Share

خطيبة اخي
خطيبة اخي
Author: nadine AlRabayah

001

last update publish date: 2026-07-10 03:54:35

لم يكن باسم الرومي يتوقع أن يشعر بكل هذا التوتر وهو يهبط من الطائرة.

وقف للحظات عند باب الخروج، بينما كانت موجة من الهواء الدافئ تستقبله بعد ساعات طويلة من السفر. ألقى نظرة أخيرة خلفه، وكأن جزءاً منه ما زال عالقاً هناك في باريس، المدينة التي احتضنته طوال السنوات الخمس الماضية.

خمس سنوات كاملة.

مرت أسرع مما كان يتخيل.

عندما غادر لبنان كان شاباً في الرابعة والعشرين من عمره، يحمل حقيبة صغيرة وأحلاماً كبيرة. أما اليوم فقد عاد رجلاً مختلفاً، أكثر نضجاً وخبرة، لكنه لم يفقد ذلك الحنين الذي ظل يرافقه في كل ليلة قضاها بعيداً عن وطنه.

سار بين المسافرين بخطوات هادئة، وعيناه تتجولان في أرجاء المطار.

الأصوات المختلطة.

العائلات التي تتعانق.

الأطفال الذين يركضون بفرح.

والوجوه التي تحمل قصصاً لا يعرفها أحد.

كل شيء بدا مألوفاً بشكل غريب.

وما إن تجاوز البوابة الزجاجية حتى لمحها.

كانت تقف بين المنتظرين، تبحث عنه بعينيها القلقتين.

والدته لم تتغير كثيرا

ربما أضاف الزمن بعض الخيوط البيضاء إلى شعرها، وربما رسم بضع تجاعيد حول عينيها، لكنها ما زالت تحمل الدفء نفسه الذي كان يطمئنه منذ طفولته.

وحين رأته، اتسعت ابتسامتها فوراً.رفعت يدها ولوحت له بحماس.

ابتسم باسم دون أن يشعر.

وفجأة شعر أن سنوات الغياب كلها قد اختفت.

أسرع نحوها.احتضنته بقوة وكأنها تعوض سنوات الفراق في لحظة واحدة.أغمض عينيه وهو يبادلها العناق.

كم اشتاق إلى هذا الشعور.إلى رائحة البيت.إلى دفء الأم.

إلى الإحساس بأنه عاد أخيراً إلى المكان الذي ينتمي إليه.

قالت بصوت مرتجف:

"الحمد لله على سلامتك يا حبيي."

ابتسم وهو يقبل رأسها.

"الله يسلمك يا أمي."

ابتعدت قليلاً وأخذت تتأمل وجهه.

ثم قالت ضاحكة:

"صرت رجلاً حقيقياً."

ضحك باسم قائلاً:

"وهل كنت طفلاً عندما سافرت؟"

هزت رأسها.

"بالنسبة لي ستبقى طفلي مهما كبرت."

شعر بدفء غريب يسري في صدره.كم اشتاق إلى هذه الجملة.

بعد دقائق كانا يجلسان في السيارة متجهين نحو المنزل.

كانت بيروت تمتد أمامه بكل تناقضاتها الجميلة.

البنايات القديمة بجوار الأبراج الحديثة.الشوارع المزدحمة.رائحة القهوة الخارجة من المقاهي.

وأصوات أبواق السيارات التي لم تتغير أبداً.

جلس يتأمل المدينة بصمت.

أما والدته فكانت تتحدث بلا توقف.

تحكي له عن الأقارب والجيران وأخبار العائلة.

وكان يصغي إليها بابتسامة هادئة.

ثم قالت فجأة:

"هناك خبر مهم لم أخبرك به."

التفت نحوها.

"ماذا؟"

ابتسمت ابتسامة غامضة.

"أخوك طارق قرر الزواج."

رفع حاجبيه بدهشة.

"طارق؟"

ضحكت.

"نعم، طارق نفسه."

