แชร์

الفصل الثالث: صرخة في وجه الحقيقة

ผู้เขียน: H.E.D
last update วันที่เผยแพร่: 2026-06-05 08:58:01

كانت الرسالة قصيرة، لكنها استطاعت أن تسحب الهواء من صدري دفعة واحدة.

"ارجعي على البيت فورًا. نادية بالمستشفى، وبتقول إنك السبب."

بقيت أنظر إلى الشاشة كأنني أنتظر أن تتغير الكلمات من تلقاء نفسها. كأن الهاتف قد يعتذر لي بعد لحظة ويخبرني أن الرسالة وصلت بالخطأ. لكن اسم أبي ظل فوقها واضحًا، والكلمات ظلت كما هي، باردة وقاسية ومباشرة.

نادية بالمستشفى.

وتقول إنني السبب.

لم أعرف هل أضحك أم أبكي.

أي مستشفى؟

أي سبب؟

وأي ذنب جديد قررت أن تضعه على كتفي؟

شعرت بيدي ترتجف حتى كدت أسقط الهاتف. مريم أمسكت معصمي بسرعة.

"جود؟ شو في؟"

لم أجب. فقط ناولتها الهاتف.

قرأت الرسالة، وتغير وجهها. رفعت عينيها إليّ، وفيهما شيء بين الغضب والخوف.

"لا تروحي لحالك."

الدكتور إياد، الذي كان يقف أمامنا، لم يتدخل فورًا. كان واضحًا أنه قرأ شيئًا من ملامحنا، لا من الشاشة. نظر إليّ بهدوء، ثم قال:

"جود، هل أنتِ بخطر إذا رجعتِ البيت؟"

السؤال كان مباشرًا لدرجة أخافتني.

لم يسألني: ماذا فعلتِ؟

لم يسألني: لماذا والدك غاضب؟

لم يسألني: هل أنتِ متأكدة؟

سألني إن كنت بخطر.

وهذه أول مرة يضع فيها أحدهم خوفي في جملة واضحة.

فتحت فمي لأجيب، لكن الصوت لم يخرج. شعرت أنني إن قلت نعم، فسأجعل الأمر حقيقيًا أكثر مما أحتمل. وإن قلت لا، فسأكذب على نفسي قبل أن أكذب عليه.

مريم أجابت بدلًا مني:

"آه. شكلها بخطر."

نظرت إليها بسرعة.

"مريم…"

قالت بحزم:

"لا، خلص. سكتي كثير."

شعرت بشيء ينهار داخلي، ليس انهيار ضعف، بل انهيار ذلك الجدار الذي بنيته سنوات كي لا يرى أحد ما يحدث في بيتنا. كنت أظن أن الصمت حماية. أنني إن أخفيت الألم، سيبقى صغيرًا. لكن الألم لم يبقَ صغيرًا. كبر، وكبرت معه أكاذيب نادية، حتى وصلت إلى المستشفى.

رن الهاتف مرة أخرى.

أبي.

نظرت إلى الاسم، وشعرت أن قلبي يصعد إلى حلقي. مدّت مريم يدها نحو الهاتف.

"شغلي التسجيل."

تجمدت.

"ما بقدر."

"بتقدري."

قالتها كأنها تقرضني شجاعتها.

كأنها تقول لي: لا تحتاجين أن تكوني قوية وحدك.

رن الهاتف للمرة الثالثة. ضغطت زر التسجيل بصمت، ثم أجبت.

"ألو؟"

جاء صوت أبي غاضبًا، سريعًا، لا يحمل أي مساحة لسؤالي.

"وينك؟"

"بالجامعة."

"قلتلك ارجعي فورًا."

بلعت ريقي.

"ليش نادية بالمستشفى؟ شو صار؟"

صرخ:

"إنتِ بتسألي شو صار؟ مش إنتِ مبارح هجمتِ عليها؟ البنت طول الليل موجوعة، والصبح وقعت من التعب، والدكتور بحكي عندها رضوض."

أغمضت عيني.

البنت.

قال عنها البنت، وهي المرأة التي سرقت طفولتي. وأنا ابنته التي ما زال أثر يده على وجهها، لم يقل عني شيئًا.

قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا:

"أنا ما هجمت عليها. هي اللي هجمت عليّ. وإنت شفت وجهي."

ساد صمت قصير.

قصير جدًا، لكنه كشف أن الجملة وصلت.

ثم قال بحدة:

"لا تعملي حالك ضحية. تعالي على المستشفى."

"ما رح أروح لحالي."

"شو يعني ما رح تروحي لحالك؟"

نظرت إلى مريم. كانت تراقبني بعينين متوترتين، لكنها هزت رأسها كأنها تقول: أكملي.

قلت:

"يعني إذا بدك أحضر، بحضر مع مريم، أو مع حدا من الجامعة. أنا خايفة."

