Share

Part 5

last update publish date: 2026-05-19 02:05:15

خرج اسمُه منها بعفوية ممزوجة بالخوف، بينما تجمد الجميع لثوانٍ قبل أن يبدأ الموظفون بالتجمع حوله بسرعة.

إيمان: إيه اللي حصل؟

ركعت شهد بجواره فورًا، وعيناها تمتلئان بالقلق وهي تحاول مساعدته على الجلوس.

شهد: إنت كويس؟ رد عليّا

فتح عدي عينيه بصعوبة، بينما ظهرت ملامح الألم بوضوح فوق وجهه، وانقبض فكه بقوة وهو يحاول تحريك ذراعه دون جدوى.

عدي: كتفي… مش قادر أحركه…

شعرت شهد بانقباض قلبها، لكنها تماسكت سريعًا، وكأن عقلها فصل مشاعرها تمامًا عن الموقف.

رفعت رأسها بحزم وقالت دون تردد

شهد: لازم مستشفى فورًا.

كان صوتها ثابتًا بصورةٍ أدهشت حتى نفسها.

ساعدته على الوقوف رغم ثقل جسده واعتماده الجزئي عليها، بينما كان الألم واضحًا في ملامحه، لكن عينيه ظلتا معلقتين بها للحظات طويلة.

كانت هادئة بشكلٍ غريب… هادئة أكثر مما ينبغي في موقفٍ كهذا.

خرجوا بسرعة من الشركة وسط نظرات الموظفين القلقة، بينما كانت شهد تسير بجواره بخطواتٍ ثابتة، تحاول دعمه قدر استطاعتها دون أن تُظهر ارتباكها.

وفي الطريق…ساد صمتٌ ثقيل داخل السيارة، لم يقطعه سوى صوت أنفاس عدي المتقطعة من شدة الألم.

أما هو، فكان يراقبها بين الحين والآخر بنظراتٍ متعجبة.

كانت تقود الموقف بثبات، تتحرك بسرعة، تتحدث مع المستشفى عبر الهاتف، وتحاول الوصول في أسرع وقت ممكن، وكأن الخوف لا يعرف طريقه إليها.

وأخيرًا، قطع الصمت بصوتٍ منخفض يحمل دهشة حقيقية

عدي: إنتي مش خايفة؟

أبقت شهد عينيها أمام الطريق، بينما قبضت يدها قليلًا فوق حقيبتها قبل أن تجيب بهدوءٍ غريب

شهد: مفيش وقت للخوف.

ساد الصمت مجددًا بعد كلماتها القصيرة…

لكن شيئًا ما تحرك داخل عدي عند سماعها.

لأنها لم تقلها كشخصٍ شجاع فقط… بل كشخصٍ اعتاد أن يبتلع خوفه حتى ينجو.

وصلوا إلى المستشفى أخيرًا بعد دقائق بدت أطول بكثير مما هي عليه.

ما إن توقفت السيارة أمام قسم الطوارئ حتى أسرعت شهد بالنزول، ثم ساعدت عدي على التحرك رغم الألم الواضح على ملامحه.

كانت خطواته ثقيلة، بينما قبضته تشتد فوق كتفه المصاب، لكن شهد لم تسمح لارتباكها بالظهور، وظلت تتحرك بسرعة وهي تطلب المساعدة من الممرضين.

وخلال لحظات، أُدخل عدي إلى غرفة الطوارئ، واختفى خلف الأبواب البيضاء تاركًا شهد وحدها في الخارج.

فجأة… شعرت بالهدوء المصطنع الذي كانت تتشبث به ينهار تدريجيًا.

وقفت في الممر البارد تضم يديها إلى بعضهما بتوتر، بينما كانت عيناها معلقتين بباب الغرفة المغلق.

دقات قلبها كانت مضطربة بشكلٍ لم تفهمه.

هي تعلم أن الحادث لم يكن خطأها… لكن شيئًا بداخلها جعلها تشعر بمسؤولية غريبة، وكأن مجرد وجودها بالمكان جعل كل ذلك يحدث.

تنهدت ببطء وهي تمرر يدها فوق جبينها المتعب، ثم جلست للحظات قبل أن تعود للوقوف مجددًا بعجزٍ واضح عن الثبات.

كانت تكره الانتظار… لأن الانتظار دائمًا يجعلها تواجه أفكارها..... وبعد دقائق طويلة، خرج الطبيب أخيرًا وهو يخلع قفازه الطبي بهدوء.

انتفضت شهد من مكانها بسرعة واتجهت نحوه بقلق ظاهر.

شهد: هو كويس…؟

ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة قبل أن يجيب

الطبيب: متقلقيش، الإصابة بسيطة في الكتف، مجرد التواء وكدمة قوية… بس محتاج راحة كام يوم.

شعرت شهد وكأن حملًا ثقيلًا انزاح فجأة عن صدرها.

أغمضت عينيها للحظة وهي تزفر أنفاسها براحة واضحة.

