LOGIN"ماذا تعني بأننا قد نفقده للأبد؟!" قال "أمجد" بصوت رجّ جدران الممر المعقم، واندفع نحو كبير الأطباء ليقبض على ياقته البيضاء. توسل الطبيب بعينيه، وهو يحاول الحفاظ على ثباته أمام غضب إمبراطور المافيا: "أرجوك يا سيدي، اهدأ لأستطيع الشرح. الوقت يمر، وكل ثانية لها ثمن!" أفلت أمجد ياقته بصعوبة، وتراجع خطوة للخلف وهو يلهث، بينما تمسكت ديما بذراعه وعيناها تفيضان برعب لا يُوصف. اقتربت سمر بخطوات مرتعشة، تستمع لكل حرف وكأنه حكم إعدام. رفع الطبيب جهازاً لوحياً يعرض صوراً ملونة ثلاثية الأبعاد لدماغ جاد، وأشار بقلمه إلى بقعة داكنة وضخمة تتمركز في المنطقة الخلفية. "الضربتان اللتان تلقاهما السيد جاد بالماسورة الحديدية لم تكسرا الجمجمة، لكنهما تسببتا في نزيف داخلي بطيء. مع مرور الأشهر الستة، تجلط هذا الدم وتحول إلى كتلة صلبة (Hematoma). هذه الكتلة تضغط الآن بشدة على الفص الصدغي ومنطقة الحُصين (Hippocampus).. وهي المركز الرئيسي للذاكرة والهوية في الدماغ البشري." ابتلع الطبيب ريقه، وأكمل بصوت خفيض: "هذا يفسر فقدانه الكامل للذاكرة، ويفسر نوبات الصداع القاتلة التي كان يعاني منها مؤخراً. الم
في عمق الليل، انقسم أسطول المافيا الأسود إلى قسمين بمجرد دخوله حدود العاصمة. القسم الأول، والذي يضم سيارة الإسعاف، اتجه بسرعة جنونية نحو مستشفى خاص تملكه عائلة الحسيني، مجهز بأحدث التقنيات الطبية ولا يخضع لأي سلطة حكومية. أما القسم الثاني، والذي يضم سيارة دفع رباعي ثقيلة، فقد انحرف نحو التلال المرتفعة، متجهاً مباشرة إلى قصر الجد "نادر". داخل سيارة الإسعاف، كان "أمجد" يجلس بجوار النقالة الطبية التي يتمدد عليها ابنه الفاقد للوعي بفعل المخدر. لم ترفع عينا أمجد عن وجه جاد لثانية واحدة. تأمل لحيته الكثيفة غير المهذبة، والشحوب الذي يغلف بشرته. أمسك أمجد بيد ابنه المرتخية، ومرر إبهامه فوق الخشونة القاسية والجروح المفتوحة التي شوهت كفّه. هذه اليد التي كانت توقع صفقات بملايين الدولارات، والتي كانت تحمل الكريستال الفاخر، تحولت إلى يد عامل مياوم تُدميها فؤوس الحطب وصناديق الفراولة. اعتصر أمجد يد ابنه، وأقسم في سره أن يجعل من دمر حياته يتمنى الموت في كل ثانية يتنفس فيها. بمجرد وصول سيارة الإسعاف إلى المستشفى، كان هناك فريق كامل من كبار جراحي المخ والأعصاب ينتظرون في حالة تأهب قصوى. نُ
انفجر الباب الخشبي المتهالك كقطعة من الكرتون تحت وطأة الركلة الساحقة لـ "أمجد". دوى صوت تحطم الخشب في سكون الليل كقنبلة، وفي أجزاء من الثانية، غُمر الكوخ المظلم بأشعة المصابيح الساطعة والمُعْمية، ونقاط الليزر الحمراء التي مسحت كل زاوية فيه. اندفع رجال أمجد للداخل كطوفان أسود صامت ومميت. على السرير، انتفض "خليل" برعب هستيري. لم يكد يرمش أو يستوعب ما يحدث، حتى انقض عليه اثنان من أضخم حراس أمجد. أحدهما أمسك بشعره وضربه بقوة في الجدار الخشبي ليصيبه بالدوار، بينما لوى الآخر ذراعيه خلف ظهره وثبته على الأرضية القذرة ووجهه يُسحق في التراب، واضعاً فوهة البندقية الآلية في مؤخرة رأسه. "حركة واحدة، وسأنثر دماغك هنا." زمجر الحارس بصوت آلي. لكن في الزاوية المظلمة من الكوخ، حيث كان "حامد" يستعد للنوم، لم يكن رد الفعل استسلاماً. صوت تحطم الباب، والأضواء المسببة للعمى، ورؤيته لـ "أخيه الأكبر" يُسحق على الأرض بوحشية، أيقظت في دمه غريزة حماية عمياء لا تعرف الخوف. لم يرَ حامد رجال مافيا أو أسلحة متطورة، بل رأى قطاع طرق يهاجمون عائلته الوحيدة. زأر حامد زئيراً متوحشاً زلزل أركان الكوخ الصغير، و
تنويه هام من الكاتب: بخصوص المطالبات المستمرة بزيادة الفصول والتعليقات السلبية بسبب مواعيد النشر، أود توضيح الآتي: القصة تُكتب يوميا وليست جاهزة مسبقا. وبصفتي إنسانا لدي حياة شخصية وظروف يومية، فإن التزامي بتأليف وكتابة 3 فصول كل يوم هو أقصى طاقة ممكنة لي. أرفض تماما التسرع في الكتابة لزيادة العدد على حساب جودة الأحداث التي تحبونها. قد تتأخر مواعيد النشر أحيانا لظروف خارجة عن إرادتي، لكن التحديث اليومي بـ 3 فصول ثابت ولن يتغير ولن يزيد. شكرا لكل قارئ يقدر الجهد الذهني المبذول في كتابة كل كلمة، ويدعم الرواية بتقييم منصف.
