LOGINلم تستطع سو-آه النوم بسهولة تلك الليلة؛ فقد كان السرير يبدو كأرضٍ قاحلة من القلق، وكلما أغمضت عينيها، ارتدت إليها كلمات هيتشول كأنها صدى يتردد في غرفتها المظلمة: "لأنهم لا يبحثون عن الحقيقة... بل عن قصة تبيع". كانت تلك الجملة تمثل جداراً فاصلاً بين حياتها البسيطة التي عرفتها، وبين المجهول الذي ينتظرها في الخارج. تمتمت وهي تقلب الوسادة، في محاولة يائسة لاستجماع بقايا هدوئها: "ومن سيهتم بقصتي أصلًا؟ أنا لستُ سوى طالبة في إ industrial management، حياتي ليست دراما سينمائية... لماذا يهتمون بي؟". أ
لم تدخل سو-آه غرفة التحقيق هذه المرة وهي تتوقع شيئًا جديدًا أو مألوفًا؛ فبعد الأيام الماضية الطويلة والمريرة، بدأت تحفظ شكل الأسئلة ونبرتها الباردة قبل أن تُطرح حتى. لكن المحقق لم يفتح ملف الشهادات المعتاد عند جلوسه. وضع أمامه جهازًا لوحيًا أسود، ثم رفع عينيه إليها بهدوء وقال: "اليوم لن نضيع الوقت.. سنعود مباشرة إلى قضية الكاميرات." جلست سو-آه باستقامة وصلابة على المقعد، وقالت بصوت ثابت: "لقد قلت لكم كل ما أعرفه عن هذا الأمر." "نعرف ذلك جيدًا يا سو-آه." ثم أردف وهو يثبت عينيه الحادتين عليها: "ولهذا السبب بالتحديد، نريد أن نعرف شيئًا آخر." ضغط بإصبعه على شاشة الجهاز اللوحي، لتظهر على الفور صورة فوتوغرافية واضحة لممر طويل داخل المصنع. سأل بنبرة فاحصة: "لماذا كنتِ مهتمة طوال ذلك الوقت بالاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة؟" أجابت دون تردد:
دخل المحقق غرفة التحقيق بعد الظهر بقليل، بخطوات هادئة ومدروسة. لم يحمل معه الملف السميك المعتاد هذه المرة، بل كان في يده ظرف بني صغير ومغلق بإحكام. وضعه بهدوء أمام سو-آه على الطاولة الخشبية، ثم جلس مقابلها ونظر إليها بتمعن: "اليوم لن نتحدث عن تفاصيل المصنع وسجلاته." نظرت إلى الظرف المريب، ثم رفعت عينيها إليه بجمود: "عن ماذا سنتحدث إذن؟" مد يده وفتح الظرف، ليخرج منه مجموعة من الأوراق والصور المطبوعة: "سنتحدث عن هيتشول." ثبتت سو-آه عينيها على يده فورًا، وشعرت بقبضة خفية تعتصم صدرها. سألت بصوت مشدود: "وما علاقة هيتشول بالتحقيق الجاري؟" أجاب ببرود: "هذا بالضبط ما نحاول معرفته وإثباته." أخرج ورقة من الظرف وأمعن النظر فيها: "هل كانت هناك أي علاقة خاصة تجمع بينكِ وبين هيتشول قبل وقوع حادث المصنع؟" أجابت فورًا دون تردد ودون أن تبعد عينيها عنه: "لا.. أبدًا." دوّن المحقق إجابتها بقلمه: "هل أنتِ متأكدة تمامًا من إجابتكِ؟" "نعم
دخلت الفتاة الأولى غرفة التحقيق بعد الظهر بقليل بخطوات مترددة. كانت إحدى الطالبات اللواتي كنّ ضمن مجموعة المشروع يوم الحادث المشؤوم. جلست على المقعد المقابل للمحقق، بينما بقيت سو-آه جالسًة في صمت بالجهة الأخرى من الغرفة، تحدق في وجه الفتاة وتستمع إلى كل حرف سيُقال. فتح المحقق الملف السميك وقال بنبرة هادئة: "هل تعرفين سو-آه جيدًا؟" أجابَت بصوت منخفض: "نعم.. كنا زميلات في الدفعة." "هل لاحظتِ أي تصرفات غير طبيعية أو مريبة منها يوم الحادث؟" خفضت الفتاة عينيها نحو الأرض للحظة، ثم قالت بتهتهة: "لقد.. كانت غاضبة ومستاءة طوال الوقت." رفعت سو-آه رأسها بحدة واعتراض: "غاضبة؟" نظر إليها المحقق بنظرة حازمة: "دعي الشاهدة تكمل كلامها أولاً." تابعت الفتاة بارتباك: "كانت تتحدث باستمرار عن المصنع وعن استهتار الإدارة. وقالت لي بوضوح إن هناك أشياء خطيرة مخفية عنا." سألها المحقق بتركيز: "هل ذهبت أبعد من ذلك؟ هل قالت إنها تريد الانتقام منهم؟"
وفي المساء، أعيدت سو-آه مجددًا إلى الغرفة الباردة المخصصة للموقوفين مؤقتًا. جلست على السرير الخشبي الصلب، وأخرجت ورقة الاستدعاء القديمة من حقيبتها الصغيرة. حدقت فيها مطولًا؛ فقبل أيام قليلة فقط، كانت تلك القضية مجرد شيء عابر قررت تركه خلفها والابتعاد عنه، والآن.. أصبح كل تفصيل صغير من ذلك اليوم الملعون يُستخدم كسلاح موجه ضد رأسها. طوت الورقة بعناية، ووضعتها جانبًا. ثم رفعت رأسها المفزوع عندما سمعت صوت قفل الباب يُغلق بقسوة من الخارج. ولم تكن تدري بعد أن أول تناقض صغير ظهر في السجلات لم يكن سوى بداية لسلسلة طويلة ومرعبة من الأكاذيب التي ستُكتب باسمها وحدها.. دون أن تكون قد نطقت بكلمة منها أبدًا.لم تتحرك ولم تنطق بحرف. حدقت فيه مطولًا، وكأن الكلمات الصادمة استغرقت وقتًا طويلًا لتصل إلى عقلها. قفز المحامي بسرعة قائلًا: "سنطعن في هذا القرار فورًا!" لكنها لم تسمعه جيدًا، فقد كانت عيناها معلقتين بالورقة المشؤومة.
