Home / الرومانسية / رجال الله / الأسرار التي دُفنت

Share

الأسرار التي دُفنت

last update publish date: 2026-05-30 03:23:52

في غرفة الجلوس البسيطة الملحقة بغرفة يامن، جلست زهرة على الأريكة أمامه، والجو بينهما كان مشحونًا بالصمت، كان يامن يحدق فيها وكأن قلبه لم يعد قادراً على تحمل ما سمعه لتوه، السنوات التي مرت به كانت مليئة بالفراغات التي تحتاج الآن إلى تفسير وكل كلمة من زهرة كانت تقلب أشياء كثيرة في عقله...

كانت زهرة أكثر هدوءًا وثقة مما كان متوقعًا، نظر نحوها في ضيق ثم تنهد قائلًا بعد صمت طويل:

– ما هي الأسباب التي دفعتك لأن تفرقي بيني وبين أخي طوال هذه السنين؟

كان يامن يحاول إخفاء مشاعره، لكن الحيرة كانت واضحة على وجهه، تتابعت أسئلته في رأسه ولكنه لم يكن يستطيع أن يعبر عنها بكلمات، نظر إليها وكأنها لم تعد تلك المرأة التي يعرفها بل كانت شخصًا آخر، يحمل أسرارًا ثقيلة على قلبه..

نظرت إليه زهرة بعينين مليئتين بالصدق ثم قالت بصوتٍ ثابت:

– سأقصّ عليك كل ما حدث، ولكن لتقف إلى جانبي وتكون الرجل الذي ربيته عليه.

شعر يامن كما لو أن الأرض تحت قدميه بدأت تتلاشى، كيف لم يشعر به؟ وكيف لم يره؟ كيف كانت الحقيقة مخفية عنه كل هذه السنوات؟ تجمد في مكانه للحظات وأحس بشيء ثقيل في صدره، ثم وهو يكاد ينهار من الصدمة زم شفتيه بحدة وحاول أن يحافظ على هدوءه رغم أنه كان يصرخ بعصبية:

– لِمَ لم تُخبِريني منذ زمن؟! فمهما كانت أسبابك، فهي بالنسبة إليّ غير مُقنِعة.

زهرة لم تتحمل رفع صوته فاقتربت منه برأسها وعينيها مليئة بالغضب، ثم خفضت صوتها حتى لا يسمع من في القصر صوته وقالت بحسم:

– اخفض صوتك! لقد قلتُ لك إنّ هناك ظروفًا كانت أقوى منّا جميعًا، وسأخبرك بكل شيء الأن لأنّ هناك تطوّرات قد حدثت في العائلة، وأنا أخشى أن تخرج الأمور عن السيطرة، ولا ثقة لي في قرارات جدّك بشأن أخيك، وكما قلت لك منذ قليل، أريدك أن تكون رجلاً لتساعدني في إيجاد حلّ عاجل وبأقصى سرعة.

أحس يامن بصدمةٍ تشلّ تفكيره، وكأن عقله ارتطم بجدارٍ من الحقائق الثقيلة. كان يحاول استيعاب ما سمعه، لكن الكلمات اخترقت يقينه بعنف، والحياة التي ظنّ أنه يعرفها بدأت تتفتت، لتنكشف بين أنقاضها وجوه الحقيقة الخفية!

والآن كانت هي التي تحمل بين يديها مفتاحًا لفتح الأبواب المغلقة التي كانت تُحكم عليه منذ سنوات....

تنهدت زهرة بعمق، وكأنها تفرغ من صدرها حملًا أثقلها لسنوات، شبكت أصابعها ببعضها ببعض، وضغطت عليهما قليلًا، ثم تركتهما تسترخيان على حجرها، وكأنها تحاول تهدئة ارتجاف غير مرئي يسري في أوصالها..

