LOGINلم تكن جوليا من النوع الذي يترك الأمور للصدفة.
منذ اللحظة التي رأت فيها نور تضع الرسالة، وهي تعرف أن هناك شيئًا مخفيًا… شيئًا لا تراه العيون بسهولة لكنه حاضر بقوة. ولهذا— بدأت جوليا تراقب وتبحث، تحلل كل حركة، كل ابتسامة، وكل نظرة. في صباح اليوم التالي، وقفت قرب بوابة المدرسة، تتأمل الطلاب وهم يدخلون واحدًا تلو الآخر، خطواتهم تتردد على الأرض كإيقاع رتيب، لكنها لم تكن منتبهة إلا لفتاة واحدة. حتى ظهرت نور. هادئة كعادتها، تمشي بخطوات ثابتة ومتوازنة، شعرها الأسود الطويل يتمايل برفق مع كل خطوة، عينان واسعتان تضئان بحذر وذكاء، لا تنظر لأحد، وكأنها تختبئ خلف عالمها الداخلي. لكن هذه المرة… لم تكن غير مرئية. — "هاي هي." قال أحد الشباب الذين أرسلتهم جوليا، صوته منخفضًا لكنه واثق. ضيّقت جوليا عينيها، عيناها الخضراوان تلمعان بالتركيز، حاجباها مرتفعان قليلًا، وابتسامة خفيفة تعكس حدة تفكيرها: — "أريد كل شيء عنها." خلال يومين فقط، بدأت التفاصيل تتجمع أمام ذهنها، كلوحة معقدة تتشكل ألوانها شيئًا فشيئًا: — "اسمها نور… تعيش مع جدتها… ما عدها أهل… هادئة وما تختلط كثيرًا." سكتت جوليا للحظة، وشفاهها مضغوطة، ثم قالت بهدوء حاد: — "وغير؟" تردد الشاب قليلاً، ثم قال بصوت متردد: — "يقولون متدربة على دفاع عن النفس." رفعت جوليا حاجبها بخفة، عيناها تتلألأ بالحيرة والاهتمام، وهمست لنفسها: — "واضح… أنتِ لستِ سهلة مثل ما تبدين." في نفس اليوم، كانت نور جالسة في الصف، ظهرت عيناها الواسعتان تتبعان كل حركة، لكنها تقرأ بهدوء وكأن العالم لا يعنيها، شعرها ينسدل على كتفيها، شفاهها متماسكة، وجسدها مستقيم كالسهم، وابتسامتها البسيطة تكاد تخفي توتر قلبها. فجأة، جلست جوليا بجانبها، وجهها قريب، عيناها تلمعان بالفضول والدهاء: — "لنتحدث؟" رفعت نور نظرها ببطء، عينان سوداوان بارقتان بالهدوء، كأنها تفحص من أمامها بعناية: — "عن ماذا؟" ابتسمت جوليا ابتسامة صغيرة، تكاد تُخفي سرًا، وقالت بصوت منخفض: — "عن الحقيقة." اقتربت قليلًا، همست، صوته حاد لكنه ساكن: — "أنتِ التي كنت تتركين الرسائل… صح؟" سكتت نور للحظة، عيناها تتلامعان بالتردد، لكنها لم تنكر، بل قالت بهدوء وثقة: — "وإذا إي؟" ابتسمت جوليا، كأنها ربحت شيئًا صغيرًا: — "لماذا لم تخبري؟" ردت نور ببساطة، شفتيها مستقيمتان، عيناها السوداوان تتحديان: — "لم يكن مهمًا." هذا الرد لم يعجب جوليا، عيناها اتسعت قليلًا، خدها ارتجف من قليل التوتر: — "غير مهم؟ أم لأنكِ تعرفين أنه لن يختارك؟" نظرت نور لها بهدوء، عينان سوداوان مليئتان بالبرود والحذر: — "هو اختار." تغيرت ملامح جوليا للحظة، شفاهها ترتجف قليلًا، عينان تلمعان بالغضب والحيرة: — "إي… اختارني." وقفت نور ببطء، شعرها ينسدل على كتفيها، كتفاها مشدودان، وعيناها السوداوان تلمعان بالقوة الداخلية: — "تمام." ثم أخذت كتابها ومشت، خطواتها هادئة ومتوازنة، بدون نقاش، بدون انفعال، صمتها كان أثقل من أي كلمة، وهذا الشيء أزعج جوليا أكثر من أي رد. في الاستراحة، جلست جوليا مع إياد، عيناها تراقب كل تحركاته: — "تعرف نور جيدًا؟" قطب حاجبيه إياد: "لماذا؟" — "مجرد سؤال." سكت لثوانٍ، ثم قال