Masukتجمدت الكلمات ولم تصل إلى عقلها مباشرة، وكأنها تائهة بين ما تعتقده وبين ما يراه هو حقيقة، قلبها بدأ ينبض بسرعة أكبر لكن عقلها كان في حالة من الإنكار.. ما الذي يعنيه بكلامه؟! كيف يمكن أن تكون هنا إذا كانت حياتها في مكان آخر؟
حاولت الابتعاد لكن كانت مشاعرها مختلطة بين الفزع والتحدي:
– أأنتَ مجنون؟! هذه ليست حياتي! أعدني إلى حيث كنتُ فورًا!
لكن هو بحركاته البطيئة اقترب أكثر منها كأنما لا يريد أن يرعبها لكنه في الوقت ذاته يعيد فرض سطوته دون أن يبذل جهدًا، حضوره وحده كان يكفي لزيادة سرعة دقات قلبها ورغم محاولتها الابتعاد كانت تزداد قربًا منه...
كان صوته الآن أكثر هدوءًا لكن يلتقط منه ترددًا غريبًا وهو يسأل بصوت رقيق:
– حياتكِ؟! أتسمّين ما كنتِ تعيشينه حياةً يا مَلَك؟ مع ذلك البائس الذي كنتِ ترضين به خطيبًا؟! أهذا الوهم الساذج هو ما اخترتِه لنفسك؟!
شعرت بشيء غريب في الكلمات وكأنها تخفي وراءها شيئًا أعمق، شيء يراهن عليه هو، بينما هي لا تستطيع تفسيره، تراجعت قليلاً وحاولت أن تنفى ما يجبرها قلبها على اتباعه، لكن داخلها بدأ يشك في كل شيء ربما فقط كان هناك جزء من الحقيقة فيما قاله، بالفعل هذه الحياة التي انتزعت منها لم ترغب في عيشها مع رجلٌ بالكاد تعرفه..
نظرت إليه مرة أخرى وعينيها تحملان شيئًا مختلفًا الآن لا يمكنها تجاهله، شيء غريب ربما حبست قلبها طوال تلك الفترة لأجله، لكن شيئًا ما، بل ربما دفء مألوف بدأ يزحف في عروقها فهمست بصوتٍ ضعيف وكأنها لا تصدق ما تراه وقد أعادتها عيناها لسنوات كثيرة مضت:
– لم أختَرْه… ولستُ راغبةً في أن أعيش حياتي معه.
ابتسم، ابتسامة كانت تحمل عمقًا أكبر من أي كلام يمكن أن يقوله وكأن ابتسامته هي الجواب على كل شيء، كانت ابتسامة ليست فقط لتهدئة خوفها بل لتروي كل اللحظات التي مر بها وهو خائف من أن تكون قد تعلقت برجلٌ آخر..
ليدنو منها حتى تقلصت المسافة بينهما للحد الذي ينذره بالخطر وهو يقول لها:
– لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا يا ملاكي.
شعرت بقلبها يخفق بشدة وكل ما كانت تحاول إخفاءه بدأ يظهر في عينيها، تراجعت لكنها شعرت بالخجل، فرفعت يدها ببطء وكأنها تريد أن تلمسه لتتأكد من أنه ليس مجرد حلم، لكن يده هي التي امتدت أولًا بلطف لتلمس خصلات شعرها، كان يريد أن يتأكد هو الآخر أنها ليست مجرد خيال بل واقع انتزعه ليعيشه بعد سنوات من الصمود..
نظرت إلى عينيه وكل شيء آخر اختفى من حولهما، كل شيء، ما عدا هذا الاتصال الصامت الذي يجمعهما..
ثم فجأة وقد شعر بحرارة جسده تزداد بقوة غير مسبوقة، فتراجع قليلاً وأخذ نفسًا عميقًا ونظر إليها مباشرة كأنما يقول كل شيء في نظرة واحدة...
– هل توافقين على الزواج بي؟
كلماته كانت كالصفعة في وجهها وعقلها لم يستطع استيعاب ما سمعه للتو، قلبها توقف لبرهة وكأن الوقت نفسه توقف من حولها، لم يكن هذا سؤالًا عاديًا بل كان إعلانًا لشيء لا يمكن أن يحدث بذات السهولة التي نطقها بها...
