Share

Part 4

last update publish date: 2026-05-17 00:06:46

في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها.

كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ.

كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها.

لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد.

في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات.

إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد.

لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه.

وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مكتبه بخطواتٍ سريعة، ممسكًا بهاتفه ومنشغلًا في حديثٍ بدا متوترًا.

كل شيء حدث في ثانية واحدة.

اصطدم الباب بجانب جسده بقوة، فاختل توازنه فجأة، وانزلقت قدماه للخلف.

اتسعت عينا شهد بصدمة، ولم تمنح نفسها وقتًا للتفكير.

اندفعت نحوه بسرعة غريزية، وأمسكت بذراعه بقوة محاولة منعه من السقوط، لكن اندفاعه كان أقوى من قدرتها على تثبيته.

سقط أرضًا بقوة، وارتطم كتفه بالأرضية الرخامية بعنف جعل صوت الاصطدام يتردد في المكان.

شهد: عدي

تسلل اسم قُصي إلى أفكارها رغمًا عنها، كطيفٍ يأبى الرحيل، وكجرحٍ قديم كلما ظنت أنه التأم عاد لينزف من جديد...... توقفت خطواتها للحظة قصيرة دون أن تشعر، بينما ارتبكت أنفاسها بصمت.

ماذا لو رأته مجددًا…؟ ماذا لو جمعهما المكان صدفة؟ هل ستستطيع النظر إلى عينيه بثبات وكأن شيئًا لم يكن؟ هل ستنجح في إخفاء ذلك الارتجاف الذي يصيب قلبها كلما مر اسمه بخاطرها؟

أغمضت عينيها للحظة وهي تزفر ببطء، محاولة طرد تلك الأسئلة التي تنهش هدوءها.

كانت تخشى اللقاء… وتخشاه أكثر لأنها تعلم جيدًا أن قلبها، رغم كل ما حدث، لم ينجُ منه بالكامل.

حاولت أن تُقنع نفسها بأن الأمر انتهى، وأن ما بينها وبينه أصبح مجرد ذكرى مؤلمة، لكن الحقيقة التي كانت تؤلمها أكثر من أي شيء… أنها لم تستطع كرهه كما ينبغي.

ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم رفعت رأسها قليلًا وكأنها تُجبر نفسها على التماسك.

لا وقت للضعف الآن… هذا يومها الأول، وعليها أن تبدأه قوية مهما كان ما بداخلها هشًا.

أكملت طريقها بخطواتٍ أكثر ثباتًا، حتى وقفت أخيرًا أمام مبنى الشركة الشاهق..... رفعت عينيها تتأمل المكان للحظات، بينما اختلط داخلها الخوف بالأمل والتوتر.

ثم أخذت نفسًا عميقًا… ودلفت إلى الداخل، غير مدركة أن هذا اليوم سيُغير أشياء كثيرة في حياتها.

✨✨✨✨✨✨

داخل الشركة، كانت الأجواء مختلفة تمامًا عمّا اعتادت عليه شهد.

بمجرد أن دلفت عبر الأبواب الزجاجية الكبيرة، شعرت بأنفاسها تضطرب قليلًا، بينما راحت عيناها تتجولان في المكان بدهشةٍ خافتة امتزجت بتوترٍ واضح.

الموظفون يتحركون بسرعة بين المكاتب، أصوات الهواتف تتداخل مع نقرات الحواسيب، ورائحة القهوة تعبق في الأجواء، وكأن المكان لا يعرف السكون أبدًا.

أما هي… فكانت تشعر وكأنها تقف على حافة عالمٍ جديد لا تعرف عنه شيئًا.

شدّت قبضتها حول حقيبتها الصغيرة، ثم تقدمت بخطوات مترددة نحو مكتب الاستقبال، محاولة إخفاء ارتباكها خلف هدوءٍ مصطنع.

رفعت موظفة الاستقبال رأسها إليها بابتسامة مهنية هادئة، بينما بادرتها شهد بصوتٍ خافت يحمل شيئًا من التوتر

شهد: لو سمحتِ… أنا أول يوم شغل هنا.

ارتسمت على وجه الموظفة ابتسامة أكثر لطفًا وهي تهز رأسها بتفهّم.

السكرتيرة: أهلًا بيكي يا فندم، إيمان مستنياكي من بدري.

