로그인وصل اتصال ريم في صباح الأربعاء، قبل أن يبدأ أي شيء في يومي. "شام، أريدكِ أن تقابلي شخصاً. امرأة أعرفها منذ سنوات، عملت في بيئات تشبه بيئة نادر لكنها من جانب آخر تماماً. اسمها نور الحمداني، وأعتقد أنها تستطيع مساعدتكم في فهم ما تواجهونه من هؤلاء الناس في القاهرة قبل أن تقرروا كيف تتعاملون معهم." جاءت نور الحمداني في المساء إلى البرج، امرأة في الخمسينيات من عمرها، شعرها قصير رمادي باهت يبدو اختياراً لا إهمالاً، وعيناها تحملان تلك الحدّة الخاصة بالناس الذين عاشوا طويلاً في بيئات تُعاقب على الغفلة. جلست أمامنا بلا تمهيد ودود مصطنع، أخرجت من حقيبتها دفتراً رفيعاً وقلماً ووضعتهما على الطاولة. "قبل أن أقول أي شيء يفيدكم، أحتاج أن أفهم شيئاً واحداً: ما الذي تريدانه فعلاً من هذا الحوار مع مجموعة القاهرة؟ ليس ما تظنانه يجب أن تريدوه، بل ما تريدونه أنتم." "أريد أن أعرف من هم بدقة وما حدود ما يستطيعون فعله." قال كرم. "وأنا أريد أن أفهم إن كان بالإمكان وجود حوار حقيقي أم أنهم يستخدمون مصطلح الحوار كمقدمة لشيء آخر." أضفتُ. كتبت نور كلتا الإجابتَين ببطء، ثم رفعت رأسها. "سؤالاكما مختلفان جذرياً
جاء الطلب بعد أسبوعين من الاتصال الليلي الغامض: رسالة مكتوبة بخط يد عربي دقيق، أُودعت في صندوق البريد الورقي القديم الذي يملكه كرم في مكتب بريد لم يستخدمه منذ سنوات. لا اسم مرسل، لا عنوان مرسل إليه، فقط عنوان مكتب في دبي وموعد: "الخميس الساعة العاشرة صباحاً. نحن لسنا زياد." قرأ كرم الرسالة مرتَين، أعطانيها. قرأتُها بدوري بهدوء. "هل ستذهب؟" سألتُه. "سنذهب." قال بضمير الجمع. أخبرنا سامر عبر البريد الإلكتروني. جاء ردّه خلال ساعة: "المبنى الذي يذكرونه معروف. يُستخدم للاجتماعات بين أطراف تفضّل الخصوصية على الرسمية. ليس مكان تهديد، بل مكان حديث. اذهبوا لكن لا تذهبوا وحدكم." رتّبنا فريق أمن صغيراً يبقى في السيارة أمام المبنى، وأعلمنا فراس الذي طلب أن يأتي معنا كمستشار قانوني. في الخميس الصباحي، وقفنا في ردهة مكتب هادئ في الطابق الثالث من بناية تجارية عادية. فُتح الباب ودعانا رجل في الأربعينيات، أنيق المظهر بلا مبالغة. دخلنا إلى غرفة اجتماعات على طاولتها ثلاثة رجال آخرون، مختلفو الأعمار، لكنهم يشتركون في شيء واحد: هدوء من اعتاد الجلوس في أماكن كهذه طويلاً. "شكراً لحضوركم." بدأ الأكبر سن
لم يكن إعلاناً رسمياً بالمعنى الكلاسيكي الذي يعرفه الجميع: لا خاتم يُخرج في لحظة مدروسة، ولا مطعم فاخر بُكّر في حجزه، ولا أضواء خافتة مُرتّبة مسبقاً. جاء بطريقة تشبه كرم تماماً، هادئة ومباشرة ودون زخرفة تُعلن عن نفسها أكثر مما تعلن عن صاحبها. كنّا في مكتبه بعد نهاية يوم عمل، أنا أُراجع ملفاً للوقف وهو يُنهي مكالمة أخيرة، حين أغلق هاتفه ونظر نحوي بتلك النظرة التي تعلّمتُ منذ أسابيع أنها تسبق دائماً شيئاً ذا وزن. وضع الهاتف على الطاولة، واقترب حتى جلس أمامي مباشرةً، لا بجانبي كعادته. "أريد أن أسألك شيئاً." قال. "اسأل." أجبتُه بهدوء لا يُخفي انتباهاً خاصاً. "أريدكِ أن تتزوجيني." قالها بصوت ثابت لا يرتجف، ليس عرضاً ملتوياً ولا سؤالاً يتخفّى وراء دبلوماسية الكلام. جملة مباشرة لا تحمل أكثر مما تقوله بالضبط. "ليس لأن الظروف تُلزمنا ولا لأن الناس يتوقعون ذلك بعد كل ما جرى. لأنني أريد أن أبني ما بقي من حياتي معكِ، وهذا هو الاسم الصحيح لهذه الرغبة." "كرم،" قلتُ ببطء. "أريد أن أسألك شيئاً قبل أن أُجيب." "اسأل." "إن قلتُ نعم اليوم، هل ستتذكر بعد سنة، بعد عشر سنوات، أن هذا الـنعم جاء منّي ب
