Share

خلف قناع الصمت

last update publish date: 2026-09-15 15:54:57

الفصل الخامس: معركة الكراسي الذهبية

ساد الهدوء الذي يسبق العاصفة في أروقة قصر "فان هيلسن" خلال الأيام الثلاثة التي سبقت اجتماع مجلس الإدارة الحاسم. كانت الممرات المهيبة تبدو وكأنها خط جبهة غير معلن، حيث تتقاطع النظرات بين إيلينا والسيدة فيكتوريا كحد السيف، بينما كان ألكسندر يقضي ساعات طويلة في مكتبه المغلق، يراجع الوثائق القانونية والتقارير المالية برفقة فريقه الاستشاري.

في صباح يوم الاجتماع، كانت خيوط الشمس الذهبية تخترق الضباب الخفيف الذي يلف المدينة. وقفت إيلينا أمام المرآة الكبيرة في جناحها، تتأمل انعكاس صورتها. كانت ترتدي بدلة نسائية رسمية باللون الأسود الملكي، مطعمة بلمسات ذهبية ناعمة عند الياقة، وتضع مساحيق تجميل خفيفة أظهرت حزم عينيها العسليتين وشموخ ملامحها.

دخل ألكسندر إلى الغرفة، يتأنق ببدلته الكحلية المعتادة. توقف لثوانٍ يتأملها بنظرة غطتها ملامح الإعجاب والتقدير، قبل أن يقترب منها ويعدل رابطة عنقه أمام المرآة ذاتها.

"هل أنتِ مستعدة للجولة الفاصلة؟" سألها بصوت خفيض يحمل نبرة ثقة عميقة.

التفتت إليه إيلينا، وعدلت كم سياق سياق سترة بدلتها بثبات:

"أنا لا أستعد للدفاع فقط يا ألكسندر، بل أستعد لحسم هذه المعركة معك. اليوم ستتضح الحقائق ويسقط الستار عن مناورات عمك."

ابتسم ألكسندر ابتسامة هادئة ورصينة:

"هذا هو بالضبط الروح التي نحتاجها اليوم. جوليان حشد كل حلفائه بين أعضاء المجلس، وسيحاول الطعن في شرعية زواجنا بشتى الطرق، لكنه لا يعلم المتممات القانونية التي أعددناها."

امتدت يد ألكسندر لتستقر على يدها، وضغط عليها بكتف دافئ منحها شعورًا بالطمأنينة وسط العاصفة المرتقبة.

في الطابق الأخير من برج "فان هيلسن"، كانت قاعة الاجتماعات الكبرى تغص بكبار المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة. كانت الطاولة البيضاوية المصنوعة من الخشب النادر تحيط بها شخصيات نفوذ تدير مليارات الدولارات في سوق المعمار والاستثمار.

جلس جوليان في منتصف الطاولة، مستندًا بظهره على الكرسي الجلدي الفاخر، وعيناه تلمعان ببريق الانتصارات القادمة. وإلى جواره، كانت فيكتوريا تجلس بثقة مفرطة، تحادث بعض الأعضاء بصوت خفيض.

عندما فُتحت الأبواب الخشبية المزدوجة، دخل ألكسندر وإيلينا بخطوات واثقة وموزونة. ساد الصمت القاعة فورًا، وتوجهت كل الأنظار نحو الزوجين اللذين كانا يعكسان هيبة وجرأة أربكت الحاضرين.

جلس ألكسندر عند رأس الطاولة المخصص للرئيس التنفيذي، بينما جلست إيلينا إلى جواره تمامًا، واضعة ملفًا جلديًا أسود أمامها.

بدأ جوليان الحديث بنبرة متصنعة الهدوء وهو يرفع بعض الأوراق:

"سادتي أعضاء المجلس الكرام... نحن هنا اليوم لحسم مسألة المادة الثامنة من وصية المؤسس الراحل، والتي تنص صراحة على أن انتقال الأسهم التنفيذية والتحكم الكامل بمجموعة شركات 'فان هيلسن' يشترط استقرار الرئيس التنفيذي وزواجه الفعلي قبل سن الثلاثين."

