로그인الفصل الثامن: كوخ وسط الضباب
كان الصمت الذي يحيط بقرية فالديورا مختلفًا عن أي صمت عرفته ألين من قبل، فلم يكن ذلك الصمت الذي يمنح الإنسان شعورًا بالراحة، بل كان صمتًا غامضًا يجعل الشخص يشعر وكأن المكان يراقبه. كانت الجبال المحيطة بالقرية تختفي خلف طبقات كثيفة من الضباب، والهواء البارد يتسلل من بين الأشجار، بينما كان الكوخ الخشبي الصغير الذي دخلاه يبدو وكأنه عالم منفصل عن كل ما يحدث خارج جدرانه. منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها ألين إلى المنزل، شعرت أن هناك شيئًا مريحًا في المكان رغم الظروف التي جاءت بها إليه. كانت رائحة الخشب القديم تملأ الغرفة، والنار المشتعلة في المدفأة تمنح المكان دفئًا افتقدته منذ بداية هروبها. بعد أيام من الخوف والركض والاختباء، كان هذا أول مكان تشعر فيه أنها تستطيع الجلوس للحظات دون أن تنظر خلفها كل دقيقة. لكن كاي لم يكن يشعر بنفس الشيء. كان واقفًا قرب النافذة، يراقب الطريق الضيق المؤدي إلى المنزل، وعيناه تتحركان مع كل صوت يصدر في الخارج. لم يكن يستطيع أن ينسى أن الأشخاص الذين يطاردونه لم يتوقفوا منذ أن ظهر الكتاب، وأن أي مكان يذهب إليه يمكن أن يتحول في لحظة إلى مكان خطر. لاحظت هيلدا ذلك، لكنها لم تعلق. كانت امرأة ذكية، وتعرف أن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى الكثير من الأسئلة، بل يحتاجون فقط إلى مكان آمن لبعض الوقت. وضعت بعض الطعام على الطاولة وقالت بهدوء: "اجلسوا، يبدو أنكم لم تأكلوا منذ وقت طويل." نظر كاي إليها للحظة، ثم قال: "شكرًا لك." ابتسمت هيلدا ابتسامة بسيطة. "لا داعي للشكر، أحيانًا يحتاج الإنسان فقط إلى شخص يفتح له الباب." كانت كلماتها عادية، لكنها جعلت ألين تنظر إليها باهتمام. لم تكن هيلدا تبدو كشخص يسأل كثيرًا أو يحاول معرفة أسرار الآخرين، بل كانت تتصرف وكأنها تفهم أن لكل شخص قصة يخفيها. جلس إرنست في الجهة المقابلة، وكان قليل الكلام منذ دخولهم. كان رجلًا هادئًا، لكن ألين لاحظت أنه يراقب كاي بطريقة مختلفة، وكأنه لاحظ منذ البداية أن هذا الرجل ليس مجرد مسافر عادي يبحث عن مكان للمبيت. بعد أن هدأ الجو قليلًا، جلست ألين قرب المدفأة وهي تنظر إلى النار، بينما كان عقلها ممتلئًا بكل ما حدث. لم تستطع أن تنسى الكتاب، ولا الأسماء التي وجدتها داخله، ولا تلك الصفحة الأخيرة التي حملت اسمها وكأن شخصًا ما كتب مصيرها قبل أن تعرف هي بوجوده. كانت تريد أن تسأل كاي عن كل شيء، لكنها لم تكن تعرف من أين تبدأ. أخيرًا قالت: "كاي." التفت إليها. "نعم؟" ترددت للحظة، ثم قالت: "هل كنت تعرف أن الكتاب سيصل إلى هذه المرحلة؟" بقي صامتًا. كانت ألين تنتظر إجابته، لكنها رأت التردد في عينيه. قال بعد لحظات: "كنت أعرف أن الكتاب خطير، لكنني لم أتخيل أن الأمور ستصل إلى هذا الحد." "أنت كنت تكتب ما بداخله، أليس كذلك؟" خفض كاي نظره. لم يجب مباشرة. لكن صمته كان كافيًا. شعرت ألين بثقل الحقيقة مرة أخرى. ذلك الكتاب لم يكن مجرد مخطوط قديم. كان شيئًا مرتبطًا بموت أشخاص حقيقيين. وكان اسمها موجودًا داخله. في