Share

part 6

last update publish date: 2026-05-19 20:11:26

في تلك الليلة، لم تعرف شهد إن كانت قد نامت فعلًا أم أنها ظلت طوال الوقت عالقة بين الذكريات والقلق. كانت مستلقية فوق فراشها، تحدّق في سقف الغرفة بعينين مرهقتين، بينما تتكرر كلمات الرسالة داخل رأسها بصورةٍ أنهكتها أكثر مما كانت تتوقع.

“أنا رجعت يا شهد…”

أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول الهروب من الصوت الذي يلاحقها داخلها، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة. قُصي لم يكن مجرد شخصٍ مرّ بحياتها وانتهى… بل كان جزءًا من قلبها يومًا، جزءًا ظنت أنها دفنته مع الوقت، لكنه عاد الآن ليطرق أبواب ذاكرتها بعنفٍ أربك كل شيء.

التفتت ببطء فوق الفراش، ثم سحبت الغطاء حولها أكثر، وكأنها تحاول الاحتماء من أفكارها. لكن النوم ظل بعيدًا عنها.

كانت كلما أغلقت عينيها، عاد وجهه إليها… ابتسامته القديمة، طريقته الهادئة في الحديث، نظرته التي كانت تجعلها تشعر بالأمان رغم العالم كله. ثم يعود معها الألم ذاته… رحيله المفاجئ، صمته الطويل، وتركه لها تواجه كل شيء وحدها.

تنهدت بصعوبة، ثم مدت يدها نحو هاتفها الموضوع بجوارها. ترددت للحظات قبل أن تفتحه مجددًا، وكأن جزءًا منها كان يخشى رؤية الرسائل مرة أخرى، بينما الجزء الآخر لم يستطع مقاومة الرغبة في التأكد أنها حقيقية.

حدّقت في الشاشة طويلًا. لا اسم ظاهر… فقط رقم غريب. لكن قلبها كان يعرف صاحبه جيدًا.

ارتجفت أناملها قليلًا فوق الهاتف، قبل أن تغلقه بسرعة وتضعه بعيدًا عنها، وكأن مجرد النظر إليه يعيد فتح جرحٍ لم يلتئم يومًا.

همست بصوتٍ متعب: ليه دلوقتي…؟

لكن السؤال ظل معلقًا في الهواء دون إجابة.

✨✨✨✨✨✨✨

في صباح اليوم التالي، بدا الإرهاق واضحًا فوق ملامح شهد رغم محاولتها إخفاءه. الهالات الداكنة أسفل عينيها ازدادت وضوحًا، وعيناها فقدتا ذلك الهدوء البسيط الذي عاد إليهما بالأمس.

جلست أمام المرآة تُصفف طرحتها ببطء، بينما عقلها ما يزال غارقًا في دوامة الليلة الماضية. كانت تحاول أن تبدو طبيعية… فقط ليومٍ واحد دون خوف، دون ارتباك، دون أن يعبث الماضي بتوازنها من جديد.

خرجت من غرفتها بهدوء، فرفعت أمها عينيها إليها فورًا. تأملتها للحظات بصمتٍ قصير، ثم قالت بقلقٍ خافت:

أم شهد: مالك يا حبيبتي؟ شكلك تعبانة.

ارتبكت شهد قليلًا، ثم أجبرت شفتيها على ابتسامة صغيرة.

شهد: مفيش… بس نمت متأخر شوية.

لم تبدُ أمها مقتنعة تمامًا، لكنها لم تضغط عليها. اقتربت منها وربتت فوق كتفها بحنان.

أم شهد: خدي بالك من نفسك… وإوعي تشيلي فوق طاقتك.

اهتز شيءٌ صغير داخل قلب شهد عند كلماتها، لكنها اكتفت بهز رأسها بهدوء، ثم التقطت حقيبتها وغادرت قبل أن تسألها أمها المزيد.

✨✨✨✨✨✨✨

داخل الشركة، حاولت شهد الانشغال بالعمل قدر استطاعتها. كانت تتحرك بين الملفات والاجتماعات الصغيرة بتركيزٍ واضح، وكأنها تُجبر عقلها على التفكير في أي شيء آخر غير الرسائل التي قلبت هدوءها رأسًا على عقب.

لكن رغم ذلك… كان التوتر يفضحها أحيانًا.

مرة تُخطئ في ترتيب الأوراق، ومرة تتوقف للحظات شاردة قبل أن تنتبه لنفسها سريعًا. وقد لاحظت إيمان ذلك منذ الصباح.