ضحك أبي، لكن ضحكته لم تكن ضحكًا. كانت غضبًا مخنوقًا.

"خايفة؟ منا؟"

كدت أقول: نعم، منك أيضًا.

لكنني لم أستطع.

قلت فقط:

"من اللي صار."

ارتفع صوته:

"جود، لا تفضحينا قدام الناس. هاي مشاكل بيت، وبتنحل بالبيت."

كانت الجملة القديمة نفسها، لكنني سمعتها هذه المرة بوعي مختلف. مشاكل البيت. سمعة البيت. لا تحكي. لا تشتكي. لا تفتحي الباب. لا تتركي أحدًا يعرف.

قلت، وأنا لا أصدق أنني أقولها له:

"لما البيت ما يحميني، بطل الموضوع بس جواته."

صمت.

شعرت أن العالم كله صمت معي.

ثم جاء صوته منخفضًا، أخطر من الصراخ:

"تعالي، وبنحكي."

كنت أعرف هذه النبرة.

هي النبرة التي تسبق العقاب، لا الحوار.

قلت:

"وين المستشفى؟"

قال اسم المستشفى بسرعة، ثم أضاف:

"ولا تجيبي حدا معك."

أغلقت الخط قبل أن أعده بشيء.

لم أتنفس إلا عندما انتهت المكالمة. شعرت أن ركبتيّ لا تحملانني. مريم أخذت الهاتف من يدي، حفظت التسجيل، ثم أرسلته إلى هاتفها دون أن تسألني.

"احتياط."

لم أعترض.

الدكتور إياد قال بهدوء:

"جود، أنتِ لستِ مضطرة للذهاب الآن إذا كنتِ تشعرين أن الأمر غير آمن."

هززت رأسي بسرعة.

"لو ما رحت، رح يقولوا إني هربت."

"ولو رحتِ وحدك، قد يصبح الوضع أسوأ."

كانت الجملة واقعية جدًا، لا عاطفية. وهذا ما أخافني. لأنني كنت أعرف أنه محق.

مريم قالت:

"أنا بروح معها."

نظرت إليها.

"لا، ما بدي أدخلك."

"إنتِ ما دخلتيني. أنا دخلت لحالي."

قال الدكتور إياد بعد لحظة تفكير:

"سأتواصل مع شؤون الطلبة. لا أستطيع التدخل كطرف عائلي، لكن يمكن للجامعة أن توفر لكِ شاهدة أو مرشدة ترافقك إذا احتجتِ. على الأقل، لا تذهبي دون أن يعرف أحد أين أنتِ."

لم أعرف ماذا أقول. لم أكن معتادة على أن يتصرف الكبار بهذه الطريقة. الكبار في حياتي كانوا يطلبون مني أن أسكت، لا أن أحمي نفسي.

بعد دقائق، كنا في مكتب صغير داخل مبنى الهندسة. مريم بجانبي، والدكتور إياد أمامنا، وامرأة في أواخر الثلاثينات دخلت بهدوء. عرّفها الدكتور:

"هذه الآنسة هالة من شؤون الطلبة."

كانت ملامحها هادئة، لا تحمل فضولًا جارحًا. جلست أمامي وقالت:

"جود، لن أسألك تفاصيل لا تريدين قولها. أريد فقط أن أعرف: هل لديكِ أثر واضح من اعتداء؟ وهل تشعرين أنكِ ستتعرضين للأذى إذا عدتِ؟"

لم أجب بالكلام.

رفعت طرف حجابي قليلًا عن خدي.

تغير وجهها، لكنها لم تبالغ. وهذا جعلني أرتاح قليلًا. لم تصرخ، لم تشفق بصوت عالٍ، لم تقل "يا حرام". فقط أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

"هل والدك يعلم أن هذا الأثر موجود؟"

قلت:

"هو سببه."

خرجت الجملة مني قبل أن أفكر.

مريم أغمضت عينيها.

الدكتور إياد أنزل نظره إلى الطاولة.

والآنسة هالة بقيت تنظر إليّ بثبات.

"هل تريدين أن نساعدك بإجراء رسمي؟"

رأسي امتلأ فجأة بوجوه كثيرة: أبي غاضب، إخوتي يلومونني، نادية تبكي أمام الجميع، أقاربنا يتحدثون، الناس يسألون، الجامعة تعرف، البيت يشتعل.

قلت بسرعة:

"لا… مش هلأ. بس بدي أروح المستشفى وما أكون لحالي."

هزت رأسها.

"حسنًا. سأذهب معكما بصفتي موظفة في شؤون الطلبة، فقط للتأكد أنكِ آمنة. لن أتحدث بدلًا منكِ إلا إذا طلبتِ."