صباح اليوم التالي، استيقظت ألين على صوت الرياح وهي تضرب نوافذ الكوخ. فتحت عينيها ونظرت حولها للحظات، ثم تذكرت أين هي. للحظة قصيرة شعرت أنها في حلم غريب، لكن عندما رأت الكتاب الموضوع بعيدًا على الطاولة، عادت كل الحقيقة إليها. خرجت من الغرفة فوجدت هيلدا تعد القهوة، بينما كان كاي وإرنست يتحدثان بصوت منخفض. عندما اقتربت، توقف الاثنان عن الحديث. لاحظت ذلك. وقالت: "هل كنتما تتحدثان عن شيء لا يجب أن أعرفه؟" نظر إرنست إلى كاي، ثم قال: "في هذه القرية، الأخبار تنتشر بسرعة." تغيرت ملامح كاي. "أي أخبار؟" لم يجب إرنست فورًا. اقترب من النافذة ونظر إلى الخارج. قال: "قبل ساعات، سأل شخصان عن وجود غرباء دخلوا القرية." ساد الصمت. نظرت ألين إلى كاي. عرفت من تعبير وجهه أن الأمر ليس صدفة. في المساء، أصبح الجو أكثر توترًا. كانت هيلدا تحاول التصرف بشكل طبيعي، لكنها كانت تغلق الستائر أكثر من مرة، وتنظر إلى الطريق كلما سمعت صوت سيارة بعيدة. لاحظت ألين ذلك. اقتربت منها وقالت: "هل أنتِ خائفة؟" هزت هيلدا رأسها قليلًا. "أنا لا أخاف بسهولة، لكنني أعرف متى يكون هناك شيء غير طبيعي." ثم نظرت إلى كاي. "وجودكما هنا لن يبقى سرًا طويلًا." لم يرد كاي. كان يعرف ذلك. في تلك الليلة، جلس كاي وحده للحظات، وأخرج الكتاب من مكانه. لم يفتحه، فقط نظر إليه وكأنه ينظر إلى شيء يكرهه لكنه لا يستطيع الابتعاد عنه. اقتربت ألين منه. قالت: "هل تندم؟" نظر إليها. "على ماذا؟" "على أنك كتبت هذا الكتاب." ساد الصمت. ثم قال: "هناك أشياء تبدأ كخيال... ثم تجد نفسك لا تستطيع إيقافها عندما تتحول إلى حقيقة." لم تفهم ألين كل معنى كلامه، لكنها شعرت لأول مرة أن كاي لم يكن فقط ضحية للمنظمة، بل كان يحمل جزءًا من هذا الماضي معه. وقبل أن تسأله، جاء صوت سيارة من بعيد. توقف الاثنان عن الكلام. نظر كاي نحو النافذة. كان هناك ضوء يتحرك بين الأشجار. سيارة تقترب من الكوخ. وفي تلك اللحظة، فهم الجميع أن وقت الهدوء انتهى. فالديورا لم تعد مكانًا للاختباء. بل أصبحت مكانًا جديدًا بدأت فيه المطاردة. نهاية الفصل الثامن.أثرٌ لا يُرىاستيقظت ألين في صباح اليوم التالي على ضوءٍ باهت تسلل من بين ستائر غرفة الضيوف في شقة كاي، وبقيت لثوانٍ تحدق في السقف دون أن تتحرك، قبل أن تعود إليها تفاصيل الليلة الماضية دفعةً واحدة؛ الرسالة التي وصلت إلى هاتف كاي، المكالمة التي أعادتها إلى الاستوديو بعدما كانت قد غادرت المكان بالفعل، ذلك الاستوديو الخالي الذي بدا مختلفًا تمامًا بعد انتهاء العمل، والقطعة المعدنية الصغيرة التي وجدها كاي بالقرب من الممر الخلفي، ثم العودة إلى الشقة في وقت متأخر دون أن يعرف أيٌّ منهما ما إذا كان ما حدث مجرد محاولة لإرباكهما أم أن شخصًا ما كان بالفعل قريبًا منهما أكثر مما ينبغي. جلست على طرف السرير، مررت يدها على وجهها، ثم نهضت ببطء واتجهت إلى الباب، وحين فتحته وجدت ضوء غرفة الجلوس مضاءً، وعرفت قبل أن تراه أن كاي لم ينم كثيرًا.كان كاي جالسًا أمام الطاولة، وقد وضع القطعة المعدنية التي وجداها في الاستوديو فوق قطعة قماش صغيرة، وكان هاتفه إلى جوارها، بينما كانت عيناه معلقتين بها منذ وقت طويل، كأنه كان ينتظر أن تمنحه إياها إجابة لم تأتِ بعد. كان يرتدي قميصًا بسيطًا، وأكمامه مرفوعة إلى منتصف ذراعي
التسللكان يوم العمل قد انتهى بالفعل، وغادر آخر أفراد الطاقم الاستوديو واحدًا تلو الآخر، حتى خفتت الأصوات التي كانت تملأ المكان طوال ساعات التصوير، وأُغلقت معظم الأبواب الداخلية، وأصبحت الأضواء القوية التي اعتادوا عليها طوال النهار مطفأة، ولم يبقَ سوى عدد قليل من المصابيح الجانبية التي تركها العاملون مضاءة قبل مغادرتهم. كانت ألين قد خرجت قبل ذلك بوقت قصير، وحملت حقيبتها وكاميرتها إلى سيارتها، ثم جلست خلف المقود وانطلقت في طريقها إلى شقة كاي، كما كانت تفعل في نهاية الأيام التي تقضيها في الاستوديو معه.لم تكن تفكر في شيء محدد أثناء القيادة، أو ربما كانت تحاول ألّا تفكر في شيء على الإطلاق. كان يومًا طويلًا، ووجود آدم في الاستوديو جعل ساعات العمل أكثر ازدحامًا من المعتاد، كما أن تعاملها الرسمي مع كاي خلال اليوم ترك داخلها شعورًا غريبًا لم تجد له تفسيرًا واضحًا، خصوصًا بعد ما حدث في المطعم في الليلة السابقة، وبعد الطريقة المفاجئة التي قال بها لها أمام الجميع: «هيا بنا». كانت قد حاولت أن تتعامل مع الأمر باعتباره تصرفًا عابرًا، لكن نظرات الطاقم لم تكن عابرة، والأسئلة التي لم تُطرح بصوت مرتفع
كان الاستوديو قد بدأ يستعيد ضجيجه المعتاد مع بداية الصباح، فالأصوات تتداخل في أرجائه، وحركة أفراد الطاقم تتوزع بين تجهيز المعدات وترتيب مواقع التصوير ومراجعة المشاهد القادمة، إلا أن شيئًا خفيًا ظل يطفو تحت ذلك الاعتياد، شيئًا لم يكن أحد قادرًا على تسميته بوضوح، لكنه كان موجودًا في النظرات القصيرة التي تتبادلها بعض الوجوه كلما ظهر كاي في المكان، وفي الصمت الذي ينزل للحظات ثم يعود كل شيء إلى طبيعته عندما يمر أحد المسؤولين بالقرب منهم.دخل كاي الاستوديو بخطوات هادئة، مرتديًا ملابس العمل المعتادة، وقد بدا أكثر اتزانًا من اليوم السابق، حتى إن ريان الذي كان يقف قرب إحدى الطاولات رفع عينيه إليه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم ينتبه إليها كاي.كان ريان يعرف السبب.منذ الأمس، لم يعد كاي يستطيع إقناع نفسه بأن ما يشعر به تجاه ألين مجرد اهتمام أو مسؤولية، ولم يعد يستطيع وضع غيرته تحت أي اسم آخر. لقد قالها بصراحة، مرة واحدة، أمام الشخص الوحيد الذي وثق به بما يكفي ليسمح لنفسه أن يكون ضعيفًا أمامه.أنا أحبها.ومنذ أن قالها، تغير شيء داخله.لم يتغير العالم من حوله، ولم تتغير ألين، ولم يتغير آدم، ولم
كان الطريق إلى الشقة هادئًا على نحو غير معتاد، فمنذ أن أغلق كاي باب السيارة خلفه وألين إلى جواره، لم يتبادل الاثنان كلمة واحدة، ولم يكن الصمت بينهما مريحًا أو عاديًا، بل كان ثقيلًا، ممتدًا بين المقعدين كأنه شيء ثالث يجلس معهما ويراقب كل حركة وكل نفس، بينما كانت أضواء المدينة تنساب على زجاج السيارة وتختفي خلفهما دون أن يلتفت أيٌّ منهما إليها. بقي كاي مركزًا على الطريق، وملامحه ثابتة، ويداه مستقرّتان على المقود، أما ألين فظلت تنظر من النافذة، وقد شعرت أن شيئًا ما تغير منذ اللحظة التي قال فيها أمام الجميع: «هيا بنا»، ثم رفض أن يوصل ريان معهم، وكأن كاي الذي تعرفه منذ مدة قصيرة قد ظهر منه جانب لم تره بهذه الصورة من قبل.