LOGINالفصل الثالث: صديق لا يحتاج إلى الكلام
كان الدكتور فؤاد يعرف عبد الرحمن بطريقة لم يعرفه بها أحد. لم يكن يعرفه كقاضٍ. ولا كرجل ميسور يعيش في فيلا واسعة بالقاهرة. ولا كأب لثلاثة أبناء ناجحين. كان يعرفه كما كان قبل كل ذلك. شابًا في الثامنة والعشرين، قليل المال، كثير الأحلام، عنيدًا إلى حد الغضب، ومؤمنًا بأن القانون قادر على إصلاح كل شيء. كان يعرف صوته عندما يكون غاضبًا. ويعرف طريقته عندما يكون حزينًا. ويعرف حتى صمته. ولهذا، عندما جلس معه في حديقة الفيلا في مساء اليوم التالي، لم يحتج إلى أن يسأله كثيرًا. قال فؤاد وهو ينظر إلى شجرة الليمون: — الشجرة كبرت. أجابه عبد الرحمن: — وإحنا كمان. — أنت كبرت. — وإنت لأ؟ — أنا طبيب، والطبيب لا يكبر. ضحك عبد الرحمن. — دي أول مرة أسمعها. — عندي مرضى بيكبروا وأنا لأ. جلس فؤاد على المقعد الخشبي. ثم أخرج علبة سجائر. نظر إليه عبد الرحمن. — لسه بتدخن؟ — وأنت؟ — أنا بطلت. — كداب. — بطلت تقريبًا. ضحك فؤاد وأشعل سيجارته. كانت علاقتهما من النوع الذي لا يحتاج إلى مقدمات. إذا التقيا بعد أسبوع، استكملا حديثًا بدأ منذ سنوات. وإذا غاب أحدهما شهرًا، لم تكن هناك عتابات. كانت الصداقة بينهما أقدم من العتاب. قال فؤاد: — تعرف إن أولادي كانوا هيطلعوا أكبر من أولادك؟ نظر إليه عبد الرحمن. — أولادك؟ ابتسم فؤاد. — في خيالي. سكت عبد الرحمن. كان يعرف أن فؤاد يمزح أحيانًا عندما يريد أن يخفي شيئًا يؤلمه. قال: — أنت لسه بتفكر في الموضوع؟ هز فؤاد كتفيه. — الإنسان بيتعود. — لكن؟ — لكن مفيش "لكن". نظر إليه عبد الرحمن. — فؤاد. ابتسم الطبيب. — أنا كويس. ثم أضاف: — وعندي أولادك. ابتسم عبد الرحمن. — دول مش أولادك. — بالعكس. — إزاي؟ — سليم بيكلمني كل أسبوع تقريبًا. — عشان شغله. — وحسام بيستشيرني في الحالات. — عشان أنت طبيب. — وعمر؟ ابتسم فؤاد. — عمر بيطلب مني فلوس لما يتزنق. ضحك عبد الرحمن. — ابنك. — أهو. ضحكا معًا. ثم صمتا. كان المساء يزداد هدوءًا. قال فؤاد: — أنا نفسي أشوف عمر لما يرجع. — هيخلص السنة دي. — هيتغير. — طبيعي. — لا. نظر عبد الرحمن إليه. — إيه؟ قال فؤاد: — السفر بيغير الإنسان. أجاب عبد الرحمن: — كل حاجة بتغير الإنسان. كانت الجملة بسيطة. لكن فؤاد نظر إليه طويلًا. ثم قال: — صحيح. --- في اليوم التالي، كان سليم في مكتبه بالنيابة. أمامه ملف قضية شاب متهم بسرقة محل تجاري. كان الشاب في بداية العشرينيات. ملابسه بسيطة. وجهه شاحب. وكان ينكر التهمة. قرأ سليم الأوراق بعناية. ثم رفع رأسه. — أنت متأكد إنك ما كنتش موجود؟ قال الشاب: — والله ما كنت. — الشهود قالوا إنك كنت هناك. — الشهود غلط. — عندك دليل؟ سكت الشاب. لم يتعجل سليم. كان عبد الرحمن قد علمه منذ صغره أن الاستعجال عدو العدالة. استمر التحقيق. وبعد ساعات، أغلق الملف مؤقتًا. كان أحد زملائه ينتظره. قال: — أنت بتدقق زيادة عن اللزوم. رد سليم: — القضية فيها ثغرات. — يمكن. — مش يمكن. ثم وقف. — لازم أتأكد. كان سليم يعرف أنه ابن قاضٍ. وكان يعرف أن كثيرًا من الناس قد يظنون أن مكانته جاءت من اسم أبيه. لهذا كان يرفض أن يترك لنفسه أي فرصة للخطأ. كان يريد أن يثبت أنه يستحق مكانه. حتى لو لم يكن أحد يشكك فيه. --- في الوقت نفسه، كان حسام في المستشفى. جلس أمام أحد المرضى. كان رجلًا مسنًا جاء يشكو من ألم في صدره. سأله حسام بهدوء: — الألم بدأ إمتى؟ — من امبارح. — وبتحس بضيق نفس؟ — شوية. أجرى الفحوص اللازمة. ثم طلب من المريض البقاء للمراقبة. خرج إلى الممر. كان فؤاد هناك. قال حسام: — إنت هنا؟ — جيت أشوفك. — ليه؟ — والدك. — بابا؟ — قال لي إنك بقيت دكتور أحسن مني. ضحك حسام. — مستحيل. — صدقني. — بابا بيجامل. — لا. ثم نظر إليه. — أنت شاطر. ابتسم حسام. — ربنا يخليك. قال فؤاد: — لو احتجت حاجة كلمني. — حاضر. ثم سكت حسام لحظة. — عمي فؤاد. — نعم؟ — إنت عمرك ندمت إنك ما خلفتش؟ تغير وجه فؤاد. لم يكن السؤال متوقعًا. قال بعد لحظة: — ليه بتسأل؟ — فضول. — كل إنسان عنده حاجات ناقصة. — يعني؟ ابتسم فؤاد. — يعني لو قعدت أعد الناقص، هنسى الموجود. فهم حسام. فقال: — عندك إحنا. ابتسم فؤاد. — عندي أنتم. ثم ربت على كتفه. — روح شغلك. --- أما عمر، فكان في غرفته الصغيرة في السكن الجامعي. كانت الساعة هناك مختلفة عن القاهرة. جلس أمام حاسوبه. وبجانبه مجموعة من الكتب الهندسية. كان يعمل على مشروع جامعي. دخل عليه صديقه في الغرفة. قال: — عمر، أنت لسه صاحي؟ — عندي تسليم بكرة. — أنت مجنون. — يمكن. جلس صديقه بجواره. — أهلك في مصر؟ — أيوه. — وحشتك؟ ابتسم عمر. — جدًا. — ليه ما ترجعش؟ — لسه بدري. — بعد التخرج؟ — غالبًا. ثم فتح عمر هاتفه. كانت هناك صورة لعائلته. أبوه. أمه. سليم. حسام. احتفظ بها في الهاتف منذ سنوات. نظر إليها للحظات. ثم أغلق الشاشة. قال صديقه: — أنت قريب منهم؟ — جدًا. — واضح. ابتسم عمر. ثم عاد إلى دراسته. لم يكن يعرف أن تلك الصورة ستصبح يومًا من أهم الأشياء التي يمتلكها. --- في القاهرة، كانت حياة عبد الرحمن تسير بهدوء. المحكمة. البيت. الأبناء. فؤاد. القرية. والذكريات. كان لديه كل ما يمكن أن يجعل رجلًا في الخامسة والخمسين راضيًا عن حياته. لكنه كان يشعر أحيانًا أن شيئًا ما ناقص. لم يكن يعرف ما هو. وكان يكره هذا الشعور. لأنه رجل قضى عمره يبحث عن الأسباب. وفي داخله كان يعرف أن السبب ليس في الحاضر. بل في شيء أقدم. شيء لا يريد أن يقترب منه. --- في أحد أيام الخميس، قرر عبد الرحمن أن يأخذ أسرته إلى القرية. كانت أمينة سعيدة. قالت: — بقالنا فترة ما رحناش. أجاب: — نروح يومين. سليم وافق. حسام وافق. أما عمر فكان بعيدًا. قال عبر الهاتف: — نفسي أكون معاكم. أجابه عبد الرحمن: — قريب. — وعد؟ — وعد. خرجوا صباحًا. السيارة تسير على الطريق الطويل الممتد جنوبًا. كان عبد الرحمن يقود. بجواره أمينة. وفي الخلف جلس سليم وحسام. كان الحديث متواصلًا. لكن عبد الرحمن كان قليل الكلام. كلما اقتربوا من الصعيد، بدأت ملامح وجهه تتغير. الحقول. النخيل. البيوت. الطريق الترابي. كل شيء كان مألوفًا. لكن شيئًا داخله كان يتوتر. قالت أمينة: — مالك؟ — مفيش. — كل ما نقرب من البلد بتسكت. — بفتكر. — في إيه؟ نظر إليها. ثم قال: — حاجات قديمة. لم تسأله أكثر. --- عندما دخلوا القرية، استقبلهم عدد من أهلها. كان بعضهم يعرفه منذ سنوات. صافحه رجل. وقال: — نورت بلدك يا سيادة القاضي. ابتسم عبد الرحمن. — البلد منورة بأهلها. مروا بالطريق الرئيسي. ثم توقفوا أمام البيت القديم. نزل عبد الرحمن. وقف أمام الباب. لم يفتحه. ظل ينظر إليه. قال سليم: — بابا؟ التفت. — نعم؟ — داخل؟ — أيوه. فتح الباب. دخل. كان البيت يحتفظ برائحة الماضي. رائحة الخشب. والتراب. والجدران القديمة. قال حسام: — البيت لسه زي ما هو. أجاب عبد الرحمن: — بعض الحاجات لازم تفضل زي ما هي. ثم سار إلى غرفة قديمة. فتح النافذة. دخل ضوء الشمس. رأى على الجدار صورة قديمة لوالده. توقف. اقترب منها. مسح الغبار عن الإطار. ثم ابتسم. قال حسام: — كنت بتحب المكان ده؟ — جدًا. — ليه سيبته؟ سكت عبد الرحمن. ثم قال: — الواحد ساعات بيسيب المكان عشان يكبر. — والقلب؟ نظر إليه. — القلب بياخد وقت أطول. --- في المساء، جلس الثلاثة في فناء البيت. كان سليم وحسام يتحدثان. أما عبد الرحمن فكان بعيدًا قليلًا. جلس على كرسي خشبي. ينظر إلى السماء. كان فؤاد قد وصل من القاهرة بعدهم بساعات. جلس إلى جواره. قال: — رجعنا تاني. ابتسم عبد الرحمن. — أيوه. — فاكر؟ نظر إليه عبد الرحمن. لم يحتج إلى السؤال. قال: — فاكر. صمت فؤاد. ثم قال: — سبعة وعشرين سنة. تغير وجه عبد الرحمن. — بلاش. — أنا ما قلتش حاجة. — لكنك فكرت. قال فؤاد: — وأنت؟ لم يجب عبد الرحمن. كانت عيناه معلقتين بالظلام البعيد. ثم قال: — خلينا في الأولاد. نظر فؤاد إلى سليم وحسام. ثم قال: — دول كويسين. — الحمد لله. — وعمر؟ — بخير. — يبقى خلاص. ابتسم عبد الرحمن. — خلاص. لكن فؤاد لم يقتنع. كان يعرف أن عبد الرحمن لا يقول "خلاص" إلا عندما يريد إغلاق باب. وفي تلك الليلة، لم يفتح أحد ذلك الباب. --- مر الأسبوع. وعادت الأسرة إلى القاهرة. استأنف عبد الرحمن عمله. وعاد سليم إلى النيابة. وعاد حسام إلى المستشفى. وعاد عمر إلى دراسته في الخارج. وعاد فؤاد إلى عيادته. كل شيء عاد إلى مكانه. لكن شيئًا صغيرًا تغير. في مساء أحد الأيام، تلقى عبد الرحمن مكالمة من القرية. كان المتصل رجلًا يعرفه منذ سنوات. قال: — يا سيادة القاضي. — خير؟ — مفيش. — أمال؟ — كنت بس عايز أقول لك إن حد سأل عنك. سكت عبد الرحمن. — مين؟ — معرفش. — قال اسمه؟ — لا. — وصفه؟ — راجل كبير. شعر عبد الرحمن بشيء غريب. قال: — إمتى؟ — من يومين. — وسأل عن إيه؟ — قال إن عايز يعرف أنت لسه فاكر البلد ولا لأ. ظل عبد الرحمن صامتًا. ثم قال: — لو رجع، بلغني. — حاضر. أغلق الهاتف. جلس في مكتبه. لم يخبر أمينة. ولم يتصل بفؤاد. ظل وحده. كان السؤال بسيطًا. لكن الكلمات لم تكن كذلك. "لسه فاكر البلد ولا لأ." لماذا شعر أن الرجل لم يكن يسأل عن البلد؟ بل يسأل عن شيء آخر؟ فتح الدرج. أخرج الصور القديمة. قلبها واحدة تلو الأخرى. ثم توقف عند صورة قديمة جدًا. كان فيها شاب في الثامنة والعشرين. يقف بجوار رجل آخر. كانا يبتسمان. عبد الرحمن. وفؤاد. قبل سبعة وعشرين عامًا. ظل ينظر إلى الصورة. ثم أعادها إلى مكانها. وأغلق الدرج. لم يكن يريد أن يتذكر. لكنه بدأ يتذكر. ليس العراف. ولا النبوءة. بل الليلة. الطريق. البيت. والصوت الذي لم يسمعه منذ زمن بعيد. وفي اللحظة نفسها، رن الهاتف مرة أخرى. كان فؤاد. رفع عبد الرحمن السماعة. — أيوه. جاء صوت الطبيب: — عبد الرحمن؟ — نعم. — أنت في البيت؟ — أيوه. صمت فؤاد قليلًا. ثم قال: — أنا جاي لك. سأله عبد الرحمن: — ليه؟ قال فؤاد: — لازم نتكلم. نظر عبد الرحمن إلى الدرج المغلق. ثم قال: — تعالى. أغلق الهاتف. وبقي واقفًا. لم يكن يعرف ماذا يريد فؤاد. لكن شيئًا في داخله قال إن الماضي بدأ يقترب. ببطء. خطوة بعد خطوة. وأن الهدوء الذي عاشته أسرته طوال السنوات الماضية... لن يستمر طويلًا.الفصل 150 — حين اختار الأبناء قدرهمظل عبد الرحمن ينظر إلى الشاب الواقف أمامه.كان المطر قد توقف، لكن قلبه لم يهدأ.قال:— ابن حامد؟أومأ الشاب.— اسمي آدم.نظر عبد الرحمن إلى حامد.كان وجهه قد تغير تمامًا.قال عبد الرحمن:— كنت تعرف؟أجاب حامد بصوت منخفض:— نعم.— ولماذا أخفيته؟— لأنني كنت أحاول حمايته.ضحك عبد الرحمن بمرارة.— يبدو أن عائلتنا كلها كانت تحاول حماية أولادها بالكذب.قال آدم:— وأنا لم آتِ لأكذب عليك.أخرج المفتاح الذي يحمله.— جئت لأُنهي كل شيء.---اقترب محمود.— المفتاح ده بيفتح إيه؟قال آدم:— المكان الذي لم يصل إليه أحد من رجال المجلس.سأل يوسف:— وأين هو؟أجاب:— تحت بيت العائلة.تبادل الجميع النظرات.قال عبد الرحيم:— البيت القديم؟— نعم.قال عبد الرحمن:— لكننا فتشنا البيت.ابتسم آدم.— فتشتم البيت.ثم أضاف:— ولم تبحثوا تحته.---عادوا جميعًا إلى المنزل.قادهم آدم إلى الغرفة القديمة.وقف أمام صورة والد عبد الرحمن.ثم قال:— كان أبي يقول إن هذا الرجل لم يكن يريد أن يملك المجلس.قال عبد الرحمن:— ماذا كان يريد؟— أن ينهيه.— لماذا؟— لأن المجلس بدأ كفكرة لحماية