شعرت بدموعي تقترب مرة أخرى، لكنني حبستها. لم أكن أريد أن أبكي كلما عاملني أحد بإنسانية. هذا كان مؤلمًا بحد ذاته، أن تصبح اللطافة شيئًا غريبًا يكسرني.

خرجنا من الجامعة بعد ربع ساعة. مريم بقيت تمسك يدي طوال الطريق. في السيارة، كنت أنظر من النافذة ولا أرى شيئًا بوضوح. الشوارع تتحرك، الناس يذهبون لأعمالهم، امرأة تحمل الخبز، رجل يفتح باب متجره، طالب يركض نحو جامعته. كل شيء عادي. كل شيء مستمر.

وأنا كنت ذاهبة إلى مستشفى لأدافع عن نفسي من جريمة لم أفعلها.

وصلنا.

كان المستشفى مزدحمًا برائحة المعقمات والأصوات المتداخلة. خطوات سريعة، أطفال يبكون، ممرضون يعبرون الممرات، وأشخاص ينتظرون أخبارًا لا يعرفون هل ستكون مطمئنة أم موجعة.

رأيت أبي قبل أن يراني.

كان واقفًا قرب باب إحدى الغرف، يده على جبينه، كتفاه متوتران. بجانبه أحمد وسامر. أما نادية، فلم أرها بعد.

عندما اقتربنا، رفع أبي رأسه. تجمدت عيناه عليّ، ثم انتقل نظره إلى مريم، ثم إلى الآنسة هالة.

تغير وجهه فورًا.

"مين هدول؟"

قلت بهدوء لم أشعر به:

"مريم صاحبتي، والآنسة هالة من الجامعة."

اقترب مني خطوة.

"أنا قلتلك لا تجيبي حدا."

تدخلت الآنسة هالة بصوت رسمي وهادئ:

"الأستاذ محمود، جود طالبة لدينا، وكانت بحالة توتر واضحة في الجامعة. نحن هنا فقط للتأكد أنها بخير، ولن نتدخل في شأنكم العائلي إلا إذا طلبت هي ذلك."

لم يعجبه كلامها. رأيت الغضب في فكه المشدود. لكنه لم يستطع أن يصرخ كما كان سيفعل لو كنا في البيت. المكان العام يروض بعض الرجال. يجعلهم يخفون ما لا يريدون أن يراه الناس.

أحمد نظر إليّ، ثم إلى خدي. لاحظت أنه أطال النظر هذه المرة.

سامر قال:

"جود، ليش جايبة ناس؟"

قلت:

"لأني ما بدي أكون لحالي."

فتح فمه ليرد، لكن باب الغرفة فُتح.

خرجت نادية.

كانت ترتدي عباءة سوداء، ووشاحًا أبيض حول رقبتها، وتمسك يدها على كتفها كأنها بالكاد تستطيع الحركة. على وجهها شحوب متقن، وفي عينيها دموع جاهزة. ما إن رأتني حتى تراجعت خطوة إلى الخلف.

"محمود… شو جابها هون؟"

كأنها هي التي تخاف مني.

كأنني أنا الوحش.

قال أبي:

"هي أجت عشان نحكي."

نظرت نادية إلى مريم والآنسة هالة، ثم وضعت يدها على صدرها.

"وجايبة شهود كمان؟"

قلت قبل أن يمنعني الخوف:

"وأنتِ ليش خايفة من الشهود؟"

اتسعت عيناها.

أبي قال بحدة:

"جود."

لكنني لم أتراجع هذه المرة.

"أنا جيت أسمع شو بتقولي إني عملت."

ابتلعت نادية ريقها، ثم رفعت صوتها بما يكفي ليسمع أحمد وسامر.

"مبارح لما هجمتي عليّ، دفعتيني على طرف السرير. طول الليل وأنا ساكتة عشان ما أكبر الموضوع، بس الصبح وقعت من الوجع."

نظرت إليها طويلاً.

كانت تكذب بثقة مرعبة.

قلت:

"وأنا شو صار بوجهي؟"

نظرت إلى خدي، ثم أشاحت بعينيها.

"يمكن خبطتي حالك وإنتِ بتصرخي."

للحظة، شعرت أن الدم يغلي في رأسي.

خبطت حالي؟

هل يمكن للإنسان أن يصفع نفسه بيد أبيه؟

هل يمكن للطفلة أن تؤذي نفسها سنوات كاملة كي تظلم امرأة بريئة؟

اقتربت خطوة، لكن مريم أمسكت يدي بخفة، لا لتمنعني، بل لتذكرني أنني لست وحدي.

قلت بصوت منخفض لكنه واضح:

"أنتِ ضربتيني. وبعدين كذبتي. وبعدين سرقتي تلفوني. واليوم كملتي الكذبة بالمستشفى."

وضعت نادية يدها على فمها، كأن كلماتي جرحتها.