توقف جوليان لوهلة، ثم سلط نظراته الحادة نحو ألكسندر وإيلينا قبل أن يتابع بصوت أعلى:

"لكننا أمام حالة واضحة من التلاعب بالقانون! هذا الزواج الذي تم بين ألكسندر والآنسة إيلينا ليس سوى عقد صورياً مدفوع الأجر، صُمم على عجل لإفشال انتقال الأسهم لي ولأعضاء المجلس المستحقين! بل إن لدينا أدلة تثبت أن قلب ألكسندر والتزامه العاطفي ما زالا مع خطيبته السابقة أماندا، التي استيقظت مؤخرًا في المستشفى الخاص!"

سرت همهمات متصاعدة بين أعضاء المجلس، ونظر بعضهم إلى ألكسندر بانتظار الإجابة، بينما بقيت فيكتوريا تبتسم بانتصار خفي.

قام ألكسندر من مقعده ببطء شديد، مسندًا يديه على الطاولة، ونظر إلى جوليان بعينين باردتين كالثلج:

"سيد جوليان... التهم الشفهية والادعاءات العاطفية لا مكان لها في إدارة المليارات. إذا كنت تتحدث عن القانون والوصية، فالقانون يعترف بالأوراق الموثقة والحقائق المثبتة، وليس بالتكهنات التي تروج لها."

وهنا، قامت إيلينا من مقعدها بثقة تامة، فتحت الملف الجلدي الأسود، وأخرجت منه وثائق رسمية تحمل أختامًا حكومية رفيعة المستوى.

نظرت إيلينا إلى أعضاء المجلس وقالت بصوت نقي ونبرة واضحة أخرست القاعة:

"سادتي الأعضاء... بصفتي مهندسة ديكور وشريكة تنفيدية مستقلة، وبصفتي زوجة ألكسندر فان هيلسن، أود أن أضع أمامكم الحقائق القانونية التي تشرح محاولات التضليل التي يمارسها السيد جوليان."

وزع المحامي الخاص بألكسندر نسخًا من الوثائق على جميع الأعضاء، بينما تابعت إيلينا حديثها:

"أولاً: هذا العقد المسجل أمامكم هو عقد زواج شرعي وقانوني مكتمل الأركان والبنود، يمنحني الشراكة القانونية الكاملة في الأصول الشخصية للرئيس التنفيذي.

ثانيًا: تم دمج شركتي الخاصة للتصميمات المعمارية ضمن أصول المجموعة كاستثمار استراتيجي مشترك، مما يؤكد أن هذا الزواج هو تحالف عمل وحياة مستدام، وليس ترتيبًا مؤقتًا كما يتوهم البعض."

ساد الذهول وجه جوليان وهو يقلب الصفحات بسرعة، ليصل إلى التوقيعات والشروط المالية التي أثبتت دمج الأصول بطريقة تجعل إلغاء الزواج أو التشكيك فيه ضربًا من الخيال القانوني.

ولم تتوقف إيلينا عند هذا الحد، بل أخرجت وثيقة أخرى وقدمتها لرئيس اللجنة القانونية بالمجلس:

"وثانيًا وأهم: نضع أمامكم تقريرًا جنائيًا موثقًا يثبت تسريب معلومات داخلية وسجلات طبية خاصة من المستشفى، إلى جانب محاولات للابتزاز الإلكتروني تعرضتُ لها أنا وشخصي عبر رسائل مجهولة، وتختص بتتبع حسابات مالية وخطوط اتصال تم تتبع مصدرها لتنتهي في مكتب السكرتيرة الخاصة بالسيد جوليان!"

انفجرت القاعة بالهمهمات والصدمة! وقف جوليان من مقعده بغضب عارم، واحتد وجهه متلعثمًا:

"هذا افتراء! هذه أوراق مزورة لقلب الطاولة!"

ضرب ألكسندر بيده على الطاولة بصوت حاد أخرس الجميع:

"الوثائق موثقة من النيابة العامة يا جوليان! وأي طعن فيها يعني مواجهة قضائية حاسمة بتهم التجسس والابتزاز وتشويه سمعة الشركة!"

التفت ألكسندر نحو أعضاء مجلس الإدارة، وقال بنبرة قاطعة تحسم النزاع:

"الآن، وبصفتي ممتلكًا للشرط الشرعي والقانوني المكتمل، أطلب من المجلس إجراء التصويت النهائي لتثبيت نقل كافة الأسهم التنفيذية وإغلاق هذا الملف نهائيًا."

