Se connecter
لم يكن باسم الرومي يتوقع أن يشعر بكل هذا التوتر وهو يهبط من الطائرة.
وقف للحظات عند باب الخروج، بينما كانت موجة من الهواء الدافئ تستقبله بعد ساعات طويلة من السفر. ألقى نظرة أخيرة خلفه، وكأن جزءاً منه ما زال عالقاً هناك في باريس، المدينة التي احتضنته طوال السنوات الخمس الماضية.
خمس سنوات كاملة.
مرت أسرع مما كان يتخيل.
عندما غادر لبنان كان شاباً في الرابعة والعشرين من عمره، يحمل حقيبة صغيرة وأحلاماً كبيرة. أما اليوم فقد عاد رجلاً مختلفاً، أكثر نضجاً وخبرة، لكنه لم يفقد ذلك الحنين الذي ظل يرافقه في كل ليلة قضاها بعيداً عن وطنه.
سار بين المسافرين بخطوات هادئة، وعيناه تتجولان في أرجاء المطار.
الأصوات المختلطة.
العائلات التي تتعانق.
الأطفال الذين يركضون بفرح.
والوجوه التي تحمل قصصاً لا يعرفها أحد.
كل شيء بدا مألوفاً بشكل غريب.
وما إن تجاوز البوابة الزجاجية حتى لمحها.
كانت تقف بين المنتظرين، تبحث عنه بعينيها القلقتين.
والدته لم تتغير كثيرا
ربما أضاف الزمن بعض الخيوط البيضاء إلى شعرها، وربما رسم بضع تجاعيد حول عينيها، لكنها ما زالت تحمل الدفء نفسه الذي كان يطمئنه منذ طفولته.
وحين رأته، اتسعت ابتسامتها فوراً.رفعت يدها ولوحت له بحماس.
ابتسم باسم دون أن يشعر.
وفجأة شعر أن سنوات الغياب كلها قد اختفت.
أسرع نحوها.احتضنته بقوة وكأنها تعوض سنوات الفراق في لحظة واحدة.أغمض عينيه وهو يبادلها العناق.
كم اشتاق إلى هذا الشعور.إلى رائحة البيت.إلى دفء الأم.
إلى الإحساس بأنه عاد أخيراً إلى المكان الذي ينتمي إليه.
قالت بصوت مرتجف:
"الحمد لله على سلامتك يا حبيي."
ابتسم وهو يقبل رأسها.
"الله يسلمك يا أمي."
ابتعدت قليلاً وأخذت تتأمل وجهه.
ثم قالت ضاحكة:
"صرت رجلاً حقيقياً."
ضحك باسم قائلاً:
"وهل كنت طفلاً عندما سافرت؟"
هزت رأسها.
"بالنسبة لي ستبقى طفلي مهما كبرت."
شعر بدفء غريب يسري في صدره.كم اشتاق إلى هذه الجملة.
بعد دقائق كانا يجلسان في السيارة متجهين نحو المنزل.
كانت بيروت تمتد أمامه بكل تناقضاتها الجميلة.
البنايات القديمة بجوار الأبراج الحديثة.الشوارع المزدحمة.رائحة القهوة الخارجة من المقاهي.
وأصوات أبواق السيارات التي لم تتغير أبداً.
جلس يتأمل المدينة بصمت.
أما والدته فكانت تتحدث بلا توقف.
تحكي له عن الأقارب والجيران وأخبار العائلة.
وكان يصغي إليها بابتسامة هادئة.
ثم قالت فجأة:
"هناك خبر مهم لم أخبرك به."
التفت نحوها.
"ماذا؟"
ابتسمت ابتسامة غامضة.
"أخوك طارق قرر الزواج."
رفع حاجبيه بدهشة.
"طارق؟"
ضحكت.
"نعم، طارق نفسه."
هز رأسه غير مصدق.
كان يعرف أخاه جيداً.