شعرت شهد براحةٍ بسيطة تتسلل إلى داخلها، وكأن تلك الجملة أزاحت جزءًا من خوفها.

فهمست تلقائيًا وهي تزفر أنفاسها ببطء

شهد: الحمد لله…

وقبل أن تضيف شيئًا، لمحت فتاة تقترب بخطواتٍ سريعة وهي تحمل بين يديها عدة ملفات، وعلى وجهها ابتسامة ودودة بعثت شيئًا من الطمأنينة في قلب شهد.

كانت إيمان تبدو عملية ونشيطة، لكن ملامحها حملت دفئًا بسيطًا جعل شهد تشعر أنها لن تكون وحدها تمامًا في هذا المكان.

توقفت أمامها مباشرة وقالت بابتسامة لطيفة:

إيمان: تعالي يا شهد… إنتي جاية في معادك مظبوط، ومستر عدي لسه مجاش.

أومأت شهد برأسها بخفة وهي تسير بجوارها، تحاول استيعاب المكان من حولها، بينما كانت دقات قلبها تتسارع دون سببٍ واضح.

ربما لأنه يومها الأول… أو ربما لأن شيئًا بداخلها كان يخبرها أن هذا المكان لن يكون مجرد بداية عملٍ جديدة فقط...... كان هناك شعور غريب يتسلل إليها… شعور بأن حياتها تقف على أعتاب مرحلة لن تعود بعدها كما كانت أبدًا.

ارتسمت على شفتي شهد ابتسامة خفيفة، بالكاد ظهرت، لكنها حملت شيئًا من الهدوء الذي بدأت تستعيده تدريجيًا.

شهد: أنا بحب الالتزام بالمواعيد.

ضحكت إيمان بخفة وهي ترفع حاجبها بإعجابٍ مرح.

إيمان: واضح إنك هتعجبيني في الشغل.

ثم أشارت لها أن تتبعها وهي تضيف بحماسٍ بسيط

إيمان: تعالي أوريكي كل حاجة خطوة خطوة.

سارت شهد بجوارها بين المكاتب والأقسام المختلفة، بينما كانت عيناها تتحركان في المكان بتركيزٍ واضح، تحاول حفظ التفاصيل كلها وكأنها تخشى أن تخطئ في شيء منذ يومها الأول.

كانت إيمان تشرح لها نظام العمل بسلاسة، تُعرّفها على الأقسام والموظفين، وتخبرها بما يجب عليها فعله بهدوءٍ وصبر، دون أن تجعلها تشعر بثقل البدايات المعتاد.

أما شهد، فكانت تستمع بكل اهتمام، تهز رأسها بين الحين والآخر وتطرح بعض الأسئلة القصيرة، بينما عقلها يحاول التمسك بكل كلمة تُقال.

لم يكن الأمر مجرد وظيفة بالنسبة لها… بل كان أشبه بمحاولة جديدة للوقوف بعد سقوطٍ طويل.

كانت تريد أن تثبت نفسها. أن تنجح. أن تشعر للمرة الأولى منذ فترة أن حياتها قد تسير في اتجاهٍ مختلف، بعيدًا عن كل ما أثقل قلبها.

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح التوتر تنسحب تدريجيًا من وجهها، وحلّ محلها شيءٌ من الارتياح الخجول.

إيمان كانت خفيفة الظل بطريقتها العفوية، تتحدث معها ببساطة وكأنهما تعرفتا منذ زمن، حتى إن شهد وجدت نفسها تبتسم أحيانًا دون أن تشعر.

لكن رغم ذلك… ظل هناك حاجزٌ خفي داخلها.

شيءٌ يجعلها حذرة، متحفظة، وكأن قلبها ما زال يخشى الاقتراب أو الاطمئنان الكامل..... وقد لاحظت إيمان ذلك بذكائها، رأت الحزن المختبئ خلف هدوء شهد، والانكسار الذي تحاول إخفاءه بابتسامتها الهادئة.

لكنها لم تضغط عليها… لم تسألها عن شيء، ولم تحاول اقتحام صمتها..... اكتفت بالحديث العادي، والمزاح الخفيف بين الحين والآخر، ومحاولة جعلها تشعر بأنها مرحبٌ بها في هذا المكان.

وهو ما جعل شهد تشعر بشيءٍ افتقدته منذ وقتٍ طويل…الراحة دون خوف.

في مكانٍ آخر داخل الشركة، وتحديدًا في الطابق العلوي حيث الهدوء الذي يختلف تمامًا عن صخب باقي الأقسام، كان عدي يجلس خلف مكتبه الواسع يراجع بعض الأوراق بعينين مرهقتين.

تراصّت الملفات أمامه بعناية، بينما انعكس ضوء الصباح فوق سطح المكتب الزجاجي، لكن رغم كل ذلك، بدا وكأن تركيزه غائب تمامًا.

كان يقلب الصفحات ببطء، يقرأ السطور دون أن يستوعب منها شيئًا، ثم يعود شاردًا من جديد.

لأول مرة منذ وقتٍ طويل، يعجز عن طرد شخصٍ ما من رأسه بهذه الطريقة.

صورة تلك الفتاة التي قابلها بالأمس كانت تلاحقه بصورةٍ غريبة… هادئة، صامتة، لكنها عالقة في ذهنه بشكلٍ أزعجه...... لم يكن الأمر متعلقًا بالموقف نفسه فقط، بل بشيءٍ آخر لم يستطع تفسيره.

عيناها.... ذلك الحزن الغامض المختبئ بداخلهما، وكأنها تحمل فوق قلبها حكاية طويلة من الألم وتحاول جاهدًة ألا يراها أحد.

كان هناك انكسارٌ خافت في نظراتها… شيءٌ لمسه بداخله دون أن يفهم لماذا.... ألقى القلم من يده بضيقٍ خفيف، ثم مرر كفه فوق وجهه وهو يزفر أنفاسه ببطء.

عدي: مالها دي…؟

خرجت الكلمات منه تلقائيًا، ممزوجة بحيرةٍ حقيقية لم يعتدها.... فهو ليس من النوع الذي يشغل تفكيره بأحد بسهولة، ولا من يهتم بتفاصيل الغرباء أو يحمل فضولًا تجاههم.

لكن تلك الفتاة… كانت مختلفة بطريقةٍ ما.

نهض أخيرًا من مكانه بحركة سريعة، وكأنه يحاول الهروب من أفكاره، ثم التقط سترته من فوق المقعد وخرج من مكتبه بخطواتٍ هادئة.

غير مدرك أن خطواته تقوده نحو مواجهةٍ ستجعل ذلك الشعور الغريب داخله أكثر تعقيدًا مما يتخيل.

.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين عاد الماضي   part 9

    في المساء، كان الهدوء يخيّم على الطابق العلوي من الشركة بعدما غادر أغلب الموظفين، ولم يبقَ سوى أضواء خافتة تنعكس فوق الأرضية اللامعة وصوت أجهزة التكييف الذي يملأ الفراغ بصمتٍ بارد.داخل مكتبه، كان عدي يجلس خلف طاولته بشرودٍ واضح، بينما بقيت عيناه معلقتين على الملف المفتوح أمامه دون أن يقرأ منه شيئًا.عقله كان في مكانٍ آخر تمامًا…في تلك النظرة المرتبكة التي ظهرت بعيني شهد داخل الاجتماع. وفي الطريقة التي خرجت بها فجأة وكأنها تهرب من شيء يطاردها.تنهد ببطء، ثم مرر يده فوق عنقه بإرهاق، قبل أن يقطع الصمت صوت الباب وهو يُفتح دون استئذان.دخلت فتاة بخطواتٍ واثقة وناعمة في آنٍ واحد، يتمايل شعرها الأشقر الطويل خلفها بانسيابية، بينما انعكست الإضاءة فوق بشرتها البيضاء الصافية وعينيها الزرقاوين الواسعتين اللتين حملتا حيوية واضحة وشيئًا من الدلال المحبب.كانت ترتدي ملابس أنيقة بعناية، تفوح منها رائحة عطر هادئ، وابتسامتها المشرقة سبقت كلماتها فور دخولها.لين: يعني بقالك ساعة كاملة فوق ومفكرتش حتى ترد على تليفوني؟رفع عدي عينيه إليها، لتخفّ حدة ملامحه تلقائيًا.عدي: يا ساتر… إنتِ عرفتي تدخلي هنا إز

