LOGINأما لدى ليرا، فقد دخلت إلى مكتبه دون استئذان. وجدته واقفًا أمام مكتبته الكبيرة، يفحص الكتب بعينين غارقتين في التركيز. توقفت عند الباب للحظة، ثم بدأت تتسلل على أطراف أصابعها بخفة بالغة، وفي عينيها تلك اللمعة الطفولية المليئة بالمرح والعبث الجميل. اقتربت منه حتى صارت خلفه تمامًا، ثم وضعت كفيها على عينيه. لكنه كان قد شعر بوجودها منذ اللحظة الأولى، والتقط حضورها الطاغي من عطرها الفواح، ابتسم وتركها تفعل ما تروم إليه بهدوء مستمتعاً بمفاجأتها الصغيرة. وبكل حماس واشتياق، حاولت تثبيت يديها على عينيه، لكن فارق الطول بينهما جعل قدميها ترتفعان عن الأرض قليلًا. شعر بها تتعلق به، فضحك بخفة، ثم رفعها على ظهره برفق، مجاريًا جنونها الطفولي. قال جاد بابتسامة دافئة: — من هذه القطة المشاكسة المعلقة على ظهري؟ أزالت ليرا يديها عن عينيه، ولفتهما حول عنقه، ثم طبعت قبلة حنونة على وجنته. — أنااا... أنزلها جاد إلى الأرض برفق، ثم استدار ليواجهها وهو يضحك. — هل تشعرين بالراحة؟ — كثيرًا... وأنت؟ طبع جاد قبلة دافئة على شفتيها: — وأنا أيضًا... ظل يتأمل ملامح وجهها بإعجاب بالغ، قبل أن يضيف: — ما هذا
أطلق لوكاس تنهيدة عميقة، ثم قال بصراحة: — كلاهما... قالت ليرا بهدوء: — اذهب إليها وتحدث معها مباشرة، لتضع حدًا لهذا العذاب. رفع لوكاس عينيه إليها، وكأن الفكرة وحدها أثارت داخله موجة من القلق. — مستحيل... لا أريد جلب المشاكل لنفسي. علاوة على ذلك، أين سأجدها الآن؟ اقتربت ليرا منه قليلًا، وخفضت صوتها: — سأخبرك بمكانها، بشرط ألا تقول لأحد... التفتت يمينًا ويسارًا بحذر، قبل أن تتابع بصوت خفيض: — ستجدها في مستشفى تابع لدي فالك... اسأل هناك عن إيفي. حدق بها لوكاس بعينين متشككتين. — أتعرفين شيئًا وتتعمدين إخفاءه عني؟ ابتسمت ليرا ابتسامة غامضة. — وما الفائدة إن أخبرتك؟ هذا الأمر يجب أن تكتشفه بنفسك... وفي تلك اللحظة، نزلت أناليس من الأعلى، وما إن وقعت عيناها عليهما جالسين معًا حتى تغيرت ملامحها. أسرعت نحوهما بخطوات مشتعلة بالغضب، وسألت بحدة: — ماذا تفعلان معًا؟! رفعت ليرا عينيها إليها بازدراء: — كنا نتحدث عنكِ للتو، ولوكاس كان يخبرني برغبته في الزواج منكِ في أقرب وقت... لكنني نصحته ألا يتسرع. توقفت أناليس أمامها، وكلماتها أشعلت النار في صدرها. — ومن أنتِ أ
رمقتها ليرا بحدة، وقد انعقد حاجباها باستنكار واضح: — عمَّ تتحدثين؟ وأيُّ قبلة هذه؟ أجابتها كاترينا ببرود مستفز، وهي ترفع ذقنها قليلًا: — كلامي واضح وجلي، إلا إن كنتِ لا تريدين الفهم! أطالت ليرا النظر إليها طويلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة: — يبدو أنكما قضيتما شهرًا جميلًا وممتعًا. بادلتها كاترينا الابتسامة الساخرة نفسها، وكأنها فهمت تمامًا ما ترمي إليه: — ممتعًا أكثر مما تتصورين... اقتربت منها ليرا أكثر، حتى كادت المسافة بينهما تنعدم، وثبتت عيناها في عينيها بنظرة هادئة تخفي خلفها غضبًا متراكمًا. — لقد جئتِ في وقت كنتُ فيه في أسوأ حالاتي، ولم أقم بواجبي تجاهكِ كما ينبغي... قصّرتُ في حقكِ كثيرًا، وأنتِ ابنة عمتي، وحقكِ واجبٌ عليَّ. لم تتأثر كاترينا بكلماتها، بل أجابتها بنبرة تحمل شيئًا من التحدي: — لا داعي لكل هذا التبرير... لقد قام ابن عمي بالواجب وزيادة. أومأت ليرا ببطء، وكأنها كانت تتوقع منها هذه الإجابة. — بالطبع... لفّت شعرها إلى جانب واحد بإيماءة متعجرفة، ثم تابعت بصوت هادئ: — في إحدى المرات سافرنا إلى فرنسا، فأعجبته أخت رجل يقود حركة معارضة
مرّ الليل بثقله الموحش، وأشرق فجر يوم جديد، كان أليساندرو نائمًا بعمق، قبل أن يستيقظ فجأة، شاعراً بثقل يضغط على صدره، فتح عينيه ببطء، وعقد حاجبيه بعبوسه المعتاد، ليجدها نائمة فوق صدره.. عارية تماماً. وقع نظره الفاحص على ظهرها العاري، حيث التفّت ذراعاه حول خصرها بطريقة عفوية أثارت دهشته؛ لم يرفع يديه عنها، بدأت عيناه الحادتان تحدقان في كتفيها الصغيرتين، اللتين تحملان كدمات زرقاء داكنة، تشهد بوضوح على وحشيته التي لا ترحم. أما إليسا، ففتحت عينيها وهي تئن، تشعر بأن جسدها كله متكسر، وكأن قطاراً مرّ فوقه، جراء ما عانته طوال ليلة أمس من قسوة، وعنف، وشتائم، حطمت ما تبقى من روحها. أدارت بصرها الغائم حول المكان ببطء شديد، لتستوعب أخيرًا أين هي، ومع من، وعندما أدركت أنها نائمة فوق جسده مباشرة، وشعرت بيديه القويتين تلتفان حول خصرها، شهقت بفزع، ونهضت من فوقه بسرعة، لتتفاجأ به مفتوح العينين يرمقها بنظرات نارية. اتجهت عينا أليساندرو مباشرة، نحو صدرها الأبيض المنتفخ، وقد ملأته آثار العض، وكذلك بطنها، الذي حمل هو الآخر بصماته العدوانية. وحين لاحظت إليسا نظراته الموجهة بجرأة إلى تفاصيلها المك
في الخارج، كانت لينا قد بدأت تفقد الأمل، همست بصوت أنهكه اليأس: — لن يفتح أبدًا... ابتسم فلوريان باستهزاء: — الجبان!! لقد عرف أننا كشفناه، وخاف أن يواجهنا.. لكن في اللحظة نفسها، وكأن الجدران نفسها انتفضت، انفتح الباب بعنف مفاجئ. تجمد فلوريان في مكانه، وبقيت يده ممدودة في الهواء وكأنما توقف الزمن، خرج أليساندرو من الداخل، يعلو وجهه تجهم وعبوس شديد، وعيناه محمرتان كالدم، وصدره العاري يعلو ويهبط بعنف، بينما كانت ملامحه الحادة وحدها كافية لتمحو كل ذرة شجاعة ادعوها قبل لحظات معدودة. أطل فلوريان برأسه بحذر شديد، محاولًا البحث عن إليسا بعينيه. لكن أليساندرو لم يمنحه حتى الفرصة. من دون أن ينطق حرفًا واحدًا، مد يديه بقوة، وأمسك فلوريان من عنقه، ثم رفعه كالمذنب وعلقه على الحائط. تجمد فلوريان، وتلاشت الكلمات من فمه، شحب وجهه حتى صار أبيض كالصفحة، وعجزت حباله الصوتية عن النطق. وفي تلك اللحظة الحرجة، استغلت لينا انشغاله التام بفلوريان، وتسللت بخطوات خاطفة إلى الداخل، راحت تبحث بعينيها المذعورتين في أرجاء الغرفة. نظرت حولها مرة بلهفة. ثم مرة أخرى بيأس مطبق. لكن الغرفة كانت