ببرود: "لا أهتم." ابتسمت بخفة، عيناها تلمعان بمكر: "واضح." — "ما قصدك؟" اقتربت قليلًا، وقالت: "لا شيء… فقط أحببت أن أحذرك." نظر لها بتركيز، عيناه تتبعان كل حركة: "من ماذا؟" — "ليس كل الناس مثل ما يظهرون." نفس الجملة… لكن هذه المرة، دخلت في عقله، شعور بالريبة يملأ صدره. في نهاية الدوام، كانت نور تمشي وحدها خارج المدرسة، شعرها يتمايل مع كل خطوة، عيناها سوداوان لامعتان بالحذر، جسدها مشدود، وشعورها يقودها ليبقى يقظة. لكنها شعرت… أن هناك من يتبعها. توقفت، قلبها يخفق ببطء، رفعت رأسها ببطء، عيناها تلمعان باليقظة: ثلاثة شباب يقفون خلفها، وجوههم مصممة، نظراتهم صلبة. — "نور؟" لم تجب، عيناها ترقب كل تحرك. — "نريد أن نحچي وياكِ قليلاً." نظرت لهم بهدوء، عينان سوداوان بارقتان بالقوة، جسدها مشدود: — "ما عندي شيء لأاقول به." اقتربوا أكثر، خطواتهم صاخبة على الأرض: "نحن عدنا." لحظة صمت، ثم ابتسمت نور بخفة، شفتيها ترتجف قليلًا من التحكم بالغضب: — "حسنًا… تكلمو." لكن وقفتها تغيّرت، توازن جسدها صار أقوى، عيناها حادتان كالسهام، لم تعد الفتاة الهادئة التي يعرفونها… بل مستعدة لأي مواجهة.داخل غرفة المستشفى، لم يعد الصمت هادئًا كان ممتدًا بين الجدران البيضاء، ثقيلًا إلى درجة جعلت صوت الأجهزة الطبية يبدو أوضح من المعتاد. نبضات منتظمة، ثم فراغ قصير، ثم صوت آخر يعيد الغرفة إلى واقعها البارد. جلست سارة على السرير، لكنها لم تكن تشعر بثبات جسدها. كان كتفاها يرتجفان، وأصابعها متشابكة فوق ركبتيها، بينما كانت دموعها تنزل دون توقف. «لا…» خرجت الكلمة بالكاد ثم هزت رأسها: «لا… لا.» كأنها تستطيع بإصرارها وحده أن تعيد ترتيب السنوات الماضية، وأن تجعل الكلمات التي سمعتها قبل قليل مجرد كابوس. رفعت عينيها إلى رامز كان واقفًا أمامها، ساكنًا، لكنه لم يعد يملك ذلك الهدوء المعتاد. بقيت عيناه عليها، تراقبان كل حركة، وكل تغير في أنفاسها قالت فجأة: «كنت معهم؟» لم يجب ارتفع صوتها: «كنت أعيش بينهم كل هذه السنوات… وأنت تعرف؟» تسارعت أنفاسها. رفعت يدها إلى رأسها، وضغطت بأصابعها على جانبيه: «كيف لم أعرف؟» ثم خرجت منها ضحكة قصيرة. لم تكن ضحكة فرح، بل صوتًا مكسورًا خرج في اللحظة الخطأ: «كنت أناديها عمتي…» توقفت انخفض صوتها:«كنت أثق بها.» انحنت قليلًا، وكأن الكلمات أثقل من أن تبقى داخل صد
في تلك الليلة، كانت سارة تواجه حقيقة قادرة على إعادة كتابة ماضيها بالكامل ورامز، للمرة الأولى، لم يحاول حمايتها من الحقيقة. اختار أن يقف إلى جوارها وهي تواجهها لم يقل إن كل شيء سيكون بخير. فبعض الحقائق لا يصلح معها الوعد اكتفى بالبقاء. وبينما كانت سارة تبكي بصمت، بقيت يده على كتفها، ثابتة بما يكفي لتعرف أنها ليست وحدها في هذه اللحظة لكن خارج الغرفة… كان شيء آخر يتحرك في مكان آخر من المدينة، أُغلقت أبواب مكتب نادر الجبوري. لم يكن نادر موجودًا هذه المرة كان المكتب خاليًا، والمدينة خلف الزجاج غارقة في أضواء الليل. دخل أحد رجاله بخطوات سريعة، يحمل ملفًا بنيًا سميكًا وضعه على المكتب. «سيدي، وصل هذا قبل قليل.» نظر نادر إلى الملف دون أن يلمسه: «من أين؟» تردد الرجل لحظة: «من الأرشيف القديم.» رفع نادر عينيه إليه:«أي أرشيف؟» «ملفات العائلة القديمة.» ساد الصمت مد نادر يده أخيرًا، وسحب الملف نحوه فتح الصفحة الأولى. توقف لم يكن الاسم المكتوب أمامه غريبًا كان اسمًا يعرفه جيدًا لكن التاريخ الموجود تحته لم يكن منطقيًا. قلب الصفحة ثم التي تليها كلما قرأ سطرًا، تغيرت ملامحه قليلًا. قال