إيمان وهي تراقبها باستغراب: شهد… إنتِ معانا؟

رفعت شهد عينيها بسرعة، ثم أومأت بخفة.

شهد: آه… سرحت بس.

ضيقت إيمان عينيها قليلًا، وكأنها تحاول فهم ما وراء ذلك الشرود، لكنها ابتسمت في النهاية قائلة بمزاحٍ خفيف:

إيمان: واضح إن الشغل خطف قلبك من أول يوم.

ابتسمت شهد ابتسامة باهتة، بينما عاد عقلها مرة أخرى إلى الهاتف الصامت داخل حقيبتها.

ومن بعيد… كان عدي يراقبها بصمت.

يقف عند باب مكتبه، وعيناه تتبعان تفاصيلها دون أن يشعر. لاحظ شحوب وجهها، تشتتها الواضح، والطريقة التي كانت تتنهد بها أحيانًا وكأنها تحمل فوق قلبها حملًا أثقل منها.

شيء ما لم يكن طبيعيًا.

تردد للحظة، ثم تحرك أخيرًا نحوها بخطوات هادئة.

عدي: شهد.

رفعت رأسها فور سماع صوته، فالتقت عيناها بعينيه للحظة قصيرة جعلتها تشعر بارتباكٍ غريب.

عدي بهدوء: تعالي المكتب شوية.

اتسعت عيناها بتوترٍ خفيف، بينما مرّت عشرات الاحتمالات داخل رأسها دفعة واحدة. هل أخطأت في شيء؟ هل لاحظ تقصيرها؟

أومأت بصمت، ثم تبعته بخطوات مترددة.

✨✨✨✨✨✨✨

دخلت خلفه إلى المكتب الهادئ، وأغلقت الباب برفق. وقف عدي للحظات أمام مكتبه قبل أن يلتفت إليها، بينما كانت شهد تقف في مكانها بتوترٍ واضح تحاول إخفاءه.

عدي: إنتِ كويسة؟

تفاجأت بالسؤال. رمشت عدة مرات وكأنها لم تتوقعه، ثم قالت بسرعة:

شهد: آه… كويسة.

ظل ينظر إليها بصمتٍ قصير، وكأنه يمنحها فرصة لتقول الحقيقة بنفسها.

عدي: مش باين.

خفضت عينيها للحظة، وشعرت بشيءٍ داخلها يضعف أمام طريقته الهادئة. لم يكن فضوليًا أو متدخّلًا… فقط كان يلاحظها، وهذا وحده أربكها أكثر مما ينبغي.

شهد بصوت منخفض: عندي شوية ضغط بس… وهيعدي.

أومأ عدي ببطء، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا. اقترب خطوة بسيطة، ثم قال بهدوءٍ أقل رسمية:

عدي: لو في حاجة مضايقاكي ومحتاجة مساعدة… ماتشيليش كل حاجة لوحدك.

توقفت أنفاسها للحظة.

كانت جملة بسيطة، لكنها أصابت مكانًا حساسًا داخلها. لأنها اعتادت فعلًا أن تحمل كل شيء وحدها.

رفعت عينيها إليه ببطء، ولاحظت للمرة الأولى أن نظرته لم تكن مجرد اهتمام عابر… بل شيء أعمق، شيء جعل قلبها يرتبك بطريقة أخافتها.

ابتعدت بعينيها سريعًا، ثم همست:

شهد: شكرًا.

ساد صمت هادئ بينهما، صمتٌ لم يكن مزعجًا بقدر ما كان محمّلًا بشعورٍ غريب بدأ يتسلل ببطء دون أن يفهمه أيٌّ منهما.

وفجأة… صدر صوت اهتزاز خافت من داخل حقيبتها.

تجمّد جسد شهد بالكامل.

نظرت إلى حقيبتها وكأنها تنظر إلى شيء تخشاه، بينما لاحظ عدي تغير ملامحها فورًا.

اهتز الهاتف مرة أخرى.

ارتجفت أناملها وهي تخرجه ببطء، ثم نظرت إلى الشاشة… الرقم نفسه.

شعرت بأن قلبها يهبط داخل صدرها بعنف.

فتحت الرسالة بترددٍ قاتل، لتظهر أمامها الكلمات:

“لسه بتهربي مني يا شهد؟”

انقطع نفسها للحظة.

وعلى الرغم منها، عادت الذكريات تضرب داخلها بقوة أكبر هذه المرة.

صوته… ضحكته… وذلك الوجع القديم الذي ظنت أنها نجت منه.

لاحظ عدي شحوبها المفاجئ، فتقدّم نحوها بقلق واضح.