هز رأسه غير مصدق.

كان يعرف أخاه جيداً.

طارق عاشق للحرية، سريع الملل، ولا يؤمن كثيراً بالاستقرار.لذلك بدا خبر زواجه مفاجئاً.

سألها باهتمام:

"ومن هي الفتاة التي استطاعت إقناعه؟"

أجابت بفخر:

"اسمها سلمى."

تردد الاسم في ذهنه للحظة.

سلمى.

اسم بسيط وهادئ.

لكنه ترك أثراً غريباً لم يستطع تفسيره.

تابعت والدته:

"فتاة محترمة ومؤدبة. أحببتها كثيراً."

ابتسم قائلاً:

"إذا كانت قد نالت إعجابك فلابد أنها مميزة."

ضحكت والدته.

في مكان آخر من المدينة، كانت سلمى تجلس في شرفة منزلها تحت شمس الصباح الهادئة.

أمامها فنجان قهوة، وفي يدها هاتفها المحمول.

كانت تتحدث مع خطيبها طارق بابتسامة صادقة.

تحكي له عن تفاصيل يومها الصغيرة، بينما كان عقلها مشغولاً بترتيبات زفافها القادم.

كانت تؤمن أنها تقف على أعتاب أجمل مرحلة في حياتها.

أما باسم، فكان ينظر من نافذة السيارة إلى المدينة التي عاد إليها للتو، غير مدرك أن خطواته الأولى على أرض الوطن قد بدأت بالفعل رحلة ستقلب حياته رأساً على عقب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خطيبة اخي   710

    مرت السنوات...سنواتٌ حملت معها ما حلم به الجميع طويلًا.سنوات لم تُقَس بعدد الأيام...بل بعدد الضحكات التي امتلأت بها البيوت.كبر المشروع...ثم كبرت معه الأحلام.ذلك المبنى الزجاجي الذي افتتحوه يومًا وسط التصفيق...لم يعد مجرد مقرٍ للشركة.أصبح اسمًا يتردد في كل مكان.امتدت فروعه إلى مدنٍ جديدة.وتحوّل إلى واحدة من أكبر الشركات في البلاد.وكان الجميع يعرف...أن وراء هذا النجاح رجلًا لم يتوقف يومًا عن الإيمان بحلمه.وقف باسم في أحد الاجتماعات الكبرى، يحيط به عشرات المديرين، يناقش الخطط المستقبلية بهدوء وثقة.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يخشى خسارة كل شيء.أصبح قائدًا يصنع الفرص لغيره كما صنع الحياة لنفسه.وبجانبه دائمًا كانت سلمى.شريكته في العمل وفي الحياة وفي كل حلمٍ تحقق.أما سامر...فلم يعد رجال الأعمال يعرفونه بصفقاته فقط.بل أصبح الجميع يناديه باسمٍ جديد..."الجد."وكان ذلك اللقب...أحب الألقاب إلى قلبه.يقضي معظم أيامه مع أحفاده.يحكي لهم القصص القديمة...ويعيد عليهم الحكاية نفسها عشرات المرات...وفي كل مرة...يتظاهرون بأنهم يسمعونها لأول مرة.فكان يضحك معهم...كما لم يضحك طوال شب

