LOGINالفصل الخامس
الرجل الذي لا ينتظر الشكر كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا. وصل عمر السيوفي إلى الشركة قبل الجميع، كعادته. أوقف سيارته في مكانها المعتاد. لم يتجه إلى مكتبه مباشرة. بل سار بين ممرات الشركة الهادئة. كان يحب أن يرى المكان قبل أن يمتلئ بالأصوات. توقف أمام مكتب عامل النظافة. وجد الرجل يمسح الأرضية وهو يهمهم بأغنية قديمة. ابتسم عمر. وقال: "صباح الخير يا عم حسن." رفع الرجل رأسه بسرعة. واتسعت عيناه. "صباح النور يا أستاذ عمر." قالها وهو يحاول الوقوف باحترام. لكن عمر أشار إليه أن يكمل عمله. ثم قال: "إزي بنتك؟" تجمد الرجل مكانه. "حضرتك... فاكر؟" ابتسم عمر ابتسامة هادئة. "فاكر إن عندها امتحان النهارده." امتلأت عينا الرجل بالدموع. وقال بصوت مبحوح: "ربنا يكرمك يا ابني." ربت عمر على كتفه برفق. "ادعيلها بالتوفيق..." "الدعاء بيفتح أبواب كتير." ثم أكمل طريقه. لم ينتظر كلمة شكر. ولم يلتفت خلفه. لكن عم حسن ظل ينظر إليه حتى اختفى. وهمس لنفسه: "أول مرة أشوف مدير يعرف اسم بنت عامل نظافة." في الثامنة إلا عشر دقائق... دخلت ريم الشركة. كانت لا تزال تحمل الورقة الصغيرة التي كتبها لها عمر بالأمس داخل مفكرتها. لم تقرأها مرة واحدة. بل عشرات المرات. كلما شعرت أن ثقتها بنفسها تهتز... فتحت المفكرة. وقرأت الجملة. ثم أغلقتها من جديد. دخلت مكتبها. وجدت سارة تراقبها وهي تبتسم. قالت سارة: "أنا مستنية اليوم اللي هتقوليلي فيه سر الابتسامة دي." ضحكت ريم. "مفيش سر." اقتربت سارة. "بالعكس..." "فيه حاجة اتغيرت." سكتت ريم. ثم قالت بصوت منخفض: "لأول مرة..." "أحس إن تعبي ليه قيمة." نظرت إليها سارة طويلًا. ثم قالت: "مش المدير اللي غيرك." "الاحترام هو اللي غيرك." توقفت ريم عن ترتيب الأوراق. لم تكن تتوقع أن تصيب سارة الحقيقة بهذه البساطة. في الطابق العلوي... كان عمر يقف أمام النافذة. يحمل كوب القهوة في يده. دخل عليه مساعده الشخصي. وقال: "حضرتك عندك اجتماع مع مجلس الإدارة الساعة عشرة." أومأ عمر. ثم سأله فجأة: "الأستاذة ريم وصلت؟" ابتسم المساعد. "أيوه يا فندم." ظل عمر صامتًا للحظة. ثم قال: "بلغها تيجي بعد الاجتماع." "فيه حاجة عايز أناقشها معاها." خرج المساعد. لكن قبل أن يغلق الباب... تردد قليلًا. ثم قال: "لو تسمح لي يا فندم..." نظر إليه عمر. "اتفضل." ابتسم الرجل وقال: "الموظفين بقوا بيتكلموا عن حضرتك." عقد عمر حاجبيه. "خير؟" ضحك المساعد. "بيقولوا إن الشركة بقى فيها روح." لم يبتسم عمر. بل عاد ينظر من النافذة. وقال بهدوء: "لو الموظف دخل الشغل وهو مرتاح..." "هيكسب هو..." "وتكسب الشركة." ثم أضاف بصوت خافت، كأنه يحدث نفسه: "الناس مش محتاجة معجزة..." "الناس محتاجة حد يعاملها بإنسانية." وفي تلك اللحظة... كان هاتفه يهتز فوق المكتب. نظر إلى الشاشة. فاختفت