  • حين عاد الماضي   part 8

    داخل قاعة الاجتماعات، كان الجو مشبعًا بالهدوء الرسمي المعتاد… شاشة العرض مضاءة، الأوراق موزعة فوق الطاولة الطويلة، وأصوات النقاش تدور بنبرة عملية ثابتة.أما شهد… فكانت تشعر أن الهواء نفسه يضغط فوق صدرها.جلست في مكانها بهدوءٍ ظاهري، بينما قبضتها تنغلق فوق القلم بين أصابعها دون أن تنتبه. عيناها لم تجرؤا على الارتفاع كثيرًا، لكنها رغم ذلك كانت تشعر به.قُصي.وجوده وحده داخل المكان كان كافيًا ليبعثر كل محاولاتها للتماسك.كان يجلس على الجانب المقابل من الطاولة، بكامل هدوئه المعتاد، يشارك الحديث أحيانًا، ويستمع أغلب الوقت… لكن عيناه، رغم كل شيء، كانتا تعودان إليها باستمرار.نظرات قصيرة… هادئة… لكنها ثقيلة بما يكفي لتربك أنفاسها في كل مرة.حاولت شهد التركيز في الملفات أمامها، في صوت المتحدث، في أي شيء يبعدها عن ذلك الإحساس الخانق، لكنها كانت تشعر بنظراته حتى دون أن تراه.وكأن الماضي جلس معهم على نفس الطاولة.أما عدي… فقد بدأ يلاحظ.في البداية ظن الأمر مجرد مصادفات عابرة، لكن مع مرور الوقت، أصبح انتباه قُصي تجاه شهد واضحًا بصورة لا يمكن تجاهلها.كلما تحدثت شهد، كان قُصي ينظر إليها. كلما تحرك

  • حين عاد الماضي   Part 1

    في يومٍ جديد، لم تعد تميز فيه بين الأمس والغد، ولا تدري أيّ زمنٍ يبتلعها بصمت. كل ما تعرفه أنها أنهكت، وأن الأيام حين مرّت بها لم تمرّ رحيمة، بل أخذت من روحها أكثر مما أبقت. تسير كأنها ظلٌّ فقد صاحبه، تائهة بين تفاصيل لا تعنيها، ولا شيء يثير فيها رغبة البقاء سوى أملٍ خافت، لا يكاد يُرى، بأن تكون بخير… ولو لمرة واحدة فقط، ولو على هيئة هدنة قصيرة مع نفسها. فما فعلته بها الحياة لم يكن عابرًا، ولا هيّنًا. كان تراكمًا ثقيلًا من خيباتٍ صغيرة، وانكساراتٍ لا تُرى بالعين، لكنها تُشعر بها في كل نبضة. حتى قلبها… لم يعد كما كان، وكأن شيئًا ما انكسر فيه وبقي على هيئة صمت. إنها شهد… في العشرين من عمرها، بعينين بنيّتين واسعتين، كأنهما نافذتان لروحٍ كانت يومًا أكثر دفئًا وطمأنينة. وجهٌ قمحيّ هادئ الملامح، لا يصرخ بجمالٍ صارخ، بل يهمس به همسًا خافتًا، كأن الجمال فيها لم يكن يومًا في الشكل فقط، بل في شيءٍ أعمق لا يُرى بسهولة. كانت متوسطة القامة، تمشي كأنها تحمل في خطواتها حكاياتٍ لا تُقال، وذكرياتٍ لا تجد طريقها إلى النسيان. جمالها الحقيقي لم يكن يومًا في تفاصيلها الخارجية فحسب، بل في روحها… في

  • حين عاد الماضي   part 2

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تحاول أن تبدو متماسكة أكثر مما تشعر. ضمّت حقيبتها الصغيرة إلى صدرها كأنها تستمد منها شيئًا من الأمان، بينما عيناها تائهتان خلف زجاج النافذة، تراقبان العالم دون أن تنتميا إليه. الشوارع كانت مزدحمة كعادتها… سيارات متلاحقة، وأقدام تسرع دون توقف، ووجوه تمرّ كأن لكلٍ منها حكاية لا يشاركها أحد. الجميع يركضون نحو شيء ما، أهداف واضحة أو أوهام مؤجلة، بينما هي كانت تشعر بشيء مختلف تمامًا… كأنها لا تركض معهم، بل تتأخر عن الحياة ذاتها. كل مشهد خارج النافذة كان يذكّرها بأنها واقفة في مكان لا يشبهها..... بعد دقائق، توقفت السيارة. وصلت. ترجّلت ببطء، ورفعت عينيها نحو مبنى الشركة الكبير. كان ضخمًا على نحوٍ يبعث على التوتر أكثر مما يوحي بالإنجاز. واجهته الزجاجية تعكس الضوء ببرود، وكأن المكان لا يرحّب بأحد بسهولة. وقفت لثوانٍ، تتأمله بصمت، تحاول أن تُقنع نفسها أنها قادرة على هذه الخطوة. ثم شدّت أنفاسها بعمق، وكأنها تجمع شجاعتها المتناثرة، ودخلت. داخل المبنى… كان كل شيء واسعًا وهادئًا بشكل غريب. هدوءٌ لا يطمئن، بل يضغط على الأعصاب، كأنه يختبر الداخلين إليه قبل أ

