Share

الفصل الخامس

Author: سارة
last update publish date: 2026-06-29 02:14:56

ضرب هيثم سطح المكتب بقبضته بقوة جعلت الأوراق ترتجف، ونظر نحو الأفق بغيظ وهو يهمس بفحيح: "سأريكِ..."

​ومنذ تلك اللحظة، بدأت الطلبات تنهال على رأس رغد دون توقف. تحول مكتبها الصغير إلى ساحة معركة حاسمة؛ الأوامر تأتي متلاحقة والمهام تتراكم فوق بعضها بعضاً: "أحضري القهوة"، "اجمعي هذه الأوراق"، "عدّلي هذا الملف"، "أعيدي صياغة هذا التقرير". استمر الوضع على هذا النحو الصارم حتى غرق مكتبها تماماً بملفات تكاد تُخفي ملامحه.

​نظرت رغد إلى كومة المعاملات أمامها بتعب، ثم التفتت إلى مجيد وقالت بنبرة يملؤها الإرهاق:

"إن العمل كثير جداً... لا يمكنني إنهاؤه اليوم بأي حال."

​نظر إليها مجيد بملامح هادئة، وأجابها ببساطة:

"أعتقد أنكِ ستعملين لوقت إضافي."

​مع رنين هذه الكلمة الأخيرة في أذنها، تجمّد الزمن للحظة، وانقشع الحاضر لتجد نفسها في ماضي بعيد...

لمحت طاولتين متجاورتين، وجلست هي أمام كتابها عاجزة، لا تعرف كيف تجيب على المسائل المعقدة، بينما الأُخرى بجانبها تدرس بذكاء وتفوق واضحين. التفتت إليها توأمتها، وبابتسامة حانية لطيفة قالت لها: "أعتقد أنكِ ستدرسين لوقت إضافي".

​عادت رغد إلى الواقع، وتسللت إلى شفتيها ذات الابتسامة الدافئة التي انبعثت من عمق الذاكرة. همست بنبرة هادئة ومتحدية:

"حسناً."

​مدت يدها إلى شعرها، ورفعته ببراعة إلى الأعلى على شكل كعكة عفوية، ثم غرزت فيه قلماً لتثبيته. سحبت أول ملف وبدأت بالعمل بهمة عالية وعزيمة متجددة.

​في هذه الأثناء، ومن خلف الزجاج المطل على الممر، كان هيثم واقفاً يراقب كل حركاتها وسكناتها، وعيناه تلاحقان إصرارها المفاجئ بذهول وصمت.

في البيت، كان العم يذرع غرفتها جيئة وذهاباً، وعيناه تلتهمان كل زاوية وتفاصيل المكان. كان ينبش في أشيائها بهوس، يبحث عن أي شيء—ولو كان مجرد طرف خيط رفيع أو ورقة منسية—يثبت شكوكه في أنها تغيرت أو بدأت تتذكر شيئاً.

​وعندما تملكه اليأس تماماً، استدار مغادراً الغرفة، وخطا خطوة سريعة نحو الخارج ليصطدم بالجدة مباشرة عند عتبة الباب.

​تراجع خطوة إلى الوراء، واعتلت ملامحه حمرة الارتباك المفاجئ، فحاول لملمة شتات نفسه بسرعة وهو يشرح بمبررات واهية:

"أنا... كنت فقط... أنا قلق عليها جداً يا أمي، وأردت أن أتحرى ما بها، أشعر أن تصرفاتها غريبة."

​تنهدت الجدة بأسى ونظرت إلى الغرفة ثم إليه، وقالت بنبرة حائرة:

"لقد كانت كما اعتدناها دائماً... لكن، منذ شهر تقريباً تغيرت جذرياً. أصبحت تقوم بأفعال وتصرفات لا تشبهها أبداً! لا أعرف حقاً ماذا جرى لابنتي... فمنذ ذلك الحادث وهي هادئة جداً وانطوائية، إلى غاية الشهر الفارط. صدقني، لم تكن هكذا أبداً قبل عودتك."

​تضاعف ارتباك العم، وشعر بوخزة رعب تسري في جسده عند ذكر التوقيت، فحاول تغيير مجرى الحديث بسرعة ليدفع الشبهة عن نفسه، وقال بصوت متقطع:

"لا... لا تذكري ذلك الحادث المشؤوم مجدداً يا أمي! أعتقد... أعتقد أنها واقعة في حب شخص ما، وهذا النوع من العلاقات هو ما غيّرها وجعلها هكذا."