"سامعين؟ سامعين كيف بتحكي عني؟"

أبي تقدم نحوي.

"يكفي."

الآنسة هالة قالت بهدوء:

"الأستاذ محمود، بما أن هناك اتهامًا متبادلًا وآثارًا واضحة على وجه جود، الأفضل أن يتم التعامل بهدوء."

التفت إليها أبي بعصبية:

"لو سمحتي، هاي بنتي وأنا بعرف أتعامل معها."

قالت:

"أكيد. وأنا هنا لأنها طالبة بالجامعة وطلبت ألا تأتي وحدها."

كان الكلام مؤدبًا، لكنه وضع حدًا واضحًا. شعرت أن وجودها غيّر ميزان المكان. نادية لم تعد تستطيع الصراخ بحرية، وأبي لم يعد يستطيع إسكاتي بسهولة.

خرج طبيب من الغرفة وهو يراجع ورقة في يده.

"مين مرافق السيدة نادية؟"

أبي التفت إليه.

"أنا زوجها."

قال الطبيب:

"الفحوصات الأولية لا تظهر كسرًا، فقط كدمات سطحية وشد عضلي. تحتاج راحة ومسكنات."

نادية قالت بسرعة:

"بس الألم شديد دكتور. أنا انضربت."

الطبيب نظر إليها ثم إلى الورقة.

"الكدمات سطحية، ولا أستطيع تحديد سببها بدقة. إذا كان هناك اعتداء، الأمر يحتاج تقريرًا رسميًا وفحصًا مختصًا."

شعرت أن نادية انزعجت من حياده.

أبي قال:

"لا لا، ما بدنا تقارير. مشكلة بيت."

نظرت إليه بسرعة.

مشكلة بيت مرة أخرى.

الآنسة هالة نظرت إليّ. كانت تنتظر رغبتي. لم تضغط عليّ، ولم تدفعني إلى خطوة أخاف منها.

لكنني لم أكن جاهزة. كنت ما زلت في السنة الثانية، ما زلت أعتمد على البيت، ما زلت أخاف أن أعود فلا أجد مكانًا أنام فيه. الشجاعة في الروايات سهلة. أما في الحقيقة، فهي تحتاج سقفًا آمنًا ومالًا وخطة.

قلت بصوت متعب:

"أنا بس بدي أثبت إني ما عملت إشي."

ضحكت نادية بمرارة مصطنعة.

"وكيف بدك تثبتي؟"

كنت سأصمت، لولا أن صوت رامي الصغير عاد إلى ذاكرتي:

"أنا سمعتك مبارح بتحكي إنك نايمة… وسمعتها بتحكي بصوت واطي: لسه ما شفتي إشي."

رامي.

الشاهد الصغير.

لكنني لم أستطع أن أذكره أمامها. ليس هنا. ليس وهو في البيت معها. إن عرفت أنه سمعها، ستخيفه، وربما تؤذيه بالكلام كما فعلت معي. لا، لن أضعه في النار.

قلت:

"الله شاهد."

ابتسمت نادية، كأنها انتصرت.

"آه، لما ما يكون عندك دليل، بتحكي الله شاهد."

شعرت أن الكلمة صدمتني في قلبي.

حتى الله، أرادت أن تجعله حجة ضعف.

لكنني رفعت رأسي.

"لا. لما ما يكون عندي دليل قدامكم، بقول الله شاهد لأنه شاف اللي صار. والدليل بييجي بوقته."

لم أعرف من أين جاءت هذه الجملة. ربما من الفجر. من السجادة. من الجملة التي كتبتها: اللهم إنك تعلم.

أحمد كان صامتًا طوال الوقت. فجأة قال:

"استنوا."

التفت الجميع إليه.

كان ينظر إلى أبي، لا إلى نادية.

"بابا… إمبارح لما دخلنا الغرفة، جود كانت واقفة عند السرير، وشعرها كان مبعثر. ونادية كانت عند الباب تقريبًا."

تغير وجه نادية.

"شو قصدك؟"

قال أحمد، وكأنه يفكر بصوت عالٍ:

"مش عارف. بس إذا جود هي اللي هجمت، ليش شكلها كان هيك؟ وليش أثر الضرب على وجهها أوضح من أي إشي عليكِ؟"

ساد صمت ثقيل.

لأول مرة، أحد من إخوتي لم يصدق الرواية كاملة.

لم يدافع عني تمامًا، لكنه فتح شقًا في الجدار.

نادية نظرت إليه بصدمة، ثم إلى أبي.

"ابنك كمان صار يشك فيّ؟"

أبي قال بسرعة:

"أحمد ما حكى هيك."

لكن أحمد لم يتراجع.

"أنا بس بسأل."

كلمة بسيطة.

لكنها كانت بداية.

نادية بدأت تبكي.