- أأنت جادٌّ فيما تقول؟
هز رأسه بإيجاب وعينيه ثابتتين على عينيها وكأن هذه اللحظة كانت قد تجلت في أعماقه منذ زمن...
– لن أكون أوضح من هذا… أريدك معي علنًا، لا هروب، ولا خطف، ولا سرقة لحظات أراك فيها من بعيد… بل زواج حقيقي.
بينما كانت الأجواء من حولهم مشحونة بترقب، لم يكن في المكان سوى صوت أنفاسها المتسارعة وصدى قلبها الذي يبدو وكأنه يردد كل كلمة قيلت، لكنها ورغم الارتباك وجدت نفسها تأخذ نفسًا عميقًا ثم في لحظة مفاجئة قالت بصوت ضعيف لكنه حاسم:
– وأنا موافقة.
وفي ذات اللحظة دخلت الفيلا ضوضاء جديدة وكأنها كانت تنتظر موافقتها، كان صوت سيارات تصطف أمام المنزل، ليتبعه الصوت الذي أحدثه الباب وهو يُفتح بمثابة إشارة لشيء قادم، كانت عيناها تراقبان الحركات القادمة وقلبها يخفق بشكل غير عادي... شعرت بالقلق لكن على الرغم من ذلك كانت تعرف أن هذا هو الوقت الذي كانت تتوقعه...
وبينما كانت تحاول أن تجمع شجاعتها دخل والدها وأمها وأخوها معاذ، التقت أعينهم ببعضهم البعض ليعم صمتٌ ثقيل على الأجواء من حولهم، رأت والدها وهو يخطو إلى الأمام ثم عيونها التقت بعينَي مالك الذي كان يقف بهدوء وقوة خلفها...
أقترب مالك خطوة للأمام وبدون تردد قال بصوت هادئ ولكنه ثابت:
– جئت لأقولها صريحة… أنا أحب ابنتكم، ولن أقبل بغير الزواج بها.
نظر والدها إليه وأجاب بنبرة حازمة، مشددة على الحدود:
– ابنتي لن تكون زوجة لأحد بالقسر… إن لم يكن رضاها كاملًا، فلن يكون الزواج
لكن المفاجأة كانت في رد ملك التي نهضت بسرعة وابتعدت عن المكان الذي كانت تجلس فيه وجاءت الخطوة التي ربما كانت غير متوقعة...
وقفت أمام والدها و قلبها ينبض بشكل غير طبيعي وقد رفعت رأسها بقوة قائلة بصوت ثابت رغم التوتر الذي كانت تشعر به:
– أنا أوافق على الزواج بمالك يا أبي.
كانت المفاجأة في عيون الجميع بينهم والدها الذي تحولت ملامحه من التعجب إلى الصمت، بينما كان معاذ صديقه ينظر إليه ويبتسم له بالموافقة، مالك لم يعبأ بنظرة الغضب في عيني والديها بل ابتسم ابتسامة هادئة، وفقط تراجع خطوة إلى الوراء ليترك ملك تأخذ القرار الذي بدت هي مستعدة له...
لاحت السعادة على ملامحه وكأن قلبه أخيرًا وجد السلام في هذه اللحظة التي كان ينتظرها طويلاً، تراجع خطوة إلى الوراء لكنه ظل يراقبها بعينيه الثابتتين بينما كانت ملك تقف أمام والدها وكأنها قد اتخذت قرارًا جريئًا لن تعود عنه...
تأمل والدها فيها لحظات طويلة حتى أن الكلمات كانت عالقة في حلقه وهو لم يكن يعلم ما الذي دفع ابنته لهذا القرار المفاجئ، لكن قلبه لم يكن ليخفي الحيرة والقلق...
معاذ الذي كان يقف في الزاوية حدق في أخته برضى واستغراب في ذات الوقت وكأنه لم يستوعب الموقف بعد...