ملامحه الهادئة فجأة. الاسم الذي ظهر أمامه... جعله يسحب نفسًا عميقًا قبل أن يجيب. "الدكتور فؤاد..." ساد الصمت داخل المكتب. ولأول مرة... ظهر في عيني عمر شيء يشبه الألم ظل عمر ينظر إلى اسم المتصل لثوانٍ. الدكتور فؤاد. أغلق عينيه للحظة. ثم أجاب بهدوء: "السلام عليكم يا دكتور." جاءه صوت رجل مسن، يحمل وقار السنين. "وعليكم السلام يا عمر." ساد صمت قصير. ثم قال الرجل: "نسيت موعدك تاني." تنهد عمر بصوت خافت. "آسف." قال الدكتور فؤاد بحنان يشبه حنان الأب: "يا ابني... الهروب مش هيغير حاجة." نظر عمر إلى صورة صغيرة موضوعة على مكتبه. كانت الصورة مقلوبة. مد يده إليها... لكنه لم يقلبها. قال بصوت منخفض: "أنا مش بهرب..." "أنا بحاول أعيش." أغلق الهاتف بعد دقائق. وبقي واقفًا مكانه. دخل المساعد بعد أن استأذن. نظر إلى وجه عمر. فعرف أن الوقت ليس مناسبًا للكلام. لكن عمر سبق وقال: "بلغ الأستاذة ريم تيجي بعد نص ساعة." كانت ريم تراجع بعض الأوراق عندما وصلها الخبر. تعجبت. "حضرتك متأكد؟" ابتسم المساعد. "الأستاذ عمر بنفسه طلب حضرتك." شعرت بتوتر خفيف. لكنها أسرعت ترتب الملفات، ثم صعدت إلى الطابق الأخير. طرقت الباب. جاءها صوته الهادئ: "اتفضلي." دخلت. لاحظت لأول مرة أن ملامحه تبدو مرهقة. كأنه لم ينم جيدًا. لكن ابتسامته الهادئة لم تختف. أشار إلى المقعد. "اقعدي يا ريم." جلست. فتح ملف مشروع "النخبة". ثم قال: "راجعت كل اللي اتعمل." رفعت رأسها. "في ملاحظات يا فندم؟" ابتسم. "في ملاحظة واحدة." توقفت أنفاسها. قال: "إنتِ بتشتغلي أكتر من اللازم." نظرت إليه بدهشة. "مش فاهمة." أغلق الملف. وقال: "وصلت امبارح الساعة سبعة." "وخرجت بعد الكل." "والنهارده جيتي قبل معادك." ثم نظر إليها مباشرة. "الشغل مهم..." "لكن صحتك أهم." لم تعرف بماذا تجيب. في حياتها كلها... لم يقل لها أحد هذه الجملة. دائمًا كانت تسمع: "اعملي أكتر." "استحملي." "لسه." أما هذا الرجل... فيطلب منها أن ترتاح. ابتسمت بخجل. وقالت: "أنا بحب أخلص شغلي." أومأ برأسه. "وده شيء كويس." "لكن الإنسان لو انهك نفسه..." "هيجي يوم ويقع." ساد الصمت. ثم دفع إليها ملفًا جديدًا. "عايزك تقودي فريق المشروع." اتسعت عيناها. "أنا؟" ابتسم. "أيوه." "لكن بشرط." سألته في قلق: "إيه هو؟" قال بهدوء: "متعمليش كل حاجة بنفسك." "القائد الشاطر..." "هو اللي يعرف يوزع المسؤولية." هزت رأسها موافقة. ثم قامت لتغادر. وقبل أن تصل إلى الباب... سمعت صوته. "ريم." التفتت. قال وهو يبتسم ابتسامة صغيرة: "فيه فرق كبير..." "بين الإنسان المجتهد..." "والإنسان اللي بيعاقب نفسه." خرجت من المكتب. لكن الجملة بقيت تدور في رأسها. في الخارج... كانت سارة تنتظرها. "خير؟" ابتسمت ريم. "رقاني مسؤولية أكبر." شهقت سارة. "مبروك!" لكن ريم لم تبدُ سعيدة كما توقعت. قالت بهدوء: "عارفة الغريب؟" "أول