هذه المرة بكت بصوت أعلى، بطريقة جعلت بعض الناس في الممر يلتفتون. وضعت يدها على كتفها وقالت:

"خلص محمود. أنا تعبت. أنا ما بدي أرجع على بيت فيه بنت بتتهمني وبتخلي ولادك يشكوا فيّ."

كان الضغط واضحًا.

إما أن يقفوا معها، أو يصبحوا ظالمين لها.

أبي وضع يده على كتفها محاولًا تهدئتها. كنت أنظر إلى يده على كتفها، وأتذكر يده على وجهي. يد واحدة، لكنها تعرف كيف تكون حنانًا هناك، وعقابًا هنا.

قال أبي وهو ينظر إليّ:

"جود، روحي على الجامعة هلأ. ولما ترجعي بنحكي."

مريم شدّت على يدي.

همست:

"لا ترجعي اليوم لحالك."

سمعتها، وأحسست أن أبي سمعها أيضًا. نظر إلينا بحدة.

"شو يعني؟ بدها تنام برا البيت؟"

لم أجب.

كان السؤال مرعبًا.

النوم خارج البيت ليس أمرًا بسيطًا. في عائلتنا، الفتاة لا تغادر بيت أبيها غاضبة. لا تبيت عند صديقتها. لا ترفع صوتها. لا تقول إنها تخاف. كل ذلك يتحول فورًا إلى عيب عليها، لا على من دفعها إليه.

لكنني كنت متعبة.

متعبة جدًا.

قلت:

"أنا عندي محاضرات. وبعدها بشوف."

نادية رفعت رأسها بين دموعها.

"شايف؟ شايف كيف صارت ترد؟"

أبي صمت.

لأول مرة، لم يرد عليها مباشرة.

لم يكن ذلك انتصارًا، لكنه كان شيئًا.

غادرنا المستشفى بعد دقائق. لم ألتفت خلفي، لكنني شعرت بنظرات نادية تلاحق ظهري مثل سكاكين صغيرة.

في الخارج، وقفت تحت شمس الصباح. كانت الشمس قوية أكثر مما توقعت، والهواء بارد رغم الضوء. شعرت أنني خرجت من مكان مغلق إلى مكان لا يزال ضيقًا، لكنه أقل اختناقًا.

مريم قالت:

"جود، لازم نخطط."

نظرت إليها.

"لشو؟"

"لكل شي. ما بقى ينفع تعيشي يوم بيوم. بدك أدلة. بدك مكان آمن لو صار شي. بدك تحكي مع حدا من عيلتك تثقي فيه. وبدك ما تكوني معها لحالك أبدًا."

الآنسة هالة أضافت:

"وأهم شيء، اكتبي كل حادثة بتاريخها. احتفظي بأي رسائل أو تسجيلات. لا تستفزيها، ولا تواجهيها وحدك. الحماية لا تعني الصراخ، تعني التنظيم."

التنظيم.

الكلمة بدت غريبة وسط الفوضى. لكنها أعجبتني. ربما لأنني طالبة هندسة. أفهم الخطط. أفهم أن البناء يحتاج أساسات، وأن أي جدار بلا دعم ينهار. حياتي كانت بلا دعم لسنوات. ربما حان الوقت أن أبني دعمًا لنفسي، ولو ببطء.

عدنا إلى الجامعة.

دخلت محاضرة الرسم الهندسي متأخرة عشر دقائق. الدكتور إياد لم يعلّق. فقط أشار لي أن أجلس. جلست في آخر القاعة، وفتحت دفتري. كانت الخطوط أمامي تتداخل، لكنني حاولت أن أركز.

المحاضرة كانت عن الإسقاطات.

قال الدكتور وهو يرسم على اللوح:

"أحيانًا الشكل الواحد يبدو مختلفًا حسب زاوية النظر. لذلك لا نحكم من منظور واحد."

رفعت عيني نحو اللوح.

الجملة اخترقتني.

نعم.

حياتي كلها كانت محكومة من منظور نادية.

هي تحكي، وهم يصدقون.

هي تبكي، وهم يهاجمونني.

هي تدّعي الألم، وأنا أُدان.

لكن ماذا لو تغيرت زاوية النظر؟

ماذا لو صار هناك شاهد؟

ماذا لو صار هناك تسجيل؟

ماذا لو لم أعد أقبل أن تُرسم صورتي بيدها؟

بعد المحاضرة، خرجت مع مريم إلى ساحة الكلية. جلست على المقعد الحجري، وأخرجت دفتري. كتبت في صفحة جديدة:

ملف الحقيقة

ثم كتبت تحتها:

ليلة الضوء.

سرقة الهاتف.

ادعاء المستشفى.

رامي سمع جملة "لسه ما شفتي إشي".

أحمد بدأ يشك.