لم يكن الممر خارج غرفة سارة هادئًا كان الصمت فيه من النوع الذي لا يمنح الراحة، بل يترك للذهن مساحة واسعة كي يسمع ما يحاول تجاهله. ضوء المستشفى الأبيض امتد على الأرضية اللامعة، وانعكس على الجدران حتى بدا كل شيء باردًا أكثر مما ينبغي. ومن خلف باب الغرفة، كان صوت جهاز المراقبة يتكرر بإيقاع ثابت؛ نغمة قصيرة، ثم أخرى، وبينهما فراغ صغير. وقف رامز في منتصف الممر. ساكنًا، لكن سكونه لم يكن كاملًا كان فكه مشدودًا، وأصابعه تنقبض للحظة ثم تسترخي، وعيناه بقيتا بعيدتين عن علاء كلما اقترب الحديث من سارة لاحظ علاء ذلك. ولم يحتج إلى السؤال مرتين كي يعرف أن خلف ذلك الصمت شيئًا لم يعد رامز قادرًا على إخفائه كما كان قال:« هل تحبها؟» جاءت الإجابة فورًا.«لا.» كانت الكلمة سريعة أكثر من اللازم رفع علاء حاجبه.«حقًا؟» لم يرد رامز.« أنت لا تحبها؟» رفع رامز عينيه إليه.:«قلت لا.» كانت النبرة أكثر حدة هذه المرة، لكن علاء لم يتراجع، تقدم خطوة:«إذن فسّر لي شيئًا.» ظل رامز صامتًا: لماذا تحميها؟» لم يجب: لماذا تغيّر خططك عندما يصيبها شيء؟» صمت،:«ولماذا تترك كل ما بيدك وتذهب إليها كلما احتاجتك؟ تحر
كان المول يلمع تحت أضواء بيضاء ناعمة، تتكسر انعكاساتها على الأرضية الرخامية وتنساب بين الواجهات الزجاجية للمحال الفاخرة. كل شيء في المكان كان مرتبًا بعناية؛ الفساتين معلقة كأنها لوحات، والحقائب موضوعة خلف الزجاج، والعطور تنتشر في الهواء برائحة هادئة وثقيلة. كانت نور تسير إلى جانب إياد، تتوقف بين حين وآخر أمام واجهة تعجبها. وما إن تقع عيناها على قطعة حتى كانت تجدها بعد لحظات بين يدي أحد الموظفين نظرت إليه مرة أخرى، ثم إلى الأكياس التي بدأت تتراكم. «إياد… هذا كثير.» لم يلتفت إلى الأسعار قال ببساطة: «إذا أعجبكِ، فهو لكِ.» سكتت نور لم تكن معتادة على هذا النوع من الاهتمام. الأمر لم يكن في الأشياء التي يشتريها لها، بل في الطريقة التي كان يفعل بها ذلك؛ وكأنه لا يرى في رغبتها عبئًا، ولا يحتاج منها إلى تبرير. خفضت عينيها قليلًا، وشعرت بشيء دافئ يتحرك في صدرها في تلك اللحظة، اهتز هاتف إياد ألقى نظرة سريعة على الشاشة نادر الجبوري. ابتعد عدة خطوات. «انتظريني هنا.» أومأت نور وقفت أمام أحد الفساتين، ومدت أصابعها تتحسس طرف قماشه الناعم، بينما كان إياد يتحدث عبر الهاتف على مسافة قريبة. لم
لم يعد الهدوء داخل غرفة المستشفى يشبه الهدوء الذي سبق المواجهة. كان الهواء ساكنًا، لكن السكون لم يكن مريحًا. أصوات الأجهزة الطبية تتردد بنغمة منتظمة، والضوء الأبيض المنعكس على الجدران يزيد المكان برودة، بينما كانت سارة مستلقية على السرير، تراقب الباب بصمت لم تكن تعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك لكنها تعلّمت، خلال الفترة الأخيرة، أن الخوف لا يحتاج إلى صوت كي يكون حاضرًا. كانت رنا واقفة أمامها وجهها مشدود، وأنفاسها متسارعة، وعيناها تحملان غضبًا لم يكن موجّهًا إلى سارة وحدها، بل إلى كل شيء لم تعد قادرة على فهمه قالت بحدة:« بسببكِ… أمي في السجن.» ارتجفت أصابع سارة فوق الغطاء حاولت أن ترفع رأسها قليلًا—« أنا… لم أفعل شيئًا.» خرج صوتها ضعيفًا، متقطعًا لكن رنا لم تمنحها فرصة أخرى.