هدأ صخب المكتب تماماً، ولم يعد يُسمع سوى أزيز التكييف الخافت. على مكتبها المحاط بالملفات، غفت رغد من شدة التعب، ووسدت رأسها فوق يديها المتعبتين.

​خطا هيثم نحو مكتبها بخطوات بطيئة حذرة. كان يتأمل وجهها المرهق، وقد تسلل إلى داخله شعور غريب بالاحترام لعزمها وإصرارها طوال تلك الساعات. انحنى قليلاً، ومد يده ليوقظها برفق، قائلاً بنبرة هادئة غير معتادة:

"رغد... استيقظي، يمكنكِ العودة إلى المنزل الآن."

في قرارة نفسه، كان يفكّر أنه حتى وإن كانت قد احتالت في البداية، فإن مجتهدة ومثابرة كهذه تستحق فعلاً أن تعمل في مكتبه.

​لكن، وبشكل فجائي عكس كل توقعاته، انتفضت رغد واقفة بنشاط فائق وحيوية غريبة. لم تكن هناك أي علامات تعب على وجهها، بل نظرت إليه بابتسامة غامضة، وبعينين تشعان ببريق جرئ ومستفز، وقالت بنبرة لعوبة:

"سعادة المدير الكبير... هيثم."

​ولم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى اقتربت منه بشدة، كاسرةً كل الحواجز والمسافات، حتى كادت شفاهها تلامس شفاهه. تلاقت أنفاسهما، وهمست بصوت خافت ومثير:

"كنت أرغب في تقبيلك بشدة الآن... لكن، عندي أمر مهم عليّ توليه فوراً. سأعود مجدداً."

​وبحركة سريعة ومتمردة، نزعت نظارتها ورمتها على المكتب بإهمال، ثم فكت قيد شعرها لينسدل بحرية، واستدارت مغادرةً المكان بخطوات واثقة، ثابتة، ومستفزة للغاية... خطوات لا تشبه في شيء تلك الفتاة الخجولة التي رآها في الصباح.

​بقي هيثم واقفاً في مكانه متسمراً من الصدمة، يحاول استيعاب ما حدث للتو. نظر إلى النظارة المرمية، ثم مد يده والتقطها ببطء واضعاً إياها في جيبه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تحدٍّ خفيفة، وهمس لنفسه بنبرة غامضة:

"أعتقد أننا سنلعب كثيراً... آنسة رغد."

فتحت باب المنزل بخطوات هادئة ودخلت. كان السكون يخيم على أرجاء البيت، باستثناء ضوء خافت ينبعث من الصالة، حيث كان عمها يجلس هناك بمفرده، غارقاً في أفكاره وهواجسه.

​نظرت إليه، وقالت في البداية بصوت خافتٍ مرتعش، يحمل كل علامات الارتباك والخوف:

"هل... هل نامت جدتي؟"

​رفع لؤي رأسه إليها وأجابها باقتضاب: "نعم."

​وفي تلك اللحظة بالذات، انقشع الهدوء وتبدلت الملامح كلياً؛ رفعت رأسها ببطء شديد، ووجهت إليه نظرة حادة، مرعبة، وجامدة خلت من أي تعبير بشري. تحولت خطواتها فجأة لتصبح أثقل وأكثر ثقة، وبدأت تتقدم نحوه بخطى مسموعة جعلت أنفاس المكان تضيق، بينما ارتجفت الأجواء بصوتها الذي أصبح أعلى وأقوى من العادي بكثير.

​مع كل خطوة تخطوها نحوه، كان قلب لؤي يخفق بعنف، وبدأت نبضاته تتسارع بقوة مميتة وهو يرى هذا التحول المخيف أمام عينيه، وكأن الماضي ينهض من قبره ليمسك بخناقه.

​وصلت رغد إليه تماماً. انحنت فوقه قليلاً، واقتربت من وجهه لتهمس في أذنه بنبرة باردة وساخرة، مكررةً الكلمات ذاتها التي ظن انها دفنت في الماضي:

"تعالي يا حبيبتي... أنا لن أؤذيكِ، أنا سأتكلم معكِ فقط، صدقيني... أنا عمكِ الحباب!"

أنهت كلماتها وتركت خلفها ابتسامة باردة هزت كيانه، ثم استدارت وصعدت إلى غرفتها بخطوات هادئة وثابتة، وكأنها لم تقلب عالم الرجل رأساً على عقب للتو.

​بقي العم في مكانه متسمراً، والأوكسجين يهرب من صدره بصعوبة. كان قلبه ينبض بعنف شديد يكاد يتوقف معه نبضه، وعيناه متسعتان بجحود وهو ينظر إلى الفراغ برعب خالص. بدأ يرتجف ويهمس بصوت متقطع وفحيح باهت:

"إنها هي... إنها هي... لم يكن هناك أحد غيرنا... كيف؟"

​تزاحمت الصور والصدمة في عقله ولم يحتمل جسده هذا الضغط النفسي الهائل؛ انسحبت الدماء من وجهه، وستار أسود كثيف أطبق على رؤيته، ليسقط أرضاً فاقداً للوعي كلياً.

​انتقل العم على عجل إلى المستشفى، وسط حالة من الذعر خيمت على العائلة. وبعد الفحوصات العاجلة، أعلن الأطباء دخوله في غيبوبة تامة؛ غيبوبة لم تكن بسبب عارض جسدي، بل بفعل صدمة نفسية حادة وعنيفة شلت عقله وجسده عن الاستجابة للواقع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 54

    تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..​أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."​التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.​التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:​— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."​عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 53

    فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.​لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.​مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."​وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.​انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 52

    ترجلا من السيارة ودخلا إلى حرم الجامعة الواسع. كان الهواء محملاً برائحة الأشجار القديمة والذكريات المنسية. بدآ يتجولان في الساحة الرئيسية المورقة، حيث كانت الأجواء تبدو هادئة بشكل مخادع.​وفجأة، وبدون مقدمات، تركت "غزل" مسارها، واندفعت تجري بخفة نحو إحدى الحدائق الجانبية. وقفت بين الشجيرات، وبدأت تقطف بعض الزهور المزروعة بعناية، وكأنها تحاول الهروب من التوتر المتصاعد بداخلها عبر الانشغال بتفاصيل طفولية وعبثية.​في تلك اللحظة، مر أحد عمال الصيانة بجانب هيثم، محملًا ببعض الأدوات. لم يتردد هيثم؛ مد يده بسرعة وأمسك بمعصم العامل بإحكام، وسأله بصوت حازم:— "أريد أن أفرغ مسألة سريعة.. أين أجد الدكتور طارق، أستاذ الفيزياء؟"​توقف العامل وأشار بيده نحو أحد المباني القريبة قائلاً:— "إنه في القاعة رقم أربعة في ذلك المبنى، لديه محاضرة الآن."​أومأ هيثم برأسه شاکراً، ثم التفت خلفه حيث كانت "غزل" لا تزال منشغلة بقطف الزهور ورميها بعصبية. نادى عليها بنبرة لا تقبل النقاش، ركّبت الجملة ببرود مدروس:— "غزل.. اتبعيني الآن."​انطلق هيثم بخطوات واسعة نحو المبنى المقصود، تاركاً إياها تقف مذهولة لبرهة، قبل

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 51

    ​دخلت "غزل" غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ جعلت إطاره يهتز. لم تكن تبدو كمن يستعد لرحلة عودة، بل كانت تمشي في أرجاء الغرفة كالنمرة المحبوسة في قفص. اقتربت من المرآة، نظرت إلى انعكاس وجهها، مسحت أحمر الشفاه بقسوة بظهر يدها، ثم استندت بكلتا يديها على الطاولة الزجاجية، تنظر إلى نفسها بحدة.​— "رغد.. أيتها الحمقاء"، همست بصوتٍ يملؤه الاحتقار، وهي توجه الحديث لانعكاسها في المرآة.​بدأت بفتح الحقيبة، وبدلاً من ترتيب الملابس، بدأت بنثر محتوياتها على السرير بعنف. كانت يداها ترتجفان من الغضب. شعرت بشيءٍ غريب في داخلها؛ وخزات خفيفة في رأسها، ثم بدأت صورة "رغد" تتراءى لها في خيالها، كأنها تحاول الصعود للسطح.​صرخت "غزل" بصوتٍ مكتوم، وضغطت على رأسها بكلتا يديها:— "لا.. لن تخرجي الآن! لقد انتهى دورك! هيثم لي.. أنا من جذبتُ انتباهه، وأنا من جعلتُه ينظر إليّ بتلك النظرة. لن أسمح لكِ بأن تأخذي ما بنيتُه!"​فتحت درج الطاولة الجانبية، أخرجت منه قلادة كانت تخص رغد -القلادة التي أهداها إياها هيثم في بداية الرحلة-. نظرت إليها بابتسامةٍ باردة، ثم خلعتها بعنفٍ من حول عنقها وألقتها في قاع الحقيبة وكأنها ت