عدي: شهد؟

رفعت عينيها إليه ببطء، وكانت نظرتها هذه المرة مختلفة… مرتبكة، خائفة، وكأن شيئًا ما يطاردها فعلًا.

لكن قبل أن تتكلم، وصلت رسالة أخرى.

“مش هينفع تهربي المرة دي.”

شهقت أنفاسها بخفة، بينما بدأت أصابعها ترتجف بصورةٍ واضحة.

وفي تلك اللحظة… أدرك عدي أن الأمر أكبر بكثير من مجرد تعبٍ أو ضغط عمل.

وأن خلف عيني شهد… حكاية كاملة من الخوف لم تُحكَ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   last part

    في الظهيرة…كانت شهد في منزلها، وحور تلعب مع أمها في جو هادئ ودافئ، بينما سليم كان ما يزال نائمًا في الغرفة.شهد بابتسامة خفيفة: ـ إيه ده؟ هو سليم لسه نايم؟حور وهي تضحك: ـ أيوة!شهد: ـ طب روحي صحيه بقى يا حور، عشان هنرجع الإسكندرية تاني.حور بسرعة: ـ لا! أنا عايزة أقعد مع تيته.شهد بهدوء: ـ ومين قال هنسيب تيته؟ هي هتيجي معانا.أم شهد بتردد: ـ بس يا بنتي… أنا مش عايزة أسيب البيت.اقتربت شهد منها: ـ يا ماما إحنا لازم نبقى مع بعض… أنا مش هقدر أسيبك لوحدك.ثم نظرت لحور: ـ وبعدين شغلي هناك، وهأجر شقة ونبقى كلنا مع بعض.حور ببراءة: ـ يعني هتسيبيني أنا وسليم؟وفي اللحظة دي…كان سليم قد استيقظ، لكنه ظل مكانه، يسمع كل شيء بصمت، كأنه عايز يفهم قبل ما يتكلم.ثم نهض وخرج بهدوء.سليم: ـ وأنا مش موافق.التفتوا له.سليم بهدوء ثابت: ـ هتفضلي معانا… زي ما إنتِ وماما معانا.ثم نظر لأمها: ـ لو سمحتي يا أمي… عايز أتكلم مع شهد لوحدنا.أم شهد بابتسامة: ـ حاضر يا ابني.ثم أخذت حور: ـ يلا يا حور نسيبهم شوية.حور وهي خارجة: ـ ماشي…✨✨✨✨✨✨✨✨سكت المكان.سكون مختلف.مش سكون صمت… ده سكون قرار.شهد بصت له: ـ عاي

  • حين عاد الماضي   part 25

    في الليل… حيث السماء صافية والنجوم متناثرة كأنها تراقب بصمت، كانت القاهرة تبدو أكثر هدوءًا من المعتاد.لكن داخل هذا الهدوء… كانت هناك حركة خفيفة في أحد شوارعها.شهد، سليم، وحور كانوا يغادرون الفندق متجهين إلي بيت شهد.الطريق كان طويلًا… والزحام لا ينتهي.وحور من الخلف كانت لا تتوقف عن الكلام والضحك، كأنها ترفض أن تسمح لأي صمت أن يسيطر.أما شهد… فكانت تنظر من النافذة.لكن عينيها لم تكن ترى الطريق.كانت ترى ما هو أبعد.أبعد بكثير.✨✨✨✨✨✨✨✨بعد ساعة من الطريق…توقفت السيارة أمام منزل قديم مألوف.منزلها.نزلت شهد أولًا.وقفت أمام الباب لحظة.ثم ضغطت الجرس.صوت من الداخل:أم شهد: مين؟حور بسرعة من الخلف: ـ حور!توقفت الأم للحظة.ثم قالت بتعجب: ـ مين حور دي؟ثم فتحت الباب.✨✨✨✨✨✨✨✨وفي لحظة واحدة…تجمد كل شيء.الأم لم ترَ أحدًا في البداية.لم ترَ سليم.ولا حور.لم ترَ أي شيء.كانت ترى فقط ابنتها.شهد.وكأن العالم كله اختفى حولها.اندفعت نحوها بسرعة.واحتضنتها بقوة.أم شهد بصوت مخنوق: ـ وحشتيني يا حبيبتي…شهد ودموعها قريبة من العين: ـ وإنتِ كمان يا ماما…ظلت ثوانٍ طويلة في حضنها… كأنها تحاول

