로그인ضرب هيثم سطح المكتب بقبضته بقوة جعلت الأوراق ترتجف، ونظر نحو الأفق بغيظ وهو يهمس بفحيح: "سأريكِ..."
ومنذ تلك اللحظة، بدأت الطلبات تنهال على رأس رغد دون توقف. تحول مكتبها الصغير إلى ساحة معركة حاسمة؛ الأوامر تأتي متلاحقة والمهام تتراكم فوق بعضها بعضاً: "أحضري القهوة"، "اجمعي هذه الأوراق"، "عدّلي هذا الملف"، "أعيدي صياغة هذا التقرير". استمر الوضع على هذا النحو الصارم حتى غرق مكتبها تماماً بملفات تكاد تُخفي ملامحه. نظرت رغد إلى كومة المعاملات أمامها بتعب، ثم التفتت إلى مجيد وقالت بنبرة يملؤها الإرهاق: "إن العمل كثير جداً... لا يمكنني إنهاؤه اليوم بأي حال." نظر إليها مجيد بملامح هادئة، وأجابها ببساطة: "أعتقد أنكِ ستعملين لوقت إضافي." مع رنين هذه الكلمة الأخيرة في أذنها، تجمّد الزمن للحظة، وانقشع الحاضر لتجد نفسها في ماضي بعيد... لمحت طاولتين متجاورتين، وجلست هي أمام كتابها عاجزة، لا تعرف كيف تجيب على المسائل المعقدة، بينما الأُخرى بجانبها تدرس بذكاء وتفوق واضحين. التفتت إليها توأمتها، وبابتسامة حانية لطيفة قالت لها: "أعتقد أنكِ ستدرسين لوقت إضافي". عادت رغد إلى الواقع، وتسللت إلى شفتيها ذات الابتسامة الدافئة التي انبعثت من عمق الذاكرة. همست بنبرة هادئة ومتحدية: "حسناً." مدت يدها إلى شعرها، ورفعته ببراعة إلى الأعلى على شكل كعكة عفوية، ثم غرزت فيه قلماً لتثبيته. سحبت أول ملف وبدأت بالعمل بهمة عالية وعزيمة متجددة. في هذه الأثناء، ومن خلف الزجاج المطل على الممر، كان هيثم واقفاً يراقب كل حركاتها وسكناتها، وعيناه تلاحقان إصرارها المفاجئ بذهول وصمت. في البيت، كان العم يذرع غرفتها جيئة وذهاباً، وعيناه تلتهمان كل زاوية وتفاصيل المكان. كان ينبش في أشيائها بهوس، يبحث عن أي شيء—ولو كان مجرد طرف خيط رفيع أو ورقة منسية—يثبت شكوكه في أنها تغيرت أو بدأت تتذكر شيئاً. وعندما تملكه اليأس تماماً، استدار مغادراً الغرفة، وخطا خطوة سريعة نحو الخارج ليصطدم بالجدة مباشرة عند عتبة الباب. تراجع خطوة إلى الوراء، واعتلت ملامحه حمرة الارتباك المفاجئ، فحاول لملمة شتات نفسه بسرعة وهو يشرح بمبررات واهية: "أنا... كنت فقط... أنا قلق عليها جداً يا أمي، وأردت أن أتحرى ما بها، أشعر أن تصرفاتها غريبة." تنهدت الجدة بأسى ونظرت إلى الغرفة ثم إليه، وقالت بنبرة حائرة: "لقد كانت كما اعتدناها دائماً... لكن، منذ شهر تقريباً تغيرت جذرياً. أصبحت تقوم بأفعال وتصرفات لا تشبهها أبداً! لا أعرف حقاً ماذا جرى لابنتي... فمنذ ذلك الحادث وهي هادئة جداً وانطوائية، إلى غاية الشهر الفارط. صدقني، لم تكن هكذا أبداً قبل عودتك." تضاعف ارتباك العم، وشعر بوخزة رعب تسري في جسده عند ذكر التوقيت، فحاول تغيير مجرى الحديث بسرعة ليدفع الشبهة عن نفسه، وقال بصوت متقطع: "لا... لا