رفعت عينيها نحو يامن و نظرتها مترددة، كأنها تخشى أن تنطق بما قد يعيد إليها الألم من جديد، لكنها حسمت ترددها، وقالت بصوت خافت، لكنه ممتلئ بثقل الذكريات التي لم تفارقها أبدًا:

– حين سافر والدك إلى كندا، كان يحمل طموحًا عظيمًا، ورؤيةً واضحة لبدء حياة جديدة بعيدًا عن تلك القيود التي كانت تكبّله هنا، التقيتُ به هناك، وانجذبتُ إليه سريعًا؛ كان مختلفًا… مثقفًا، ذكيًّا، ذا حضورٍ آسر، لكن الأهم من ذلك أنّه كان يعرف كيف يُقنع من أمامه بأي شيء..

صدّقته… وأحببتُ كلماته قبل أن أحب ملامحه، وكنتُ فخورة بكوني جزءًا من خطته في الحياة..

لم نكن متزوجين رسميًّا في البداية، لكننا عشنا معًا، مقتنعين بأننا قادران على صناعة واقعنا بأيدينا، كان هو يدرس في الجامعة، بينما التحقتُ أنا بالعمل في مؤسسة حكومية، ولفترةٍ من الزمن كان كل شيء يبدو هادئًا، مستقرًّا… أو على الأقل هذا ما كنت أظنه، وتزوجنا وأعلنا زوجنا وأخبر أبيك عائلته هنا..

وحين حملتُ، شعرتُ أن حياتي قد اكتملت، وكنتُ في غاية السعادة… أما هو، فكان متوترًا، دائم الشرود، وكأنه يطارد فكرةً أخرى أو يخفي أمرًا لم أكن أعرفه… وربما كنتُ أتجاهله عن عمد، وبعد أن أنجبتكما، أنت وأخاك يمان، بدأت أرى جانبًا منه لم أتخيل يومًا وجوده..

وقعت له مشكلة كبيرة في الجامعة، لم أفهم تفاصيلها حينها، لكن ما علمته أنه أُوقِف عن التدريس وفُصِل من عمله، كان ذلك الخبر بالنسبة له زلزالًا أطاح بكثير مما في داخله، ومع هذا الانهيار، بدأت أتعرف على شخص آخر… شخص لم أعرفه من قبل..

ظلّ جالسًا في البيت، تمضي الأيام وهو أسير نفسه، وعيناه يكسوهما السواد، نادر الكلام، وإن تكلّم جاء صوته محمّلًا بغضبٍ مُبهم، وحين حاول البحث عن عمل، بدت الدنيا موصدةً في وجهه، وكأن جميع الأبواب التي كانت مشرعةً أمامه قد أُغلِقت فجأة، وفي خضم ذلك كله، كنتُ أنا الوحيدة القادرة على الثبات، أتحمّل مسؤولية طفلين، وأتشبّث بعملي الذي صار طوق النجاة، يحميني من الغرق وسط الفوضى التي كان غارقًا فيها..

في البداية، طلب منّي أن أترك عملي؛ كان يرى أن من الطبيعي أن تبقى المرأة في بيتها، تهتم بزوجها وأطفالها، وأن خروجي يوميًا إلى العمل دليل على إهمالي لكم… وله، حاولت أن أشرح له أن الحياة لا تسير على هذا النحو، وأن عليه أن يقاوم ويقف على قدميه بدلًا من تهديدي، لكنه كان يرفض الاستماع، وعناده يزداد يومًا بعد يوم، ومعه ازدادت حدّة طباعه بطريقة لا تُحتمل، حتى جاء اليوم الذي قالها لي بوضوح، وبصوتٍ حاسم لا يحتمل النقاش:

"إمّا أنا… أو العمل!"

وقف أمامي ينتظر جوابي، واثقًا من نفسه، متيقّنًا أن أي امرأة ستختار زوجها واستقرار بيتها، لكنه كان مخطئًا..

