت أناليس رأسها بيأس، وضغطت كفها على صدرها. — أشعر وكأن نيرانًا تشتعل بقلبي وتحرقني حية! لا أستطيع تحمّل هذا الألم يا نيهان... لا أستطيع! مدت نيهان يدها، وأخذت تمرر أصابعها على شعرها مواساةً لها: —
انطلقت السيارة بأقصى سرعة، تاركةً خلفها سحابةً من الغبار، فيما بقي جاد واقفًا مكانه، يراقبها حتى اختفت عن ناظريه. تشنج فكه، واشتدت قبضتاه حتى ابيضّت مفاصلهما. لقد أفلت لوكاس من بين يديه. ولم يكن ذلك مجرد رحيل صديق، بل تحديًا مباشرًا لرجل اعتاد أن تسير الأمور وفق إرادته، دون أن يجرؤ أحد على عصيان أوامره ثم يبتعد دون أن يدفع الثمن. استدار فجأة، وألقى بنظرة نارية نحو ليرا التي كانت لا تزال واقفة أمامه، تحدق فيه بالغضب نفسه. — اغربي عن وجهي... ولا تقفي أمامي بقية هذا اليوم! رفعت ليرا ذقنها، ولم تتراجع. — أفعالك الشنيعة هي سبب عصبيتك يا جاد، فلا تفرغ جنونك وغضبك بي! احمرّت عيناه، وانقبضت ملامحه. — ليــــــــرا! لكنها لم تهتز، بل ردت عليه بنبرة قاطعة: — ماذا؟! هل ستصرخ في وجهي حتى أتوقف عن قول الحقيقة؟ لقد أجهدت نفسك لتفرق بينهما، ودفعت بهما إلى حافة الهاوية، وها هو ذا قد عاد إليها غير آبه بشيء، لأن قلبه لم يكن يومًا بيدك حتى تتحكم في مصيره! اقتربت منه خطوة، وأضافت بمرارة: — لو كنت تملك ذرة واحدة من الإحساس بمعاناته، لما خسرت أخاك وصديقك المخلص بهذه الطريقة. جزّ جاد على أسنانه
أما جاد، فقد تحرك على الفور ليلحق بلوكاس، لكن ليرا سارعت إلى الإمساك بذراعه، مستعطفة إياه بصوت متوسل: — دعه يذهب، أرجوك... لا تحرمه من حب حياته. التفت إليها بعينين مشتعلتين، ثم انتزع ذراعه من قبضتها بعصبية. — لا تتدخلي! تجاوزها بخطوات عاصفة، متجهًا إلى باحة القصر الخارجية. هناك، لمح لوكاس يسرع نحو البوابة، فانقض عليه وأمسكه من ياقة قميصه، ثم هزه بعنف صارخًا في وجهه: — إلى أين أنت مسرع هكذا؟! ستتم هذه المراسم حتى النهاية! أمسك لوكاس بذراعيه ودفع صدره بقوة ليحرر نفسه، ثم قال بغضب لم يعد قادرًا على كبحه: — لن أتم شيئًا لست مقتنعًا به إطلاقًا! ليس بعد أن تجلت لي الحقيقة ساطعة كالشمس! ضحك جاد بسخرية، وهز رأسه نافيًا. — أي حقيقة؟! إنها تكذب عليك لأنك جرحتها بكلامك، فلا تفسد بطيشها كل ما اتفقنا عليه. توهجت عينا لوكاس باليقين، وأجابه بحزم: — أناليس لم تكذب قط... لقد قرأت الصدق في عينيها، ورأيت الألم الذي كانت تحاول إخفاءه خلف كلماتها. للمرة الأولى، لم تحاول الاحتفاظ بي لنفسها، بل منحتني حريتي، رغم أنها تعرف جيدًا أن ذلك سيحطم قلبها. تقدمت ليرا نحوهما، وقد بلغ بها الغضب حدًّا لم
— أردتك وأنا طفلة صغيرة... تعلقت بك إلى درجة المرض، كنت حلمي الوحيد، والشيء الذي أقنعت نفسي بأنني إذا امتلكته، فسأتمكن أخيرًا من إثبات أنني أستحق الحب. ارتجفت شفتاها، وانخفض صوتها قليلًا. — كنت أعاني التنمر، وأعيش تحت وطأة نظرات الازدراء، سواء من القريب أو البعيد. اعتدت أن أشعر بأنني أقل من الآخرين، وأن هناك شيئًا ناقصًا فيّ يجعلني غير جديرة بأن أكون محبوبة. تعلقت بك، وأقنعت نفسي بأن زواجي منك، سيبرهن للجميع أنني مرغوبة... وأنني استطعت أن أحظى بأوسم الرجال وأكثرهم جاذبية. ابتلعت ريقها، ومسحت دمعة أفلتت من عينها، ثم تابعت بصوت يزداد انكسارًا: — لكنني، من فرط هوسي بك، لم أدرك الحقيقة التي كانت أمام عيني طوال الوقت... لم أدرك أنك أنت نفسك لم تكن ترغب بي قط، وأنك لم تقبلني يومًا كما تمنيت. رفع لوكاس عينيه إليها أخيرًا. — أناليس... هزت رأسها، وكأنها ترجوه أن يسمح لها بإكمال ما ظل حبيس صدرها سنوات. راحت أنفاسها تتقطع بين الكلمات. — كنت أؤذيك دون أن أدرك حجم ما أفعله، أو ربما كنت أدرك ذلك وأرفض الاعتراف به. بلغ بي الأمر أن أسقيك الخمر كي تشاركني الفراش، وكنت أتوهم أن اقترابك م
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
كان المطر لا يزال يضرب القصر بلا توقف، كأنه قرر أن يمحو كل ما حدث داخله قبل ساعة، أو يزيده وضوحًا بدلًا من دفنه.دايمون كان يمشي في الممر الطويل، خطواته على الرخام كانت ثقيلة، لكنها محسوبة، لا ضياع فيها، كأنه لا يعرف معنى التردد أصلًا.الماء يتساقط من شعره المبلل على كتفيه وصدره، ينزلق ببطء، لكن جس
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد






