Masukلم يكن إياد من الأشخاص الذين يسمحون للحزن بأن يشلّ حركتهم، لكن هذه المرة، كانت مختلفة بعد انتهاء المكالمة الغامضة، بقي واقفًا في ممر المستشفى للحظات طويلة، والهاتف لا يزال بين يديه كانت الجملة الأخيرة تتردد داخل رأسه بلا توقف:"علاء لم يكن الهدف الحقيقي." كأنها رصاصة لم تتوقف عن اختراقه رفع إياد رأسه ببطء تغيرت ملامحه لم يعد هناك ذلك الألم الظاهر في عينيه، ولا الارتباك الذي سبّبته صدمة الخبر. حلّ مكانهما برود مخيف. ذلك البرود الذي يظهر عندما يصل الإنسان إلى مرحلة يتجاوز فيها الحزن. مرحلة لا يبقى فيها سوى شيء واحد، الانتقام، أجرى اتصالًا مباشرًا بأحد رجاله داخل المنظمة، جاءه صوت رجل في الطرف الآخر، يتخلله صراخ شخص آخر يتعرض للاستجواب في الخلفية: — اعترف! ثم جاء صوت متقطع:— أقسم أنني لا أعرف شيئًا! لكن إياد لم يهتم قال بصوت بارد:— أوقفوا كل شيء. ساد الارتباك للحظات'ثم جاء صوت الرجل:— سيدي؟ — أريد تحليل المكالمة التي وصلتني قبل دقائق — سيدي. تم تغيير الصوت: — أعلم. جاء رد إياد دون أي تردد: — لكن لا يوجد صوت في هذا العالم لا يترك أثرًا. ساد صمت قصير؛ ثم تابع بنبرة جعلت الرجل يش
لم تكن تلك الليلة تشبه أي ليلة مرت على مدينة نيوفيرا، كانت السماء ملبدة بغيوم داكنة حجبت النجوم، والرياح تضرب نوافذ المباني بقوة، بينما كانت قطرات المطر ترتطم بالزجاج وتنساب عليه في خطوط متتابعة. حتى المدينة بدت مختلفة، الشوارع أقل حركة، الأضواء أكثر برودة، والخبر الذي انتشر خلال الساعات الماضية ترك خلفه وجوهًا شاحبة وأعينًا لا تعرف أين تستقر داخل المستشفى... لم يحتج أحد إلى إعلان الخبر بصوت مرتفع كان يكفي أن ترى الوجوه، نظرات تتجنب بعضها، أيدٍ متشابكة بعصبية، أعين دامعة تحاول التماسك. وأشخاص يتظاهرون بالقوة، بينما شيء في داخلهم ينهار بصمت. أما إياد.فلم يتحرك منذ دقائق طويلة، كان واقفًا أمام النافذة الزجاجية المطلة على غرفة نور، عيناه معلقتان بها، وكأنه يحاول التمسك بآخر شيء ما زال يمنعه من السقوط بالكامل. داخل الغرفة، كانت نور مستلقية على السرير، أجهزة المراقبة تعمل باستمرار، أنفاسها المنتظمة ترتفع وتهبط ببطء، وجهها ساكن، بعيد عن كل ما يحدث حولها، بعيدة عن الموت، بعيدة عن الحرب. بعيدة عن الألم الذي يلتهم الجميع خارج غرفتها، لكن إياد كان يعرف شيئًا واحدًا، لو استيقظت نور الآن، و
لم يكن صوت رامز طبيعيًا، كان مبحوحًا، مكسورًا، وكأن الكلمات نفسها أصبحت أثقل من أن تُقال. وقف إياد في ممر المستشفى، والهاتف ملتصق بأذنه، بينما كان قلبه يضرب صدره بعنف لم يعد يسمع شيئًا حوله، لا أصوات الممرضين. ولا خطوات الأطباء ولا أجهزة المراقبة القادمة من الغرف المجاورة حتى أصوات الحركة في الممر بدت وكأنها تلاشت فجأة لم يبقَ سوى ذلك الصوت القادم من الطرف الآخر._اياد خرج اسم إياد من فم رامز بصعوبة: «إياد...»، ثم توقفت الكلمات بينهما في صمت ثقيل، ثوانٍ طويلة مرت دون أن يقول أي منهما شيئًا، ثوانٍ جعلت الهواء أثقل، وجعلت ذلك الشعور الغامض داخل صدر إياد يتحول إلى خوف حقيقي.— رامز... خرج صوت إياد حادًا.— تكلم. في المختبر، أغمض رامز عينيه بقوة كان نادر يقف إلى جواره، وزياد على بعد خطوات قليلة الجميع ينظر إليه الجميع ينتظر. والجميع كان يعرف، في مكان ما داخل نفسه، أن الحقيقة التي سيقولها رامز لن تترك أحدًا كما كان خفض رامز نظره إلى الملف الذي بين يديه ثم قال:— ظهرت النتيجة. انقبضت معدة إياد بعنف قبض على الهاتف بقوة أكبر حتى ابيضت مفاصل أصابعه: — والنتيجة؟ ساد صمت قصير ثم رفع رامز ال
لم يكن أحد مستعدًا لما سيأتي وسط الدخان المتصاعد من موقع الانفجار، وبين أكوام الحديد الملتوي والخرسانة المحطمة، انتشر رجال رامز في كل اتجاه. كانت أيديهم تقلب الركام قطعةً تلو الأخرى، وأعينهم تبحث بجنون عن أي أثر، أي حركة، أي شيء يمكن أن يمنحهم سببًا واحدًا لعدم الاستسلام. الأضواء الكاشفة أغرقت المكان بوهج أبيض قاسٍ، بينما ظلت صفارات سيارات الإسعاف والشرطة تتردد من بعيد. امتزجت رائحة الحريق برائحة الخرسانة المحترقة والدم، حتى بدا الموقع كأنه خرج للتو من قلب كابوس لم يستيقظ منه أحد بعد. لم يكن البحث مقتصرًا على فريق واحد كان الجميع هناك رجال رامز، رجال نادر، ورجال اياد الشرطة فرق الإنقاذ. وحتى المحقق زياد بمجرد أن وصله الخبر، ترك كل ما كان يعمل عليه وعاد فورًا إلى نيوفيرا لم تكن القضية من اختصاصه أصلًا. كان الرجل الذي اعتاد ملاحقة أخطر المجرمين والتعامل مع أكثر القضايا تعقيدًا، لكنه هذه المرة لم يعد يرى الأمر باعتباره قضية. كانت مختلفة، مختلفة بطريقة شخصية لم يعترف بها حتى لنفسه. وقف إلى جوار رامز، يراقب عمليات البحث بعينين ثابتتين، إلا أن تلك العينين كانتا تتحركان بين الركام بسرع
كانت غرفة العناية المشددة غارقة في ضوء أبيض باهت ضوء قاسٍ لا يترك للوجوه فرصة لإخفاء تعبها، فيكشف الهالات تحت العينين، وشحوب البشرة، وكل تفصيلة صغيرة يفضّل الإنسان ألّا يراها في نفسه. تردد صفير أجهزة المراقبة في الغرفة بنبرة متقطعة ومتقطرة: «بيـب... بيـب...»؛ صوتٌ باهت لكنه حاضر في كل لحظة، يذكّر من يقف بجانب السرير بأن الحياة هنا لا تزال معلقة بين رقم يظهر على شاشة، ونبضة تتبعها أخرى. لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه كان حاضرًا في كل لحظة، يذكّر من يقف بجانب السرير بأن الحياة هنا لا تزال معلقة بين رقم يظهر على شاشة، ونبضة تتبعها أخرى. وقف إياد إلى جوار نور، لم يتحرك منذ وقت طويل، كان يرتدي ملابسه نفسها التي ابتلّت بالمطر، وقد التصقت بعض خصلات شعره السوداء بجبهته، بينما بقيت بقية شعره مبعثرة على نحو لم يكن ليقبله منه أحد في يوم عادي. أما وجهه... فقد فقد شيئًا من صلابته المعتادة، كان فكّه مشدودًا، وعيناه غارقتين في الإرهاق، لكنهما لم تفارقا وجه نور. تتبعا أنفاسها الضعيفة، حركة صدرها تحت الغطاء، الأسلاك المتصلة بجسدها. والشاشة التي تراقب كل نبضة. رفع إياد يده ببطء، ثم وضع أطراف أصابع