تذكري ذلك الحادث المشؤوم مجدداً يا أمي! أعتقد... أعتقد أنها واقعة في حب شخص ما، وهذا النوع من العلاقات هو ما غيّرها وجعلها هكذا." هدأ صخب المكتب تماماً، ولم يعد يُسمع سوى أزيز التكييف الخافت. على مكتبها المحاط بالملفات، غفت رغد من شدة التعب، ووسدت رأسها فوق يديها المتعبتين. خطا هيثم نحو مكتبها بخطوات بطيئة حذرة. كان يتأمل وجهها المرهق، وقد تسلل إلى داخله شعور غريب بالاحترام لعزمها وإصرارها طوال تلك الساعات. انحنى قليلاً، ومد يده ليوقظها برفق، قائلاً بنبرة هادئة غير معتادة: "رغد... استيقظي، يمكنكِ العودة إلى المنزل الآن." في قرارة نفسه، كان يفكّر أنه حتى وإن كانت قد احتالت في البداية، فإن مجتهدة ومثابرة كهذه تستحق فعلاً أن تعمل في مكتبه. لكن، وبشكل فجائي عكس كل توقعاته، انتفضت رغد واقفة بنشاط فائق وحيوية غريبة. لم تكن هناك أي علامات تعب على وجهها، بل نظرت إليه بابتسامة غامضة، وبعينين تشعان ببريق جرئ ومستفز، وقالت بنبرة لعوبة: "سعادة المدير الكبير... هيثم." ولم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى اقتربت منه بشدة، كاسرةً كل الحواجز والمسافات، حتى كادت شفاهها تلامس شفاهه. تلاقت أنفاسهما، وهمست بصوت خافت ومثير: "كنت أرغب في تقبيلك بشدة الآن... لكن، عندي أمر مهم عليّ توليه فوراً. سأعود مجدداً." وبحركة سريعة ومتمردة، نزعت نظارتها ورمتها على المكتب بإهمال، ثم فكت قيد شعرها لينسدل بحرية، واستدارت مغادرةً المكان بخطوات واثقة، ثابتة، ومستفزة للغاية... خطوات لا تشبه في شيء تلك الفتاة الخجولة التي رآها في الصباح. بقي هيثم واقفاً في مكانه متسمراً من الصدمة، يحاول استيعاب ما حدث للتو. نظر إلى النظارة المرمية، ثم مد يده والتقطها ببطء واضعاً إياها في جيبه. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تحدٍّ خفيفة، وهمس لنفسه بنبرة غامضة: "أعتقد أننا سنلعب كثيراً... آنسة رغد." فتحت باب المنزل بخطوات هادئة ودخلت. كان السكون يخيم على أرجاء البيت، باستثناء ضوء خافت ينبعث من الصالة، حيث كان عمها يجلس هناك بمفرده، غارقاً في أفكاره وهواجسه. نظرت إليه، وقالت في البداية بصوت خافتٍ مرتعش، يحمل كل علامات الارتباك والخوف: "هل... هل نامت جدتي؟" رفع لؤي رأسه إليها وأجابها باقتضاب: "نعم." وفي تلك اللحظة بالذات، انقشع الهدوء وتبدلت الملامح كلياً؛ رفعت رأسها ببطء شديد، ووجهت إليه نظرة حادة، مرعبة، وجامدة خلت من أي تعبير بشري. تحولت خطواتها فجأة لتصبح أثقل وأكثر ثقة، وبدأت تتقدم نحوه بخطى مسموعة جعلت أنفاس المكان تضيق، بينما ارتجفت الأجواء بصوتها الذي أصبح أعلى وأقوى من العادي بكثير. مع كل خطوة تخطوها نحوه، كان قلب لؤي يخفق بعنف، وبدأت نبضاته تتسارع بقوة مميتة وهو يرى هذا التحول المخيف أمام عينيه، وكأن الماضي