طارق عاشق للحرية، سريع الملل، ولا يؤمن كثيراً بالاستقرار.لذلك بدا خبر زواجه مفاجئاً.
سألها باهتمام:
"ومن هي الفتاة التي استطاعت إقناعه؟"
أجابت بفخر:
"اسمها سلمى."
تردد الاسم في ذهنه للحظة.
سلمى.
اسم بسيط وهادئ.
لكنه ترك أثراً غريباً لم يستطع تفسيره.
تابعت والدته:
"فتاة محترمة ومؤدبة. أحببتها كثيراً."
ابتسم قائلاً:
"إذا كانت قد نالت إعجابك فلابد أنها مميزة."
ضحكت والدته.
في مكان آخر من المدينة، كانت سلمى تجلس في شرفة منزلها تحت شمس الصباح الهادئة.
أمامها فنجان قهوة، وفي يدها هاتفها المحمول.
كانت تتحدث مع خطيبها طارق بابتسامة صادقة.
تحكي له عن تفاصيل يومها الصغيرة، بينما كان عقلها مشغولاً بترتيبات زفافها القادم.
كانت تؤمن أنها تقف على أعتاب أجمل مرحلة في حياتها.
أما باسم، فكان ينظر من نافذة السيارة إلى المدينة التي عاد إليها للتو، غير مدرك أن خطواته الأولى على أرض الوطن قد بدأت بالفعل رحلة ستقلب حياته رأساً على عقب.
ابتسم وسيم وهو يشير إلى المقاعد.وقال مازحًا:"قبل أن تبدأوا باستعادة الذكريات لدينا عقد ينتظرنا."ضحك طارق.وجلست نورا في مكانها.وبدأ أعضاء مجلس الإدارة يدخلون تباعًا.افتتح طارق الاجتماع قائلاً:"قبل توقيع العقد النهائي أريد أن نستمع إلى ملاحظات الأستاذة نورا."فتح وسيم شاشة العرض.وقال:"هذا هو مشروع الأبراج والنسخة الأخيرة من العقد."تناولت نورا الملف.وبدأت تقلب صفحاته بسرعة.كانت تقرأ بهدوء شديد.حتى توقفت عند إحدى الصفحات.رفعت رأسها.وقالت:"أحتاج أن أسأل سؤالًا."أجاب طارق:"تفضلي."أشارت إلى أحد البنود.وقالت:"من اقترح إدخال هذا الشريك؟"أجاب أحد المديرين:"الشركة المالكة للمشروع."ظلت تنظر إلى العقد.ثم قالت:"إذن أقترح أن نطلب كشفًا كاملًا عن هيكل ملكية هذه الشركة."استغرب أحد أعضاء مجلس الإدارة.وقال:"لكنها شركة معروفة."ابتسمت نورا بهدوء.وقالت:"المعروف ليس دائمًا واضحًا."ثم أضافت:"لا أحب أن أوقع عقدًا قبل أن أعرف مع من أوقع."نظر طارق إلى وسيم ثم قال دون تردد:"نفذوا طلب الأستاذة نورا."أومأ وسيم.ودون الملاحظة مباشرة.كان يعرف أن طارق لا يمنح هذه الثقة بسهولة.اك
في الجهة الأخرى من المدينة...كان باسم يجلس مع رامي في الحديقة.وضع رامي حاسوبه المحمول على الطاولة.وقال:"أريد رأيك."اقترب باسم.نظر إلى الشاشة.كانت مخططات لمشروع تعمل عليه الشركة التي يعمل فيها رامي في الخارج.قال باسم مبتسمًا:"هذا ليس من مشاريعك هنا."ضحك رامي.وقال:"لا لكنهم لم يتوقفوا عن إرسال العمل حتى في إجازتي."ابتسم باسم.ثم بدأ يناقش معه بعض الحلول.وبعد دقائق قال رامي:"كلما رأيتك تعمل أقتنع أكثر أن مكانك الحقيقي سيكون في المشاريع العالمية."