أما الأم فكانت تقف بجانب والدها وعيناهما مليئتان بالتساؤلات، لكن كان هناك شيء في عيون ملك لم يدع مجالاً للشك شيء كان يتجاوز كل الحيرة وهو أنها بدت سعيدة للغاية رغم ما حدث له!
حاول والدها أن يتماسك لكن صوته كان يحمل بقايا الارتباك:
– أأنتِ واثقة يا ملك؟ الأمر ليس يسيرًا… إنه قرار مصيري، وليس شيئًا يمكننا أن نعبث به.
لكن ملك التي كانت تعرف تمامًا ما تقوله ردت دون تردد و نبرتها كانت ثابتة رغم الارتباك الذي كانت تشعر به:
– ثقتي به لا تهتز يا أبي… وأنا أعلم أن سعادتي الحقيقية لن أجدها إلا إلى جانبه.
حاول والدها أن يطيل الحديث أن يجد مبررات أخرى ليوقف ما بدا له وكأنه تفكير عاطفي متهور، لكن كلماته كانت تتعثر وهو ينظر إلى وجه ابنته، لم يكن قادرًا على تخيلها في موقف كهذا لكن في أعماقه كان يعرف أن هناك شيئًا غريبًا يحدث بينهما، شيئًا كان واضح كوضوح الشمس، مشاعرهما الظاهرة جعلته يوقن أنه مهما حاول لن يفرقهما...
وفي تلك اللحظة، قطع الصمت الذي كان يخيم على الجميع صوت مالك وهو يقول ولكن هذه المرة كان صوته أكثر حسمًا:
– صدقني يا عمي… وأنت تعرفني منذ زمن، وربيتني بيدك، وتدرك أن كلمتي لا تتغيّر. أقسم لك أنّ ملك لن تندم على قرارها هذا، وسأكون سندها، وأجعل سعادتها وأمانها غايتي ما حييت.
كانت كلمات مالك هذه بمثابة وعد، وعد جاء ليس فقط أمام والدها بل أمام الجميع، كان صوته يحمل قوة حقيقية ولا مجال فيها للشك...
لكن والدها ظل صامتًا لبرهة، ثم تنهد وهو يوجه نظره إلى ابنته، كانت تلك نظرة لا يمكن أن تُخطئ، نظرة تتخللها مشاعر الأب الذي يحب ابنتها ويحاول أن يوازن بين خوفه عليها وبين قناعته أن هذا القرار قد يكون هو الأفضل لها:
– إذا كنتِ مُصرّة، فلن يبقى أمامي سوى أن أوافق… لكن عليكِ أن تدركي جيدًا أنّكِ ستتحمّلين كامل مسؤولية قرارك، وعواقبه مهما كانت.
ابتسمت ملك ابتسامة صغيرة لكنها مليئة بالأمل والتصميم ثم احتضنته هو وأمها بسعادة قبل أن يقترب مالك منها بخطوات هادئة ويضع يده على كتفها ثم التفت إلى والدها وقال بجدية:
– وأنا أعدك بأن أكون مسؤولًا عن كل خطوة في حياتها… وسأكون لها السند والحماية ما دمت حيًّا.
عندما انتهت تلك اللحظة الثقيلة جاء معاذ الذي كان قد يقف في الزاوية طوال الحديث، ليخطو بخطوات ثابتة نحوهم، نظر إلى أخته ومن ثم إلى مالك وعينيه تحملان مزيجًا من السعادة والتفهم، لم يكن متأكدًا من كل ما حدث، كان يجزم أن ملك لن ترضخ له رغم معرفته لحبها الشديد لصديقه ولكنها ابدًا لم تتحدث عنه سوى مرة واحدة منذ سنوات، لذا فقد ظن أنها قد تخطته لتأتي اليوم وتفاجأه بموافقتها على الزواج منه رغم التصرف الجنوني الذي فعله كي يأتي بها لهذا المكان..
وبعد لحظة من التردد قال معاذ بصوتٍ عميق:
– مباركٌ لكِ يا مَلَك… كنتُ دائمًا أعلم أن ثمة شيئًا يجمعكما، وكنتُ أترقّب هذه اللحظة منذ زمن، سأذهب لإحضار المأذون، لكن علينا أن نكون مستعدين لكل ما قد يحدث.