نظرتُ في عينيه، فرأيت الرجل الذي أحببته، لكني رأيت معه رجلًا آخر… رجلًا خائفًا، مهزومًا، عاجزًا عن تقبّل خسارته لحياته المهنية، فقرر أن يعوّض ذلك بمحاولة السيطرة عليّ، عندها أدركت أن علاقتنا قد انتهت بالفعل، لا بسبب ما قاله فحسب، بل بسبب ما آل إليه..

ولأول مرة، شعرتُ بالخوف منه… والخوف على نفسي من،. عندها اتخذت قراري… واخترت عملي..

حين سمع إجابتي، ابتسم… ابتسامة غريبة، ابتسامة رجل أدرك أنه خسر كل شيء، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك، وبعدها… اختفى من حياتي.

توقفت زهرة عن الكلام، وكأنها فقدت القدرة على مواصلة سرد الحكاية، أما يامن، فقد ظل صامتًا، لكن ملامحه كانت تحكي قصصًا أخرى، قصصًا لم يدركها حتى الآن، لكنها بدأت تتكشف أمامه ببطء، كأنها ظلال تختفي… لتكشف الحقيقة..

استرخت زهرة على الكرسي، وأسندت ظهرها ببطء كأنها تحاول اتزان ثقل الذكريات التي انسكبت فجأة أمامها عينيها، وبحركة تلقائية أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما لتنظر إلى يامن، وكأنها تستعد لإخراجه من غموضه إلى قلب العاصفة، تنفست بعمق قبل أن تنطق، وصوتها وإن بدا هادئًا، كان يحمل ندوبًا لم تلتئم رغم مرور السنين:

– قررتُ أنا وهو الانفصال… بعد سنواتٍ من المحاولات التي انتهت جميعها إلى الفشل، كان واضحًا أننا بلغنا النهاية، لكن تلك النهاية لم تكن سهلة، وكانت أكبر معركة خضناها لم تكن بيننا كزوجين… بل كانت على الأطفال، كلٌّ منّا كان يرى أنه الأحق برعايتهم، وأن الآخر عاجز عن تعويضهم، وأنه هو وحده من يجب أن يتولى تربيتهم..

كانت الخلافات عنيفة، وكأننا نحارب على آخر ما تبقى من أرواحنا، لم أرضى بوصول هذا الخلاف للقضاء فمهما كان فقد عشت معه سنواتًا كثيرة أحبه ولا أريد أحد سواه، فلم أستطيع أنه أضعه في ذلك المأزق وخاصة أن النهاية كانت ترحيله لبلده، وهو لا يستحق هذا العقاب أبدًا..

ولم يكن هناك في هذا الصراع منتصرًا… لكننا في النهاية توصّلنا إلى حل، أو على الأقل، ما يشبه الحل..

كلٌّ منّا أخذ طفلًا!

قالت الجملة الأخيرة بنبرة منخفضة، كأنها لا تزال غير قادرة على استيعابها رغم مرور الزمن، أما يامن، فظل صامتًا، لم يعلق، لم يسأل، فقط كانت عيناه تراقبانها بصمت يوشك أن ينفجر إلى ألف سؤال، أكملت، كأنها تحاول ملء الفراغ الذي بدأ يتسع بينهما:

– لم نرغب أن يشعر الأولاد بأنهم فقدوا أحدنا، فقررنا أن يتنقّلوا بيننا، وأن يظل كل منكما يعيش مع أبيه وأمه لكنها لا يريان بعضهما البعض، كان هذا الاتفاق مقنعًا لنا حتى وإن كان ذلك على نحوٍ غير مألوف، استأجر هو شقّة قريبة من منزلي، واتفقنا أن يقيم كل طفل مع أحدنا لأسبوع، ثم يتبادلان المكان..

كانت تجربة غريبة، وأصعب مما تخيلت… طفلان يعيشان حياتهما في حقائب، يتبدّل عليهما السرير كل أسبوع، ويتنقلان بين بيتين، وكأنهما بلا وطنٍ ثابت… لكن حينها، لم يكن أمامنا خيارٌ آخر..