« كاذبة!» تقدمت خطوة ثم رفعت يدها لم تصل يد أخرى أوقفتها في منتصف الطريق. قبضة رامز أحاطت بمعصمها بثبات توقفت رنا، والتفتت إليه لم يحتج رامز إلى رفع صوته. قال فقط:« قلتُ… لا تلمسيها.» نظرت رنا إلى يده، ثم إلى وجهه حاولت سحب معصمها« اتركني! ومن أنت أصلًا حتى تتدخل؟» لم يتحرك اقترب منها خطوة واحدة:« من أنا لا
كانت مدينة الألعاب في تلك الليلة تبدو كأنها لا تنتمي إلى العالم نفسه. أضواء لا تهدأ، ألوان تنعكس على الوجوه، موسيقى تتداخل مع أصوات الألعاب، وضحكات تتصاعد من كل جانب. كان الأطفال يركضون بين الممرات، والأزواج يتجولون متشابكي الأيدي، وروائح الحلوى والفشار تملأ الهواء. وسط ذلك كله، كانت نور تمشي بخطوات سريعة، وكأنها تحاول أن تلحق بكل شيء قبل أن تنتهي الليلة. كان شعرها الطويل يتحرك خلف كتفيها مع كل التفاتة، وعيناها تلاحقان الألعاب بفضول واضح. لم تكن تخفي فرحتها، ولم تحاول حتى أن تفعل. أما إياد، فكان يسير خلفها بخطوات أبطأ، هادئًا مرتبًا. يحافظ على ملامحه المعتادة، لكن عينيه كانتا تلاحقانها أكثر مما تلاحقان المكان توقفت نور فجأة التفتت إليه، ثم أشارت إلى لعبة مرتفعة تدور في الهواء: "إياد! أريد هذه!" رفع رأسه يتابع اللعبة للحظات كانت المقاعد ترتفع عاليًا قبل أن تهبط بسرعة، ثم تعود إلى الدوران عاد بنظره إليها: "مستحيل." تغيرت ملامح نور فورًا، عقدت حاجبيها: "لماذا؟" "لأنها مرتفعة." ثم أضاف بهدوء:"وخطيرة." حدقت به وكأن جوابه غير مقبول إطلاقًا اقتربت منه، وأمسكت ذراعه بكلتا يديها: "
لم ينم إياد تلك الليلة. رغم التعب الذي يضغط على كتفيه، رغم الألم المنتشر في جسده بعد المباراة، إلا أن عقله كان مشغولًا بشيء واحد… هي. تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وقالت إنه يجب أن يعرف أنها هي من كانت تترك له الرسائل الصغيرة، الحلوى، والكلمات التي تصل إلى قلبه بصمت… جوليا. جلس على سريره، ينظر
مرّت خمس سنوات… لكن داخل نور، لم يمر شيء. ما زالت تلك الطفلة التي فقدت كل شيء في ليلة واحدة، الطفلة التي تعلمت أن العالم قاسٍ، وأن الانتظار لا يعني الأمان. في صباح بارد، كانت واقفة عند بوابة المدرسة، تضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تحتمي بها، وعيناها تبحثان عن أي ملامح مألوفة وسط زحام الطلاب. الض
لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة… السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بس
مرّ أسبوع كامل، ثم أسبوع آخر، والتنمر لم يتوقف. بل، ازداد سوءًا مع كل يوم يمر. كانت أوراق نور تُخفي عن أعين الآخرين، وحقيبتها الرمادية تُرمى بلا رحمة على الأرض، وكرسيها في الصف يُكسر أحيانًا أمام زملائها، وأوراقها المهمة تُمزق أمام أعينها. كل مرة، كان يحدث نفس الشيء… صمتها كان الرد الوحيد. صمت ي