شهد: الحمد لله…

وبعد دقائق، فُتح الباب مجددًا، ليخرج عدي من غرفة الكشف بخطواتٍ أبطأ من المعتاد، بينما التف رباطٌ طبي حول كتفه المصاب.

بدا متعبًا قليلًا، لكن ملامحه كانت أكثر هدوءًا الآن.

ما إن وقعت عيناه عليها حتى توقفت خطواته للحظة قصيرة.

أما شهد، فوقفت أمامه بصمت، تنظر إليه وكأنها تتأكد بنفسها أنه بخير فعلًا.... ساد بينهما صمتٌ غريب…

صمت لم يكن مريحًا تمامًا، لكنه لم يكن مزعجًا أيضًا.

مجرد لحظة طويلة امتلأت بأشياء كثيرة لم تُقال.

كانت شهد أول من أبعد عينيه بخجلٍ خفيف، بينما ظل عدي يراقبها بصمت، وكأنه يحاول فهم تلك الفتاة أكثر.

فهي منذ اللحظة الأولى تبدو مختلفة…

هادئة، لكنها تخفي عاصفة كاملة بداخلها.

ظل الصمت يحيط بهما للحظات، بينما كانت أصوات الممرضين وحركة المرضى من حولهما تمر كضجيجٍ بعيد لا يصل إليهما بالكامل.

كان عدي يستند قليلًا إلى الحائط، ويده السليمة تتحرك بحذر فوق الرباط الطبي المثبت على كتفه، بينما عيناه لم تبتعدا عن شهد.

أما هي، فكانت تقف أمامه بتوترٍ خفيف، تحاول إقناع نفسها أن ما تشعر به الآن مجرد قلق عابر لا أكثر.

لكن نظراته كانت تربكها بطريقةٍ غريبة.

قطع عدي الصمت أخيرًا بصوتٍ هادئ، حمل امتنانًا صادقًا لم يحاول إخفاءه

عدي: إنتِ السبب إني لسه واقف.

اتسعت عينا شهد قليلًا، ثم هزّت رأسها بسرعة وكأنها ترفض أن يُنسب لها أي فضل.

شهد: أنا بس حاولت أساعد.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، صغيرة لكنها حقيقية، وكأن كلماتها البسيطة راقت له أكثر مما ينبغي.

عدي: على الأقل… ما سبتيش حد يقع لوحده.

توقفت أنفاس شهد للحظة قصيرة عند جملته.

كانت مجرد كلمات عابرة بالنسبة لأي شخص… لكنها لامست شيئًا عميقًا بداخلها.... شيئًا اعتاد السقوط وحده.

خفضت عينيها بخجلٍ بسيط، بينما تحركت أصابعها بتوتر حول حافة حقيبتها الصغيرة.

شهد: المهم إنك بخير.

ظل عدي يتأملها لثوانٍ، وكأنه يحاول حفظ ملامحها الهادئة داخل ذاكرته، ثم قال فجأة

عدي: إنتِ شهد… صح؟

رفعت عينيها إليه مباشرة، وقد تفاجأت أنه يتذكر اسمها رغم كل ما حدث

شهد: أيوه.

ساد الصمت لثانية قصيرة، قبل أن يتنهد عدي بخفة ويقول بصوتٍ منخفض هادئ

عدي: أنا فاكر الاسم كويس…

ارتبك قلبها دون سببٍ واضح.

أما هو، فكان ينظر إليها بنظرةٍ مختلفة الآن… ليست مجرد نظرة مدير لموظفة جديدة، ولا نظرة امتنان لشخصٍ ساعده.

بل نظرة شخصٍ بدأ يشعر أن ظهورها في حياته لم يكن صدفة عابرة كما ظن في البداية.

في تلك اللحظة، اخترق صمت الممر رنين هاتف شهد.

توقفت يدها في الهواء لثانية، ثم أخرجت الهاتف ببطء، وعيناها لم تكن قد استقرت بعد على عدي، الذي كان ما زال يراقبها بصمتٍ هادئ.

نظرت إلى الشاشة…رقم غريب.

ترددت لوهلة، شعورٌ غامض وثقيل تسلل إلى صدرها، قبل أن تفتح الرسالة.

وفي اللحظة نفسها… تغير كل شيء في ملامحها.

(لسه فاكرة إنك هتبدأي من جديد؟)

تجمدت أناملها فوق الهاتف، وكأن أصابعها فقدت قدرتها على الحركة..... حدقت في الكلمات بصمتٍ طويل، بينما بدأ نبضها يتسارع بشكلٍ غير طبيعي.

لم تستوعب… أو ربما استوعبت لكنها رفضت التصديق.

ثم قبل أن تمنح نفسها فرصة للتنفس، وصلت رسالة أخرى…

(أنا رجعت يا شهد…)

ارتعشت يدها فجأة، وانسحب اللون من وجهها تدريجيًا.

