Share

٤

last update publish date: 2026-04-23 00:16:31

حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا

مرّ أسبوع كامل منذ تلك الجلسة الأخيرة في المكتبة، وكان أسبوعًا كافيًا ليقلب نظام حياة تالين رأسًا على عقب. لم تعد تستيقظ لتفكر في محاضراتها أو واجباتها أو ترتيب يومها، بل صارت، على نحو يثير غضبها أكثر مما تعترف، تتوقع حضوره في كل زاوية. شهاب لم يعد مجرد زميل ثقيل الظل يجلس قربها مصادفة، بل أصبح حضورًا مزعجًا يتسلل إلى تفاصيل يومها الصغيرة وكأنه تعمّد أن يحتل المساحات التي كانت تخص هدوءها. إن دخلت القاعة مبكرًا وجدته هناك، جالسًا بوجهه الهادئ ونظرته التي تبدو وكأنها تعرف كل شيء. وإن تأخرت لمحته يرفع عينيه نحو الباب حال دخولها، تلك النظرة العابرة التي كانت تكفي لتشعرها بأنه سجّل تأخرها في دفتر خفي لا تراه. وإن نسيت قلمها ظهر قلم إضافي فوق طاولتها من غير كلمة، وإن أخطأت في حل مسألة وجدت ورقة صغيرة بجانبها تتضمن التصحيح بخطه المرتب، ثم يعود إلى أوراقه وكأن شيئًا لم يحدث. وهذا تحديدًا ما كان يثير حنقها؛ تلك الطريقة التي يساعدها بها ثم يتصرف كما لو أنه لم يفعل شيئًا يستحق الالتفات.

في الكافتيريا، كانت تعبث بقشة العصير بعصبية حتى كادت تثقب الكوب، بينما رند تراقبها بمتعة واضحة. قالت تالين وهي تزفر: أقسم لك أنني سأختنق بسببه. ضحكت رند، ثم قالت بنبرة متسلية إن الذين يختنقون عادة لا يذكرون اسم الشخص بهذا العدد. أنكرت تالين فورًا، لكن رند أخبرتها بأنها ذكرته سبع مرات في خمس دقائق فقط. شعرت تالين بالحرج يلسع وجنتيها، واحتجت بأنها تشتكي لا أكثر. مالت رند نحوها وسألتها بخبث إن كانت تكرهه حقًا، فرفعت تالين حاجبيها وقالت بحدة مصطنعة إنها تدرس يوميًا كي تبقى متفوقة عليه. ولمّا أخبرتها رند أن هذا ليس جوابًا، أجابت بعناد أنه أفضل جواب ممكن. وفي اللحظة نفسها مرّ شهاب قرب الطاولة، وضع كتابًا أمامها ومضى دون أن يبطئ خطاه. حدّقت فيه بذهول، ثم فتحت الكتاب لتجد داخله ورقة مطوية كتب فيها: "كتابكِ تركتِه أمس في القاعة. لا تنسي عقلك معه المرة القادمة." شهقت غاضبة ووصفتْه بالوقاحة، بينما انفجرت رند ضاحكة حتى كادت تسقط عن الكرسي.