ابتسم باسم.وقال:"أنا مرتاح هنا."نظر إليه رامي.ثم قال:"هل أنت متأكد أن السبب هو العمل فقط؟"رفع باسم عينيه نحوه.لكن قبل أن يجيب رن هاتف رامي.نظر إلى الشاشة.ثم قال:"سأعود بعد دقيقة."وغادر للرد على المكالمة.بقي باسم وحده وأدرك أنه كان يعرف السؤال قبل أن يُطرح.في صباح اليوم التالي...وصلت سلمى إلى الشركة.وجدت آدم في قاعة الاجتماعات يراجع العرض الأخير.قال مبتسمًا:"بقي أسبوع واحد فقط."أومأت وقالت:"ثم ينتهي هذا التوتر."ضحك وقال:"وسيبدأ توتر جديد."ابتسمت.وقبل أن ترد...دخل باسم يحمل التعديلات الأخيرة على المخططات.وضع
بعد قليل...اجتمع الثلاثة حول نموذج المشروع.كانت سلمى تشرح فكرة الإضاءة الخارجية.وأشار باسم إلى تعديل بسيط.وقال:"إذا نقلنا وحدات الإنارة إلى هذه الزاوية ستظهر الواجهة بشكل أفضل ليلًا."اقتربت سلمى من النموذج وتأملت الاقتراح.ثم ابتسمت وقالت:"لم أنتبه لهذه النقطة."قال آدم وهو ينظر إلى المجسم:"أنتم تدهشونني."التفتت إليه سلمى وسألته:"لماذا؟"ابتسم.وقال:"كل مرة أظن أن المشروع وصل إلى أفضل نسخة يضيف الأستاذ باسم ملاحظة فتجعل النسخة أفضل."ابتسم باسم بحرج.وقال:"كلنا نضيف شيئًا."لكن آدم أكمل:"هذا صحيح لكن بينك وبين الأستاذة سلمى هناك انسجام نادر."ساد صمت قصير.رفعت سلمى رأسها ثم قالت بابتسامة هادئة:"ربما لأننا عملنا معًا لفترة طويلة."ابتسم آدم لكنه لم يعلق.أما باسم فشعر أن هذه الملاحظة لم تعد تصدر من شخص واحد فقط.في الجهة الأخرى من المدينة...دخل يوسف ونادر إلى مكتب صغير يعود إلى محاسب متقاعد.كان الرجل قد عمل سابقًا مع شركة الشرق للاستثمارات.جلس أمامهما.وقال:"لماذا تبحثان في شركة انتهت منذ زمن؟"أجابه يوسف:"لأن نهايتها ليست واضحة."تنهد الرجل.ثم قال:"شركة الشرق لم
في الجهة الأخرى من المدينة...كان يوسف ونادر يغادران دائرة السجل التجاري.قال نادر:"إذا انتهت شراكة جهاد مع سامر قبل اختفائه فمن الذي استلم الملفات؟"أخرج يوسف نسخة من سجل التعديلات.ثم قال:"هذا ما كنت أبحث عنه."أخذ نادر الورقة وقرأ الاسم الجديد.لكنه لم يجد اسم شخص بل اسم شركة.شركة الشرق للاستثمارات.رفع رأسه وقال:"لم أسمع بها من قبل."ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة.وقال:"لأنها اختفت بعد أقل من عام."ثم طوى الورقة.وأضاف:"وأعتقد أنها كانت مجرد واجهة."ساد الصمت وكان كلاهما يدرك أن كل إجابة يحصلان عليها تولد سؤالًا أكبر.مع نهاية الدوام...خرجت ميرا من مكتب سلمى وهي تشعر براحة افتقدتها منذ أسابيع.كأن قرارها بالبقاء قد حسم شيئًا في داخلها.لاحظت جودي ذلك.فسألتها:"من هذا الوجه المشرق؟"ضحكت ميرا.ثم أجابت:"شخص أدرك أخيرًا أن بعض النجاحات لا تُقاس بحجم الراتب."وعندما مرت بقسم التصميم...كان باسم ما يزال يراجع بعض المخططات.رفع رأسه عندما رآها.وقال مبتسمًا:"يبدو أن القرار أصبح خلفك."ابتسمت ميرا.وقالت:"نعم بقيت."ابتسم باسم ابتسامة صادقة.وقال:"أحسنت."سألته وهي تضحك:"ألن تسأ