حاجة اتكلم فيها..." "مش الشغل." "سألني إذا كنت برهق نفسي." ابتسمت سارة ابتسامة طويلة. ثم قالت: "واضح إنه فاهم الناس..." "قبل ما يفهم الشغل." في تلك اللحظة... كان عصام يقف عند نهاية الممر. يراقب حديثهما بصمت. وقبض يده بقوة. ثم قال بينه وبين نفسه: "واضح إن الحرب لسه في أولها." انتهى الدوام. بدأ الموظفون يغادرون الشركة واحدًا تلو الآخر. أغلقت ريم جهاز الحاسوب. رتبت أوراقها بعناية. ثم حملت حقيبتها واستعدت للمغادرة. قبل أن تصل إلى المصعد... سمعت صوتًا ضعيفًا يأتي من نهاية الممر. التفتت. كان عم حسن، عامل النظافة. يجلس على كرسي صغير، واضعًا يده على صدره. اقتربت منه بسرعة. "مالك يا عم حسن؟" ابتسم رغم الألم. "متقلقيش يا بنتي... دوخة بسيطة." لكن وجهه كان شاحبًا. في اللحظة نفسها... خرج عمر من مكتبه. لمح المشهد من بعيد. ولم يسأل أحدًا. بل أسرع بخطوات ثابتة. انحنى أمام الرجل. وقال بهدوء: "عم حسن..." "بصلي." رفع الرجل عينيه بصعوبة. أخرج عمر زجاجة ماء من مكتبه. وساعده على الشرب. ثم أمسك هاتفه. "هاتولي الإسعاف فورًا." قالها بنبرة هادئة... لكن لا تحتمل التأخير. خلال دقائق... وصلت سيارة الإسعاف. وقبل أن يحمل المسعفون الرجل... أمسك عم حسن بيد عمر. وقال بصوت متقطع: "أنا آسف يا باشا..." ابتسم عمر. وقال وهو يربت على كتفه: "إحنا اللي آسفين..." "لأنك تعبت وإحنا معرفناش." نظر إليه الرجل بعينين دامعتين. ثم نُقل إلى السيارة. وقفت ريم تراقب المشهد كله. كانت تشعر بغصة في قلبها. اقتربت من عمر بعد أن غادرت سيارة الإسعاف. وقالت: "حضرتك عملت كل ده بنفسك." نظر إليها باستغراب. "ده الطبيعي." قالت بهدوء: "مش كل الناس بتعمل كده." ابتسم ابتسامة هادئة. ثم قال جملة ستظل محفورة في قلبها: "المنصب..." "مش معناه إن الناس تخدمني." "المنصب الحقيقي..." "هو إني أخدم الناس اللي ربنا حطني مسؤول عنهم." ساد الصمت. لم تجد ريم أي كلمة ترد بها. لأنها لأول مرة ترى رجلًا... لا يتحدث عن الإنسانية... بل يعيشها. بعد نصف ساعة... كان الليل قد بدأ يرخي ستاره على المدينة. خرجت ريم من الشركة. لكنها لم تجد أي وسيلة مواصلات. كان المطر قد اشتد. والشارع يكاد يخلو. وقفت تحت مظلة صغيرة. تنتظر. مرت عشر دقائق. ثم عشر أخرى. وفي تلك اللحظة... توقفت سيارة عمر على الجانب الآخر من الطريق. نزل السائق. واتجه إليها. قال باحترام: "الأستاذ عمر بلغني أقول لحضرتك..." "حضرتك مش مضطرة تركبي معانا." "لكن الجو خطر." "ولو حبيتي... أوصلك لحد البيت." نظرت ريم إلى السيارة. ثم إلى السائق. ثم قالت بهدوء: "أشكره جدًا..." "لكن هروح لوحدي." ابتسم السائق. "كنت متأكد إن ده ردك." تعجبت. "يعني إيه؟" ضحك الرجل. "الأستاذ عمر قال لي بالحرف..." "اعرض عليها مرة واحدة فقط." "ولو رفضت... متكررهاش." "احترام راحتها أهم من أي حاجة." تجمدت