في صباح اليوم التالي أعلن الدكتور اختبارًا مفاجئًا، فامتلأت القاعة بأصوات الاحتجاج والتذمر، وشعرت تالين ببرودة مفاجئة تسري في أطرافها. همست لنفسها بأنها لم تراجع الفصل الأخير، لكن شهاب، الجالس إلى جوارها، التقط همسها دون أن ينظر إليها. دفع نحوها ورقة صغيرة. فتحتها بسرعة لتجد تلخيصًا دقيقًا للفصل كاملًا، نقاطًا مرتبة وواضحة كأنها أُعدّت لوقت كهذا تحديدًا. رفعت عينيها إليه بدهشة، فقال ببرود وهو يقلب قلمه بين أصابعه إن لديها ثلاث دقائق فقط، ومن الأفضل أن تستثمرها بدل التحديق به. أرادت أن تشكره، شعرت بالكلمة تصعد إلى حلقها، لكن كبرياءها كان أسرع. قالت بلهجة متعالية إن أحدًا لم يقل إنها تحتاج مساعدته. مد يده ليستعيد الورقة، فقبضت عليها بسرعة وقالت مرتبكة: أقصد... الآن أصبحت أحتاجها. لمعت ابتسامة قصيرة عند زاوية فمه، خاطفة وخبيثة، ثم اختفت. بعد الاختبار خرجت وهي تلهث من التوتر، واقتربت منه لتخبره أن السؤال الثالث جاء حرفيًا من الورقة. قال ببساطة إنه يعرف. سألت لماذا أعطاها إياها، فرفع كتفيه مجيبًا بأنه يكره رؤية أحد يفشل بجانبه. نظرت إليه بضيق وسألته إن كان عاجزًا عن قول شيء لطيف مرة واحدة، فأجاب بلا تردد: نعم... أو بالأحرى، لا.

وفي عصر ذلك اليوم كانت تقف قرب بوابة الجامعة تنتظر سيارة أجرة، حين انشقّت السماء فجأة عن مطر كثيف. ركض الطلاب باحثين عن أي سقف، بينما وجدت نفسها تحت شجرة صغيرة لا تقي من شيء، تتلقى قطرات باردة تتسرب إلى شعرها وكتفيها. كانت تتمتم غاضبة حين توقفت أمامها مظلة سوداء، رفعت رأسها فرأت شهاب ممسكًا بها، ينظر إليها نظرة هادئة مستفزة في آن واحد. سألها إن كانت تنوي البقاء هناك حتى الشتاء. أجابته بعناد أنها لا تحتاج شيئًا، وخطت خطوتين في المطر قبل أن يبتل قميصها بالكامل ويلتصق بجلدها البارد. عاد إليها دون تعليق، ومد المظلة فوق رأسها قائلًا إن عنادها لا يمنع الماء. سارت بجانبه مرغمة، والمسافة القصيرة بدت أطول من المعتاد، ربما لأن صمتها كان ممتلئًا بارتباك لا تفهمه. سألت إن كان يحمل مظلة دائمًا، فأجاب نعم. قالت إنه ممل، فردّ بأنّها لا تحمل شيئًا ينفع. أخبرته أنها تعيش على المفاجآت، فقال: واضح. سارا قليلًا بصمت، تسمع صوت المطر يضرب المظلة ورائحة الأرض المبتلة تتصاعد من حولهما، ثم تمتمت بكلمة شكر بالكاد سُمعت. التفت إليها بسرعة وسألها إن كانت قالت شيئًا، ثم أضاف أنه سمع كلمة نادرة. عضّت شفتيها وقالت له أن يصمت، فضحك بخفة. وكان ذلك أسوأ ما حدث، لأنها أدركت، من غير رغبة منها، أنها بدأت تعتاد صوت ضحكته.

بعد أيام اجتمع الطلاب لإنهاء المشروع النهائي، وكانت القاعة تعج بالفوضى والأصوات المتداخلة. جلست تالين مع مجموعتها، ثم انتبهت إلى طالبة تقف قرب شهاب وتتحدث معه بانسجام واضح. كانت تدعى لينا، تضحك كثيرًا، وتقترب أكثر مما يجب، بينما هو يجيبها بهدوئه المعتاد. لم تنتبه تالين لنفسها إلا وهي تراقبهما باستمرار، تشد على قلمها حتى ابيضّت أصابعها. سألتها رند لماذا تنظر هكذا، وحين ادعت أنها لا تفعل شيئًا، أخبرتها أن ملامحها توحي بأنها تريد رمي الدباسة على أحد. أشاحت تالين بوجهها بسرعة، لكنها بقيت تشعر بانقباض حاد في صدرها، ضيق غامض يزداد كلما ارتفع ضحك لينا في القاعة. وعندما اقتربت لينا أخيرًا من طاولتهما وطلبت ملفًا لأن شهاب يريد إياه، تناولت تالين الملف ووضعته أمامها بقوة زائدة قائلة ببرود: خذي. نظرت لينا إليها باستغراب ثم غادرت. انحنى شهاب نحوها وقال بصوت منخفض ما مشكلتها. أنكرت فورًا، لكنه تابع يسألها لماذا عاملت الفتاة وكأنها سرقت ميراثها. اتسعت عيناها صدمة، ثم جاءته الضربة التالية حين قال بهدوء قاتل: أنتِ تغارين بشكل سيئ. شهقت بعنف وسألته إن كان يظن أنها تغار منه هو تحديدًا. عاد إلى أوراقه وكأنه لم يقل شيئًا مهمًا، ثم علّق بأن صوتها المرتفع اعتراف ضمني. أمسكت قلمها وكادت تكسره بين أصابعها.