  • حين عاد الماضي   part 3

    في الخارج، توقفت شهد عند أحد الجوانب الهادئة في الرواق، وأسندت ظهرها إلى الحائط للحظة، كأنها تحاول استيعاب ما حدث داخلها قبل أن تنقله للخارج. أخرجت هاتفها بسرعة، وكأنها تخشى أن تضيع الفرحة إن لم تُشاركها فورًا. ضغطت على زر الاتصال، وقربت الهاتف من أذنها وهي تتنفس ببطء. شهد: ألو يا ماما؟ جاء صوت والدتها من الطرف الآخر مشحونًا بالقلق المعتاد، ذلك القلق الذي لا يفارق الأم مهما حاولت أن تبدو هادئة. أم شهد: ها يا حبيبتي؟ عملتي إيه؟ سكتت شهد لحظة قصيرة… لحظة بدت فيها وكأنها تعيد ترتيب الشعور قبل أن تحوله إلى كلمات. ثم قالت، وصوتها هذه المرة كان مختلفًا… أقل ارتجافًا، وأكثر صدقًا شهد: الحمد لله… اتقبلت. في الجهة الأخرى، لم تستوعب الأم الكلمات في البداية، ثم ما لبث أن انفجر صوتها بالفرحة والدعاء، فرحة خالصة كأنها انتظرت هذا الخبر طويلًا. ابتسمت شهد دون أن تشعر، وارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا. لأول مرة منذ زمن، لم يكن في صوت أمها قلقٌ فقط، بل فرحٌ حقيقي يصلها ويستقر داخلها. وأغلقت المكالمة ببطء، وهي ما زالت واقفة في مكانها، لكن قلبها هذه المرة لم يكن مثقلًا كما كان صباحًا. كان

  • حين عاد الماضي   Part 4

    في الطريق إلى الشركة، كانت شهد تسير بخطواتٍ هادئة فوق الأرصفة المزدحمة، تضم حقيبتها الصغيرة إلى صدرها وكأنها تتشبث بشيءٍ يمنحها الأمان وسط ذلك الاضطراب الذي يعصف بداخلها. كانت المدينة قد استيقظت بالكامل… أصوات السيارات تتعالى، الباعة ينادون، والوجوه تمر مسرعة وكأن لكل شخصٍ معركته الخاصة، أما هي… فكانت تسير بينهم بجسدها فقط، بينما عقلها غارق في دوامةٍ لا تهدأ. كان قلبها يخفق بتوترٍ خفي كلما اقتربت من الشركة. اليوم ليس مجرد يوم عمل… بل بداية جديدة تحاول أن تُقنع نفسها بأنها تستحقها. لكن الماضي لم يكن سهلًا إلى هذا الحد. في الممر الخارجي للشركة، كانت شهد تسير بجوار إيمان بخطواتٍ هادئة، بينما تستمع إليها باهتمامٍ حقيقي وهي تشرح لها بعض تفاصيل العمل ونظام الملفات والاجتماعات. إيمان كانت تتحدث بحماسٍ خفيف، تشير بيدها بين الحين والآخر نحو المكاتب المختلفة، أما شهد فكانت تحاول حفظ كل شيء بعناية، حتى لا تبدو مرتبكة أو قليلة الخبرة أمام أحد. لكن فجأة…انفتح باب مكتبٍ جانبي بعنف بسبب عامل النظافة الذي خرج مسرعًا وهو يدفع عربة التنظيف دون انتباه. وفي اللحظة نفسها، كان عدي يخرج من مك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status