ينهض من قبره ليمسك بخناقه. وصلت رغد إليه تماماً. انحنت فوقه قليلاً، واقتربت من وجهه لتهمس في أذنه بنبرة باردة وساخرة، مكررةً الكلمات ذاتها التي ظن انها دفنت في الماضي: "تعالي يا حبيبتي... أنا لن أؤذيكِ، أنا سأتكلم معكِ فقط، صدقيني... أنا عمكِ الحباب!" أنهت كلماتها وتركت خلفها ابتسامة باردة هزت كيانه، ثم استدارت وصعدت إلى غرفتها بخطوات هادئة وثابتة، وكأنها لم تقلب عالم الرجل رأساً على عقب للتو. بقي العم في مكانه متسمراً، والأوكسجين يهرب من صدره بصعوبة. كان قلبه ينبض بعنف شديد يكاد يتوقف معه نبضه، وعيناه متسعتان بجحود وهو ينظر إلى الفراغ برعب خالص. بدأ يرتجف ويهمس بصوت متقطع وفحيح باهت: "إنها هي... إنها هي... لم يكن هناك أحد غيرنا... كيف؟" تزاحمت الصور والصدمة في عقله ولم يحتمل جسده هذا الضغط النفسي الهائل؛ انسحبت الدماء من وجهه، وستار أسود كثيف أطبق على رؤيته، ليسقط أرضاً فاقداً للوعي كلياً. انتقل العم على عجل إلى المستشفى، وسط حالة من الذعر خيمت على العائلة. وبعد الفحوصات العاجلة، أعلن الأطباء دخوله في غيبوبة تامة؛ غيبوبة لم تكن بسبب عارض جسدي، بل بفعل صدمة نفسية حادة وعنيفة شلت عقله وجسده عن الاستجابة للواقع.تغيرت ملامح الدكتورة نهال تماماً، فتحولت نبرتها الحاسمة المهنية إلى أخرى مهتزة ومحملة بهاجس مخيف يثقل كاهلها. مالت إلى الأمام قليلاً، وخفضت صوتها أكثر لكي لا يتسرب أي حرف إلى الخارج، وقالت بعيون ملؤها التوتر:— "يا هيثم... هناك أمر بالغ الخطورة يجب أن تدركه جيداً، ولا تحتمل حالتها أي تهاون."نظر إليها هيثم بتركيز تام، وعقلاهما يعملان بانسجام تام تفرضه خطورة الموقف، لتردف نهال بنبرة جادة:— "هناك طبيب قادم إلى هنا بعد شهر كامل.... هذا الرجل يحمل في جعبته بروتوكولاً جديداً كلياً وثورياً للتنويم المغناطيسي العميق وإعادة دمج الوعي. أنا أؤمن تماماً، وبناءً على المعطيات الأخيرة، أنه سينجح فيما فشلنا فيه طوال الأشهر الماضية."عقد هيثم حاجبيه بفضول، وبدت على وجهه ملامح الامتزاج بين الأمل والترقب، لكنه سرعان ما قاطعها بتساؤل متحفظ:— "لكن... ماذا تقصدين بالتحديد؟ ما هي المشكلة في ذلك طالما أن العلاج قادم؟"تنهدت نهال بعمق وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً برفض قاطع، وقالت بنبرة حادة وواضحة:— "لكن المشكلة الأكبر تكمن في الوقت الفاصل بيننا وبين وصوله. يجب أن نحافظ على هذا السر بأقصى درجات الحذر