في نهاية الدوام نزلت الدرج بسرعة، الغضب يشتعل في خطواتها. سمعت وقع خطوات خلفها وعرفت من دون أن تلتفت أنه هو. ناداها مرة، فتجاهلته، ثم أعاد النداء حتى التفتت بحدة وسألته ماذا يريد. قال ببساطة: لينا ابنة خالتي. توقفت فجأة، وشعرت بتيار ساخن يصعد إلى وجهها رغم برودة الممر. استدارت ببطء وقالت إن ذلك لا يهمها. أجابها بأن أحدًا لم يقل إنه يهمها. سألت إذن لماذا أخبرها، فتقدم خطوة صغيرة وحدق فيها بثبات وقال: لأنك انزعجتِ. ارتبكت للحظة، ثم أنكرت بسرعة. قال: حسنًا. أصرت على أنها لم تنزعج، فقال مجددًا: جميل. طلبت منه أن يتوقف عن النظر إليها بتلك الطريقة، فسألها: أي طريقة؟ قالت: كأنك تعرف ما أفكر. صمت لحظة، ثم قال بهدوء أربكها أكثر: أحيانًا... يكون واضحًا جدًا. شعرت بحرارة تسري في وجهها، فاستدارت وغادرت مسرعة، بينما بقي خلفها يبتسم.

في الليل حاولت إقناع نفسها بأن كل ما حدث سخيف. رددت مرارًا أنها لا تغار، ولا يهمها أمره، ولا شأن لها بابنة خالته ولا بعائلته ولا بحياته كلها. لكن الكلمات كانت جوفاء، لأن عقلها ظل يعود إلى الممر، إلى نظرته، إلى يقينه المستفز، حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل وهي ما تزال مستيقظة.

وفي صباح اليوم التالي دخلت القاعة وقد عقدت العزم على تجاهله تمامًا. جلست في مكانها، فتحت دفترها، ورتبت أقلامها بعناية زائدة كي لا ترفع عينيها إلى الباب. لكنها رفعت رأسها ما إن دخل. كان شاحب الوجه على نحو واضح، أكثر من المعتاد، وخطواته أبطأ كأنها مثقلة بشيء خفي. جلس بصمت، ولم يعلّق على شيء، ولم يرمقها حتى بنظرة عابرة. شعرت بانقباض غريب في صدرها. نظرت إليه خلسة، فرأت يديه باهتتين وباردتين، وأنفاسه غير منتظمة قليلًا. خرج السؤال منها رغمًا عنها: هل أنت بخير؟ أجاب مباشرة بأنه بخير. قالت دون تفكير: تكذب. رفع عينيه إليها لأول مرة ذلك الصباح، وكان في نظرته تعب لم تعهده. ثم سألها بصوت منخفض: وأنتِ... لماذا يهمك؟ تجمدت في مكانها، وكأن السؤال أصابها أكثر مما ينبغي. بحثت عن جواب فلم تجد. وقبل أن تنطق، انحنى فجأة ممسكًا بطرف الطاولة، كأن ألمًا حادًا ضربه دفعة واحدة. اتسعت عيناها، وشعرت بالدم ينسحب من وجهها. نادته باسمه مذعورة، فرفع يده إشارة أن تصمت، لكنه كان يتنفس بصعوبة. بدأ الطلاب يلتفتون، وتحركت الكراسي من حولهما بصوت مزعج. وقفت تالين وقد تلاشى كل غضبها في لحظة واحدة، وصاحت تنادي الدكتور، لكن الكلمات لم تكتمل، لأن جسد شهاب اختل توازنه وسقط أرضًا أمام الجميع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٦ والأخير