  • خطيبة اخي   709

    مرّت عدة أيام على افتتاح المشروع الجديد...وعادت الحياة إلى هدوئها الجميل.لكن ذلك الصباح كان يحمل فرحةً من نوعٍ آخر.داخل أحد أجنحة المستشفى الخاصة، كان عمر يسير ذهابًا وإيابًا أمام غرفة الولادة للمرة المئة تقريبًا.كانت يده لا تفارق هاتفه، لكنه لم يكن ينظر إلى شاشته.كل ما كان يفعله أنه يرفع رأسه نحو باب الغرفة كلما سمع حركة في الداخل.ابتسم رامي، الذي كان يجلس على أحد المقاعد، وقال ساخرًا:"أقسم أنك لو مشيت أكثر من هذا سيعتبرونك موظف أمن في المستشفى."التفت إليه عمر بنظرة متوترة."رامي بالله عليك، ليس الآن."ضحك رامي."واضح أن الأب الجديد اختفت عنده روح الدعابة."أما باسم فربت على كتف عمر وقال بهدوء:"اهدأ ستكون بخير."أخذ عمر نفسًا عميقًا.وقبل أن يجيب انفتح باب غرفة الولادة.خرج الطبيب مبتسمًا.توقف الجميع في أماكنهم.قال الطبيب بابتسامة واسعة:"مبروك رزقتم بطفلٍ جميل، والأم بصحة ممتازة."لم ينتظر عمر كلمة أخرى.ركض إلى الداخل كأن العالم كله أصبح خلف ذلك الباب.كانت جودي مستلقية على السرير، تبدو متعبة...لكن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها كانت أجمل من أي شيء رآه عمر في حياته.ال

  • خطيبة اخي   708

    بعد عدة أشهر...أشرقت شمس صباحٍ مختلف.صباحٍ لم يحمل معه نهاية قصة...بل وعدًا ببداية أجمل.كانت المدينة تستيقظ على يوم استثنائي، بينما ارتفع المبنى الزجاجي الجديد شامخًا في قلبها، يعكس أشعة الشمس كأنه يعلن ميلاد مرحلة جديدة.وعلى واجهته الكبيرة...تألقت حروف اسم المشروع الجديد للشركة، الاسم الذي أصبح خلال أشهر قليلة عنوانًا للنجاح بعد سنوات طويلة من التحديات.ازدانت الساحة بالورود والأعلام.وامتلأت بالمستثمرين، والإعلاميين، والشركاء، والموظفين الذين ساهموا في الوصول إلى هذه اللحظة.كان في وجوه الجميع شعور واحد...الفخر.وقف باسم أمام المنصة مرتديًا بدلته الرسمية.لم يعد ذلك الشاب الذي كان يطارد أحلامه وسط الخوف والشكوك.أصبح قائدًا يعرف إلى أين يسير، ويقود من حوله بثقة اكتسبها من التجارب، لا من الكلمات.تحدث للحضور عن المشروع، وعن الرحلة الطويلة التي سبقته، وعن الأشخاص الذين كانوا السبب الحقيقي في نجاحه.ومع كل جملة كان يرددها...كانت عيناه تبحثان عن شخص واحد.سلمى.كانت تقف إلى جانب المنصة، تتابعه بابتسامة هادئة، وفي عينيها ذلك البريق الذي لا يعرفه إلا من رأى إنسانًا يحوّل أحلامه إل

  • خطيبة اخي   707

    بعد دقائق وقفت السيارة المزينة بالورود أمام مدخل القاعة.اصطف أفراد العائلة على الجانبين.لوّح سامر ونادر بيديهما، بينما كانت نوال وليلى تمسحان دموع الفرح.احتضنت سلمى الجميع واحدًا تلو الآخر.ثم عادت إلى باسم.نظر إليها وفتح لها باب السيارة بابتسامة هادئة.انتظر حتى جلست.ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس بجوارها.أُغلقت الأبواب برفق.وانطلقت السيارة ببطء وسط التصفيق والدعوات...والابتسامات التي ملأت الوجوه.أمسك باسم يد سلمى مرة أخرى.نظر إليها بعينين امتلأتا بالامتنان.وقالت هي بصوتٍ يكاد يُسمع:"إلى أين الآن؟"ابتسم...وضغط على يدها برفق.وقال:"إلى أول ليلة من بقية عمرنا."ابتسمت سلمى...وأراحت رأسها على كتفه.بينما ابتعدت السيارة شيئًا فشيئًا تاركةً خلفها ليلةً صنعت أجمل ذكرى ومتجهةً نحو بداية حياةٍ جديدة لم يعد فيها هو وهي بل أصبحا نحن.أُغلق باب الغرفة بهدوء واختفى خلفه صخب الحفل.لم يبقَ سوى السكون ورائحة الورد التي ملأت المكان.وقفت سلمى في منتصف الغرفة، تتأمل تفاصيلها بابتسامة خجولة، بينما خلع باسم سترته ووضعها على المقعد القريب.التقت عيناهما.وضحكا دون أن يعرف أيٌ منهما سبب ال