انفجر صوت الرصاص داخل المستودع بعنفٍ مزّق كل ما سبقه ارتطمت الطلقات بالأعمدة الحديدية، فتطاير الشرر في الهواء الرطب، واختلط صرير المعدن بصراخ الرجال وصوت المطر الذي كان يضرب السقف الصدئ بلا رحمة.— انبطحوا! اندفع نادر إلى الداخل أخيرًا، يتقدمه رجال منظمة العين الحمراء كان طويل القامة، عريض الكتفين، وقد التصقت ثيابه الداكنة بجسده من شدة المطر. خصلات شعره المبللة انسدلت فوق جبينه، لكن عينيه لم تلتفتا إلى شيء من الفوضى المحيطة به توقفتا عند شخص واحد علاء كان ملقى فوق الأرض. غارقًا في دمه: — علاء! خرج اسمه من فم نادر بطريقة مختلفة هذه المرة لم تكن مجرد صرخة. كان صوت رجل رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته. اندفع نحوه فورًا، بينما انتشر رجال العين الحمراء داخل المستودع، وأخذوا مواقعهم خلف الصناديق والأعمدة الحديدية. انطلقت الطلقات من الجهتين ارتجّ المكان تحت وقعها رائحة البارود بدأت تنتشر في الهواء، تختلط برائحة الحديد الرطب والدم، حتى أصبح التنفس نفسه ثقيلًا داخل ذلك المستودع الضيق. أما دومينيك فاليريان، فتراجع عدة خطوات إلى الخلف لم يهرب بل كان يبتسم ابتسامة باردة، مستقرة بشكل أثار ا
مرّ أسبوع كامل، ثم أسبوع آخر، والتنمر لم يتوقف. بل، ازداد سوءًا مع كل يوم يمر. كانت أوراق نور تُخفي عن أعين الآخرين، وحقيبتها الرمادية تُرمى بلا رحمة على الأرض، وكرسيها في الصف يُكسر أحيانًا أمام زملائها، وأوراقها المهمة تُمزق أمام أعينها. كل مرة، كان يحدث نفس الشيء… صمتها كان الرد الوحيد. صمت ي
لم تبدأ القصة بضربة… بل بكلمات، ثقيلة، تنغرس في الصدر قبل أن تصل إلى الأذن، تهز المشاعر وتزرع الخوف قبل أي فعل. في نهاية الدوام، حين وقفت نور خارج المدرسة، كانت الشمس تتسلل بخجل بين الأشجار، تلقي بظلالها على الأرض، وشعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها برقة، يموج مع نسيم الصباح. طولها متوسط، وقوا
لم تكن جوليا من النوع الذي يترك الأمور للصدفة. منذ اللحظة التي رأت فيها نور تضع الرسالة، وهي تعرف أن هناك شيئًا مخفيًا… شيئًا لا تراه العيون بسهولة لكنه حاضر بقوة. ولهذا— بدأت جوليا تراقب وتبحث، تحلل كل حركة، كل ابتسامة، وكل نظرة. في صباح اليوم التالي، وقفت قرب بوابة المدرسة، تتأمل الطلاب وهم
في بعض الأحيان، لا تحتاج إلى ضربة لتسقط… كلمة واحدة تكفي. منذ أيام، شعرت نور بأن شيئًا يتغير حولها. لم يكن فقط تصرفات الآخرين، بل نظراتهم الثقيلة المليئة بالحكم والهمس. كل حركة، كل همسة، كانت كأنها سهم يصيب قلبها الصغير. لم تعرف سبب هذا التغيير، لكنها شعرت بثقل في صدرها، وكأن العالم أصبح أصغر