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 50

    بينما كان هيثم يراقب غزل التي تواصل تحديقها في الفراغ عبر النافذة، اهتز هاتفه الملقى على سطح الطاولة بعنف. نظر هيثم إلى الشاشة بخفة، كانت رسالة نصية قصيرة من "فؤاد" الذي كان يجلس على بُعد سنتيمترات منه:​"يجب أن نتحدث بمفردنا.. الأمر أخطر مما تتخيل."​لم يتحرك وجه هيثم، ولم يرمش حتى. رفع رأسه ببطء ليجد فؤاد ينظر إليه بنظرة جادة، خالية تماماً من الاستفزاز الذي ميزه طوال الرحلة. كان فؤاد يتظاهر بأنه يقلب قائمة الطعام، بينما يده الأخرى تحت الطاولة تنتظر رداً.​التفتت غزل فجأة، وكأنها التقطت ذبذبات التوتر بين الرجلين. نظرت إلى هيثم بنظرة ثاقبة، نظرة "غزل" المريبة التي تتفحص كل شيء.​— "هل هناك شيء يزعجك يا هيثم؟" سألت بصوتٍ ناعم يحمل في طياته تهديداً مبطناً، وكأنها تتساءل عما إذا كان قد بدأ يخطط لشيء ما من خلف ظهرها.​أغلق هيثم هاتفه بهدوء ووضعه في جيبه، محافظاً على ابتسامة باهتة:— "لا شيء أبداً.. أفكر فقط في جدول أعمالنا بعد الغداء."​استدار هيثم نحو فؤاد، وبحركة سريعة ومحكمة، وضع يده على هاتفه، ثم أرسل رداً مقتضباً تحت الطاولة:"أنا أسمعك.. ولكن ليس الآن."​عاد الصمت ليخيم على المائدة،

  • حَالَةُ غَزَلْ   الفصل 49

    وصل النادل بسترته البيضاء الأنيقة، وانحنى بجسده قليلاً وهو يضع قائمة الطعام، ثم سأل بصوت منخفض ومهذب: "هل اتخذتم قراركم، أم تحتاجون لمزيد من الوقت؟"​بمجرد أن وقعت عينا النادل على "غزل"، عدلت من جلستها، استندت بظهرها إلى الكرسي، وبنظرة حادة لا تعرف التردد، أردفت: "أريد طبق الدجاج بصلصة الكاري المركزة، وأضف إليه المزيد من الفلفل الحار.. لا تتردد في تتبيله بأقصى ما لديكم من توابل."​التفت النادل إلى هيثم الذي كان يقلب القائمة بهدوء، فأجاب بصوت رزين: "طبق سمك مشوي مع الخضار المسلوقة، لا أريد الكثير من البهارات."​أخيراً، وجه النادل سؤاله لفؤاد، الذي كان يمسح المكان بنظرات فاحصة وكأنه يدرس مسرح جريمة. ابتسم فؤاد ابتسامة باهتة وقال: "أنا أتبع حمية غذائية قاسية، لذا سأكتفي بطبق سلطة خضراء مع قليل من زيت الزيتون، شكراً."​دون النادل الطلبات وانصرف، تاركاً خلفه ثقلاً لا يُحتمل. نظرت غزل مباشرة من النافذة الزجاجية الكبيرة للمطعم، كانت تراقب المارة في الشارع الخارجي، لكن عينيها كانتا غائبتين، وكأنها تتأمل عالماً آخر لا يراه سواها، عالمٍ يسكنه صراعٌ خفي.​كسر فؤاد الصمت، صوته كان هادئاً بشكل مست

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status