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد شهاب يتحرك بعشوائية كما كان من قبل، ولا حتى كمن يحاول النجاة من شيء يطارده. كان كل شيء في خطواته محسوبًا بدقة غريبة، كأنه لا يعيش اليوم فقط، بل يغلق به سلسلة طويلة من الأيام التي لم تكن تشبه الحياة بقدر ما كانت تشبه البقاء على الحافة. في ذلك الصباح، كان البيت ساكنًا على نحو مختلف، ليس هدوء الراحة الذي يسبق الاطمئنان، بل هدوء يشبه الوقوف أمام باب يُغلق نهائيًا بعد طول انتظار.تالين شعرت بذلك التغيّر قبل أن تسمع أي كلمة. كان في الهواء شيء مشدود، في الضوء، في طريقة وقوفه وهو يرتدي معطفه بصمت لا يحمل ارتباكًا هذه المرة. رفعت نظرها إليه ببطء، وكأن داخلها يتوقع شيئًا لا تريد تسميته، وقالت بصوت منخفض: "أنت مختلف اليوم." لم ينكر، لم يتهرب، فقط قال بثبات هادئ: "اليوم ينتهي كل شيء." توقفت يداها عن الحركة للحظة، وشعرت بشيء يشبه الانقباض الخفيف في صدرها، ثم سألته: "كيف يعني ينتهي؟" اقترب منها قليلًا، ونظر إليها مباشرة وكأنه يختار كلماته من مكان بعيد: "سأسلم كل الملفات… وكل ما تبقى… وأغلق هذا الملف بالكامل."كانت تلك البداية التي لم تشبه أي بداية سابقة، بل نهاي

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٥

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم يعد البيت كما كان من قبل، ولم تعد تالين أيضًا كما كانت في الأيام التي سبقت هذا الهدوء الجديد. كان هناك تغيّر يحدث بصمت، لا يعلن عن نفسه ولا يطلب الاعتراف، لكنه يترك أثره في كل شيء؛ في طريقة جلوسها، في تنفسها، في نظرتها حين تقع على شهاب دون أن تدرك أنها لم تعد تراه بالخوف ذاته الذي كان يسبق حضوره. لم يكن الألم قد اختفى، لكنه لم يعد يحتل المساحة كاملة كما كان يفعل، كأنه تراجع قليلًا إلى الخلف ليمنح شيئًا آخر فرصة الظهور، شيئًا أشبه بالسكينة المترددة.كانت تالين تجلس على الأريكة، والطفل نائم بجانبها، وجسدها مستند بخفة لا تشبه ذلك التوتر القديم الذي كان يسكن كتفيها دائمًا. وجهها بدا أخف، كأن التعب الطويل بدأ يهدأ في ملامحه دون أن يختفي تمامًا. حين دخل شهاب الغرفة بهدوءه المعتاد، لم تتحرك كما كانت تفعل سابقًا، لم تُشدّ ملامحها ولم تتصلب، بل رفعت نظرها إليه فقط، ثم ابتسمت. كانت ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها بالنسبة لها كانت شيئًا غير مألوف، وكأنها خرجت من مكان داخلي لم يكن يستخدم منذ وقت طويل. والأغرب أنها وصلت إليه مباشرة.توقف للحظة، وكأنه يحاول قراءة هذا التغ