تنهدت، وكأن الهواء بات ثقيلاً في صدرها، ثم مررت لسانها على شفتيها الجافتين قبل أن تتابع بصوت منخفض، كأنها تهمس بسر ظل مدفونًا طويلًا:

– مرّت خمس سنوات على هذا الوضع… خمس سنوات ظلّ الاتفاق قائمًا، لا أدري إن كان كلٌّ منّا راضيًا أم مستسلمًا، كل ما كنت أعلمه أننا نتعامل مع الحياة كما هي، بلا مفاجآت، بلا تغيّرات… إلى أن جاء يوم، انهار فيه كل شيء فجأة..

لقد حنَّ أبيك لي وأراد عودتنا.

قالت الكلمة بمرارة واضحة، ثم ضحكت ضحكة صغيرة بلا روح، قبل أن تميل بجسدها للأمام قليلًا، وكأنها تقترب من ماضٍ كان يجب أن يظل بعيدًا:

– عاد إليّ فجأة، واقفًا على عتبة بابي، وفي عينيه أملٌ ممزوجٌ بضعف، وشيءٌ لم أكن مستعدة لرؤيته، قال إنه سئم الوحدة، وإنه أدرك بعد كل تلك السنوات أننا يجب أن نمنح أنفسنا فرصةً أخرى، وأنه مستعد لنبدأ من جديد، لنجمع شتات العائلة التي فرّقناها بأيدينا..

لكن حين عاد… وجدني قد دخلتُ في علاقة مع رجلٍ آخر.

كانت الجملة كالسهم، اخترقت الصمت الذي كان يلف المكان، ورغم أن يامن لم ينطق، إلا أن أنفاسه تغيرت، وكأن المعنى بدأ يتسلل إلى عقله، يربط الخيوط المتناثرة أمامه بتركيزٍ شديد ويعيد ذكرياته معهما بتدقيق أكبر، ظلت زهرة تنظر إلى الفراغ أمامها وعيناها تهربان من مواجهته، وكأنها تستعد للعاصفة التالية:

– لم يستوعب… أو بالأحرى، لم يستطع أن يتقبّل، شعر وكأنه خُدع، وكأننا لم نكن سوى مرحلة انتظار بالنسبة لي، وأنه كان ينتظر عبثًا، تشاجر معي، وانفجر بغضبٍ لم أرَ مثله من قبل، كأن براكين كانت خامدة في داخله وفجأة ثارت في وجهي أنا..

قال الكثير… أشياء فهمتُ بعضها، وأخرى لم تكن سوى صرخات غضبٍ أعمى، وفي النهاية…

قرّر أن يرحل!

رفعت عينيها إليه، تبحث في ملامحه عن ردّ فعل أو حتى عن حكمٍ فيما قالته، لكنها لم تجد سوى هدوئه الثقيل، وصمته الذي ازداد وطأة، بينما امتلأت عيناها بالتساؤلات...

كانت نظراته عميقة، تحمل بين طياتها عتابٌ كبير ولوم والكثير من الغضب، ومع ذلك لم يطلق لسانه بكلمة، عندها أيقنت أن ما تحكيه لم يكن خاتمة الحكاية كما ظنّت، بل بداية جديدة… بداية لكشف ما ظلّ غامضًا، ولغوصٍ أعمق في فهم ما جرى بين الماضي والحاضر، وما ينتظر أن يحدث بعدها..

تنهدت زهرة مرة أخرى، كما لو كانت تتهيأ للغوص في الجزء الأثقل من القصة، ثم رفعت بصرها مباشرة إلى يامن، وفي عينيها مزيج من المرارة والإصرار، وقالت:

– حينها طلبتُ منه أن يترك لي الطفلين، فأنا أمّهما، وأنا التي تولّت تربيتهما، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، وقال إنه لن يتنازل عنهما أبدًا، وأن عليهما أن يظلّا معه الاثنان ما دمت قد أخترت رجُلًا آخر، حاولتُ معه بشتى الطرق، لكنه كان عنيدًا، لا يرى سوى وجهة نظره.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status