  • حين عاد الماضي   part 24

    كان صباح القاهرة مختلفًا عن أي صباح سابق…ليس في شكله، لكن في ثقله.كأن المدينة كلها واقفة على خبر واحد لم يُعلن بعد، لكنه موجود في الهواء.✨✨✨✨✨✨✨✨في الإسكندرية…كانت شهد مستلقية على ظهرها، عينيها مفتوحتين منذ وقت طويل.لم تنم.لم تغمضها حتى للحظة.كانت الساعات تمر ببطء شديد، وكأن الليل نفسه يرفض أن ينتهي قبل أن يثقل قلبها أكثر.كانت تفكر…بهدوء من الخارج، لكن باضطراب شديد في الداخل.في قصي.في اللقاء الذي لم يعد احتمالًا بل حقيقة.في اللحظة التي ستقابله فيها وجهًا لوجه.وتواجهه… دون هروب.تمتمت بصوت منخفض كأنها تحاول تثبيت نفسها: ـ المرة دي لازم أكون ثابتة…لكن قلبها لم يكن بنفس القوة.لأن بعض المواجهات… لا تحتاج قوة فقط.بل تحتاج قلبًا لم ينكسر من قبل.✨✨✨✨✨✨✨✨بعد لحظات طويلة من الصمت…نهضت.ببطء.كأنها تنتقل من تفكير إلى قرار.دخلت الحمام.توضأت.ووقفت أمام نفسها للحظة طويلة قبل أن تبدأ الصلاة.ركعتين.لكن داخلها لم يكن ساكنًا.كان هناك دعاء لا يُقال… وخوف لا يُفسَّر… وثقل لا يُرفع بسهولة.بعد الصلاة، جلست قليلًا، ثم ارتدت ملابسها بهدوء شديد.كأنها ترتدي يومًا كاملًا قبل أن تعيش

  • حين عاد الماضي   part 23

    كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله فوق مدينة الإسكندرية...والبحر في الخارج بدا هادئًا بصورةٍ غريبة، وكأنه لا يعلم أن أرواحًا كثيرة في تلك اللحظة كانت تخوض عواصفها الخاصة.داخل منزل سليم...كانت شهد تجلس في غرفة المعيشة بصمت.أمامها كوب الشاي الذي برد منذ وقت طويل.لكنها لم تلمسه.منذ عادت من الشركة وهي تشعر بثقلٍ غريب داخل صدرها.لا تعرف سببه.وكأن قلبها يلتقط إشارات لا يفهمها عقلها.رفعت رأسها عندما دخل سليم.بدا مرهقًا.لكن هدوءه المعتاد كان حاضرًا.جلس على المقعد المقابل لها.ثم قال بهدوء:سليم: ـ سرحانة؟ابتسمت ابتسامة باهتة.شهد: ـ شوية.نظر إليها للحظات.ثم قال:ـ لو تعبانة ارتاحي.أومأت برأسها.لكن قبل أن تتكلم...رن هاتفها.نظرت إلى الشاشة.رقم قديم.رقم لم تره منذ فترة طويلة.ترددت للحظة.ثم أجابت.شهد: ـ ألو؟جاءها صوتٌ مختنق بالبكاء.صوت تعرفه جيدًا. قُصي.وفي اللحظة التي سمعته..شعرت بشيءٍ سيئ يهبط داخل قلبها.شهد: ـ في إيه؟على الطرف الآخر...لم يكن هناك سوى بكاء.ثم خرجت الكلمات بصعوبة:ـ يوسف مات يا شهد......تجمد كل شيء.الصوت.الهواء.الزمن.حتى نبضات قلبها.حدقت أمامها

  • حين عاد الماضي   part 22

    في صباح اليوم التالي...استيقظت الإسكندرية على سماء رمادية ملبدة بالغيوم، وكأن البحر نفسه يشعر أن شيئًا ثقيلًا يقترب.كانت شهد تجلس في مكتبها داخل شركة الجنايني جروب، تحاول التركيز في الأوراق أمامها، لكن عقلها كان يهرب منها كل بضع دقائق.منذ لقاء عدي بالأمس...وقلبها لم يعد هادئًا كما كان.كانت تكره ذلك.تكره أن يعود شخص واحد ليبعثر كل التوازن الذي حاولت بناءه بصعوبة.تنهدت ببطء وهي تغلق الملف أمامها.وفي اللحظة نفسها...فُتح باب المكتب.دخلت حور كعادتها دون استئذان.حور: ـ شهد!رفعت شهد رأسها فورًا.ابتسمت رغمًا عنها.شهد: ـ نعم يا ست حور؟اقتربت الصغيرة وهي تحمل قطعة حلوى.ثم مدت يدها إليها.حور: ـ دي ليكي.ابتسمت شهد بحنان.شهد: ـ ليه؟رفعت حور كتفيها ببساطة طفولية.حور: ـ عشان لما بزعل بابا بيجيبلي شوكولاتة.إنتِ شكلك زعلانة.توقفت شهد للحظة.ثم شعرت بشيء دافئ يمر داخل قلبها.ربتت على شعرها برفق.شهد: ـ وأنا مين قالك إني زعلانة؟ضيقت حور عينيها الصغيرة.ثم قالت بثقة:ـ عشان عيونك....وقبل أن تستطيع شهد الرد...رن هاتف سليم بعنف.مرة.مرتين.ثلاث مرات.التقط الهاتف بسرعة.لكن ما إ