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٤

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًافي الأيام التي تلت ذلك، لم يكن كل شيء قد استقر كما يبدو من الخارج، لكن شيئًا خفيًا كان يتشكل بهدوء، كطبقة دافئة تُضاف فوق تعب طويل. لم يكن هناك سلام كامل، بل نوع مختلف من الحياة، حياة تمشي على حافة الإرهاق لكنها تحمل بين طياتها دفئًا صغيرًا لا يُفسَّر بسهولة، أشياء لا تُقال لكنها تُفهم من نظرة، من حركة يد، من صمت لا يبدو فارغًا هذه المرة.كانت تالين تجلس على الأريكة، تحتضن طفلها بين ذراعيها، تحاول أن تمنحه الرضاعة بهدوء متماسك، لكن داخلها لم يكن هادئًا تمامًا. جسدها مشدود قليلًا، وكتفاها يحملان توترًا خفيًا لا تستطيع إخفاءه، خصوصًا مع وجود شهاب في الغرفة نفسها. كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها أكثر وعيًا بكل حركة تقوم بها، وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة حين يكون قريبًا.شهاب كان واقفًا قرب النافذة، لا يتدخل، لا يقتحم المسافة بينها وبين طفلها، لكنه في الوقت نفسه لم يكن غائبًا. عينيه كانتا تعودان إليها بين لحظة وأخرى، بهدوء مراقب لا يحمل استعجالًا، وكأنه يمنحها مساحة من جهة، ويظل حاضرًا فيها من جهة أخرى. هذا التوازن تحديدًا هو ما جعل توترها لا يهدأ تمامًا.ق

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٣

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ أسبوعان على الولادة، لكن الزمن بدا وكأنه فقد طريقه المعتاد داخل هذا البيت. لم يعد يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر: بكاء خفيف من الغرفة المجاورة، حركة طفلة جديدة في الحياة، وخطوات هادئة لشهاب بدأت تملأ الفراغ الذي كان يبتلعه سابقًا. لم يعد الصمت هو السيد هنا، بل شيء أشبه بتوازن هش بين التعب والطمأنينة.تالين كانت تجلس على السرير، تحمل طفلها بين ذراعيها كأنها ما زالت تتعلم كيف تصدّق وجوده. ملامحه الصغيرة كانت تستقر في عينيها طويلاً، كأنها تحفظه لا تراه فقط، وكل نفس منه كان يعيد ترتيب شيء داخلها لم تكن تعرف أنه ما زال قابلًا للترتيب. كان وجهها مرهقًا، لكن التعب هذه المرة لم يكن انكسارًا، بل أثر حياة بدأت تتشكل من جديد فوق أنقاض ما قبلها.شهاب وقف عند الباب في البداية دون أن يدخل، يراقب المشهد بصمت طويل. لم يكن ذلك التردد القديم الذي يسبق حضوره، بل نوع مختلف من السكون، كأنه يخشى أن يفسد اللحظة بمجرد أن يخطو خطوة خاطئة. كان ينظر إليهما وكأنهما شيء لا يريد أن يلمسه الزمن، شيء يستحق أن يُحفظ كما هو ولو للحظة واحدة."هل نام؟"سأل أخيرًا بصوت

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧٢

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًالم تعد اللحظة داخل الغرفة تحتمل أي تأجيل، وكأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد طويل لثقل هذه الدقائق التي انضغط فيها الزمن حتى صار أشبه بفراغ مشدود على حافة الانفجار. الأوامر الطبية تتسارع، الأيدي تتحرك، والأصوات تتداخل بين توجيه ونداء، بينما الهواء نفسه بدا أكثر كثافة من أن يُتنفس بسهولة.تالين كانت هناك، لكنها لم تكن هناك بالكامل. جسدها على السرير، ممسكة بحافته وكأنها تتشبث بآخر نقطة ثابتة في عالم يتفكك حولها، ويدها الأخرى تبحث بشكل غريزي عن شيء يمنعها من السقوط داخل الألم وحده. كانت تتنفس بصعوبة، كل نفس يخرج منها وكأنه انتصار صغير على موجة جديدة من الانقباضات التي تعود أقوى من السابقة. عيناها نصف مفتوحتين، زائغتين بين السقف والوجوه حولها، لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تبحث عنها لم تكن في أي منهم.كانت في الباب.وعندما انفتح، لم يحدث شيء في الغرفة سوى أن الزمن نفسه بدا وكأنه توقف لحظة قصيرة، احترامًا لذلك الدخول الذي لم يكن عاديًا. شهاب وقف عند العتبة، جسده متوتر كوتر مشدود، وعينيه تمسكان بها كما لو أنه يخشى أن تختفي إذا رمش. لم يكن في نظرته خوف واضح، ولا راحة