مع نهاية الدوام...بقيت كلمات سلمى تتردد في ذهن ميرا."أن الإنسان لا يكتشف قيمة بعض الأشخاص إلا عندما يتخيل أنهم قد لا يكونون موجودين غدًا."خرجت الاثنتان من الشركة معًا.وعند باب المبنى افترقتا.استقلت سلمى سيارتها.أما ميرا فوقفت للحظة تراقب السيارات وهي تغادر.وقبل أن تدير محرك سيارتها رأت باسم يخرج من باب الشركة.تبادل مع موظف الأمن بضع كلمات.ثم ابتسم له وغادر.بعد أقل من دقيقة خرجت سلمى بسيارتها.ولم تشعر ميرا إلا وهي تبتسم.قالت في نفسها:"أحدهما يغادر بعد الآخر دائمًا وكأن نهاية اليوم لا تكتمل إلا بعد أن يطمئن كل منهما أن الآخر غادر."لم تكن متأكدة من فكرتها لكنها بدأت تلاحظ تفاصيل لم تكن تراها من قبل.في المساء في منزل ليلى...كان باسم يجلس مع رامي في الحديقة.بينهما أكواب القهوة المعتادة.قال رامي وهو يقلب هاتفه:"يبدو أن المؤتمر سيحظى بتغطية إعلامية جيدة."أومأ باسم.وقال:"هذا أفضل للمشروع."أغلق رامي الهاتف.ثم نظر إليه وقال مبتسمًا:"لاحظت شيئًا."رفع باسم رأسه.فسأله:"ماذا؟"قال رامي:"منذ أشهر كنت تتحدث عن المشروع أما الآن فأصبحت تتحدث عن الفريق."ابتسم باسم بخفة.وقا
في منزل ليلى...كان عمر يجلس مع رامي في الحديقة.وصل باسم بعد دقائق.جلس إلى جوارهما.قال رامي:"غدًا معرض الكتاب."نظر عمر إلى باسم.وقال:"هل تأتي معنا؟"ابتسم باسم.وقال:"أعتذر لدي مراجعة أخيرة للمؤتمر."هز عمر رأسه.وقال:"إذن سأعتبرها مهمة وطنية."ضحك الثلاثة.لكن رامي لاحظ أن باسم أصبح يعتذر عن كثير من الأمور مؤخرًا.ولم يعد يخصص وقتًا لنفسه.في صباح اليوم التالي...وصلت سلمى إلى الشركة.وكان آدم بانتظارها عند مكتب الاستقبال.قال مبتسمًا:"أرسلت اللجنة المنظمة برنامج المؤتمر النهائي."ناولها نسخة مطبوعة.وبدآ يراجعانها أثناء سيرهما.قال آدم:"أظن أن العرض أصبح متماسكًا."أومأت سلمى.وقالت:"بقيت بعض التفاصيل الصغيرة."وفي تلك اللحظة وصل باسم.ألقى التحية.ثم انضم إليهما.توقف الثلاثة أمام لوحة المشروع الكبيرة.بدأوا يناقشون ترتيب الشرائح.قال آدم:"لو بدأنا بصورة المشروع قبل المخططات سيكون التأثير أقوى."فكر باسم للحظات.ثم قال:"لكن الأفضل أن يرى الحضور المشكلة أولًا ثم نقدم الحل."نظرت سلمى إلى الاثنين.ثم قالت:"ما رأيكما أن نجمع الفكرتين؟"اقتربت من اللوحة.ورسمت ترتيبًا جدي