ابتسمت ملك والدموع تتجمع في عينيها، كانت تلك اللحظة مليئة بالمشاعر المتناقضة، كان قلبها مليئًا بالأمل والخوف في آن واحد، لكنها شعرت أن كل شيء يتجه نحو الطريق الصحيح...
لكن أمها لم تكن مشاركة في تلك الفرحة بل كان وجهها يعكس شعورًا من الحزن والرفض، اقتربت منهم وجهها محملاً بالقلق وعينيها مليئة بالتساؤلات ولكنها اقتضبت حديثها في نقطة واحدة مثلها مثل أي أم تريد أن ترى الفرحة في عيون الجميع تجاه ابنتها، فقالت بلهجة حادة:
– وكيف يكون مأذون وزواج من دون أهلك وأقاربك وأصدقائك؟! أريد أن أفرح بابنتي كما يليق، وكفانا ما جرى من فضيحة في القاعة، كيف سنواجه الناس؟ وماذا سيقولون عنا؟
ثم أضافت وهي تحاول أن تخفي دموعها:
– لا يليق أن تتزوجي هكذا من دون عرس، ومن دون استعداد، ومن غير أن يعلم الناس! لستِ معيبة يا ابنتي حتى تهربي من خطبتك وتتزوجي في الخفاء بهذه الطريقة.
لكن ملك التي كانت تتفهم وجهة نظر والدتها بشكلٍ كبير ردت بهدوء وهي تقترب منها وتمسك كلتا يديها بلطف:
– أمي، أرجوكِ... أهمّ ما يهمك فرحتي أنا أم فرحة الناس بي؟! أنا سعيدة هكذا، ولا أريد حفلاً، ولم أكن أريد خطبة من الأساس، وإن تذكّرين فقد وافقت عليها فقط من أجلك.
قبلت يدها وأكملت:
– رجاءً يا أمي... دَعيني أختار حياتي كما تمنيتها.
أمها كانت تود أن ترفض أن تمنعها من هذا القرار، لكن مع كل كلمة كانت تحاول قولها كانت تشعر أن ملك قد اتخذت قرارًا بعيدًا عن خوفها، بعيدًا عن شفقة الآخرين عليها...
أما معاذ فكان يحاول إقناع والدته بصوتٍ هادئ وهو يفكر في الترتيبات القادمة:
– أمي، لا تضغطي على ملك… فهي تدرك جيدًا ما تريد، وسأُحضر المأذون بعد قليل لنُنهي الأمر.
ومع هذا كانت الأم تشعر بثقل ما يجري، كيف سيخبرون الناس؟ كيف سيشرحون اختفاء ابنتها، كيف سيحيكون للآخرين ما حدث؟ كانت الأسئلة تتراكم في ذهنها، بينما كانت عيونها تراقب ملك ومالك كأنها تدعو أن يمر الوقت سريعًا وأن كل شيء يعود إلى ما كان عليه من قبل...
لكن الوقت كان يسير في اتجاه آخر وأسرع من كل الحيرة والتساؤلات..
معاذ الذي كان يراقب الموقف بتأمل شعر بأن هناك شيئًا غير متوازن في الجو وكان يعرف أن الضغط على أخته لن يحل شيئًا ولكنه أرد أن يثبت لهم ما قصه عليهم وهو يقودهم للفيلا التي بها مالك وملك، فقال معاذ بنبرة هادئة لكنه حاسمة:
– وبالنسبة للناس، سنخبرهم بالحقيقة كاملة دون تزييف؛ أن ملك كانت رافضة لهذا العريس، وأننا ضغطنا عليها، وحين شعرت بأنها ستُجبَر لم تحتمل وهربت من الفرح، يا أمي، علينا أن نتركها تعيش حياتها كما تشاء، إن كنّا حقًّا نفكّر في مصلحتها.