وصلت رسالة سامر في صباح اعتيادي تماماً، عبر البريد الإلكتروني هذه المرة لا القناة المشفّرة القديمة. تفصيل صغير لفت انتباهي: البريد الإلكتروني يعني أنه لا يخشى التتبّع بعد الآن، أو أنه انتقل إلى مكان يجعل التتبّع غير ذي معنى. قرأتُ الرسالة ببطء، مرتين. "شام، أكتب إليكِ لأن هذا هو الشكل الصحيح لما أريد قوله: بريد إلكتروني عادي بلا تشفير ولا رموز، كأي إنسان يكتب إلى آخر. وصلتني الوثيقة التي وعدتِني بها، وقرأتُها، وكانت كما قلتِ: كلمات بسيطة وصادقة بلا مبالغة. شكراً. لستُ معتاداً على الشكر ولا على استقباله، لكنني تعلّمتُ في الأسابيع الأخيرة أن ثمة أشياء تُقال لأنها تستحق القول، لا لأنها مطلوبة. غادرتُ دبي أمس. لن أخبركِ إلى أين، ليس لأن الأمر سرّ بل لأنني لم أقرّر بعد إن كنتُ سأبقى في المكان الأول الذي سأصل إليه أم سأمضي إلى مكان آخر. هذه أول مرة في حياتي أُغادر مكاناً دون أن يكون أمامي وجهة محددة، وهذا بالنسبة لي شيء جديد يحمل خوفاً وشيئاً آخر يشبه الخفّة في آنٍ واحد. ما تعلّمتُه منكِ، شام: أن الأشخاص الذين يؤمنون بما يفعلون يجعلون كل ما حولهم أوضح. ليس أسهل بالضرورة، لكن أوضح. وأنا
كانت أمي من اقترحت الفكرة، وهذا بحد ذاته كان مفاجأة غير متوقعة مني. لم تكن أمي طوال حياتها من النوع الذي يقترح التجمعات ويُنظّمها ويضع موعدها في التقاويم، بل كانت دائماً تنتظر بصبر حتى تجد نفسها في وسط ما يجري وتستقبله بهدوء لا يشبه اللامبالاة بل يشبه الثقة بأن الأشياء ستأتي في وقتها. لكنها في صباح أحد الأيام الهادئة، وبينما كنّا نتناول قهوتنا الصباحية في الجناح، قالت بنبرة بسيطة لا تحمل وزناً أكبر من مضمونها: "أريد أن نجتمع جميعنا مرة أخرى حول طاولة. ليس لمناسبة ولا لخبر عاجل ولا لقرار يحتاج مناقشة. فقط لأننا نستطيع ذلك الآن، ولأن هذا وحده كافٍ." فهمتُ ما تعنيه في الجملة الأولى. في كل مرات اجتماعنا السابقة كان يسبق الجلوسَ شيءٌ ما يُبرّره: قرار يُتّخذ، أزمة تُواجَه، خبر يُعلَن، وثيقة تُقرأ. الصمت بيننا في تلك الاجتماعات كان صمت ترقّب لا راحة. هذه المرة، بإشارة بسيطة من أمي، تريد أن نجلس بلا سبب آخر سوى أننا نستطيع الجلوس. رتّبتُ العشاء في الجناح الأكبر، وطلبتُ من أحد الطهاة أطباقاً سورية بسيطة من تلك التي عرفتها أمي في طفولتها: مكدوس وفتة وشوربة عدس وخبز طازج، أشياء لا تحتاج شرحاً
كانت المرة الأولى التي تزور فيها ريم دبي منذ أشهر طويلة، وجاءت هذه المرة بدعوة مني أنا شخصياً، لا لاجتماع عمل ولا لإجراء قانوني، بل لأنني شعرتُ أن ثمة محادثة لم تكتمل بيننا، محادثة يختلف وزنها عن كل ما دار في مقاهٍ وغرف اجتماعات وأروقة محاكم. اخترتُ الشرفة الصغيرة في جناحي. فيها لا يوجد مكتب يفصل بين شخصَين، ولا طاولة تُعطي أحدهما سلطة، فقط مقعدان متقابلان وأفق المدينة من الخلف. جلسنا، ريم وأنا، في هدوء الصباح الباكر قبل أن تستيقظ الشركة وتبدأ يومها. أمامنا فنجانا قهوة، ولا شيء آخر. "أريد أن أسألكِ شيئاً لم أجرؤ على سؤاله من قبل." بدأتُ. "اسألي." قالت ريم بالطريقة التي تقولها دائماً، بلا تحفّظ ولا استعداد للدفاع. "كيف كانت حياتكِ طوال هذه السنوات؟ ليس ما فعلتِه لنجلاء، بل حياتكِ أنتِ. ما الذي عشتِه أنتِ بينما كنتِ تنتظرين؟" نظرت ريم نحو المدينة لحظة طويلة قبل أن تجيب. "عشتُ حياة هادئة أكثر مما يتوقع معظم الناس ممن يعيشون مع سر ثقيل." قالت. "كنتُ مدرّسة لغة عربية في مدرسة خاصة لسنوات طويلة. أُعلّم الأطفال كيف يُعبّرون عمّا بداخلهم بكلمات دقيقة. وكنتُ في أحيان كثيرة أفكّر أن نجلاء