رفع رئيس اللجنة القانونية يده أولاً تأييدًا لألكسندر، وتلاه بقية الأعضاء واحدًا تلو الآخر، حتى صوتت الأغلبية الساحقة لصالح ألكسندر، وسط انكسار تام لجوليان وفيكتوريا اللذين لم يجدوا مفرًا من التراجع والانسحاب من القاعة بجروح كبريائهما.

بعد انتهاء الاجتماع وإخلاء القاعة، وقف ألكسندر وإيلينا أمام النافذة الضخمة المطلة على أفق المدينة الممتد. كان الهدوء يعود تدريجيًا بعد العاصفة التي خاضاها بنجاح باهر.

التفت ألكسندر نحو إيلينا، وكانت ملامحه الخشنة قد استرخت تمامًا، ونظر إليها ببريق دافئ لم تره فيه من قبل.

"لقد خضتِ المعركة بكفاءة تتجاوز كل ما توقعته يا إيلينا،" قال ألكسندر وهو يمسك بيديها بين كفيه، "لم تحمي العقد فقط، بل حميتِ إمبراطوريتي ومستقبلي."

نظر إليها بعمق، واقترب منها خطوة أذابت الفواصل الباردة التي كانت تحكم علاقاتهما:

"العقد كان يقتضي عامًا واحدًا من التظاهر... لكنكِ أثبتِ اليوم أن وجودكِ بجانبي لم يعد مجرد بند في ورقة."

شعرت إيلينا بقلبها ينبض بسرعة، واستشعرت أن المشاعر الحقيقية بدأت تتسلل عبر الجليد الذي بناه ألكسندر حول نفسه لسنوات:

"وأنت أثبتّ أنك السند الذي يستحق أن أقف بجانبه وأحارب لأجله، ألكسندر."

لكن قبل أن تكتمل هذه اللحظة العاطفية الدافئة، انفتح باب المكتب ببطء، ودخل المساعد الخاص لألكسندر بملامح متوترة وهو يحمل مغلفًا أسود مغلقًا بالشمع الأحمر.

"سيدي... أسف للمقاطعة، لكن هذا المغلف وصل للتو عبر بريد خاص، ومكتوب عليه اسم المدام إيلينا شخصيًا..."

تسلمت إيلينا المغلف بفضول وقلق، وفتحت الشمع الأحمر لتخرج منه صورة قديمة تعود لعشر سنوات مضت.

كانت الصورة تجمع بين والد إيلينا ووالد ألكسندر الراحل، وخلفهما يظهر مبنى محترق، ومرفق بالصورة ورقة صغيرة كتب فيها بخط يد غامض:

"تسليم الأسهم ليس النهاية... تساءلي أولاً كيف انهار مصنع والدكِ القادم قبل سنوات، ومن كان المسبب الحقيقي في دمار عائلتكِ قبل أن تتزوجي ابنه!"

اتسعت عينا إيلينا بصدمة مروعة، وسقطت الصورة من يدها لتستقر على الأرضية الرخامية، بينما تحول الحب الناشئ فجأة إلى شك قاتل يعيد رسم الحكاية من جديد!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل السابع: أوراق تسقط في العتمةساد الذهول والصمت المطبق في الجناح الملكي. ظلت عين ألكسندر مثبتة على سماعة الهاتف، بينما تحولت نظرات إيلينا إلى مزيج من الصدمة والحذر الشديد. لم يعد الأمر مجرد مناورة قانونية أو حرب أسهم في قاعة اجتماعات، بل تحول إلى مواجهة غامضة ومفتوحة تشمل الاختطاف والتهديد المباشر.ارتدى ألكسندر سترته بسرعة، وبدأت ملامحه الباردة تنقلب إلى صرامة حادة:"إيلينا، سأتحرك فورًا إلى المستشفى. أريدكِ أن تبقي هنا في القصر، وتحت حراسة رجالي."اقتربت إيلينا منه بثبات ورفضت الخضوع لطلبه:"لن أبقى هنا يا ألكسندر! جوليان يراقب القصر، والرسالة المكتوبة بالدم والزهور السابقة تثبت أن الخطر يحيط بنا معًا. خروجي معكِ سيعطينا قدرة أكبر على التصرف، ولن أكون طرفًا عاجزًا ينتظر الأنباء في الغرفة."تأملها ألكسندر لثوانٍ، ورأى في عينيها ذلك الإصرار الفولاذي الذي جعله يحترمها ويجلّ قدراتها منذ اليوم الأول."حسناً،" قال ألكسندر بنبرة حازمة وهو يمسك بيدها، "لكن لن تفارقي جهتي خطوة واحدة."وصلت سيارة ألكسندر إلى المستشفى الخاص في وقت قياسي. كان الممر المؤدي إلى الطابق الرابع يغص برجال الشرط