ريم مكانها. لم يجبرها. ولم يستغل المطر. ولم يضعها في موقف محرج. بل ترك لها حرية القرار كاملة. غادرت السيارة. وبقيت هي تنظر إليها حتى اختفت. ثم همست لنفسها: "حتى في المساعدة..." "بيعرف يحافظ على كرامة اللي قدامه." في تلك الليلة... عادت إلى بيتها متأخرة. دخلت الشقة. وجدت محمود جالسًا يشاهد التلفاز. لم يرفع عينيه إليها. قال ببرود: "الأكل فين؟" وقفت تنظر إليه. لم تغضب. ولم تبكِ. لكنها شعرت لأول مرة... أن الفرق بين رجلين... ليس في المال. ولا في المنصب. ولا في العمر. الفرق الحقيقي... في الطريقة التي يشعر بها كل واحد منهما المرأة التي أمامه. دخلت غرفتها. فتحت مفكرتها الصغيرة. قرأت الجملة القديمة: "هل يمكن أن يغيّر الاحترام قلب إنسان أكثر مما يغيّره الحب؟" ثم كتبت تحتها سطرًا جديدًا: "أخاف أن يأتي يوم... أقارن فيه بين رجلين، فيظلم قلبي أحدهما دون أن يقصد." أغلقت المفكرة بسرعة. وضغطت عليها بين يديها. كأنها تخشى أن يقرأ أحد ما كتبته. وفي مكان آخر... كان عمر يجلس وحده في مكتبه. أخيرًا... مد يده إلى الصورة المقلوبة. وقلبها. نظر إليها طويلًا. ثم ابتسم ابتسامة يملؤها الحنين والألم. وقال بصوت خافت: "سامحيني..." "لسه مش عرفت أوفي بوعدي." وأعاد الصورة إلى مكانها. دون أن يعلم... أن الماضي الذي يحاول دفنه... بدأ يفتح بابه من جديد.الفصل المائة: حين عادت ريم إلى نفسهاالفصل الأخيروقفت ريم في نهاية الممر، والرسالة الأخيرة بين يديها.كان سؤال واحد يطاردها:من الشخص الذي ساعد والدها على إنقاذها؟لم تنتظر طويلًا.أسرعت نحو المصعد، وضغطت على الزر عدة مرات، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت بالفعل.استدارت لتجد والدها يقترب منها برفقة فارس.قال حسن: — لسه بتدوري على الإجابة؟رفعت ريم الرسالة أمامه.— أنت عارف مين الشخص ده؟أومأ.— أيوه.— مين؟نظر والدها إلى فارس، ثم قال:— محمود.تجمدت ريم.— محمود؟!قال فارس: — في الليلة اللي اختفيت فيها، محمود هو اللي ساعد والدك يخرج من المكان قبل ما يوصل له الأشخاص اللي كانوا بيدوروا على الملفات.حدقت ريم فيهما.— بس محمود قال لي إنه رجع الشركة، وإنه ما عرفش مكان بابا!تنهد حسن.— لأنه ما كانش عايز يعرّضك للخطر. يومها، محمود رجع للمكان بعد ما طلبت منه يمشي. ولما اكتشف إن فيه ناس بتفتش عني، اتصل بيا وحذرني.تابع فارس: — محمود كان عارف إن فيه خطة لاستغلالك للوصول للمستندات. لكنه ما كانش عارف كل تفاصيلها. ولما فهم إنك ممكن تتأذي، قرر يساعد والدك في إخفاء الأدلة وإبعادك عن القضية.قالت ريم
