LOGINبقيتُ أنظر إلى الرسالة الثانية حتى شعرت أن الحروف بدأت تتحرك أمام عيني.
"أبوك مخبي عنك الحقيقة من زمان." لم تكن الجملة طويلة، لكنها فتحت في صدري بابًا قديمًا كنت أخاف الاقتراب منه. باب أمي. أمي التي لم أعرف منها إلا صورة باهتة في درج أبي، واسمًا يتردد في البيت كأنه شيء ممنوع. أمي التي رحلت وأنا صغيرة جدًا، وتركتني وسط بيت امتلأ بعد غيابها بأصوات لا تشبه صوتها. أمي التي كنت أتخيلها كل ليلة حين يضيق صدري، فأغمض عيني وأقول لنفسي: لو كانت هنا، هل كانت ستصدقني؟ والآن، شخص مجهول يقول لي إن صورة أمي القديمة تخبئ شيئًا. مريم كانت تجلس بجانبي على المقعد الحجري في ساحة الكلية. مالت نحوي أكثر، وقرأت الرسالة للمرة الثالثة، ثم قالت بصوت منخفض: "جود… مين ممكن يكون؟" هززت رأسي. "ما بعرف." "الرقم غريب؟" "آه." أخذت الهاتف من يدي بحذر، كأنها تمسك شيئًا قابلًا للانفجار. ضغطت على الرقم، حاولت الاتصال. انتظرنا. رنة. رنتان. ثلاث. ثم انقطع الخط. اتصلت مرة أخرى. هذه المرة جاء صوت آلي بارد: "الهاتف المطلوب مغلق حاليًا." نظرت إليها. "شايفة؟" قالت: "مش مهم. المهم الرسالة. هل عندكم صورة لأمك فعلًا؟" بلعت ريقي. "في صورة قديمة بدرج بابا. مرة شفتها وأنا صغيرة. كانت أمي لابسة فستان أبيض، وبابا واقف جنبها. نادية شافتني يومها وأنا ماسكاها، وخطفتها من إيدي وحكتلي: هاي أشياء كبار، ما إلك دخل فيها." تذكرت تلك اللحظة بوضوح. كنت في العاشرة تقريبًا. كنت أفتش عن ممحاة في مكتب أبي، فوجدت الصورة داخل ظرف بني. أخرجتها بفضول طفل يبحث عن وجه يشبهه. كانت أمي تبتسم ابتسامة هادئة، وعيناها تشبهان عينيّ قليلًا. لم أكن قد رأيت نفسي جميلة يومًا، لكنني يومها قلت في داخلي: إذا كنت أشبهها، فربما لست قبيحة كما تقول نادية. ثم دخلت نادية. لم تصرخ فورًا. فقط تغير وجهها، وكأنني فتحت شيئًا لا يجب أن يُفتح. أخذت الصورة من يدي بعنف، وأعادت الظرف إلى الدرج، ثم أغلقت المكتب بالمفتاح. "لا تفتحي أغراض أبوك مرة ثانية." من يومها، لم أرَ الصورة. مريم قالت: "لازم تشوفيها." ضحكت بخفة مريرة. "آه، طبعًا. أدخل غرفة بابا، أفتح درجه، وأدور على صورة أمي، ونادية قاعدة بالبيت تستناني عالغلط." قالت بحزم: "مش هلأ. بس لازم تخططي." أنزلت عيني إلى دفتري المفتوح على صفحة ملف الحقيقة. كانت النقاط التي كتبتها قبل دقائق تبدو صغيرة أمام هذه الرسالة. كأن المشكلة لم تعد فقط نادية التي تكذب، ولا أبي الذي لا يسمعني. صار هناك ماضٍ كامل لا أعرفه. كتبت تحت النقاط: رقم مجهول: صورة أمي القديمة. أبي يخفي حقيقة؟ توقفت عند علامة الاستفهام. لم أستطع أن أحذفها، ولم أستطع أن أحولها إلى نقطة نهائية. أبي يخفي عني الحقيقة. هل هذا ممكن؟ أبي الذي كنت أبحث في وجهه كل يوم عن بقايا حنان. أبي الذي غضب عليّ البارحة دون أن يسمعني. أبي الذي اشترى لها الذهب، واعتذر لها، وصدق دموعها. أبي الذي كان، في أيام قليلة فقط، يعود إليّ كصديق، قبل أن تنتبه نادية وتبدأ الحرب من جديد. هل كان يخفي شيئًا عن أمي أيضًا؟ رن جرس المحاضرة التالية من بعيد، لكنني لم أتحرك. شعرت أن جسدي بقي في الجامعة، بينما روحي ركضت إلى درج أبي، إلى الظرف البني، إلى الصورة القديمة. مريم قالت: "عندك محاضرة؟" "عندي، بس مش قادرة." "طيب خلينا نروح المكتبة. مكان أهدأ." هززت رأسي، وجمعت أغراضي ببطء. كنت أمشي بجانبها، لكن عقلي كان في البيت. في الممر الطويل. في غرفة أبي. في المفتاح الذي ربما ما زال في درج جانبي، أو في جيبه، أو مع نادية. دخلنا مكتبة الكلية، وجلسنا في زاوية بعيدة قرب النافذة. كان المكان هادئًا. طلاب يكتبون، صفحات تُقلب، ضوء خفيف يدخل من الزجاج. أحببت المكتبة دائمًا لأنها لا تسأل أحدًا عن حزنه. تفتح له طاولة وكرسيًا وتتركه يتنفس. فتحت دفتري، لكنني لم أكتب. وضعت القلم بين أصابعي وظللت أحركه بلا وعي. قالت مريم: "جود، لازم تحكيلي عن أمك. شو بتعرفي عنها؟" سؤال بسيط، لكنه أوجعني. "ولا إشي تقريبًا." "ولا إشي؟" "بعرف اسمها: هدى. بعرف إنها ماتت وأنا صغيرة. بعرف إن بابا ما بحب يحكي عنها. كل ما أسأل، بحكيلي: الله يرحمها، كانت طيبة. وبس." "وأهلك من جهة أمك؟" هززت رأسي. "ما في تواصل. بابا بحكي إنهم بعيدين وإنه صار مشاكل زمان. وأنا كنت صغيرة، ما كنت أفهم. بعدين نادية صارت تحكيلي إن أهل أمي ما سألوا عني، وإنه لو بحبوني كانوا أخذوني." توقفت. كانت الجملة تخرج مني كأنني أسمعها لأول مرة. كم كلمة زرعتها نادية داخلي ولم أسأل عن حقيقتها؟ "يمكن كذبت؟" قالت مريم. نظرت إليها. لم تكن الفكرة جديدة تمامًا، لكنها هذه المرة بدت واقعية بشكل مرعب. "يمكن." قالت: "هل تعرفي اسم حدا من أهل أمك؟ خالك؟ خالتك؟ جدك؟" أغمضت عيني أحاول أن أفتش في ذاكرة بعيدة. وجوه غير واضحة. زيارة قديمة ربما. امرأة تبكي وتمسك يدي. صوت يقول: "هاي بنت هدى." ثم صراخ نادية بعد أن غادروا. أبي كان غاضبًا يومها. لا أعرف هل الذاكرة حقيقية أم صنعتها من بقايا أحلام. فتحت عيني فجأة. "خالتي." "شو اسمها؟" "مش متأكدة… يمكن سلوى. أو سلمى. مرة سمعت بابا يحكي الاسم وهو معصب." مريم أمسكت هاتفها. "طيب نقدر نبحث؟" "نبحث وين؟" "فيسبوك. الاسم مع اسم أمك، أو اسم عيلتها." ترددت. كنت أعرف اسم عائلة أمي. لم أستخدمه كثيرًا، لكنه موجود في شهادة ميلادي، وفي أوراق قديمة. قلت الاسم لمريم بصوت منخفض، كأنني أخاف أن يسمعه أحد. بدأت تبحث. كلما كتبت حرفًا، كان قلبي يدق أسرع. ظهر كثير من الحسابات. نساء باسم سلوى، سلمى، هدى، أسماء متشابهة، صور عائلية، مدن، جامعات. لا شيء مؤكد. ثم توقفت مريم عند حساب لامرأة في منتصف الأربعينات تقريبًا. صورة الملف الشخصي لها كانت مع فتاة صغيرة. الاسم: سلوى النجار. "هاي ممكن؟" اقتربت من الشاشة. لم أعرفها. ملامحها لا تقول لي شيئًا. لكن عينيها… كان فيهما شيء يشبه الصورة القديمة لأمي. أو ربما أنا أردت أن أرى ذلك. دخلت مريم إلى الصور العامة. لم يكن هناك الكثير. صورة لغروب، صورة قديمة بالأبيض والأسود لامرأتين، منشور ديني، تهنئة تخرج. ثم وجدنا منشورًا منذ سنوات. كانت الصورة لامرأة شابة، مبتسمة، تحمل باقة ورد. التعليق: "في مثل هذا اليوم وُلدت أختي الغالية هدى. ما زلتِ حاضرة في قلبي، وما زالت ابنتك أمانة لا ننساها، حتى لو حرمونا منها." توقفت أنفاسي. قرأتها مرة. ثم مرة ثانية. ثم ثالثة. ابنتك أمانة لا ننساها، حتى لو حرمونا منها. يدي بردت. مريم وضعت يدها على فمها. "جود…" لم أجب. كنت أشعر أن السنوات كلها تضغط على صدري. قالوا لي إن أهل أمي لم يسألوا عني. قالوا لي إنني لم أكن مهمة لهم. قالوا لي إن نادية هي الوحيدة التي تحملتني. قالوا لي إن الماضي انتهى. لكن هذه المرأة، إن كانت خالتي فعلًا، كتبت أنني أمانة. وأن أحدًا حرمهم مني. من؟ أبي؟ نادية؟ العائلة كلها؟ لم أستطع أن أتحمل. أغلقت شاشة الهاتف بسرعة، كأنني أهرب من الحقيقة. "لا، لا. يمكن تشابه أسماء." قالت مريم بهدوء: "يمكن. بس لازم نتأكد." "كيف؟ أبعثلها؟ أقولها مرحبا، أنا البنت اللي يمكن تكوني محرومة منها؟" خرج صوتي ساخرًا، لكنه كان يرتجف. "مش لازم اليوم." "لازم ولا مش لازم، أنا مش قادرة." أسندت ظهري إلى الكرسي، ووضعت يدي على وجهي. شعرت بوخز في خدي حين لمسته، فتذكرت أبي. تذكرت يده. تذكرت أنه لم يسمعني ليلة أمس، وربما لم يسمع أمي قبل سنوات. أو ربما سمع واختار أن يصمت. أبي… لماذا لم تسمعني؟ السؤال كان قديمًا. أقدم من صفعة البارحة. أقدم من صرخة نادية. أقدم حتى من سنوات التنمر والخدمة والخوف. كان سؤال بنت فقدت أمها، ثم فقدت حقها في معرفة أمها. في تلك اللحظة، وصلتني رسالة من أبي. "وينك؟" لم أجب. بعد دقيقة: "لا تتأخري. بدنا نحكي لما ترجعي." ثم رسالة ثالثة: "ولا تدخلي حدا بيني وبينك." نظرت إلى الجملة الأخيرة طويلًا. بيني وبينك. كم تمنيت أن يكون بيننا شيء حقيقي يا أبي. شيء لا تستطيع نادية أن تدخله. شيء لا تكسره صرخة. شيء يجعلني أركض إليك حين أخاف، لا أن أخاف منك. كتبت له: "عندي محاضرات. برجع بعد العصر." ترددت قبل الإرسال، ثم أضفت: "وبدي أحكي معك لحالنا." ضغطت إرسال. لم يرد فورًا. قالت مريم: "راح تحكي معه عن الصورة؟" "مش عارفة." "ديري بالك. لا تفتحي كل أوراقك مرة وحدة." نظرت إليها باستغراب. ابتسمت ابتسامة حزينة. "أنا مو خبيرة، بس واضح إنهم طول عمرهم يلعبوا عليكِ بالمعلومة. مرة يحكولك، مرة يخبوا، مرة يقلبوا القصة. إنتِ لازم تعرفي قبل ما تواجهي." كانت محقة. الحقيقة ليست صرخة. الحقيقة ملف. وكل ملف يحتاج ترتيبًا. أخرجت ورقة جديدة وكتبت: أسئلة لا أقولها قبل أن أعرف جوابها: لماذا لا أزور أهل أمي؟ أين صورة أمي القديمة؟ من صاحب الرقم المجهول؟ لماذا تكرهني نادية فعلًا؟ هل أبي يخفي شيئًا أم أنه مخدوع فقط؟ ما معنى: "حتى لو حرمونا منها"؟ كتبت السؤال السادس ببطء. كان أثقل سؤال. في ذلك اليوم لم أستطع حضور باقي المحاضرات بتركيز. جلست في القاعة، وفتحت الكتب، وحاولت أن أبدو عادية. لكنني كنت أسمع صوت المحاضر كأنه بعيد، بينما تتردد في رأسي جملة خالتي المحتملة: "ابنتك أمانة لا ننساها." عند العصر، قررت العودة. مريم أرادت أن تأتي معي، لكنني رفضت. "لو شافوكي معي، رح يكبر الموضوع." قالت: "الموضوع كبير أصلًا." "بعرف. بس اليوم بدي أجرب أحكي مع بابا. لحالنا." لم تكن مقتنعة، لكنها احترمت قراري. قبل أن أخرج من بوابة الجامعة، أمسكت يدي وقالت: "شغلي التسجيل بأي حديث مهم. وابعتِلي أول ما توصلي." هززت رأسي. "تمام." ثم أضافت: "جود… إنتِ مش لحالك." نظرت إليها، وشعرت أن هذه الجملة بدأت تبني داخلي شيئًا جديدًا. ليس قوة كاملة، بل حجرًا صغيرًا في أساس جديد. ركبت الباص إلى البيت. طوال الطريق، كنت أراقب انعكاسي في الزجاج. وجهي أقل تورمًا، لكن عينيّ كانتا تحملان تعبًا لم يختفِ. تساءلت: هل كانت أمي تنظر من نافذة باص مثل هذه يومًا؟ هل كانت تخاف من شيء؟ هل كانت تعرف أن ابنتها ستكبر وهي تبحث عنها في منشور قديم على فيسبوك؟ وصلت إلى الحي مع اقتراب المغرب. كان الشارع هادئًا، والأطفال يلعبون قرب الدكان، ورائحة خبز تصل من بيت الجيران. كل شيء بدا مألوفًا بشكل مؤلم. هذا الحي يعرف خطواتي منذ طفولتي، لكنه لا يعرف قصتي. عندما فتحت باب البيت، سمعت صوت التلفاز. دخلت بحذر. الصالة فارغة إلا من رامي، كان يجلس على الأرض يشاهد الرسوم المتحركة. ما إن رآني حتى ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم نظر نحو المطبخ بخوف. فهمت. نادية موجودة. اقتربت منه وهمست: "وين بابا؟" قال بصوت منخفض: "بغرفته." "ونادية؟" "بالمطبخ… بس سمعتها تحكي بالتلفون عنك." قلبي انقبض. "شو حكت؟" هز كتفيه. "مش فاهم كله. بس حكت: لازم نلحق قبل ما تعرف." تجمدت. "قبل ما أعرف شو؟" فتح فمه ليجيب، لكن صوت نادية جاء من المطبخ: "جود؟" رفعت رأسي. خرجت نادية ببطء، تحمل منشفة صغيرة في يدها. كان وجهها هادئًا، أهدأ مما يجب. لم تعد تمثل الألم كما في المستشفى. في البيت، حيث لا توجد الآنسة هالة ولا مريم، عادت عيناها إلى حقيقتها. "رجعتي؟" قلت بهدوء: "آه." ابتسمت. "أبوك بستناك." ثم اقتربت خطوة، وخفضت صوتها: "نصيحة… لا تلعبي بملفات قديمة. في ناس لما تفتح الماضي، بتخسر الحاضر والمستقبل." شعرت أن الدم تجمد في عروقي. هل تعرف بالرسائل؟ هل تعرف أنني بحثت عن خالتي؟ أم أنها تتحدث عن شيء آخر؟ حاولت أن لا أظهر خوفي. "أي ملفات؟" نظرت إليّ بابتسامة باردة. "إنتِ أذكى من إنك تسألي." ثم تركتني وذهبت. بقيت واقفة في مكاني، ورامي ينظر إليّ بقلق. وضعت إصبعي على شفتي إشارة له أن يصمت، ثم توجهت نحو غرفة أبي. كان الباب نصف مفتوح. طرقت بخفة. "بابا؟" جاء صوته من الداخل: "تعالي." دخلت. كان يجلس على طرف السرير، وبين يديه ظرف بني قديم. الظرف نفسه. شعرت أن ركبتيّ ضعفتا. رفع أبي عينيه إليّ، وكان وجهه متعبًا بطريقة لم أرها من قبل. لم يكن غاضبًا فقط. كان خائفًا أيضًا. قال بصوت منخفض: "مين حكى لك عن صورة