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل السادس: رماد الحقيقةسقطت الصورة على الأرضية الرخامية، لكنها أحدثت في نفس إيلينا دويًا أشد ضراوة من صاعقة هبطت في منتصف الغرفة. أسرع ألكسندر بانحناءة خاطفة واستعاد الورقة، واستقرت عيناه الرماديتان على تفاصيل الصورة وتلك الرسالة المكتوبة بخط اليد.انقبضت ملامح ألكسندر، وظهر التوتر جليًا على جوانب فكه المشدود. نظر إلى إيلينا، وجدها قد تراجعت خطوة إلى الخلف، تحجمت نظرتها الدائمة بالثقة، وحل مكانها شحوب مفاجئ وشك عميق تسلل إلى عينيها العسليتين."إيلينا..." نطق ألكسندر بنبرة منخفضة وموزونة، "لا تدعي هذه الأوراق تفعل بكِ ما فشل فيه جوليان وميرنا في قاعة الاجتماعات."نظرت إيلينا إلى يديه الممسكتين بالصورة، وكانت أنفاسها تتسارع ببطء:"ألكسندر... هذه الصورة تعود لقبل عشر سنوات. هذا المصنع كان المشرع الأكبر لوالدي، الحريق الذي اندلع فيه في تلك الليلة لم يدمر البناء فحسب، بل أغرق عائلتي في ديون طائلة وظل يطاردنا حتى وصلنا إلى نقطة الإفلاس الأخيرة. والدك كان هناك... فلماذا لم أسمع منك أو من عائلتك كلمة واحدة عن هذا الربط القديم؟"خطا ألكسندر نحوها خطوة حذرة، ومط أطراف أصابعه ليضع الصورة على

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل الخامس: معركة الكراسي الذهبيةساد الهدوء الذي يسبق العاصفة في أروقة قصر "فان هيلسن" خلال الأيام الثلاثة التي سبقت اجتماع مجلس الإدارة الحاسم. كانت الممرات المهيبة تبدو وكأنها خط جبهة غير معلن، حيث تتقاطع النظرات بين إيلينا والسيدة فيكتوريا كحد السيف، بينما كان ألكسندر يقضي ساعات طويلة في مكتبه المغلق، يراجع الوثائق القانونية والتقارير المالية برفقة فريقه الاستشاري.في صباح يوم الاجتماع، كانت خيوط الشمس الذهبية تخترق الضباب الخفيف الذي يلف المدينة. وقفت إيلينا أمام المرآة الكبيرة في جناحها، تتأمل انعكاس صورتها. كانت ترتدي بدلة نسائية رسمية باللون الأسود الملكي، مطعمة بلمسات ذهبية ناعمة عند الياقة، وتضع مساحيق تجميل خفيفة أظهرت حزم عينيها العسليتين وشموخ ملامحها.دخل ألكسندر إلى الغرفة، يتأنق ببدلته الكحلية المعتادة. توقف لثوانٍ يتأملها بنظرة غطتها ملامح الإعجاب والتقدير، قبل أن يقترب منها ويعدل رابطة عنقه أمام المرآة ذاتها."هل أنتِ مستعدة للجولة الفاصلة؟" سألها بصوت خفيض يحمل نبرة ثقة عميقة.التفتت إليه إيلينا، وعدلت كم سياق سياق سترة بدلتها بثبات:"أنا لا أستعد للدفاع فقط يا أل