الفصل 149 — ما قبل النهايةكانت السماء تمطر بغزارة عندما توقفت السيارات أمام البيت القديم.نزل عبد الرحمن أولًا.وقف أمام الباب الخشبي الذي لم يفتحه منذ سنوات طويلة.كان البيت يبدو كما تركه والده؛ جدران باهتة، نوافذ مغلقة، وشجرة قديمة في الفناء تحركت أغصانها مع الريح.قال محمود:— متأكد إننا لازم ندخل؟أجاب عبد الرحمن:— طول عمري بهرب من المكان ده.ثم وضع يده على الباب.— المرة دي مش ههرب.فتح الباب.صدر صوت صرير طويل.دخل الجميع.---كان الغبار يغطي الأثاث.لكن شيئًا غريبًا لفت انتباه يوسف.— بصوا.أشار إلى الأرض.كانت هناك آثار أقدام حديثة.قال محمود:— حد سبقنا.رفع سلاحه.— الكل يبقى ورايا.تحركوا ببطء داخل البيت.وصلوا إلى غرفة أبي عبد الرحمن.كانت مغلقة.قال عبد الرحيم:— الباب ده ما كانش بيتفتح.سأله عبد الرحمن:— إزاي؟— أبوك كان يمنع أي حد يدخل.قال عبد الرحمن:— حتى أنا.أخرج المفتاح الذي وجده في السجل.وضعه في القفل.فتح الباب.---كانت الغرفة أصغر مما يتذكرها.مكتب خشبي.كرسي.خزانة.وصورة قديمة معلقة على الحائط.اقترب عبد الرحمن من الصورة.كان والده يقف أمام البيت.وبجوار
الفصل 148 — الحقيقة التي أخفاها الأبلم يتحرك أحد.ظل وجه حامد ظاهرًا على الشاشة المضيئة في آخر القاعة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل لحظات تدور في رأس عبد الرحمن:«اشتقت إليكم يا إخوتي.»إخوتي.لم تكن الكلمة موجهة إلى عبد الرحمن وحده.كانت موجهة إلى عبد الرحيم وسعيد أيضًا.اقترب عبد الرحمن من الشاشة، وعيناه لا تفارقان وجه حامد.— أنت... أخونا؟ابتسم حامد.— الآن فقط بدأت تفهم.قال سعيد بصدمة:— مستحيل.أما عبد الرحيم فكان أكثرهم اضطرابًا.تقدم خطوة.— أبي قال إننا ثلاثة.ضحك حامد.— أبوكم قال لكم ما أرادكم أن تعرفوه.قال عبد الرحمن:— لا تكذب.— ولماذا أكذب الآن؟ثم ظهرت على الشاشة صورة قديمة.صورة لثلاثة أطفال يقفون أمام بيت ريفي قديم.عبد الرحمن.سعيد.عبد الرحيم.لكن خلفهم، وعلى مسافة قليلة، كان يقف طفل رابع.طفل أصغر منهم بقليل.تجمد عبد الرحمن.اقترب من الشاشة.— الصورة دي...قال حامد:— تعرفها؟— كانت في بيت أبي.— نعم.— لكن الطفل ده...ابتسم حامد.— أنا.---جلس سعيد على المقعد الخشبي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه.— لا...هز رأسه.— لا يمكن.قال عبد الرحيم:— أبي قال إنك م
الفصل 147 — سقوط مجلس القدر خرج عبد الرحمن من المحكمة القديمة مع أول خيط من ضوء الفجر، لكنه لم يشعر أن الليل انتهى. كان يحمل الدفتر الأسود تحت ذراعه، بينما سار خلفه محمود ويوسف وسعيد وعبد الرحيم وأبناؤهم. لم يتحدث أحد. كانت الحقيقة أثقل من أن تُقال بسهولة. أربعون عامًا من الخوف، والشك، والرسائل، والاختفاءات، والنبوءة التي ظلت تطاردهم... بدأت الآن تتجمع في صورة واحدة. لكن عبد الرحمن كان يعرف شيئًا واحدًا: المعركة لم تنتهِ. وقف محمود بجواره وقال: — عبد الرحمن. — نعم؟ — إحنا لقينا السجل. — لقينا نسخة منه. نظر محمود إليه. — يعني إيه؟ أجاب عبد الرحيم: — السجل الذي أغلقناه ليس الأصل. التفت الجميع إليه. قال يوسف: — وأنت كنت تعرف؟ — نعم. غضب محمود. — وإنت ساكت ليه؟ أجاب عبد الرحيم بهدوء: — لأن الأصل أخطر من كل شيء وجدناه حتى الآن. سأل عبد الرحمن: — أين هو؟ نظر عبد الرحيم إلى الطريق أمامه. — في مقر مجلس القدر. ساد الصمت. قال عبد الرحمن: — المجلس له مقر حتى الآن؟ — نعم. — وأين؟ أخرج عبد الرحيم خريطة قديمة من جيبه. فتحها فوق مقدمة سيارة محمود. كانت هناك ثلاث ع
الفصل 146 — الرجل الذي كان عبد الرحمنلم ينطق عبد الرحمن.ظل ينظر إلى الورقة بين يديه، وكأن الحبر عليها لم يكن حبرًا، بل بابًا فُتح فجأة على أربعين عامًا من حياته.كان التوقيع توقيعه.نفس الحروف.نفس الطريقة التي كان يكتب بها اسمه.لكن الجملة لم تكن له.«إذا عرفت من كان والدك، فقد حان الوقت لتعرف من أنت.»اقترب محمود.— عبد الرحمن؟لم يرد.قال يوسف:— دي مش أول مرة تشوف خطك في حاجة مش فاكرها.رفع عبد الرحمن عينيه إليه.— أول مرة كانت إمتى؟صمت يوسف.ثم قال:— ليلة العراف.تغير وجه عبد الرحمن.قال سعيد:— وأنا أقدر أساعدك تفتكر.نظر إليه.— إزاي؟— لازم نرجع للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.سأل محمود:— بيت العراف؟هز سعيد رأسه.— لا.ثم أضاف:— المحكمة القديمة.---كانت المحكمة القديمة في طرف القرية.مبنى حجريًا مهجورًا، نوافذه مكسورة، وأبوابه لم تُفتح منذ سنوات طويلة.لكن عبد الرحمن وقف أمامها كأن المكان ينتظره.قال:— أنا اشتغلت هنا؟أجاب سعيد:— قبل ما تبقى قاضي.— كنت متدربًا؟— أكثر من ذلك.دخلوا.كانت رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان.مروا بممر طويل حتى وصلوا إلى قاعة صغيرة.على الج
الفصل 145 — قاتل الأبساد الصمت.كان حامد واقفًا عند الباب، يحمل مسدسه، بينما كان رحيم على الأرض يحاول التقاط أنفاسه.أما عبد الرحمن فلم يستطع أن يبعد عينيه عن حامد.قال بصوت خافت:— أنت حي.ابتسم حامد.— كنت دائمًا حيًا.اقترب محمود بحذر.— إنت اللي أطلقت النار؟— نعم.— ليه ما قتلته؟نظر حامد إلى رحيم.— لأن موته الآن أسهل من أن يعيش بالحقيقة.ثم أعاد نظره إلى عبد الرحمن.— وأنت تستحق أن تعرف.قال عبد الرحمن:— مين قتل أبويا؟أجاب حامد:— أخوك سعيد.تجمد الجميع.رفع عبد الرحمن عينيه نحو سعيد.— سعيد؟هز سعيد رأسه.— لا.قال حامد:— بلى.اقترب عبد الرحمن منه.— قول الحقيقة.صمت سعيد.قال حامد:— في تلك الليلة، كان والدك قد اكتشف كل شيء.— إيه؟— اكتشف أن العراف يستخدم النبوءة لإجبار العائلات على تسليم أبنائها.قال يوسف:— لكن لماذا قتل سعيد والده؟أجاب حامد:— لأنه كان يعتقد أن أباه سيقتل عبد الرحمن.تدخل سعيد:— لم أقتله!صرخ حامد:— لم تطلق النار عليه، صحيح.ثم أضاف:— لكنك أعطيته السم.تراجع سعيد.نظر إليه عبد الرحمن.— السم؟قال سعيد:— كنت أحاول إنقاذك.— فقتلت أبي؟— لم أكن أعر







