Se connecter– وأنا أوافق على ما قاله معاذ.
عم الصمت بين الجميع وانطلق معاذ ليأتي بالمأذون واثنان من الشهود الموثوق بهم، لينظر والد ملك لمالك بضيق وهو يقول لها:
– أليس من المفترض أن نتفق على المهر والشبكة وكل تلك التفاصيل؟ أم أن ذلك ليس من حقنا أيضًا؟
اتسعت ابتسامة مالك وهو يتنهد براحة، مدام وصل أبيها لهذه النقطة فلسوف يجعله راضيًا عنه لأقصى درجه، خطى تجاهه ووقف على مسافة كافية منها وهي المسافة التي لا يتجاوزها أحد غيرها، وهو يشير إليها ناحية المقاعد المرصوصة في البهو الكبير قائلًا:
– كل ما تريده سيكون، ما عليك سوى أن تأمر يا عمي.
وفي هذه اللحظة أخذت الأم يد ملك وهو تقول بصوت حانق ومرتفع:
– هل توجد غرفة هنا يمكنني أن أجهز ابنتي فيها؟
وقف مالك قبل أن يصل للمقعد ونظر إليها بهدوء وبذات الابتسامة أجابها:
– في الطابق العلوي، أول غرفة على يمين الدرج.
ثم حول نظره تجاه ملك ليُردف:
– أتمنى أن تنال المفاجأة التي أعددتها لك إعجابك.
سحبتها أمها بلا اهتمام إلى الغرفة العلوية، بينما ارتسمت على وجه ملك ابتسامة خجلة وهي تصعد الدرج ويداخلها حماسٍ مجنون لما ستراه في الغرفة، أدارت المقبض فانفتح الباب لتشهق ملك بفرح وهي ترى كل شيء معدًا لها بعناية...
فستانٌ أبيض يخطف الأنظار، وهناك على الطاولة التي تتوسط الغرفة كل أدوات التجميل الخاصة بالعرائس، بينما قد اهتم هو بتزيين الغرفة بأكملها بالورود والبالونات الملونة بشكل مبهر وخاطف للأنفاس، كل شيء كان جاهزًا لها..
ولكن بالرغم من كل هذا كانت الأم لا تزال تحمل في قلبها مشاعر الحزن وهي غير قادرة على استيعاب ما حدث...
اغلقت أمها الباب خلفهما و بدأت بالكلام بحزن شديد:
– ملك... أترين أن ما تفعلينه صواب؟ كيف توافقين على أمر كهذا من دون أن تكوني على يقين من الرجل الذي ستعاشرينه؟ هذا ليس زواجًا عاديًا يا ملك! كيف تضعين نفسك في هذا الموقف؟ أنا أريدك أن تسعدي مثل أي فتاة، لكن ليس بهذه الطريقة! فهذا ليس المستقبل الذي كنت أتمناه لكِ يا ابنتي.
رغم الألم الذي أصاب ملك في قلبها إثر كلمات والدتها المستاءة، إلا أنها ظلت صامتة ولكن عيونها كانت مليئة بالهمّ والقلق، حينما رأت دموع أمها شعرت أن قلبها يكاد ينكسر لكنها كانت مدركة أن هذا القرار يجب أن يُتخذ مهما كانت عواقبه...
تحدثت ملك أخيرًا بصوت هادئ وعيونها ثابتة على وجه أمها وقد احتضنت كفيها بحبٍ وقد تجنبت أن يظهر صوتها مترددًا رغم ما كان في داخلها:
– أمي الحبيبة، والله أعلم أن ما تقولينه حق، وأدرك تمامًا أنك تنصحينني لصالحي، لكن ما لا تعلمينه أنني لم أحب في حياتي سوى مالك، ولم أفكّر يومًا في غيره، عرفته منذ كنتُ مراهقة، وكان الوحيد الذي يفهمني، ولم ينظر إليّ يومًا نظرة سوء، ولم يقل لي كلمة تؤذيني، بل على العكس، لم أرَ أحدًا يحبني بعدكم كما يحبني هو..