توقفت عند اسم رامي، ثم وضعت حوله دائرة صغيرة، وكتبت بجانبها:

لا أعرّضه للخطر.

مريم نظرت إلى الصفحة وقالت:

"هيك أحسن."

لأول مرة منذ الأمس، شعرت أنني لا أغرق فقط. كنت أمسك شيئًا. خيطًا صغيرًا، لكنه حقيقي.

رن هاتفي برسالة جديدة.

ظننتها من أبي، فتجمدت يدي. لكن الاسم كان غير محفوظ.

رقم غريب.

فتحت الرسالة.

كانت جملة واحدة:

"إذا بدك تعرفي ليش نادية بتكرهك، دوري على صورة أمك القديمة."

شعرت أن قلبي توقف.

مريم اقتربت من الشاشة.

"مين بعت هاي؟"

لم أجب.

كانت أصابعي باردة، وعيناي معلقتين بالجملة.

صورة أمي القديمة؟

ما علاقة أمي بنادية؟

ولماذا يرسل لي شخص مجهول رسالة كهذه الآن؟

وقبل أن أستطيع التفكير، وصلت رسالة ثانية من الرقم نفسه:

"أبوك مخبي عنك الحقيقة من زمان."

อ่านหนังสือเล่มนี้ต่อได้ฟรี
สแกนรหัสเพื่อดาวน์โหลดแอป

บทล่าสุด

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل العاشر: عيونها التي لا تنام

    بقيتُ أحدّق في رسالة سلوى، وكأن الكلمات لم تكن مكتوبة على شاشة هاتفي، بل محفورة على صدري."جود؟ يا الله… أخيرًا وجدتكِ. لا تثقي بسليم. ولا تبقي في البيت الليلة."لا تبقي في البيت الليلة.قرأتها مرة ثانية.ثم ثالثة.ثم شعرت بأن الغرفة التي كنت أعدّها ملجئي الوحيد بدأت تضيق حولي.لم تكن سلوى تعرفني. لم تسمع صوتي. لم ترَ وجهي إلا ربما في صورة قديمة وأنا طفلة. ومع ذلك، كانت أول جملة منها ليست عتابًا ولا سؤالًا ولا بكاءً، بل تحذيرًا.تحذير مباشر.لا تثقي بسليم.لا تبقي في البيت الليلة.رفعت رأسي نحو الباب. في الخارج كان أبي يقف في الممر، وقد لحق بي بعد أن أنهى مكالمته. كان وجهه شاحبًا، وعيناه لا تشبهان عيني رجل يريد أن يشرح، بل عيني رجل يعرف أن ما أخفاه بدأ يخرج من بين يديه.قلت له وأنا أرفع الهاتف:"خالتي سلوى ردت علي."تغير وجهه فورًا."شو قالت؟"مددت الهاتف نحوه، لكنه لم يأخذه. قرأ من بعيد، وكأن الاقتراب من الرسالة سيجعله مسؤولًا عنها أكثر.رأيته يبلع ريقه بصعوبة."جود…"قلت بسرعة:"لا. قبل ما تحكي أي شيء، بدي جواب. ليش قالت لي ما أبقى في البيت الليلة؟"لم يجب."وليش كنت تحكي مع سليم؟ و

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل التاسع: حين صار البيت غريبًا

    لم يكن الصوت الخارج من هاتف نادية مجرد صوت رجل.كان مثل باب قديم انفتح فجأة في وجهنا، وخرج منه هواء بارد يحمل رائحة كل الأسرار التي ظنوا أنها ماتت.قال سليم من الطرف الآخر:"نادية، إذا جود شافت الورقة الناقصة، كلنا بننفضح."كلنا.لم يقل: أنتِ.لم يقل: أنا.قال: كلنا.نظرت إلى أبي، فرأيت وجهه وقد فقد لونه. كان جالسًا على طرف السرير، والدفتر الرمادي في يده، كأنه يمسك شيئًا لم يعد قادرًا على إنكاره. أحمد بقي واقفًا قرب التسريحة، والهاتف في يده، وعيناه مثبتتان على نادية. أما سامر، فكان عند الباب، يضغط على الصورة القديمة بين أصابعه، كأنه يخاف أن تسقط منه الحقيقة لو تركها.نادية تجمدت للحظة، ثم اندفعت نحو الهاتف."سكره!"أحمد أبعد يده عنها.قال سليم من الهاتف:"نادية؟ ردي علي. شو صار؟"لم يتكلم أحد.ربما شعر بالصمت الغريب. ربما فهم أن صوته لم يصل إلى أذن واحدة فقط.قال بحذر:"مين معك؟"أحمد نظر إلى أبي.أبي لم يقل شيئًا.نادية صرخت:"سكر التلفون يا أحمد!"لكن أحمد لم يفعل. بدلًا من ذلك، قال بصوت بارد:"مين الورقة الناقصة؟"ساد صمت من الطرف الآخر.ثم جاء صوت سليم مختلفًا، أكثر حدة:"مين هذا؟

