LOGINكانت إليسا جامدة في مكانها، تذرف دموعًا موجعة بلا صوت. أما ريتا، فكانت تكاد تفقد السيطرة على نفسها، بينما حاول فلوريان إجبارها على شرب جرعة من الماء لعلها تهدأ. قالت لينا بقلق: — توقفي... سيُغمى عليكِ من شدة البكاء! شهقت ريتا: — دعوني أنتهي وأموت... قال فلوريان باستنكار: — أجننتِ؟ عودي إلى صوابك.. صرخت ريتا، وقد اختلط غضبها ببكائها: — ابنتي! تفعل هذا! ومع أليساندرو تحديدًا... يا إلهي، سأجن، كيف خانت ثقتي وطعنت ظهري هكذااا. قالت لينا بحزن: — هي ليست المخطئة، بل هو... قاطعتها إليسا بنظرات حادة كالسياط لتصمت. — بل أنا المخطئة الوحيدة.. علاقتنا تمت برضاي التام. رمقها دايمون بنظرة عميقة، ورآها تهيم في بكائها من جديد. قال بجمود: — لماذا قبلتِ على نفسك مثل هذه العلاقة؟ إليسا التي أعرفها ليست هكذا... لا تقبل الذل مطلقًا. أطلقت إليسا شهقة، رافقها بكاء مرير، ولم تجد ما تقوله. ساد الصمت للحظات. وبعد تفكير طويل، هتف دايمون بحزم: — استعدوا جميعًا.. سنذهب إلى المزرعة، نغيّر الأجواء ونبتعد قليلًا عن هذا الضغط. وافقت لينا: — حقًا... فلنذهب. فالجو هنا مشحون ومسموم للغاية. أومأ
سقط الخبر كالصاعقة. شهقت ريتا، واتسعت عينا لينا وفلوريان بذهول، بينما وقف دايمون كتمثال بملامح لا تقرأ، أما أليساندرو، فلم تتحرك فيه عضلة واحدة. ظل محافظًا على بروده الرهيب، كأنه يعيش في عالم آخر منفصل تمامًا عما يدور حوله. خرجت إليسا من الغرفة بخطوات بطيئة، والدموع تغرق عينيها. كانت تشد أصابعها ببعضها بتوتر شديد، وتفركها دون وعي. تمتمت ريتا، وعيناها لا تزالان جاحظتين: — كيف أنتِ حامل يا إليسا؟! خفضت إليسا رأسها نحو الأرض، بينما بقي الجميع يحدقون بها بصمت مطبق. التفت فلوريان ببطء، وأطال النظر نحو أليساندرو، ثم قال دون أن يفكر لثانية واحدة: — هي حامل من أليساندرو... التفت الجميع إليه بصدمة. رفعت إليسا عينيها الممتلئتين بالدموع، تحدق به باستنكار، بينما وقف أليساندرو جامدًا كالصخر، لم يرف له جفن، ولم يُبدِ أي ردة فعل تكشف عما يدور في داخله. تجهم وجه دايمون. — هل ما يقوله صحيح؟ هي حامل منك؟ التزم أليساندرو الصمت كأنه لا يسمع. في تلك اللحظة، تقدمت ريتا نحو إليسا بخطوات لاهثة، وأمسكت بيديها المرتجفتين. — أرجوكِ، أخبريني بما يحدث... هل أنتِ حامل من أليساندرو؟ وماذا عن علاقتِكِ
✨ ألمانيا ✨ أشرق صباح جديد. فتحت إليسا عينيها ببطء شديد بعد نوم عميق وطويل، لكن ما إن استعادت وعيها حتى شعرت بثقل غريب يعتصر معدتها بألم متواصل. انقبضت ملامحها، ومدّت يدها الواهنة تضغط على بطنها، محاولةً تهدئة ذلك الوجع الذي لم تفهم سببه. أزاحت الغطاء عنها ببطء، وحاولت النهوض، إلا أن دوخة خفيفة داهمت رأسها فجأة، فاضطرت إلى التمهل حتى يستعيد بصرها صفاءه. سارت نحو الحمام بخطوات متمايلة، وغسلت وجهها بالماء، ثم بقيت للحظات تحدق في المرآة، تحاول استعادة تركيزها. وضعت المنشفة جانبًا، وخلعت بيجامتها، ثم ارتدت فستانًا طويلًا منسدلًا حول جسدها. مشطت شعرها القصير، ثم انتعلت صندلًا خفيفًا. خرجت من الغرفة، وبدأت تهبط الدرج بخطوات صغيرة، واضعةً يدها على الدرابزين تستند إليه. في تلك اللحظة، دخل أليساندرو من الباب الرئيسي، عاقدًا حاجبيه كعادته. مرّ من أمام لينا وفلوريان، اللذين كانا يجلسان في الصالة، ثم اتجه إلى الدرج صاعدًا إلى الأعلى. كانت إليسا تنزل في الاتجاه المقابل، وعيناها منخفضتان، غارقتان في شرود تام. وفجأة، اجتاحها دوار عنيف أربك خطواتها. توقفت في مكانها، ورفعت يدها إلى رأسها، ب