أنا لا أريد أحدًا غيره في حياتي يا أمي، و موافقتي على الخطبة كانت من أجلكم، لأفرحكم، ولأني ظننت أن أمره انتهى ولن أراه مجددًا، ورفضي للخُطّاب طوال تلك السنين كان للسبب ذاته، أنني لا أريد سواه، وعندما قبلت بالارتباط من شخص آخر، كنت أعلم أنني أخطئ، لأنني لم أكن مقتنعة به، لكنني كنت تحت ضغط منكم، والحقيقة أنني لم أستطع أن أتخيّل حياتي بدونه، ولهذا هربت.
اخذت ملك نفسًا عميقًا بعد هذا الحوار المتصل الذي اصرت ألا تقطعه حتى تنهيه مهما بدت متوترة وقلقه.. تجمدت نظرات الأم للحظة، وتأثرت كثيرًا بما سمعته من ابنتها، لم تكن تتخيل أبدًا أن ملك تشعر هكذا مع أن قلبها كان متقطعًا من الألم تابعت النظر إليها ثم قالت بصوت منخفض:
– يا ملك يا حبيبتي، الزواج ليس مجرد حب فقط، بل هو شراكة كاملة، الحب وحده لا يكفي لكي تعيشي حياة مستقرة وسعيدة..
هناك أمور كثيرة يجب أن تُفكري فيها بعناية،
ولكن إن كنتِ مقتنعة، فلا يبقى أمامي سوى أن أفرح لكِ وأدعوا لكِ بالسعادة يا ابنتي.
ابتسمت ملك ابتسامة حزينة وقبلت كلتا يد أمها ثم اعتدلت في وقفتها قائلة بهدوء:
– أنا واثقةٌ أن ما تقولينه هو عين العقل،
ولا أعلم حقًا إن كان اختياري وقراري هذا هو الصواب أم لا، لكن مالك هو الرجل الذي أرغب في أن أقضي معه بقية حياتي، وأعلمُ بيقينٌ أنني إن لم أختره فسأظلُّ دائمًا غير سعيدة، وأعلمُ أيضًا يا أمي كم تحبينني، لكن عليك أن تتركيني أختار من يجعلني سعيدة، ولا أطلب منك سوى دعواتك لي بالخير والراحة.
احتضنتها امها بقوة وسالت دموعها بغزارة للحظات قبل أن تبعدها عن احضانها وتقبلها بحب كبير وعاطفة أم لا تريد إلا أن ترى ابنتها في أحسن حال وطالما هي تحبه لهذه الدرجة فبالتأكيد سوف تكون سعيدة وهذا ما يهمها في النهاية، جفف الاثنان دموعهما وانطلقت الام بسعادة وهي تقول لها:
– تعالي ارتدي الفستان، وكوني أجمل عروس في الدنيا.
مرت ساعتين حتى انتهوا من مراسم كتب الكتاب، كانت ملك تغرق في مشاعر مختلطة وهي تودع أهلها، كان ذهنها مشتتًا وكأنها لا تزال غير قادرة على تصديق ما حدث في بضع ساعات!
هي الآن متزوجة؟ ومن مَن مالك؟ الذي لم تعشق غيره قط!
لكن كل شيء حولها كان غريبًا جدًا و مختلفًا عن ما كانت تتخيله...
توجهت إلى داخل الفيلا التي كانت قد ظنتها منزلها الجديد، المكان الذي سيجمعها بمالك حيث بدأت صفحة جديدة من حياتها، كانت تصطف أمامها الأثاثات الفاخرة والأضواء الخافتة والزخارف الجميلة التي كانت تجعلها تشعر بطمأنينة، لكن كان هناك شيء غير مريح في قلبها، شيء لم يكن على ما يرام...
مالت رأسها نحو مالك الذي كان يقف أمامها يمسح على جبينها بنظرة هادئة تحمل الكثير من المشاعر المعقدة، وهو لا يصدق أنها قد اصبحت مِلكه أخيرًا..