اتسعت عينا لينا حتى كادت تخرجان من محجريهما، وكأنها لم تتوقع أن يجرؤ على مقترحٍ مجنونٍ كهذا: — كيف ذلك؟! ردّ بصلابة وقوة مصطنعة: — لنذهب ونهجم عليه ونخلّصها من قبضته. — لكن الباب سيكون مغلقًا بالتأكيد.. أجابها بثقة عمياء، دون حساب لعواقبها: — سنطرق عليه بقوة حتى يفتح. ترددت قليلًا، تلعب أصابعها ببعضها بتوتر بالغ: — وماذا سنقول له حين يفتح الباب؟! أجاب فلوريان بلا تردد، فالخطة مرسومة في عقله بوضوح تام: — سنقول له إننا كنا مستيقظين حين جذبتها من بيننا؛ فإما أن تعيدها إلينا وتخلي سبيلها، وإلا سنخبر دايمون بكل ما تفعله وراء ظهره... — ألن يطالنا غضبه نحن أيضًا؟ طمأنها فلوريان بنبرة هادئة: — لا تخافي، لن يستطيع أن يؤذينا. ساعدها على النهوض، ثم همست له بعيون واسعة كالبومة: — لنضع شيئًا نخفي به وجوهنا... — أيتها المخبولة.. نحن لسنا ذاهبين لسرقة بنك، نحن ذاهبان لنتحدث معه وجها لوجه لكي يطلق سراحها.. تبعته لينا بخطوات تتخبط كالبطريق، وهي تتمتم: — يجب أن نكشّر في وجهه لكي يخاف منا... رمقها فلوريان بنظرة جانبية مشبعة بالإحباط، لكنه لم يملك ترف الوقت لمجادلتها
كان المطر يهطل بلا توقف.ثقيلًا، صامتًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه بعد العاصفة التي انفجرت داخله قبل ساعة.انعكس ضوء المصابيح الشاحبة على مياه المسبح في الحديقة الخلفية، محولًا سطحه إلى مرآة سوداء ترتجف مع كل قطرة تسقط عليه.أصوات المطر كانت تتكسر على الأسطح الرخامية، تمتزج مع صفير الريح بين الأشج
تجمّد الخوف داخل صدري وأنا أسمع صوته يهبط فوقي كقيدٍ بارد.كان ذلك النوع من الخوف الذي لا يصرخ… بل ينسحب ببطء داخل الأضلاع، يضغط على القلب كيد خفية تعرف تمامًا أين تلمس كي تؤلم أكثر.خارج النوافذ العالية، كانت قطرات المطر تضرب الزجاج بإيقاع هادئ ومخيف، بينما انعكس ضوء الثريا الذهبية فوق الجدران الد
"من الآن فصاعدًا… أنتِ داخل عالمي يا لينا."تجمد الدم في عروقي.كيف عرف اسمي؟رفعت عيني نحوه بصدمة حقيقية، لكن دايمون وولف لم يبدُ مهتمًا بشرح شيء. كان مسترخيًا داخل السيارة السوداء الطويلة، وكأن اختطاف امرأة أمر روتيني في حياته، بينما انعكست أضواء القصر الهائل على ملامحه الحادة لتجعله يبدو أكثر ظل
خرجتُ من الحفلة وأنا أشعر أن رأسي سينفجر من الضحكات العالية والعطور الثقيلة والوجوه المزيفة.الكعب العالي كان يتدلّى من أصابعي، وقدماي تحترقان من الألم فوق الرصيف البارد، بينما التصق الفستان الأسود بجسدي كطبقة ثانية من الجلد بعد ساعات طويلة وسط الزحام.المدينة ليلًا، كانت أكثر قسوة...وأكثر وحدة..أ