وعندما وصلا إلى الشقة، نزل كاي أولًا، وأغلق باب السيارة خلفه دون أن يقول شيئًا، ثم دخل المبنى بخطوات هادئة، وتبعته ألين بعد لحظات، حتى وصلا إلى الشقة وأغلقا الباب وراءهما.وضعت ألين حقيبتها على الطاولة، ثم التفتت إليه، وظلت تنظر إليه لثوانٍ قبل أن تقول: «هل ستخبرني الآن ما الذي حدث لك؟»رفع كاي عينيه إليها.«لم يحدث لي شيء.»«بل حدث.»«ألين...»قاطعته بهدوء: «منذ المطعم وأن
ما لم يعد مجرد اهتماملم يكن المساء يشبه بقية الأمسيات التي اعتادها كاي وألين منذ أن بدأت تعمل معه، فهذه المرة لم يكن هناك استوديو ينتظرهما، ولا كاميرات، ولا مخرج يراقب الوقت، ولا جدول مزدحم يفرض عليهما أن يتحركا من مكان إلى آخر. كان اليوم مخصصًا للراحة، ومع ذلك وجد كاي نفسه واقفًا في غرفة الجلوس منذ دقائق طويلة، ينظر إلى ساعته بين حين وآخر، بينما كانت ألين في غرفتها تستعد للخروج مع بقية أفراد الطاقم إلى المطعم.كان قد أخبر نفسه أكثر من مرة أن الأمر لا يعنيه.مجرد عشاء جماعي.مجرد ساعات قليلة بعيدًا عن التصوير.مجرد فرصة ليتحدث الجميع ويستريحوا قبل العودة إلى العمل.لكن كل تلك التبريرات لم تستطع أن تفسر سبب انتظاره لها بهذه الطريقة.رفع عينيه نحو الممر عندما سمع صوت الباب يُفتح.ثم ظهرت ألين.توقفت خطواته دون أن يشعر.لم تكن ترتدي شيئًا يشبه ملابسها المعتادة في الاستوديو، ولم تكن تحمل الكاميرا فوق كتفها، ولم يكن شعرها مرفوعًا كما اعتاد أن يراه أثناء التصوير، بل تركته منسدلًا حول كتفيها، وكانت قد اختارت ملابس أنيقة وهادئة جعلت حضورها مختلفًا تمامًا عن الصورة التي اعتادها عنها.ظل كاي ي
ما لم تعد تراهلم يكن صباح اليوم التالي مختلفًا في ظاهره عن أي صباح آخر داخل الاستوديو، فالحركة بدأت منذ الساعات الأولى، والطاقم يتنقل بين مواقع التصوير، والمعدات تُنقل من مكان إلى آخر، والمخرج يراجع جدول المشاهد مع مساعديه، بينما كانت ألين تقف أمام إحدى الطاولات وهي ترتب عدساتها وذاكرة الكاميرا بعناية شديدة، إلا أن شيئًا واحدًا كان مختلفًا هذه المرة؛ فقد أصبح كاي ينظر إلى كل زاوية قبل أن ينظر إلى الأشخاص، وكلما دخل أحدهم إلى الاستوديو أو خرج منه، وجد نفسه يتابعه بعينيه للحظات أطول مما ينبغي، متذكرًا الرسالة التي وصلته في الليلة الماضية، ومتذكرًا أن شخصًا ما استطاع أن يعرف ما كان يفعله داخل شقته في اللحظة نفسها التي كان فيها ينظر إلى الصورة.كانت ألين قد لاحظت ذلك منذ أن وصلا، لكنها لم تعلق، لأنها كانت تعرف أن كاي لن يتوقف عن التفكير في الأمر حتى يجد تفسيرًا منطقيًا، وكانت هي أيضًا تفكر فيه بالطريقة نفسها، إلا أنها لم تكن تريد أن يتحول يوم جديد من حياتهما إلى يوم آخر من الخوف والشك، ولذلك قررت أن تتعامل مع الأمر بهدوء، وأن تترك كاي يراقب المكان بطريقته، بينما تعود هي إلى عملها وكأنها