هي كانت تتوقع منه كلمة واحدة تطمئنها وتزيل كل هذه الحيرة التي غزت قلبها لكن كانت المفاجأة...
قال وهو يلتقط نفسًا عميقًا وينظر لساعة يده وكأن الكلمات التي سيقولها ثقيلة على قلبه مثلما كانت على قلبها:
– علينا أن نغادر من هذا المكان يا ملك.
وقفت ملك في مكانها والشعور بالصدمة تسلل إلى عروقها، نظرته كانت ثابتة لكنها مليئة بالحزن كأنها تحمل عبئًا ثقيلًا، وحين أتى حديثه كانت هي أول من يندهش من المعنى الذي يحمله..
– أنا لا أفهم! أليس هذا بيتنا؟!
همست بها وقد اختلطت المشاعر في داخلها وكأنها تود التأكد من أنه يقصد ما قاله.
هو لم يتردد في شرح الأمر لكن صوته كان هادئًا، مثلما كان يتحدث إلى نفسه أكثر من حديثه لها...
– لا يا حبيبتي، هذه الفيلا مكان مؤجر لإقامة مراسم الزواج فقط، لكنها ليست بيتنا، أنا لا أعيش في مصر يا ملك، جئتُ إلى هنا فقط من أجلك، ولا أستطيع البقاء هنا أكثر من أربع وعشرين ساعة.
كانت ملك تنظر إليه ومشاعرها تتنازع بينها وبين استيعاب ما قاله، كيف لها أن تصدق أن كل هذا كان مجرد "مكان مؤقت"، بينما كانت قد بدأت تخطط لما بعد الزواج في هذا البيت الذي كانت تظن أنه ستكون فيه بداية حياتها الجديدة، قالت بيأس والحيرة تزين صوتها:
– أنا لا أفهم شيئًا، كيف لا تعيش في مصر؟ وما معنى أنه يجب علينا المغادرة والسفر من هنا لأنك لا تستطيع البقاء أكثر من يوم؟ وكيف لي أن أسافر وأنا لا أملك شيئًا، لا ثيابًا ولا أمتعة؟ وإلى أين سأذهب، وبأي وسيلة سأتنقل؟
كانت تلتقط انفاسها بصعوبة وهي تتلو عليه الاسئلة الكثيرة التي لا تجد لها اجابة شافية، ابتسم مالك ابتسامة خفيفة لكنه كان يبدو جادًا جدًا وهو يقول لها:
– كل ما تتمنيهِ وتفكرين فيه، وحتى ما قد لا يخطر على بالك، موجود في مكان آخر يا ملك، وهو ذلك المكان الذي سنقيم فيه. يجب أن نرحل الآن، وبالتأكيد سأشرح لكِ كل شيء وأجيب على كل تساؤلاتك.
ثم صمت وهو يراقبها بعينين مليئتين بالحب والرغبة في آن واحد، كأنه كان يوضح لها شيئًا لكن لا يريد أن يُشعرها بالقسوة، لكنها كانت بحاجة إلى وقت لتستوعب ما قاله، لتفهم كيف أن الواقع يبدو بعيدًا عن كل ما كانت تتخيله...
قال مالك بصوت ثابت يحمل نوعًا من الإصرار:
– لا بد أن نرحل يا حبيبي، وأعدكِ أن تفهمين كل شيء في الوقت المناسب. هيا بنا الأن أرجوكِ .
كان صوته هادئًا لكن نبراته كانت تحمل شيئًا من التهديد الذي لا يقبل الجدال، نظرت ملك إليه وكأن الكلمات التي نطق بها كانت مجرد صدى بعيد، لم تفهم معناها تمامًا ولكن شيئًا ما داخلها جعلها تشعر بعدم الارتياح...
سحبها للخارج وهو يقول لها:
– هيا بنا.
قالها وهو يفتح باب السيارة بخطوات ثابتة ولم يكن ينتظر ردًا منها، كانت ملك تقف هناك وكأنها مشلولة لا تدري ما الذي يحدث، كانت تائهة بين الخوف والدهشة وكل ما يخطر ببالها ماهي وسيلة سفرها..