— هذا الأمر أكبر مني ومنك يا جاد... الرب يعاقبك ويعاقبني معك. أرجوك، دعنا نتوقف، ولا نزيد من عذاب بعضنا البعض... فلم أعد قادرة على الاحتمال. قال جاد بنبرة منكسرة حزينة: — أنتِ لا ذنب لكِ في كل هذا... يمكنكِ بسهولة أن تعثري على رجل آخر، تنجبين معه الأطفال وتعيشين بأمان وراحة. ليس هناك أي مبرر لتبقي في الجحيم برفقتي... هزت ليرا رأسها رفضًا، وانهمرت دموعها بغزارة. — لماذا ترفض أن تفهم أنني لا أستطيع الابتعاد عنك؟! لماذا لا تريد أن تستوعب أنني أحبك، ولا أتخيل نفسي يومًا مع رجل سواك؟! حتى وإن لم يرد الرب لنا الذرية، فهذا لا يعني أبدًا أن نفترق ونبتعد عن بعضنا. مد جاد يده إلى الكأس، وأفرغه في حلقه دفعة واحدة، ثم قال بصوت خافت: — الأطفال هم من يرسخون أواصر العلاقة بين الزوجين... وأنا أشعر في داخلي أنك ستفرين مني يومًا ما. حدق فيها بعينين ثاقبتين، وأضاف: — لست غبيًا لا أعي ما يدور حولي. تتصرفين بخنوع تام... ليرا التي أعرفها ليست هكذا.. أجابته بصوت مخنوق: — أردت فقط أن أنعم بالسكينة بقربك. كل ما أفعله معك لا يرضيك ولا يعجبك، ولم أعد أعرف حقًا ماذا تريد. استوى جاد في جلسته، واقترب من
ابتلعت ليرا ريقها بتوتر، وقد بدأ قلبها يخفق بجنون داخل صدرها، حتى شعرت بنبضاته تتردد في أذنيها. ومع ذلك، تماسكت قدر استطاعتها، ورفعت ذقنها متظاهرة بالثبات والقوة. — ما الذي أيقظك في هذه الساعة؟ نهض جاد من مكانه ببطء، واتجه نحوها بخطوات ثقيلة، وعيناه لا تفارقان وجهها. — إلى أين حملتكِ قدماكِ في هذا الوقت المتأخر؟ وماذا تفعلين من وراء ظهري؟ أبعدت وجهها عنه بانزعاج حين تسللت إلى أنفها رائحة الكحول النفاذة. — أنت لست في وعيك الآن... دعنا نؤجل الحديث إلى غد، ونناقش الأمر بهدوء. مد يده وأمسك بعنقها بقسوة، وقد اشتعلت عيناه بالغضب. — أقسمت ألا أضع يدي عليكِ مجددًا... إلا أنك تختبرين صبري إلى أقصى الحدود. خرج صوته خشنًا ومحمّلًا بغضب مكبوت: — المرأة التي تخرج في منتصف الليل، متسللة من دون علم زوجها، ليست امرأة يُؤتمن عليها عرض ولا بيت. ازدادت قبضته إحكامًا حول عنقها، فاحمر وجهها، وبدأ نفسها يضيق. — ألهذا السبب كنتِ ترفضين إنجاب الأطفال مني؟! لكي تخرجي ليلًا وتلتقي بغيري؟! من هذا الحيوان؟! انطقي.. خدشت يده بأظافرها محاولة إزاحة قبضته، وقد بدأت أنفاسها تتقطع، وكادت تلفظ أ
نظرت إليها ليرا طويلًا: — لقد نُصّب بارونًا على فرنسا... لقد اقتحم عالم السياسة من أوسع أبوابه. أنتِ لم تري كيف أصبح المسؤولون الأعلى شأنًا يحسبون له ألف حساب. سكتت هنيهة، وكأنها تستعيد تفاصيل ما سمعته، قبل أن تتابع: — لقد سمعت أنه سيُكلّف بمهمة سرية بالغة الأهمية... لكنني لم أتبين بعد ما هي، ولا أعرف تفاصيلها. اشتدت نظرة ساسكيا. — يجب عليكِ أن تعرفي تفاصيلها بدقة. فأنتِ وحدكِ الخيط الرابط بيننا وبينه. رفعت ليرا عينيها إليها. — وفي نظركِ أنتِ... ماذا ينوي فعله؟ — لا أعلم... لكنه بات يمتلك نفوذًا طاغيًا. لقد طالت يداه، وازدادت قوته ضراوة. تابعت بصرامة: — حاولي بكل ما أوتيتِ من دهاء أن تعرفي ما يدور في خلده وما ينويه. استدرجيه حتى يبوح لكِ بأسراره، وحتى يثق بكِ ثقة عمياء... يجب أن نسقط إمبراطوريته بأي ثمن كان. أطلقت ليرا تنهيدة عميقة، ثم نهضت. — يجب أن أعود إلى القصر حالًا قبل أن يدرك عدم وجودي... انتظري مني رسولًا قريبًا. أومأت ساسكيا. — حسنًا. استدارت ليرا نحو الباب، وكانت على وشك المغادرة، حين سمعت صوت روزا الخافت يناديها من الخلف. التفتت، وقد ارتسمت ع
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ
حلّ الصباح معلنًا عن يوم جديد، رفرفت عيناي ببطء قبل أن تتسع فجأة.أول شيء رأيته كان وجه دايمون على بعد بوصات مني.كانت ملامحه مسترخية في النوم، واختفت خطوط الغضب القاسية التي أرعبتني الليلة الماضية تمامًا. للحظة بقيت أحدق به فقط… أراقب كيف استقرت رموشه الداكنة فوق خديه، وكيف انفصلت شفتاه قليلًا مع
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد