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧١

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًامرّ الدفن على تالين كأنه حدث وقع في عالم آخر، عالم يخص غرباء لا يخصها، رغم أن قلبه انغرس في صدرها أكثر من أي أحد. عاد البيت بعده ساكنًا على نحو غير طبيعي؛ سكون لا يشبه الراحة بل يشبه الفراغ بعد العاصفة. لا أصوات زائرين، لا رنين هواتف، لا حركة سوى خطوات رند الخفيفة وهي تتنقل بين الغرف كأنها تخشى أن تزعج الحزن إذا رفعت صوتها. حتى الهواء بدا أثقل، كأن الجدران امتصت البكاء واحتفظت به داخلها. لم تعد تالين تجلس قرب النافذة كما كانت تفعل من قبل، بل اختارت زاوية أبعد عن الضوء، في الداخل، حيث لا تصل الشمس كاملة ولا تصل الحياة كاملة. كانت تجلس هناك منحنية قليلًا، يداها ساكنتان فوق حضنها، وعيناها غارقتان في مكان لا يراه أحد. وضعت رند كوب ماء أمامها وقالت برفق: "اشربي قليلًا." لم تمد يدها إليه. عادت رند تقول: "تالين... أنتِ لا تأكلين منذ يومين." أجابت بصوت خافت خالٍ من الانفعال: "لا أشعر بالجوع." قالت رند بصرامة محبطة: "هذا ليس جوابًا." عندها رفعت تالين عينيها ببطء، وكانت فيهما مسافة مرهقة، وقالت: "أنا لا أشعر بشيء أصلًا."في الجهة الأخرى، داخل الغرفة البيضاء التي صا

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ١٠

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا في صباح اليوم التالي، استيقظت تالين قبل صوت المنبّه لأول مرة منذ بداية الفصل الدراسي، وكأن جسدها سبق عقلها إلى موعد لا يريد الاعتراف بأهميته. فتحت عينيها ببطء، ثم جلست فجأة وهي تشعر بتيار خفيف من التوتر يسري فيها. التفتت نحو الساعة، السادسة والنصف. حدقت بالأرقام المض

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٩

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا جلست تالين على سريرها تحدق في شاشة هاتفها كما لو أن الكلمات ستتبدل إذا منحتها مزيدًا من الوقت. كانت الرسالة قصيرة، عادية في ظاهرها، لكنها سقطت في قلبها كحجر: "أرجعي الظرف غدًا... ولا تفتحيه." رفعت عينيها ببطء إلى الظرف المفتوح في يدها، ثم إلى الصورة القديمة، ثم إلى ا

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٨

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا وقفت تالين في ساحة الجامعة تراقب شهاب وهو يبتعد بخطوات سريعة، كأن الأرض تعرف وجهته قبله، حتى ابتلعه الزحام واختفى عند بوابة الكلية. بقيت مكانها لثوانٍ طويلة لا تعرف لماذا لم تتحرك، كأن شيئًا منها سار معه وتركها فارغة على نحو خفيف ومؤلم في آن واحد. لم يكن ما شعرت به مج

  • حين جلس بقربي ، أحببته متأخرًا   ٧

    حين جلس بقربي، أحببته متأخرًا في تلك الليلة، استعصى النوم على تالين كما لو أن السرير صار أرضًا غريبة لا تعرف كيف تستقر فوقها. كانت كلما أغمضت عينيها يعود إليها مشهد شهاب واقفًا قرب بوابة الجامعة، يخبئ إرهاقه خلف ملامحه الجامدة، وينتظر معها كأن الأمر لا يعني شيئًا، كأنه تفصيل عابر لا يستحق الذكر. ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status