ركبت معه في السيارة ولم تنطق بكلمة واحدة طوال الدقائق التي وصلوا فيها لوجهتهم..
كانت شوارع المدينة تمر من جانبها كظلال كل شيء حولها كان يبدو بعيدًا، غريبًا، وكأنها فقدت ارتباطها بكل ما حولها، نظراتها كانت تتنقل بينه وبين الطريق وتلك العيون التي لم تتركها لحظة والتي كانت تقول لها شيئًا ما في أعماقها دون أن تفصح عن كلماته...
خلال خمسة دقائق توقف مالك أمام طائرته الخاصة، كان الليل قد غلف السماء وهدوء المكان كان مخيفًا... ولم يكن هناك سوى طائرته التي تقف في نهاية المدرج تنتظرهم...
كان قلب ملك ينبض بسرعة غير طبيعية وعيناها اتسعت من الصدمة وكأنه ما كانت تمني نفسها به ألا يحدث فقد حدث!
سوف تركب الطائرة التي هربت منها لسنوات..
همست تحاول تصديق ما تراه:
– لابد أنا ما أراه الأن ليس حقيقيًا!
كانت الطائرة أمامها تبدو ككابوس يقترب.
– مؤكد لن نركب هذه!
وقف مالك أمام الطائرة حاجباه معقودان وهو ينظر إلى ملك باستغراب، كانت تقف مترنحة، أنفاسها متسارعة وعيناها تلمعان بالرعب وهي تحدق بالطائرة وكأنها وحش يستعد لالتهامها...
سألها وهو غير قادر على فهم سبب الفزع الذي رأى أثره واضحًا في ملامحها...
– ماذا أصابك؟ أنا لا أفهم شيئًا مما يحدث!
هزت رأسها بسرعة ووجهها شاحب وصوتها مهتز وهي تقول:
– لو ركبت الطائرة سأموت، لا أستطيع يا مالك! لدي رهاب من الطائرات، لا أستطيع حتى النظر إليها!
رفع حاجبيه بدهشة أكبر وكأنه لا يزال يحاول استيعاب الأمر:
– ملك حبيبتي! هل هذه أول مرة تركبين فيها طائرة؟ حسنًا لا تخافي، كل شيء سيكون على ما يرام.
حاول أن يقترب منها وكلما دنا خطوة كانت تتراجع للخلف و نظراتها مثبتة على باب الطائرة كأنها ترى نهايتها هناك وهي تردد بفزع حقيقي:
– لو ركبت الطائرة، سأموت حقًا، لا أكذب عليكِ!
تأملها مالك بصمت لثوانٍ قبل أن يتقدم نحوها بسرعة كبيرة ويلف ذراعه حولها وهو يقول لها وقد بدا صوته هادئًا لكنه يحمل صرامة لا تخطئها الأذن:
– ملاكي.. حبيبتي، علينا أن نسافر الآن فالتأخير ليس في مصلحتنا، ولا تخافي، فأنا معكِ ولن أتركك أبداً.
لكنها كانت قد وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على التفكير، كل ما تشعر به هو ذلك الذعر الذي يسيطر على جسدها بالكامل فنظرت له ودموعها تنهمر بجنون:
– مالك.. أرجوكِ، لا أستطيع تحمل هذا! أتوسل إليك لا تجبرني على الصعود.
راقب الدموع في عينيها و الرعشة التي أصابت يديها، والنبرة التي كانت تتقطع من البكاء..
و للحظة شعر بأنه قد يتراجع… لكنه لم يستطع، أخذ نفسًا عميقًا ومد يده إلى جيب معطفه حيث استقرت أصابعه على الإبرة الصغيرة التي كان قد أعدها مسبقًا لها لو لم يأتي المخدر الضعيف بثماره وقتما اختطفها…
– سامحيني يا حبيبتي.
همس بصوت منخفض بينما اقترب منها أكثر:
– مالك... أرجوك، لا أستطيع!
– لكن ليس لدي وقت ولا خيار آخر.