"ما الغريب في الأمر؟" "لأن سجل الدخول إلكتروني ولا يمكن التلاعب به بسهولة." صمتت سو-آه تمامًا، وعجزت عن إيجاد تفسير مقنع يحارب الأرقام الجامدة. أغلق المحقق الورقة ووضعها جانبًا قائلًا: "لنترك هذا البند مؤقتًا." ثم تابع: "إذن، إلى أين ذهبتِ فور دخولكِ؟" "إلى القسم الرئيسي في المصنع." "لماذا؟" "لأن المشرف كان بانتظار مجموعتنا هناك." "ثم ماذا حدث؟" "بدأ يشرح لنا إجراءات السلامة وقواعد الموقع." "كم استغرق ذلك الوقت؟" "نحو عشرين دقيقة تقريبًا." "وبعد انتهاء الشرح؟" "انقسمت المجموعة للبدء بالعمل." "وأين ذهبتِ أنتِ بالتحديد؟" "إلى القسم الجانبي." "لماذا اخترتِ ذلك القسم؟" "لأننا كنا بحاجة ماسة لجمع معلومات ميدانية للمشروع."
لم تعد سو-آه تعرف كم ساعة مرّت منذ مُنعت من مغادرة المركز. في البداية، كانت تجلس في الغرفة نفسها وتنتظر وصول محاميها، ثم بدأت الأبواب تُفتح وتُغلق أمامها بلا توقف؛ موظفون يدخلون بملفات، ومحققون يتبادلون الأوراق العاجلة، وفي كل مرة كانت تسأل فيها عن سبب بقائها، يأتيها الجواب ذاته باقتضاب: "انتظري." حتى دخل المحامي أخيرًا وبخطوات سريعة. جلس إلى جوارها، فتح حقيبته الجلدية، وأخرج نسخة مطبوعة من ملف القضية الجديد. قال بصوت منخفض: "علينا أن نتحدث بهدوء وتأنٍ." نظرت إليه بترقب: "ماذا حدث هناك؟" لم يجب مباشرة، بل قلب عدة صفحات بتردد، ثم وضع إحداها أمامها مباشرة على الطاولة. قال: "ظهرت اتهامات جديدة خطيرة." حدقت في الورقة المطبوعة، قرأتها مرة بتمعن، ثم رفعت عينيها إليه بذهول: "ما معنى هذا الكلام؟" أجابها المحامي بجدية بالغة: "هم لم يعودوا يتعاملون معكِ كشاهدة في ال
في صباحٍ باكرٍ شديد البرودة، كانت ممرات دار الرعاية القديمة غارقة في صمتٍ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى صرير الأبواب الخشبية العتيقة تحت وطأة لفحات الرياح الخفيفة. فتحت المشرفة الباب الرئيسي للممر ببطء وهي تحمل في يدها باقة مفاتيحها المعدنية الثقيلة التي أصدرت رنيناً رتيباً، لكنها توقفت فجأة بجسد متصلب ع
كانت رائحة المكان غريبة، مزيجاً متناقضاً من علكة الفراولة الاصطناعية، وسائل صابون الأواني، ورائحة الدخان العتيق العالق في أركان الجدران الخشبية للبقالة. تعلمتُ بسرعة كيف أرتّب البضاعة، وأستخدم الآلة الحاسبة القديمة ذات الأزرار الصلبة، وكيف أتعامل مع الزبائن المارين بالحي. لم يكن الأمر صعباً في حد ذا
كان الصباح في أروقة الجامعة ثقيلاً وخانقاً على غير عادته، كأن الهواء امتص طاقة الجميع ليتركنا أجساداً باهتة تتحرك بلا غاية. لم أكن قد نمت جيداً في الليلة الماضية، أو ربما نمت أكثر مما ينبغي؛ لم أعد أفرّق بين الأمرين، فالأرق والنوم الطويل باتا يتشابهان في تركهما نفس الصداع المزمن في رأسي. جلست في زاو
لكن هذا الصباح… مختلف. اليوم، أعود إلى المكان الذي هربت منه: دار الأيتام. لم يكن الأمر طوعياً بالكامل، فقد انتهى عقد السكن الجامعي ولم أملك رفاهية الانتظار حتى أجد بديلاً. لا أقارب، لا صديقات، ولا أموال تكفي لفندق، لذا… كان الخيار الوحيد أن أعود مؤقتاً إلى الجدران التي صنعتني. وقفتُ أمام الباب الحد