أخذت البوظة بخجل، وقالت بصوت خافت يشوبه الامتنان:— "شكراً..."لم يجبها بكلمة واحدة، بل عاد لتشغيل المحرك وتابع القيادة نحو عيادة الدكتورة نهال بملامح جامدة. طوال الطريق، كانت "رغد" تتذوق المثلجات بصمت، بينما سرقت عيناها عدة نظرات خلسة لتتأمل ظل وجهه الجانبي، وتحديداً خط أنفه المستقيم وتركيزه العميق على الطريق، متساءلة عن حقيقة هذا الرجل الذي يجمع بين القسوة المطلقة والاهتمام المفاجئ.وما إن وصلا ودخلا العيادة، حتى بادلتهما الدكتورة نهال التحية بابتسامة عملية هادئ ثم قالت بنبرة مهنية هادئة لا تتناسب أبداً مع حجم الكارثة التي تنطق بها:— "أقترح أن تبقي مع هيثم طوال اليوم يا رغد... هكذا سنتمكن من أن نعرف ما يحدث بالضبط في فترات فقدانك للذاكرة."اتسعت عينا رغد بذهول تام، ونظرت إلى الطبيبة وكأنها شخص غريب تراه للمرة الأولى في حياتها. تلاحقت أنفاسها في صدرها حتى كادت تختنق، وهي تنقل بصرها المذعور بين ملامح نهال الهادئة جداً، ووجه هيثم الجامد كتمثال من الجليد والذي لم يبدِ أي رد فعل، كأنه كان يعلم مسبقاً بما سيقال.تراجعت رغد خطوة للخلف، وقالت بصوت مهتز يقطر بالاستنكار والرفض المطلق:—
ذلك اليوم المشؤوم...يوم تجرأ والده وأحضر عشيقته وطفله غير الشرعي إلى عقر دارهما دون أدنى احترام لروح الفقيدة. يومها، لم يتماسك هيثم أمام الوقاحة التي رآها، فصرخ في وجه أبيه بانهيار وغضب أعمى:— "ألم يمر حتى شهر واحد على وفاة أمي لتجلب هذه إلى هنا؟!"ولم تكن الإجابة سوى صفعة قوية ومدوية هبطت على وجهه من أبيه، صفعة تركت طعماً مراً في حلقه ونيرانًا تحرق صدره. يومها، وسط دموعه المكبوتة ونظرات الشماتة، أقسم هيثم بصوت مرتعش أمام المرآة أنه سيبني نفسه من الصفر، وأنه لن يحتاج إلى أحد كائناً من كان، وسيدوس على كل من تجرأ على كسر رأسه.لكن وسط ذلك الحطام النفسي، تذكر كيف أتت جدته إليه بحنان باغت، فحضنته بقوة وكأنها تريد أن تجمع أجزائه المتناثرة، وهمست في أذنه بكلمات دافئة:— "أنا في مكان أمك يا بني... وأقسم أنني لن أموت إلا حين أراك تتزوج وتؤسس عائلتك الخاصة التي تحميك وتحمي بيتك."فتح عينيه ببطء، وابتسم بمرارة خفية وهو يستعيد عهده القديم؛ ليُدرك أن هذه الصفقة المؤقتة لم تكن مجرد هروب من ورطة رغد، بل كانت الحصن الوحيد ليفيء بوعده القديم للجدة، ولو كان الثمن هو الدخول في لعبة مع عناد رغد ال
عقدت "رغد" حاجبيها بتعجب أكبر، وقد تشتت غضبها أمام بروده الغريب، لتردد بصوت مهتز ومخترق:— "الجدة تتصل بكَ أنت؟! وكيف يكون..."لم تنهِ جملتها؛ فقد اقترب منها هيثم أكثر، متملاً أي مسافة فاصلة بين وجهيهما حتى كاد يلتصق بها، ثم مد أصبعه برفق ولمس طرف أنفها بحركة خفيفة، وقال بصوت هامس وخبيث يخفي ابتسامة ساخرة:— "ايتها الحمقاء... إنها جدتي أنا، وليست جدتكِ أنتِ."أدركت "رغد" فجأة مدى تسرّعها وغبائها في تلك اللحظة، فاحمرّت وجنتاها خجلاً وارتباكاً من قربه الشديد وتصرفه المباغت. وقبل أن تستوعب تماماً ورطتها أو تفكر في ردّ فعل مناسب، كان هيثم قد ابتعد عنها بخفة، ووقف مستقيماً وهو يعدل ياقَتَه ببرود وهدوء تام كأن شيئاً لم يكن.نظر إليها نظرة جادة ومدروسة، ثم قال بنبرة عملية واثقة:— "سأعقد معكِ صفقة يا رغد.. هل ترغبين في إنهاء ديونكِ بالكامل في أسرع وقت ممكن؟"علّقت عيناها به بذهول للحظة، مستوعبة ثقل العرض، ثم أومأت برأسها تدريجياً وبإيجاب وهي تشعر بفضول قاتل تجاه ما ينويه.نظر إليها هيثم بنظرة ثابتة وخالية من أي تردد، وبنبرة هادئة حملت وزن قرار مصيري، قال بثقة تامة:— "تزوجيني."اتسعت عينا