رفعت عينيها ببطء، لكن نظرتها لم تعد ترى المكان حولها بوضوح.

الممر، الناس، الأصوات… كل شيء بدأ يتلاشى في خلفية بعيدة، كأن العالم ضاق فجأة ليصبح مجرد شاشة هاتف...... شهقت أنفاسها بصوتٍ خافت، بينما قبضت على الهاتف بقوة كأنها تحاول منع الأرض من الانزلاق تحتها.

قُصي…اسم واحد فقط، كان كافيًا ليهدم كل ما حاولت بناءه بصمت.... كأن الماضي لم يكتفِ بأن يُدفن… بل قرر أن ينهض من قبره في أسوأ لحظة ممكنة.

شعرت بثقلٍ مفاجئ على صدرها، وارتجفت شفتاها دون أن تنطق بكلمة.

وفي تلك اللحظة، لم تعد شهد تلك الفتاة الهادئة التي تقف بثبات أمام أي شيء.... بل أصبحت مرة أخرى… شخصًا يواجه شيئًا ظن أنه انتهى منذ زمن.

وما لم تكن تعرفه بعد… أن عدي، الذي كان يقف على بعد خطوات منها، لاحظ كل شيء.

تغير لونها. ارتعاش يدها. انطفاء نظرتها فجأة.

وبينما كانت هي تغرق داخل صدمة صامتة… بدأ هو يشعر أن هناك قصة أكبر بكثير مما قالته له عيناها منذ البداية

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إز

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم تجرؤا على الارتفاع كثيرًا، لكنها رغم ذلك كانت تشعر به.قُصي.وجوده وحده داخل المكان كان كافيًا ليبعثر كل محاولاتها للتماسك.كان يجلس على الجانب المقابل من الطاولة، بكامل هدوئه المعتاد، يشارك الحديث أحيانًا، ويستمع أغلب الوقت… لكن عيناه، رغم كل شيء، كانتا تعودان إليها باستمرار.نظرات قصيرة… هادئة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتربك أنفاسها في كل مرة.حاولت شهد التركيز في الملفات أمامها، في صوت المتحدث، في أي شيء يبعدها عن ذلك الإحساس الخانق، لكنها كانت تشعر بنظراته حتى دون أن تراه.وكأن الماضي جلس معهم على نفس الطاولة.أما عدي… فقد بدأ يلاحظ.في البداية ظن الأمر مجرد مصادفات عابرة، لكن مع مرور الوقت، أصبح انتباه قُصي تجاه شهد واضحًا بصورة لا يمكن تجاهلها.كلما تحدثت شهد، كان قُصي ينظر إليها. كلما تحرك

  • حين عاد الماضي   Part 1

    في يومٍ جديد، لم تعد تميز فيه بين الأمس والغد، ولا تدري أيّ زمنٍ يبتلعها بصمت. كل ما تعرفه أنها أنهكت، وأن الأيام حين مرّت بها لم تمرّ رحيمة، بل أخذت من روحها أكثر مما أبقت. تسير كأنها ظلٌّ فقد صاحبه، تائهة بين تفاصيل لا تعنيها، ولا شيء يثير فيها رغبة البقاء سوى أملٍ خافت، لا يكاد يُرى، بأن تكون بخير… ولو لمرة واحدة فقط، ولو على هيئة هدنة قصيرة مع نفسها. فما فعلته بها الحياة لم يكن عابرًا، ولا هيّنًا. كان تراكمًا ثقيلًا من خيباتٍ صغيرة، وانكساراتٍ لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها في كل نبضة. حتى قلبها… لم يعد كما كان، وكأن شيئًا ما انكسر فيه وبقي على هيئة صمت. إنها شهد… في العشرين من عمرها، بعينين بنيّتين واسعتين، كأنهما نافذتان لروحٍ كانت يومًا أكثر دفئًا وطمأنينة. وجهٌ قمحيّ هادئ الملامح، لا يصرخ بجمالٍ صارخ، بل يهمس به همسًا خافتًا، كأن الجمال فيها لم يكن يومًا في الشكل فقط، بل في شيءٍ أعمق لا يُرى بسهولة. كانت متوسطة القامة، تمشي كأنها تحمل في خطواتها حكاياتٍ لا تُقال، وذكرياتٍ لا تجد طريقها إلى النسيان. جمالها الحقيقي لم يكن يومًا في تفاصيلها الخارجية فحسب، بل في روحها… في

  • حين عاد الماضي   part 2

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه. الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها. كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت. ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة. وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت. داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أ

  • حين عاد الماضي   part 3

    في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا. ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء. شهد: ألو يا ماما؟ جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة. أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟ سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا شهد: الحمد لله… اتقبلت. في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا. ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها. وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان

  • حين عاد الماضي   Part 4

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها. كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ. كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها. لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد. في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات. إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد. لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه. وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status