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل الثامن: قالت لي: أنا لست أمك

    تجمّدت نادية في مكانها عندما سمعت صوت أحمد خلف الباب."افتحي يا نادية."لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان مختلفًا. فيه حدّة لم أسمعها منه من قبل. لم يكن يسأل. لم يكن يستأذن. كان يأمر.كانت يد نادية ما زالت على هاتفي، وأصابعي متشبثة به كأنني أتشبث بآخر خيط يربطني بالعالم خارج هذه الغرفة. على الشاشة، كانت مريم ما تزال في المكالمة، صامتة، لكنها تسمع كل شيء.نظرت نادية إلى الهاتف، ثم إلى الباب، ثم إليّ.وفي عينيها رأيت شيئًا لم أره منها كثيرًا.الارتباك.هي التي كانت تعرف كيف تبكي في اللحظة المناسبة، وتصرخ في اللحظة المناسبة، وتضع يدها على صدرها أمام أبي كأنها أضعف امرأة في الدنيا، لم تعرف الآن أي قناع ترتدي.قال أحمد من الخارج مرة أخرى:"افتحي الباب."نادية تركت الهاتف فجأة، لكنها اقتربت مني وهمست:"إذا حكيتي كلمة، رح تندمي."نظرت إليها، وقلبي يكاد يخرج من صدري."أنا ندمت كفاية على سكوتي."اتسعت عيناها، لكنها لم تستطع الرد. طرق أحمد الباب بقوة هذه المرة."نادية!"صرخت فجأة بصوت تمثيلي:"أنا ببدّل ملابسي! شو فيكم؟"لكن صوت أحمد جاء أكثر برودًا:"إنتِ لابسة عبايتك. وأنا شفتك تدخلي وراكِ جود. ا

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل السابع: تسع سنوات من الوجع

    بقيتُ أحدّق في الرسالة حتى شعرت أن الهاتف صار أثقل من يدي."الرسالة التي عندك ليست الرسالة الوحيدة.""فتشي عن صندوق أزرق في خزانة نادية. فيه الشيء الذي جعل هدى تموت وهي خائفة."هدى.أمي.تموت وهي خائفة.لم أعد أسمع شيئًا بعدها. لا صوت التلفاز من الصالة، ولا صوت رامي في غرفته، ولا حتى دقات قلبي التي كانت تضرب بعنف قبل لحظات. كأن الجملة أغلقت العالم كله، وفتحت في داخلي مكانًا مظلمًا لم أكن أعرف أنه موجود.أمي لم تمت فقط.أمي ماتت وهي خائفة.ومن ماذا؟ومن مَن؟وما الذي يمكن أن يكون في صندوق أزرق داخل خزانة نادية؟أغمضت عيني، لكن الصورة التي جاءت لم تكن صورة أمي في الفستان الأبيض. كانت صورة امرأة شابة، مريضة، ضعيفة، تحمل طفلة صغيرة وتخاف عليها. كانت تكتب رسالة لأبي وتقول له: احمِ جود. تراقب نادية. لا تجعلها خادمة لذاكرة لا تخصها.هل كانت أمي تعرف أنني سأعيش كل هذا؟هل كانت ترى ما لم يرد أبي أن يراه؟وضعت الهاتف على صدري، وكأنني أحاول أن أهدئ قلبي من خلاله. ثم فتحت الرسائل مرة أخرى وكتبت للرقم المجهول:"مين أنت؟ وكيف تعرف كل هذا؟"ضغطت إرسال.انتظرت.دقيقة.دقيقتان.خمس.لا رد.اتصلت.الها

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل السادس: أنا لست خادمة في هذا البيت

    بقيت الصورة مفتوحة على شاشة الهاتف، بينما شعرت أن أصابعي لم تعد جزءًا مني.أمي.نادية.أبي.ثلاثتهم في صورة واحدة، من زمن لم أكن موجودة فيه، أو ربما كنت مجرد قدر يقترب منهم دون أن يعرف أحد. كان أبي واقفًا في المنتصف، شابًا، أنيقًا، يبتسم بطريقة لم أرها في وجهه منذ سنوات. على يمينه أمي هدى، رقيقة كما في الصورة الأولى، وفي عينيها نور هادئ. وعلى يساره نادية، أصغر عمرًا، لكنها تحمل النظرة نفسها التي أعرفها الآن… نظرة لا ترتاح إذا لم تكن كل الأضواء عليها.لكن أكثر ما شدني لم يكن وجوههم.كان الخاتم.في يد نادية، كان هناك خاتم واضح، صغير، لكنه لامع. وفي يد أمي لم يكن هناك شيء.وتحت الصورة كانت الجملة:"اسأليه: لمن كان الخاتم أولًا؟"قرأت الجملة أكثر من مرة.لمن كان الخاتم أولًا؟ما معنى ذلك؟هل كان الخاتم لأمي؟أم لنادية؟أم أن أبي كان مخطوبًا لنادية قبل أمي؟شعرت بدوار خفيف. وضعت الهاتف على المكتب، ثم أمسكت طرف الطاولة كي لا أسقط. الغرفة بدت أضيق من المعتاد، والجدران تقترب مني كأنها تريد أن تسمع الحقيقة معي.نادية أخت أمي.أبي يعرف.أمي تركت رسالة.والآن هناك خاتم.لم تعد القصة مجرد ظلم زوج

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل الخامس: دمعة على دفتر الهندسة

    لم أكن أعرف أن اليد يمكن أن ترتجف وهي ممدودة نحو الحقيقة.كانت أصابعي قريبة من الظرف البني، قريبة جدًا، حتى شعرت أن الهواء بيني وبينه صار ثقيلاً، كأن سنوات عمري كلها تجمعت في تلك المسافة الصغيرة. أبي كان يمسك الظرف بقوة، ونادية واقفة عند الباب، عيناها مشدودتان نحوه لا نحوي، كأنها لا تخاف مني أنا، بل مما في داخله.قلت مرة أخرى، بصوت خرج أهدأ مما توقعت:"أنا بدي أعرف مين كانت أمي."نادية تقدمت خطوة إلى داخل الغرفة."وأنا حكيتلك يا محمود، هالموضوع ما بينفتح."التفتُّ إليها ببطء."ليش؟"لم تجب.ولأول مرة، لم يكن صمتها تمثيلًا. كان صمت امرأة تعرف أن السؤال أصاب مكانًا خطيرًا.أبي وضع الظرف على ركبته، ومسح وجهه بيده. بدا أكبر من عمره. لأول مرة رأيت فيه رجلًا متعبًا لا أبًا غاضبًا. لكن تعبي أنا كان أقدم من تعبه، وحقّي في المعرفة كان أكبر من خوفه.قال بصوت منخفض:"جود، الموضوع قديم… وفتحه مش رح يفيدك."ضحكت بمرارة، لا لأنني وجدت كلامه مضحكًا، بل لأنني تعبت من الجمل التي يستخدمها الكبار عندما يريدون دفن الحقيقة."قديم بالنسبة إلكم. بالنسبة إلي هو حياتي."رفع عينيه إليّ."أمك الله يرحمها ماتت،

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل الرابع: أبي… لماذا لم تسمعني؟

    بقيتُ أنظر إلى الرسالة الثانية حتى شعرت أن الحروف بدأت تتحرك أمام عيني."أبوك مخبي عنك الحقيقة من زمان."لم تكن الجملة طويلة، لكنها فتحت في صدري بابًا قديمًا كنت أخاف الاقتراب منه. باب أمي.أمي التي لم أعرف منها إلا صورة باهتة في درج أبي، واسمًا يتردد في البيت كأنه شيء ممنوع.أمي التي رحلت وأنا صغي

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل الثاني: حين انطفأ الضوء وبقي الخوف

    لم أنظر إلى يدها كثيرًا.لم أكن أريد أن أصدق أن هاتفي معها، ولا أن أفهم كيف استطاعت أن تأخذه من غرفتي وأنا بين يقظة وخوف ودعاء. كان وجوده في يدها وحده كافيًا ليجعل قلبي يضرب صدري بقوة، كأن شيئًا أكبر من ليلة البارحة ينتظرني في الصالة.أبي وقف عند الباب، ولم يكرر كلمته.كان ينتظرني فقط."تعالي."كلم

  • حين بكت المهندسة الصغيرة   الفصل الأول: الليلة التي لم يصدقني فيها أحد

    لم أكن أطلب من الله في تلك الليلة أن يغيّر العالم من أجلي.كنت أطلب شيئًا أصغر بكثير…أن يصدقني شخص واحد فقط.كان الفجر قريبًا، والبيت غارقًا في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. جلست على طرف سريري، أضم ركبتي إلى صدري، ووجهي ما زال يؤلمني من أثر الصفعة. لم أعد أعرف هل الذي يرتجف هو جسدي أم قلب

บทอื่นๆ
สำรวจและอ่านนวนิยายดีๆ ได้ฟรี
เข้าถึงนวนิยายดีๆ จำนวนมากได้ฟรีบนแอป GoodNovel ดาวน์โหลดหนังสือที่คุณชอบและอ่านได้ทุกที่ทุกเวลา
อ่านหนังสือฟรีบนแอป
สแกนรหัสเพื่ออ่านบนแอป
DMCA.com Protection Status