وقبل أن تعترض أو تفيق من الذهول الذي حل بها، كان قد قام بحقنها بسرعة في ذراعها، كانت عينها تتسع من الفزع ولكنها لم تستطع مقاومة التأثير الذي بدأ يغزو جسدها...
– مالك... ماذا فعلت بيـ...
همست بصوت ضعيف ثم أغشي عليها فجأة...
حملها بين ذراعيه بينما كانت تلتف في هدوء، كان يراقبها بعينين محملتين بالأسف لكنه كان يعلم أنه لم يكن لديه خيار آخر...
كانت الطائرة تستعد للإقلاع، و مالك ينظر إلى السماء المظلمة مدركًا أن هذه الرحلة كانت بداية لمرحلة جديدة في حياتهما مرحلة لا رجعة فيها....
***
كان الصمت يلف الغرفة لا يُسمع فيها سوى أنفاس ملك المنتظمة تحت تأثير المهدئ، ومالك جالس إلى جوارها مرفقاه مستندان إلى ركبتيه وأصابعه متشابكة أمام فمه وعيناه مثبتتان على ملامحها يحاول حفظ كل تفصيله فيها كأنه يخشى أنها حين تستيقظ ستصبح شخصًا مختلف لا يَعرف أحدهما الآخر..
ثم جاء الصوت طرقات خفيفة على الباب ثم صوت حمزة من الخارج نبرته طائعة وبها تقدير واحترام:
– يا أميرنا... الجميع ينتظرك في غرفة الاجتماعات كما أمرت.
ظل صامتًا للحظات وكأنه لم يسمع، ثم أخذ نفسًا عميقًا ونهض عن الكرسي لكن قدميه لم تتحركا بعد...
وقف يتأملها من بعيد وهي تبدو هادئة، لكن مالك لم يكن مخدوعًا كان يعلم أن ما ينتظرها حين تستيقظ لن يكون سوى عاصفة جديدة ولكنه لن يلجأ للمهدئ مرة أخرى يجب أن يجد معها حالاً جذريًا هذه المرة..
مد يده ببطء أصابعه كادت تلامس خصلة من شعرها، لكنه تراجع في آخر لحظة، كأن بينه وبينها حاجزًا غير مرئي، حاجزًا لم يكن موجودًا من قبل، لم يكن حتى يعلم متى أصبح هناك مسافة بينهما، فهي الوحيدة التي قد أخفت المسافة من حياته واستطاع اقتحام حواجزه والسطوة على قلبه وعقله معًا، ولكنه شعر بتلك المسافة تتباعد الآن أقوى من أي وقت مضى...
استدار أخيرًا بينما خطواته كانت بطيئة كأن قدميه تأبيان الابتعاد، وحين بلغ الباب توقف للحظة أخرى وهو يلقى نظرة أخيرة عليها.. قبل أن يرحل..
وفي الخارج، كان الممر طويلًا على غير العادة، والسكون فيه يضرب أوتار القلق داخله، كان يسير ببطء كأنه يسحب خطواته على مضض، يشعر بثقل غريب على صدره ثقل لم يكن يعهده في نفسه من قبل وبالتحديد قبل العملية الخطيرة التي هو بصدد تنفيذها..
حين بلغ غرفة الاجتماعات وجد حمزة واقفًا عند الباب يراقبه بصمت، وحين التقت أعينهما لم يكن هناك حاجة للكلمات كان كلاهما يعلم أن هذه الليلة تحمل أكثر مما يبدو وأن ما سيقال داخل الغرفة قد يغيّر كل شيء في العالم الخارجي..
دفع الباب بخفة ثم دخل... والعيون كلها التفتت نحوه ليجلس هو وقد تغيرت ملامحه التي خرج بها من غرفتها، لأخرى قوية وثابته وثقيلة عليهم وهو يفتتح مجلسه بقوله:
– العملية التي سننفذها ليست مجرد خطوة عابرة… إنها نقطة فاصلة بين الحياة والموت، ولا مجال فيها للغموض أو التردد! من سيبقى على قيد الحياة منكم سيحظى باسم مكتوب بحروف من نار، وسيظل متربعًا على العرش حتى آخر أنفاسه… أما من ستكون نهايته هناك، فستكون بأبشع صورة يمكن لعقل أن يتصورها! لا رجوع، لا استسلام… واللحظة القادمة هي التي ستقرر مصيرنا جميعًا. انتبهوا جيدًا، فهذه ليست مهمة عادية… إنها نقلة ستغير وجه العالم، وستجعلنا نسيطر عليه بلا منازع!