  • حين عاد الماضي   Part 21

    حلّ الليل بهدوئه المعتاد فوق مدينة الإسكندرية.كانت الأضواء المتناثرة على امتداد الكورنيش تنعكس فوق سطح البحر كخيوطٍ ذهبية طويلة، بينما امتزج صوت الأمواج البعيد بنسمات الهواء الباردة التي تسللت إلى شرفة المنزل.في الطابق العلوي...كانت شهد جالسة فوق المقعد الخشبي الصغير الموجود في الشرفة الملحقة بغرفتها.تضم قدميها إلى صدرها.وتنظر إلى الفراغ.منذ عودتها من الشركة وهي تحاول إقناع نفسها أن لقاء اليوم لم يؤثر فيها.أن ظهور عدي المفاجئ لم يوقظ شيئًا كانت تحاول دفنه.أن قلبها لم يرتبك عندما رأته.لكن الحقيقة...كانت أصدق من كل محاولاتها للكذب على نفسها.أغمضت عينيها ببطء.فعاد المشهد أمامها من جديد.نفس النظرة.نفس الطريقة التي نطق بها اسمها."شهد."وكأنه لم يمر كل ذلك الوقت.وكأن المسافات لا تعني شيئًا.تنهدت ببطء.ثم همست لنفسها:شهد: ليه رجعت دلوقتي؟لكن البحر وحده كان يسمع سؤالها.✨✨✨✨✨✨✨✨في الأسفل...كانت حور تدور في أنحاء غرفة المعيشة كإعصارٍ صغير.بينما كان سليم يحاول إنهاء بعض الملفات على الحاسوب.حور: سوليييي.سليم دون أن يرفع رأسه: نعم.حور: زهقانة.سليم: ربنا يكون في عوننا.حو

  • حين عاد الماضي   part 20

    "عدي الألفي."وقعت عينا شهد على الاسم المكتوب فوق الملف المفتوح أمامها.وفي اللحظة نفسها...شعرت وكأن شيئًا ما انقبض بقوة داخل صدرها.توقفت أنفاسها لثانية قصيرة، بينما ارتجفت أصابعها فوق حافة الورقة دون أن تنتبه.عدي...الاسم وحده كان كافيًا ليعيد إليها أسابيع طويلة حاولت فيها أن تهرب من كل شيء.من

  • حين عاد الماضي   part 19

    مساءٍ هادئ على غير عادة الأيام الماضية، كانت شهد تقف في شرفة الغرفة التي أصبحت تقيم بها داخل منزل سليم الجنايني.الهواء البحري البارد كان يلامس وجهها برفق، بينما انعكس ضوء الأعمدة البعيدة فوق عينيها الشاردتين.مرّ أسبوع كامل منذ وصولها إلى الإسكندرية…أسبوع حاولت فيه أن تُقنع نفسها بأنها بدأت تتعاف

  • حين عاد الماضي   Part 18

    في صباحٍ جديد، كانت مدينة الإسكندرية تبدو مختلفة تمامًا عن كل شيء عرفته شهد من قبل.الهواء هنا أخف… رائحة البحر تتسلل إلى الشوارع بهدوء، وصوت الأمواج البعيد يمنح المدينة إحساسًا غريبًا بالحياة، كأنها مدينة تعرف جيدًا كيف تحتضن الهاربين من أوجاعهم دون أن تسألهم كثيرًا.وقفت شهد أمام نافذة غرفتها الص

  • حين عاد الماضي   part 17

    مرّت الأيام التالية ببطءٍ غريب…وكأن الزمن فقد قدرته على الحركة الطبيعية، وأصبح يمر فوق القلوب المُرهقة بثقلٍ أكبر من الاحتمال.أما عدي… فكان يعيش صراعًا لم يتوقع يومًا أن يضعه القدر داخله بهذا الشكل.✨✨✨✨✨✨✨✨في المساء، كان يجلس داخل غرفة المعيشة الواسعة في منزل عائلته، بينما الصمت يملأ المكان بصو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status