  • خطيبة اخي   706

    وقف سامر على يمين سلمى بينما وقف نادر على يسارها.نظر الرجلان إلى بعضهما للحظة.لم تكن بينهما أي كلمات فكل ما كان يجب أن يُقال...قيل عبر السنوات التي أوصلتهما إلى هذه اللحظة.رفع سامر رأسه نحو سلمى.ابتسم، رغم الدموع التي لم تغادر عينيه.ثم أمسك يدها اليمنى برفق.وأمسك نادر يدها الأخرى.وسارا بها معًا نحو باسم.كان باسم يقف في نهاية المنصة وقلبه يخفق بقوة حتى شعر أنه يسمعه.توقف الثلاثة أمامه.نظر سامر إلى باسم طويلًا ثم نظر إلى نادر.ابتسم نادر ابتسامة هادئة وأومأ برأسه.عندها وضع سامر ونادر يد سلمى معًا في يد باسم.أطبق باسم كفيه حول يدها برفق وكأنها أغلى أمانة حملها في حياته.قال سامر بصوت امتزجت فيه الراحة بالفخر:"اليوم أصبحت مطمئنًا."ثم نظر إلى باسم مباشرة.وأضاف:"لم أعد أخشى عليه لأنني أعرف أنها مع الرجل الذي أحبها بصدق."اقترب نادر ووضع يده على كتف باسم.وقال بابتسامة أبوية:"اعتنِ بها كما اعتنيت بقلبها طوال هذه السنوات."لم يستطع باسم أن يمنع دموعه.هز رأسه بصمت.ثم قال بصوت خافت:"أعدكما أن أكون لها وطنًا كما كانت هي حياتي."تعالت التصفيقات في أنحاء القاعة.بينما احتضنت ن

  • خطيبة اخي   705

    هناك ليالٍ...لا يغيّرها الزمن.بل تبقى محفورة في القلب...حتى بعد أن تشيب الذاكرة.وكانت هذه...إحدى تلك الليالي.تألقت قاعة الزفاف بأضواء دافئة انعكست على الثريات الكريستالية، بينما ازدانت الطاولات بالورود البيضاء والياسمين، وكأن المكان كله قرر أن يرتدي لون الفرح.كانت الموسيقى الهادئة تملأ الأجواء...والابتسامات تسبق أصحابها.لم يعد أحد يتحدث عن الألم...ولا عن الخسارات...ولا عن السنوات التي سرقتها المعاناة.هذه الليلة...كانت للحياة وحدها.وصل الضيوف تباعًا.كان الجميع يرتدي أجمل ما لديه.ضحكات الأطفال امتزجت بأحاديث الكبار.ليلى كانت تستقبل المدعوين بابتسامتها المعتادة.أما نوال...فكانت تتحرك بين الطاولات وهي تتأكد للمرة الأخيرة أن كل شيء في مكانه.نظر إليها نادر مبتسمًا.وقال:"لأول مرة منذ سنوات أراك تركضين بسبب الفرح."ابتسمت وهي تعدل إحدى باقات الورد.ثم همست:"انتظرت هذا اليوم طويلًا."وصل رامي وميرا معًا.وما إن دخلا القاعة حتى همس رامي:"أراهن أن باسم وصل قبل الجميع."ضحكت ميرا."بل أراهن أنه وصل أمس."ولم يكد ينهي كلامه...حتى وقعت عيناه على باسم.كان يقف أمام المنصة من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status