نظر الجميع إليه وكان حديثه قد بدأ يأخذ طابعًا أكثر وضوحًا، الأم كانت تراقب ومالك كان يلتقط كل كلمة بتركيز، ابتسم لمعاذ وقد فَهم أنه يخبره ما قاله لوالديها قبل مجيئهم إلى هنا حتى لا يقع هو وملك بكلمة عن أمر الاختطاف، ثم استكمل معاذ حديثه وكأن فكرة الانطلاق قد راسخَت في عقله:
– وبعد قليل يمكننا أن نُعلن أننا زوّجناها لابن الحلال، وأنها تزوّجت وسافرت مع زوجها، وبذلك لا يحق لأحد أن يعاتبنا، وهكذا نُبعد عنها أي ضغط، ونمنحها فرصة لبدء حياة جديدة بلا قلق، الأمر سيمضي بسلاسة بعد ذلك، وبإذن الله سيكون كل شيء على ما يرام.
كان الجو مشحونًا بالقلق لكن كلمات معاذ جعلت الأمور تبدو أكثر واقعية، الأم التي كانت لا تزال تحاول استيعاب الفكرة وقفت صامتة لبعض الوقت كأنها تفكر في كل الاحتمالات التي طرحها ولدها الحبيب الذي يستطيع في كل مرة إقناعها بما يريد، ورغم أن عينيها كانت تملؤها مشاعر من الحيرة إلا أنها لم تجد مفرًا من قبول الواقع الجديد الذي فرض نفسه أمامها...
ملك التي كانت تراقب الجميع بصمت شعرت بمزيج من الفرح والراحة، كانت تود أن يبدأ كل شيء من جديد بعيدًا عن الضغوط و بعيدًا عن تساؤلات الناس، وأخيرًا تأخذ حياتها في اتجاه يعكس اختيارها...
– لقد اتفقنا إذن؟
قالت بصوت هادئ لكن حاسم:
– وأنا أوافق على ما قاله معاذ.
عم الصمت بين الجميع وانطلق معاذ ليأتي بالمأذون واثنان من الشهود الموثوق بهم، لينظر والد ملك لمالك بضيق وهو يقول لها:
– أليس من المفترض أن نتفق على المهر والشبكة وكل تلك التفاصيل؟ أم أن ذلك ليس من حقنا أيضًا؟
اتسعت ابتسامة مالك وهو يتنهد براحة، مدام وصل أبيها لهذه النقطة فلسوف يجعله راضيًا عنه لأقصى درجه، خطى تجاهه ووقف على مسافة كافية منها وهي المسافة التي لا يتجاوزها أحد غيرها، وهو يشير إليها ناحية المقاعد المرصوصة في البهو الكبير قائلًا:
– كل ما تريده سيكون، ما عليك سوى أن تأمر يا عمي.
وفي هذه اللحظة أخذت الأم يد ملك وهو تقول بصوت حانق ومرتفع:
– هل توجد غرفة هنا يمكنني أن أجهز ابنتي فيها؟
وقف مالك قبل أن يصل للمقعد ونظر إليها بهدوء وبذات الابتسامة أجابها:
– في الطابق العلوي، أول غرفة على يمين الدرج.
ثم حول نظره تجاه ملك ليُردف:
– أتمنى أن تنال المفاجأة التي أعددتها لك إعجابك.
سحبتها أمها بلا اهتمام إلى الغرفة العلوية، بينما ارتسمت على وجه ملك ابتسامة خجلة وهي تصعد الدرج ويداخلها حماسٍ مجنون لما ستراه في الغرفة، أدارت المقبض فانفتح الباب لتشهق ملك بفرح وهي ترى كل شيء معدًا لها بعناية...
فستانٌ أبيض يخطف الأنظار، وهناك على الطاولة التي تتوسط الغرفة كل أدوات التجميل الخاصة بالعرائس، بينما قد اهتم هو بتزيين الغرفة بأكملها بالورود والبالونات الملونة بشكل مبهر وخاطف للأنفاس، كل شيء كان جاهزًا لها..
ولكن بالرغم من كل هذا كانت الأم لا تزال تحمل في قلبها مشاعر الحزن وهي غير قادرة على استيعاب ما حدث...
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