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل الرابع: مواجهة في عاصفة الصمتانطلقت السيارة الفاخرة بسرعة جنونية تمزق هدوء الشوارع الرئيسية المؤدية إلى أطراف المدينة. كان ألكسندر يمسك بعجلة القيادة بكلتا يديه، وقد ابيضت مفصله من شدة الضغط، وعيناه الرماديتان ترصدان الطريق بنظرات حادة كالسيف.إلى جانبه، كانت إيلينا تجلس متسمرة في مقعدها، تحدق عبر زجاج النافذة في معالم المدينة التي تتوارى بسرعة. ساد داخل السيارة صمت ثقيل، صمت يختزن في طياته تحولات خطيرة قد تقلب الموازين وتنسف العقد البارد الذي جمعهما قبل أيام قليلة.كسرت إيلينا هذا الصمت الخانق بصوت هادئ ومستقر:"من يستطيع الوصول إلى جناح أماندا في مستشفى خاص يخضع لحراسة مشددة؟ هذا لا يعني فقط أن عمك يراقبك، بل يعني أن لديه اختراقًا مباشرًا لفرق حمايتك."التفت ألكسندر إليها برهة، ولمس في عينيها ثباتًا غير مألوف لم ينكسر أمام الأزمة."جوليان لا يدفع المال فقط يا إيلينا، بل يشتري النفوس،" أجاب ألكسندر بنبرة حازمة خالية من الاستكانة، "وصول زهور التهنئة لغرفة أماندا لم يكن محض مصادفة، بل ضربة مدروسة لإحداث انهيار عصبي لها، وإجبار الأطباء على إصدار تقرير يلزمني بالبقاء بجانبها، مما

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل الثالث: خطوات فوق الشوكتأملت إيلينا الشاشة المتوهجة بذهول، بينما كانت كلمات الرسالة الغامضة تعيد رسم خطوط اللعبة من جديد: "تظنين أنكِ كسبتِ الملياردير، لكن الأقنعة التي ترتدينها ستسقط أولاً... انظري خلفكِ."ساد الجناح صمت خنق الأنفاس، قبل أن ينزع ألكسندر الهاتف من بين أصابعها الباردة. تحولت عيناه الرماديتان إلى قطعتين من الجليد الحارق، وهو يقرأ النص بتمعن شديد، ترافقه نظرة إصرار وخطورة جعلت القاعة تبدو أضيق."من يمكنه معرفة تفاصيل العقد بهذه السرعة؟" سألته إيلينا بصوت خفيض، يحاول الحفاظ على توازنه رغم الصدمة."هناك احتمالان لا ثالث لهما،" أجاب ألكسندر وهو ينقر على الشاشة ليتعقب مصدر الرقم، لكنه واجه رسالة تنبيه تفيد بأن الرقم افتراضي وغير قابل للتتبع، "إما أن هناك تسريبًا من المحامي الذي صاغ العقد، أو أن جوليان يضع أجهزة تصنت في هذا الجناح منذ فترة طويلة."التفتت إيلينا بسرعة وتأملت أركان الغرفة الفسيحة، من الثريا الكريستالية المعلقة إلى اللوحات الزيتية الكلاسيكية. شعرت فجأة بأن الجدران تحيط بها وأن العيون تترصد كل حركة تقوم بها."إذا كان عمك يعلم بأمر العقد، فلماذا لم يواجهك ب

  • خلف قناع الصمت    خلف قناع الصمت

    الفصل الثاني: ظلال من الماضيتجمّد الهواء في أركان الجناح الفسيح. كانت الكلمات التي نطق بها ألكسندر للتو أشد برودة من صرير الرياح التي تعصف بزجاج النافذة الخارجي.وقفت إيلينا متسمرة في مكانها، تتنقل بنظراتها بين هاتف ألكسندر القابع في يده وبين عينيه الرماديتين اللتين غارتا في ذهول تام. أماندا... الخطيبة التي اختفت من حياته قبل عامين إثر حادث سير أليم أدخلها في غيبوبة طويلة، أعلن الأطباء حينها أنها لن تستفيق منها أبدًا، هاهي اليوم تعود إلى الحياة في الليلة الأولى من زواجه الصوري.كسرت إيلينا هذا الصمت الخانق بإنزال يدها ببطء، ونطقت بصوت حاول الخروج هادئًا:"ألكسندر... هل أنت متأكد مما سمعته؟"لم يجيبها فورًا. أخذ نفسًا عميقًا ومطولاً وهو يمرر يده الأخرى عبر شعره الأسود، ثم ألقى بالهاتف على الطاولة الخشبية بجانبه. كانت يداه ترتجفان بشكل خفي، لمحة ضعف نادرة لم تكن إيلينا تتوقع أن تراها في رجل بصلابة ألكسندر فان هيلسن."كان هذا مدير المستشفى الخاص." قال ألكسندر بنبرة مبحوحة خالية من أي نبرة انفعالية مألوفة، "لقد استعادت وعيها بالكامل قبل نصف ساعة. الأطباء مصدومون، وهي... تطالب برؤيتي الآن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status