الفصل التاسع والتسعون: سقوط الأقنعةلم تنم ريم تلك الليلة.ظلت تحدق في العنوان الذي وصلها، وتعيد قراءة الرسالة عشرات المرات."والدك ينتظرك في مكان آخر."كان عقلها يرفض تصديق أن الرجل الذي غاب عن حياتها كل تلك السنوات قد يكون على بُعد ساعات منها.لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تصدق كل رسالة تصلها، أو تثق في كل شخص يزعم أنه يريد حمايتها.مع أول ضوء للصباح، كانت قد اتخذت قرارها.ستذهب إلى المكان المذكور، لكنها لن تذهب وحدها، ولن تسمح لأحد بأن يقودها إلى فخ جديد.في الثامنة صباحًا، اجتمع عمر ومحمود وسامح في مكتب عمر.وضعت ريم الهاتف على الطاولة.— ده العنوان اللي وصلني.فحص عمر الخريطة على حاسوبه، ثم رفع رأسه.— المكان ده مبنى إداري قديم، تابع لإحدى الشركات اللي اتقفلت من سنين.سأله محمود: — تابع لمين؟أجاب عمر: — كان تابعًا للشركة الأم اللي كانت بتدير مشروع الرواد قبل إعادة الهيكلة.تدخل سامح: — أنا أعرف المكان ده.التفت الجميع إليه.قال عمر: — إنت تعرفه منين؟تردد سامح لحظة، ثم فتح حقيبته وأخرج صورة قديمة.— لأن والد ريم كان بيقابل فارس هناك.أخذت ريم الصورة.ظهر فيها والدها واقفًا بجوار
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الورقة الموضوعة أمامها.إقرار تنازل عن هوية.وتحت العنوان، كان توقيع والدها الذي تعرفه جيدًا.مررت أصابعها فوق التوقيع، وكأنها تحاول التأكد من أنه حقيقي.— ده توقيع بابا!قال سامح بهدوء: — أيوه.رفعت رأسها نحوه بعينين دامعتين.— إزاي؟! هو بابا اختفى من سنين! وإيه معنى تنازل عن هوية؟ هو كان عايش طول الفترة دي؟لم يجب سامح مباشرة.أما محمود، فظل واقفًا في مكانه، يراقبها دون أن يتدخل.قال عمر: — لازم نفهم الورقة دي الأول. ممكن تكون مرتبطة باسم مستعار أو بملف قانوني قديم، مش بالضرورة معناها إنه غيّر هويته فعلًا.التفتت ريم إليه.— أنا مش عايزة احتمالات. عايزة أعرف أبويا فين!فتح سامح الملف الرمادي مرة أخرى، وأخرج مستندًا آخر.— والدك كان مسؤولًا عن مراجعة التحويلات في مشروع الرواد. اكتشف إن فيه مبالغ ضخمة بتخرج من حسابات الشركة من خلال شركات وسيطة، وبدأ يجمع الأدلة. لكنه اكتشف كمان إن فيه أشخاصًا داخل الشركة بيحاولوا يغطوا على الموضوع.سألته ريم: — وفارس كان بيساعده؟— أيوه. فارس كان حلقة الوصل بينه وبين بعض المستندات.— طب ليه اختفى؟تنهد سامح.— لأنهم عرفوا
تجمدت ريم أمام باب الشقة.الصوت القادم من الخارج كان هادئًا، لكنه يحمل نبرة استعجال واضحة.— ريم، افتحي الباب. مفيش وقت.تراجعت خطوة ونظرت إلى محمود.كان وجهه شاحبًا، وعيناه معلقتين بالمقبض.سألته ريم بصوت منخفض:— أنت تعرفه؟لم يجب.اقتربت منه بغضب.— محمود، كفاية أسرار! مين اللي واقف بره؟قال أخيرًا:— مهما قال لك، ما تصدقيش كل كلامه.ضحكت بسخرية.— غريبة! كل واحد بيحذرني من التاني، ومحدش فيكم بيقول الحقيقة كاملة!عاد الصوت من الخارج:— لو سمحتي يا ريم، افتحي. أنا مش عدوك.ترددت لحظة، ثم نظرت من العين السحرية مرة أخرى.كان رجلًا في أواخر الخمسينيات، يرتدي معطفًا داكنًا، ويحمل حقيبة جلدية قديمة. لم ترَ ملامحه بوضوح من قبل، لكن شيئًا في وجهه بدا مألوفًا.