أمك؟" لم أستطع الرد. نظرت إلى الظرف، ثم إليه. إذن الرسالة لم تكن كذبة. أبي يعرف. اقتربت خطوة، وصوتي خرج مكسورًا رغم كل محاولاتي: "يعني في حقيقة فعلًا؟" لم يجب. فقط شدّ أصابعه على الظرف. سألته، والسؤال خرج من قلبي لا من فمي: "بابا… ليش عمري ما عرفت أمي؟" أشاح بوجهه. وهنا، قبل أن يقول أي شيء، قبل أن يفتح الظرف، قبل أن يمنحني جوابًا واحدًا، دخلت نادية الغرفة دون طرق. نظرت إلى الظرف في يد أبي، ثم إليّ. وتحول وجهها كله. قالت بصوت حاد: "محمود… إذا فتحت هالموضوع، كل شي بيننا بينتهي." أبي أغلق عينيه. أما أنا، فمددت يدي نحو الظرف، وقلت لأول مرة دون خوف: "خليه ينتهي… بس أنا بدي أعرف مين كانت أمي."بقيتُ أحدّق في رسالة سلوى، وكأن الكلمات لم تكن مكتوبة على شاشة هاتفي، بل محفورة على صدري."جود؟ يا الله… أخيرًا وجدتكِ. لا تثقي بسليم. ولا تبقي في البيت الليلة."لا تبقي في البيت الليلة.قرأتها مرة ثانية.ثم ثالثة.ثم شعرت بأن الغرفة التي كنت أعدّها ملجئي الوحيد بدأت تضيق حولي.لم تكن سلوى تعرفني. لم تسمع صوتي. لم ترَ وجهي إلا ربما في صورة قديمة وأنا طفلة. ومع ذلك، كانت أول جملة منها ليست عتابًا ولا سؤالًا ولا بكاءً، بل تحذيرًا.تحذير مباشر.لا تثقي بسليم.لا تبقي في البيت الليلة.رفعت رأسي نحو الباب. في الخارج كان أبي يقف في الممر، وقد لحق بي بعد أن أنهى مكالمته. كان وجهه شاحبًا، وعيناه لا تشبهان عيني رجل يريد أن يشرح، بل عيني رجل يعرف أن ما أخفاه بدأ يخرج من بين يديه.قلت له وأنا أرفع الهاتف:"خالتي سلوى ردت علي."تغير وجهه فورًا."شو قالت؟"مددت الهاتف نحوه، لكنه لم يأخذه. قرأ من بعيد، وكأن الاقتراب من الرسالة سيجعله مسؤولًا عنها أكثر.رأيته يبلع ريقه بصعوبة."جود…"قلت بسرعة:"لا. قبل ما تحكي أي شيء، بدي جواب. ليش قالت لي ما أبقى في البيت الليلة؟"لم يجب."وليش كنت تحكي مع سليم؟ و
لم يكن الصوت الخارج من هاتف نادية مجرد صوت رجل.كان مثل باب قديم انفتح فجأة في وجهنا، وخرج منه هواء بارد يحمل رائحة كل الأسرار التي ظنوا أنها ماتت.قال سليم من الطرف الآخر:"نادية، إذا جود شافت الورقة الناقصة، كلنا بننفضح."كلنا.لم يقل: أنتِ.لم يقل: أنا.قال: كلنا.نظرت إلى أبي، فرأيت وجهه وقد فقد لونه. كان جالسًا على طرف السرير، والدفتر الرمادي في يده، كأنه يمسك شيئًا لم يعد قادرًا على إنكاره. أحمد بقي واقفًا قرب التسريحة، والهاتف في يده، وعيناه مثبتتان على نادية. أما سامر، فكان عند الباب، يضغط على الصورة القديمة بين أصابعه، كأنه يخاف أن تسقط منه الحقيقة لو تركها.نادية تجمدت للحظة، ثم اندفعت نحو الهاتف."سكره!"أحمد أبعد يده عنها.قال سليم من الهاتف:"نادية؟ ردي علي. شو صار؟"لم يتكلم أحد.ربما شعر بالصمت الغريب. ربما فهم أن صوته لم يصل إلى أذن واحدة فقط.قال بحذر:"مين معك؟"أحمد نظر إلى أبي.أبي لم يقل شيئًا.نادية صرخت:"سكر التلفون يا أحمد!"لكن أحمد لم يفعل. بدلًا من ذلك، قال بصوت بارد:"مين الورقة الناقصة؟"ساد صمت من الطرف الآخر.ثم جاء صوت سليم مختلفًا، أكثر حدة:"مين هذا؟
تجمّدت نادية في مكانها عندما سمعت صوت أحمد خلف الباب."افتحي يا نادية."لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه كان مختلفًا. فيه حدّة لم أسمعها منه من قبل. لم يكن يسأل. لم يكن يستأذن. كان يأمر.كانت يد نادية ما زالت على هاتفي، وأصابعي متشبثة به كأنني أتشبث بآخر خيط يربطني بالعالم خارج هذه الغرفة. على الشاشة، كانت مريم ما تزال في المكالمة، صامتة، لكنها تسمع كل شيء.نظرت نادية إلى الهاتف، ثم إلى الباب، ثم إليّ.وفي عينيها رأيت شيئًا لم أره منها كثيرًا.الارتباك.هي التي كانت تعرف كيف تبكي في اللحظة المناسبة، وتصرخ في اللحظة المناسبة، وتضع يدها على صدرها أمام أبي كأنها أضعف امرأة في الدنيا، لم تعرف الآن أي قناع ترتدي.قال أحمد من الخارج مرة أخرى:"افتحي الباب."نادية تركت الهاتف فجأة، لكنها اقتربت مني وهمست:"إذا حكيتي كلمة، رح تندمي."نظرت إليها، وقلبي يكاد يخرج من صدري."أنا ندمت كفاية على سكوتي."اتسعت عيناها، لكنها لم تستطع الرد. طرق أحمد الباب بقوة هذه المرة."نادية!"صرخت فجأة بصوت تمثيلي:"أنا ببدّل ملابسي! شو فيكم؟"لكن صوت أحمد جاء أكثر برودًا:"إنتِ لابسة عبايتك. وأنا شفتك تدخلي وراكِ جود. ا
بقيتُ أحدّق في الرسالة حتى شعرت أن الهاتف صار أثقل من يدي."الرسالة التي عندك ليست الرسالة الوحيدة.""فتشي عن صندوق أزرق في خزانة نادية. فيه الشيء الذي جعل هدى تموت وهي خائفة."هدى.أمي.تموت وهي خائفة.لم أعد أسمع شيئًا بعدها. لا صوت التلفاز من الصالة، ولا صوت رامي في غرفته، ولا حتى دقات قلبي التي كانت تضرب بعنف قبل لحظات. كأن الجملة أغلقت العالم كله، وفتحت في داخلي مكانًا مظلمًا لم أكن أعرف أنه موجود.أمي لم تمت فقط.أمي ماتت وهي خائفة.ومن ماذا؟ومن مَن؟وما الذي يمكن أن يكون في صندوق أزرق داخل خزانة نادية؟أغمضت عيني، لكن الصورة التي جاءت لم تكن صورة أمي في الفستان الأبيض. كانت صورة امرأة شابة، مريضة، ضعيفة، تحمل طفلة صغيرة وتخاف عليها. كانت تكتب رسالة لأبي وتقول له: احمِ جود. تراقب نادية. لا تجعلها خادمة لذاكرة لا تخصها.هل كانت أمي تعرف أنني سأعيش كل هذا؟هل كانت ترى ما لم يرد أبي أن يراه؟وضعت الهاتف على صدري، وكأنني أحاول أن أهدئ قلبي من خلاله. ثم فتحت الرسائل مرة أخرى وكتبت للرقم المجهول:"مين أنت؟ وكيف تعرف كل هذا؟"ضغطت إرسال.انتظرت.دقيقة.دقيقتان.خمس.لا رد.اتصلت.الها
بقيت الصورة مفتوحة على شاشة الهاتف، بينما شعرت أن أصابعي لم تعد جزءًا مني.أمي.نادية.أبي.ثلاثتهم في صورة واحدة، من زمن لم أكن موجودة فيه، أو ربما كنت مجرد قدر يقترب منهم دون أن يعرف أحد. كان أبي واقفًا في المنتصف، شابًا، أنيقًا، يبتسم بطريقة لم أرها في وجهه منذ سنوات. على يمينه أمي هدى، رقيقة كما في الصورة الأولى، وفي عينيها نور هادئ. وعلى يساره نادية، أصغر عمرًا، لكنها تحمل النظرة نفسها التي أعرفها الآن… نظرة لا ترتاح إذا لم تكن كل الأضواء عليها.