تنهد هيثم بعمق ليطرد توتر اللحظة، متذكراً فوراً تحذيرات الدكتورة الصارمة: "إياك ومواجهتها، لا تذكر اسم (غزل) مباشرة أمامها، فالعقل قد يرفض الحقيقة ويدخل في حالة إنكار مدمرة"..أغمض عينيه بثقل، ثم فتحهما ليرسم على محياه ابتسامة هادئة ومصطنعة ليخفي ارتباكه، وقال بنبرة عملية:— "ليس مهمّاً الآن يا رغد.. انسَيْ ما قلتُه، اذهبي وارتِحي أولاً، فالرحلة كانت متعبة."التزمت الصمت طوال ما تبقى من الطريق، وكان التوتر يملأ الأجواء بينهما. وما إن توقفت السيارة أخيرًا أمام عمارة منزلها، حتى فتحت الباب وهمت بالنزول، لكنها تفاجأت بالمكان.التفتت إليه بذعر طفيف وعيناها تتحركان بيّن واجهة البناء ورجال الأمن، لتقول بصوت مهتز ومفجوع:— "انتظر.. لماذا أتينا إلى هنا؟! هذا ليس منزلي! لماذا لم نذهب إلى البيت؟!"نزِل هيثم بسرعة من السيارة، والتف حولها ليمسك بمعصمها برفق حين همّت بالاحتجاج، ثم نظر إليها بنظرة حازمة ومصطنعة تخفي خلفها ألماً عميقاً. قال بصوت قاطع وثابت لا يقبل النقاش:— "أنتِ مطرودة من البيت يا رغد.. ولا مكان تذهبين إليه سواي."عقدت حاجبيها بذهول صاعق، وسحبت يدها بقوة وكأن كلماته كانت صفعة ع
فتحت "رغد" عينيها ببطء، وكأنها تستيقظ من كابوس طويل وثقيل. لمعت في عينيها نظرة مليئة بالحيرة العميقة، والحزن المكتوم، واهتزاز الثقة كمن فقدت مرساته في منتصف العاصفة. نظرت إلى هيثم الواقف بجانب السرير، ثم التفتت برأسها لتتفقد المكان، وكأنها تحاول تجميع شتات عقلها المبعثر.لم تدم لحظات صمتها طويلاً؛ نهضت بسرعة من السرير الطبيه، وألقت نظرة سريعة على حقيبتها، ثم أمسكت بهاتفها المحمول وهمّت بالمغادرة بخطوات متسرعة ومرتجفة.مدّ هيثم يده بسرعة وأمسك بمعصمها ليمنعها من الهروب، لكنها سحبت يدها بقوة وعنفوان مفاجئ، وكأن لمسها يثير فزعها. التفتت نحو الدكتور طارق الذي كان يتابع الموقف بقلق بالغ، وقالت بصوت متهدج بالكاد يحمل نفسه:— "عفواً يا استاذي.. أنا لست بخير أبداً، سأزورك لاحقا."وقبل أن يتسنى لأي منهما قول حرف واحد، استدارت وركضت بخطوات هاربَة خارج المستوصف.انطلق هيثم خلفها بخطوات واسعة حتى أدركها قرب البوابة الرئيسية للجامعة، حيث كانت تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة. مدّ يده وأمسك بيدها مجدداً، لكن هذه المرة بحزم تملؤه المسؤولية، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:— "أنا من أحضرك إلى هنا، وأتحمل