كانت سماء وادي الصفصاف خالية من النجوم، تلتف بعباءة من السحب الداكنة التي حجبت حتى ضوء القمر، وكأن الطبيعة ذاتها تتآمر لإخفاء هذا الركن المنسي من العالم. على بُعد كيلومترين من المزرعة، أُطفئت محركات أسطول السيارات المصفحة السوداء. لم تُشعل أي مصابيح، ولم يُسمع سوى صوت إغلاق الأبواب بخفة شديدة. ترجل "أمجد الحسيني"، محاطاً بأكثر من ثلاثين رجلاً من نخبة حراسه القتلة، يرتدون ملابس تكتيكية سوداء ومسلحين بأسلحة آلية صامتة. سار أمجد في المقدمة، حذائه الإيطالي الفاخر يغوص في طين الحقول الزراعية المبللة، لكنه لم يبالِ. كانت رائحة الفراولة والتراب الرطب تزكم أنفه، وكل خطوة يخطوها نحو تلك الأكواخ المعزولة كانت تزيد من احتراق صدره. قلبه كان يدق بعنف لم يعهده منذ شبابه؛ المزيج القاتل بين لهفة الأب الذي وجد ابنه المفقود، وغضب الزعيم الذي أُهينت دماء عائلته. بإشارات يدوية صامتة، انتشر الحراس كأشباح الظلام، مطوقين الكوخ الخشبي المتهالك الذي أشار إليه فريق التلفاز، ليقطعوا أي طريق محتمل للهرب. تقدم أمجد ببطء شديد نحو الكوخ. كان هناك ضوء زيتي خافت يتسرب من شقوق الألواح الخشبية المتآكلة. أشا
مزقت أصوات مكابح السيارات السوداء سكون الشوارع المحيطة بمبنى القناة التلفزيونية المحلية. ترجل عشرات الحراس ببدلاتهم الداكنة، وأغلقوا المداخل والمخارج وكأنهم يفرضون حصاراً عسكرياً على ثكنة معادية. في المقعد الخلفي للسيارة الرئيسية، كان "أمجد الحسيني" يجلس وعيناه تشتعلان بالنار. صورة ابنه جاد الذي تحول إلى حمال بملابس ممزقة، كانت محفورة في عقله كوشم من جمر. فُتح باب السيارة، وترجل أمجد بخطوات ثقيلة، غاضبة، ومرعبة، متجهاً نحو البوابة الزجاجية الرئيسية للمبنى. في الداخل، انقلب مقر القناة رأساً على عقب. الموظفون يركضون في كل اتجاه برعب وهم يرون أمجد الحسيني بنفسه في بهو قناتهم. من مكتبه في الطابق الثاني، نزل مدير القناة "السيد كمال" يهرول، يلهث بشدة، ويحاول ترتيب ربطة عنقه وسترته وهو يتصبب عرقاً. بمجرد أن رأى أمجد الحسيني يقف في منتصف البهو بهيبته الطاغية، انفرجت أسارير كمال، وتبدلت ملامح رعبه إلى طمع تجاري بحت. لقد ظن، بغباء عالم الأعمال، أن زيارة بهذا الحجم وهذه الجلبة لا تعني سوى شيء واحد: استثمار ضخم! اندفع المدير كمال نحو أمجد، ماداً يده بابتسامة متملقة وعريضة: "أمجد
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
جلست ندى على حافة سرير ديما، تربع ساقيها وتنظر إليها بعينين متسعتين وكأنها ترى كائناً فضائياً."هل تمزحين معي يا ديما؟ تسعة عشر عاماً ولم تلمسي حتى يد شاب؟ لم تعيشي قصة حب ولو مراهقة عابرة؟"تراجعت ديما للخلف، تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحمي نفسها من كلمات ندى الجريئة. احمرت وجنتاها بشدة وقالت ب
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