فتحت الباب قليلًا، وأبقت السلسلة مكانها.قال الرجل:— أنا اسمي سامح.لم يتحرك محمود، لكن ريم لاحظت أن يده انقبضت بقوة.سألت:— إيه علاقتك بفارس؟تنهد الرجل.— كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض ملفات مشروع الرواد. وكنت موجودًا في اليوم اللي قابلتي فيه فارس لأول مرة.تراجعت ريم قليلًا.— وإيه اللي حصل يومها؟نظر سامح إلى محمود من خلال فتحة البا
لم تستطع ريم إبعاد عينيها عن الصورة.كانت تحدق في الوجه الظاهر على شاشة هاتف عمر، بينما تتسارع دقات قلبها.رجل تعرفه جيدًا...رجل لم تتوقع أبدًا أن يكون له أي علاقة بمشروع الرواد أو بالأسرار التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.همست بصوت مرتجف:— مستحيل!اقترب محمود منها.— ريم، اسمعيني...ابتعدت عنه فورًا.— إنت كنت عارف؟لم يجب.صرخت:— محمود! كنت عارف إن الشخص ده موجود في الصورة؟نظر عمر إلى محمود بحدة، ثم قال:— جاوبها.مرر محمود يده على وجهه بتوتر.— كنت شاكك.ضحكت ريم بمرارة.— شاكك؟ كل اللي حواليا شاكين وعارفين، وأنا الوحيدة اللي عايشة في الظلام؟أمسك عمر الهاتف، وقرّب الصورة لتظهر ملامح الرجل بوضوح أكبر.قال:— الصورة دي قديمة، لكن واضح إنها اتصورت في نفس اليوم اللي كنتِ بتدوري فيه على الورقة.أخذت ريم الهاتف من يده.— أنا عايزة أعرف هو كان بيعمل إيه هناك.قال محمود:— قبل ما تعرفي الإجابة، لازم تعرفي إن وجوده في الصورة مش معناه إنه كان جزءًا من المؤامرة.التفتت إليه بحدة.— وإنت عرفت منين؟!سكت محمود.كانت تلك اللحظة كافية لتدرك ريم أن هناك شيئًا آخر يخفيه.جلست على حافة السرير، و
الفصل الخامس والتسعون: الورقة المخفيةلم تتحرك ريم من مكانها.كانت تنظر إلى محمود، بينما يدها ما زالت ممسكة بالهاتف.— إيه الورقة اللي أخفيتها عني؟لم يجب.اقتربت منه خطوة.— أنا بسألك يا محمود.قال عمر بهدوء:— لازم تجاوبها.رفع محمود عينيه إليه.— متدخلش.رد عمر:— الموضوع بقى أكبر منك ومني.ثم عاد ينظر إلى ريم.— لو الورقة اللي بيتكلموا عنها موجودة، لازم تعرفيها.استدارت ريم نحو محمود.— فينها؟ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:— في البيت.اتسعت عيناها.— في بيتنا؟— أيوه.— من إمتى؟— من قبل ما نتجوز.تراجعت ريم خطوة وكأن الإجابة أصابتها في مقتل.— قبل ما نتجوز؟هز محمود رأسه.— كنت عارف إنك ممكن تلاقيها في يوم.— وفضلت ساكت؟— كنت بحاول أحميك.ضحكت ريم بمرارة.— كل مرة تقول لي "بحميك"... وفي الآخر ألاقي إنك بتخبي عني الحقيقة!لم يرد.قال عمر:— لازم نرجع البيت.لكن ريم أوقفته.— لا.نظر إليها.— مش هنرجع البيت قبل ما أفهم حاجة.ثم التفتت إلى محمود.— أنت قلت إنك ما كنتش تعرف إن البنت اللي هتقابلها هي أنا.— صحيح.— طيب بعد ما عرفت إني أنا... ليه اتجوزتني؟ساد صمت ثقيل.هذه المرة لم يتهرب