لكن أكثر ما شدني لم يكن وجوههم.كان الخاتم.في يد نادية، كان هناك خاتم واضح، صغير، لكنه لامع. وفي يد أمي لم يكن هناك شيء.وتحت الصورة كانت الجملة:"اسأليه: لمن كان الخاتم أولًا؟"قرأت الجملة أكثر من مرة.لمن كان الخاتم أولًا؟ما معنى ذلك؟هل كان الخاتم لأمي؟أم لنادية؟أم أن أبي كان مخطوبًا لنادية قبل أمي؟شعرت بدوار خفيف. وضعت الهاتف على المكتب، ثم أمسكت طرف الطاولة كي لا أسقط. الغرفة بدت أضيق من المعتاد، والجدران تقترب مني كأنها تريد أن تسمع الحقيقة معي.نادية أخت أمي.أبي يعرف.أمي تركت رسالة.والآن هناك خاتم.لم تعد القصة مجرد ظلم زوج
لم أكن أعرف أن اليد يمكن أن ترتجف وهي ممدودة نحو الحقيقة.كانت أصابعي قريبة من الظرف البني، قريبة جدًا، حتى شعرت أن الهواء بيني وبينه صار ثقيلاً، كأن سنوات عمري كلها تجمعت في تلك المسافة الصغيرة. أبي كان يمسك الظرف بقوة، ونادية واقفة عند الباب، عيناها مشدودتان نحوه لا نحوي، كأنها لا تخاف مني أنا، بل مما في داخله.قلت مرة أخرى، بصوت خرج أهدأ مما توقعت:"أنا بدي أعرف مين كانت أمي."نادية تقدمت خطوة إلى داخل الغرفة."وأنا حكيتلك يا محمود، هالموضوع ما بينفتح."التفتُّ إليها ببطء."ليش؟"لم تجب.ولأول مرة، لم يكن صمتها تمثيلًا. كان صمت امرأة تعرف أن السؤال أصاب مكانًا خطيرًا.أبي وضع الظرف على ركبته، ومسح وجهه بيده. بدا أكبر من عمره. لأول مرة رأيت فيه رجلًا متعبًا لا أبًا غاضبًا. لكن تعبي أنا كان أقدم من تعبه، وحقّي في المعرفة كان أكبر من خوفه.قال بصوت منخفض:"جود، الموضوع قديم… وفتحه مش رح يفيدك."ضحكت بمرارة، لا لأنني وجدت كلامه مضحكًا، بل لأنني تعبت من الجمل التي يستخدمها الكبار عندما يريدون دفن الحقيقة."قديم بالنسبة إلكم. بالنسبة إلي هو حياتي."رفع عينيه إليّ."أمك الله يرحمها ماتت،
كانت الرسالة قصيرة، لكنها استطاعت أن تسحب الهواء من صدري دفعة واحدة."ارجعي على البيت فورًا. نادية بالمستشفى، وبتقول إنك السبب."بقيت أنظر إلى الشاشة كأنني أنتظر أن تتغير الكلمات من تلقاء نفسها. كأن الهاتف قد يعتذر لي بعد لحظة ويخبرني أن الرسالة وصلت بالخطأ. لكن اسم أبي ظل فوقها واضحًا، والكلمات ظل
لم أنظر إلى يدها كثيرًا.لم أكن أريد أن أصدق أن هاتفي معها، ولا أن أفهم كيف استطاعت أن تأخذه من غرفتي وأنا بين يقظة وخوف ودعاء. كان وجوده في يدها وحده كافيًا ليجعل قلبي يضرب صدري بقوة، كأن شيئًا أكبر من ليلة البارحة ينتظرني في الصالة.أبي وقف عند الباب، ولم يكرر كلمته.كان ينتظرني فقط."تعالي."كلم
لم أكن أطلب من الله في تلك الليلة أن يغيّر العالم من أجلي.كنت أطلب شيئًا أصغر بكثير…أن يصدقني شخص واحد فقط.كان الفجر قريبًا، والبيت غارقًا في صمت ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. جلست على طرف سريري، أضم ركبتي إلى صدري، ووجهي ما زال يؤلمني من أثر الصفعة. لم أعد أعرف هل الذي يرتجف هو جسدي أم قلب