وفي ذات اللحظة وفي غرفتها شهقت ملك شهقة حادة، كأن الهواء اختنق في صدرها قبل أن يندفع إلى رئتيها بقوة وكأنها عادت للحياة بعد موتها، عيناها انفتحتا على اتساعهما متسمرتان في الظلام تحدقان في اللاشيء، بينما موجة عنيفة من الذكريات اجتاحت عقلها بلا رحمة...
كل شيء قد عاد... كل شيء ضربها دفعة واحدة.
أنفاسها تسارعت، يدها قبضت على الأغطية بقوة، وجسدها انتفض كأن تيارًا كهربائيًا مرّ عبره!
ظلت الصور تتابع في ذهنها كأنها تُعرض أمامها على شاشة سينما عملاقة، لتقف عند لحظة تهديدها لمالك، أصابعها المرتعشة وهي تقبض على السكين، الجنون الذي دفعها لوضع النصل البارد على رقبته أولًا ثم على رقبتها، الألم الذي شعرت به رغم أنها لم تضغط بما يكفي لتؤذي نفسها...
تشنجت يدها فوق عنقها كأنها تتأكد مما حدث، هل كان حقيقة؟ أم مجرد كابوس آخر في هذه الليلة الطويلة؟
لا... لقد فعلتها... لقد وصلت إلى حافة الجنون.
شهقت مجددًا لكن صوتها لم يخرج، أنفاسها كانت قصيرة ومتقطعة وكأنها تحاول استيعاب الكارثة التي أغرقت نفسها فيها...
قلبها كان يدوي في أذنيها، يطرق بعنف، وكأن دقات الساعة تذكرها بأن الوقت لم يتوقف، بأن كل ما حدث ليس وهماً بل حقيقة ثابتة لا يمكن إنكارها..
دفعت الأغطية عنها بارتباك و جلست فجأة، فدارت بها الغرفة للحظة لكنها لم تهتم، قدماها العاريتان لامستا الأرض الباردة فأرسلت قشعريرة حادة في جسدها، لكنها لم تكن أقسى من البرودة التي تسللت إلى روحها في هذه اللحظة..
تحركت بخطوات غير ثابتة كأنها ما زالت تحت تأثير ذلك المخدر اللعين، لكن عقلها كان يصرخ بالحقائق التي لم تكن قادرة على مواجهتها من قبل...
" لقد وافقت على الزواج به...!"
تمتمت بالكلمات وكأنها لم تصدق نفسها، وكأنها كانت بحاجة إلى سماعها بصوتٍ أعلى لتدرك حقيقتها.
" هو زوجي... و بإرادتي!"
توقفت في منتصف الغرفة، وضعت يدها تلقائيًا على قلبها الذي يدوي بجنون، تنظر حولها كأنها تتوقع أن يظهر مالك من العدم، أن يخبرها بأن كل هذا ليس سوى لعبة أخرى من ألعابه لكنه لم يكن هناك..
الغرفة كانت فارغة... تمامًا كما شعرت هي..
حلقها جف وجسدها بدأ في الارتعاش، لكنها لم تكن تعرف إن كان ذلك بسبب الصدمة أم بسبب الحقيقة التي بدأت في التسرب إلى أعماقها—هي لم تُجبر، لم تُخدع... لقد قالتها بنفسها.
"موافقة."
الكلمة التي خرجت منها في لحظة غامضة، لحظة كان فيها عقلها وقلبها في صراع لا تتذكر كيف انتهى، لكنها الآن تدرك النتيجة... هي أصبحت زوجة مالك!
والآن.. عليها أن تواجه كل شيء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته