Home / الرومانسية / رجال الله / خطوة في ميراث الدم

Share

خطوة في ميراث الدم

last update publish date: 2026-06-01 06:25:32

لم يكن الفجر قد انسلخ عن ليله بعد، بينما القصـر العتيق يغطّ في سكونٍ مهيب، لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ متسارعة على الرخام البارد، اندفع الخادم بخوفٍ ظاهر، يصعد الدرج العريض بخطى مضطربة حتى بلغ جناح شاهين، ووقف يطرق الباب بارتباك:

• يا سيدي شاهين… قوم بالله عليك، ترى الأمر ما هو هيّن؛ جدّك يطلبك حالاً.

تقلّب شاهين في مضجعه، عينيه المثقلتين بسهرةٍ لم يُغلق فيها جفن، فما زالت صورة غسق تطارده كطيفٍ لا يغيب. جلس على الفراش نصف يقظ، صوته مبحوح:

– خير يا ولَد… وش السالفة؟ ليه جدّي يبيّني بهالوقت؟

فتح الخادم الباب بتردد، ثم انحنى بخشوعٍ وهو يقول:

– والله ما أدري يا طويل العمر، بس الواضح إن السالفة ثقيلة، وجدّك ما يقبل تأجيل.

جلس شاهين على طرف السرير، مسح وجهه بكفه، ونظر للخادم بعينٍ مشدودة وهو يقول له:

– زين… خبر جدي إني چاي الحين.

انتفض قلب شاهين، إذ يعلم أن جده لا يستدعيه عند الساعات الأولى من الصباح إلا في شأنٍ جلل، فارتدى عباءته على عجل، ومضى نحو الباب والخادم يتبعه بخطواتٍ مترددة، والرهبة تسبق أنفاسه وعقله يضج بملايين الاحتمالات التي قد يكون جده طلبه في هذا الليل لأجلها..

خرج شاهين من جناحه الواسع، يمشي بخطواتٍ متسارعة عبر أروقة القصر التي غمرها صمتٌ ثقيل لا يُقطّعه إلا وقع نعاله على الأرض الرخامية، الجدران المزيّنة بسيوفٍ قديمة ورماحٍ ورثها الجعافرة جيلًا بعد جيل بدت وكأنها شاهدةٌ على كل نزاعات الدم التي سُفكت من أجل البقاء..

كان الليل ما يزال يلفّ المكان بظلمته، غير أن مصابيح الزيت المعلقة على الجدران تنثر ضوءًا خافتًا يرسم على وجهه ملامح التوجس..

تقدّم شاهين بخطواتٍ واثقة، لكن داخله كان يغلي بأسئلة لا جواب لها: أيُّ أمرٍ هذا الذي لم يحتمل تأجيلًا؟ وما الذي أراد جده أن يراه من فورِه؟

حتى إذا بلغ الساحة الكبرى، كان جمعٌ من الرجال قد سبقوه إليها؛ وجوههم الصارمة تتوزع بين همسٍ وحذر، وكأنهم يعلمون ما يجهله هو!

رفع رأسه نحو صدر المجلس حيث يجلس الشيخ الكبير، جدّه، بهيبته التي لم يفلح الزمن في النيل منها،

ثم اقترب شاهين، وانحنى قليلًا قبل أن يرفع صوته مخاطبًا جده:

– يا جدّي… علمنا وش اللي صاير؟ وش اللي خلاك تطلبني بهالليل؟

رفع الشيخ عينيه، اللتان كانتا مثل نافذتين كأنهما تُبصران ما وراء السرائر، وقال بنبرةٍ حازمة:

– شاهين… الليلة ما هي مثل كل ليلة، جا وقت تعرف إن دم الجعافرة ما هو لعب، وإن العسيرات عادوا يمدّون ظلهم عالأرض.

ساد المجلس صمتٌ مهيب بعد كلمات الشيخ، صمتٌ ثقيل كأنما يختبر صبر الحاضرين قبل أن ينفجر، ظل شاهين واقفًا أمام جده للحظاتٍ بينما عيون الرجال تتنقل بينه وبين الشيخ الكبير، وكل واحدٍ منهم يعرف أن ذكر اسم "العسيرات" ليس بالأمر الهيّن، فهو كجرسٍ يُنذر بعودة الدماء والعداوات القديمة، لم يتحمل شاهين الوقفة تبك طويلًا وجلس على مقعده جوار جده حتى تكلم أول الرجال، وكان عمّ شاهين، صوته أجشّ كالحجارة وهو يقول لأبيه:

– يا شيخ… حنا ما نهاب حد، ولو العسيرات جابوا رجالهم كلّهم، ترى سيوفنا ما زالت تسقي الأرض دم، ولا نرضى غير العز.

ارتفع صوت آخر، شيخ مسنّ من وجهاء القبيلة، وقد ارتجف شاربه وهو يتحدث:

– لكن يا طويل العمر، العداوة ذي ما تنطفي نارها، لا منّا ولا منهم، وإن عادوا يمدّون يدهم، ترى بينا وبينهم حساب قديم… وحقٍ ما يضيع.

تبادل الحضور النظرات، والهمهمة تعالت في جنبات المجلس، ثم نهض رجلٌ آخر، من أبناء العمومة، عريض الكتفين، وصوته يجلجل:

– يا جدّي… ما ترانا نايمين عنهم، نعرف إنهم يتحركون من جديد، بس ما هو وقت الطيش نبغى نعرف الصدق، وش ورا العسيرات؟ وش غرضهم هالحين؟

حينها ضرب الشيخ الكبير بعصاه الأرض، فارتدّ الصدى كالرعد وسكت الجمع كله حين ارتفع صوته بثبات:

– كلكم تعرفون إن ما بينّا وبينهم دم ما جف، واللي ماتوا ما يرجعون، لكن… اللي جاي أخطر من اللي فات العسيرات مو جايين بس على أرض، ولا على مال… هالمرة جايين على ميراث أكبر من كل شي، ميراث الدم.

انتصب شاهين بنصف جسده الأعلى وهو يحاول التماسك بينما نبضات قلبه تتسارع وهو ينظر في وجه جده، حين أدرك في تلك اللحظة أن ما ينتظره ليس خلافًا عابرًا، بل معركة تُعيد كتابة مصير القبيلتين..

ملامحه جامدة كالصخر، لكن صدره يضجُّ كمرجلٍ يغلي، الكلمات التي سمعها من غسق ما تزال ترنُّ في أذنه كجرسٍ لا يهدأ: العُسيرات...

أيعقل أن يكون القدر قد أوقعه في هذا الامتحان؟! العسيرات، الخصم القديم، الغريم الذي سالت بسببه دماء الأجداد، كيف لفتاةٍ من نسلهم أن تقتحم حياته على هذا النحو، لتصير صورتها متغلغلة في وجدانه، كأنها قدرٌ مكتوب لا يملك له دفعًا؟

شدّ على قبضته وهو يستعيد تاريخ الدم، أصوات الغارات، صرخات الموتى، عويل النساء، والسهام المضرجة بدماء آبائه وأعمامه، كيف له أن يسمح لقلبه أن يلين نحو واحدة من نسلهم؟!

لكن في الوقت ذاته، كلما حاول أن يطفئ صورتها، كلما أقبلت على مخيلته بوجهها المشرق وصوتها الحاد الذي ترك فيه أثرًا غائرًا، أراد أن يكرهها... فلم يستطع، أراد أن ينساها... فعجز..

كان بين عقله وقلبه وادٍ سحيق لا جسر له؛ عقلٌ يذكّره بالثأر، وقلبٌ يأبى إلا أن ينجذب إليها كما ينجذب الظمآن إلى السراب..

أطرق برأسه، يخشى أن يفضحه بريق عينيه المضطرب أمام رجال القبيلة، ثم رفع نظره نحو جده العجوز، وقد بدا صوته من الداخل كصدى من معركةٍ لا تهدأ:

– علِّمني يا جَد… وش دخَل العسيرات بعيال الواقاداب؟

عمّ المجلس وجوم، حتى بدا كأن السقف يطبق على الحاضرين، تنحنح الجد، ثم شبك يديه على عصاه الخشبية، ورفع رأسه ينظر إلى حفيده بعينين غائرتين تحكيان ما عجز اللسان عن قوله، ثم قال بصوتٍ متهدج، يحمل ثِقل السنين:

– يا وليدي… الواقاداب يومها ما كانوا بيرجعون عن الدم، وحلفوا ما يتركون واحد من الجعافرة سالم، نار الثار كانت شعلة ما يطفيها شي؛ يومها ما وِقف بوجوهم إلا العُسيرات، وقالوا لهم إن الخصومة هاذي ما تِنحَل إلا بيدنا، وبهذاك اليوم… كل قبيلة، حتى الواقاداب، سلّموا الكلمة للعُسيرات.

سكت قليلًا، وزفر زفرة طويلة، كأنها تحمل غبار أعوامٍ من المرارة، ثم أردف:

– لكن يا شاهين… ترى اللي ما يعجبني ولا يعجب كثيرٍ منّا… إن اللي تصدّى يومها ما كان كل العسيرات، كان عُسير بذاته، هو اللي كبّ نفسه بين القبيلتين، وقال: أنا اللي بفضّها، ومن يومها صارت الكلمة بيده، ومجلس العرب ما عاد يقدر يخطي خطوة من غير ما يرضى عُسير أو يرفع صوته فيها.

تململ بعض الشيوخ الجالسين، تعابير وجوههم بين استياء قديم وغضب مكتوم، أحدهم هز رأسه ببطء وقال بنبرةٍ خافتة وكأنه يحدث نفسه:

– يا ما خربت هالرجل بقراراته… عُسير ما يعرف يسكت، ولا يعرف يبعد روحه عن صراع ما يخصه.

آخر رد بصوتٍ أثقل:

– لكن العرب رضوا بكلامه ذيك الساعة… ولو ما تدخل، يمكن سال دم الجعافرة والواقاداب للركب.

انحنى الجد بجسده قليلًا للأمام، وضرب بعصاه الأرض بقوة، فارتج المجلس تحت وقعها، وقال بحزمٍ قاطع:

– رضوا… بس ما نسوا، آل واقاداب ما غفروا لنا، ولا الجعافرة شافوا تدخله بيضة بيضا، حتى عيال عمّنا للحين يذكرون إن عُسير عطّلهم عن ثأرهم، هذي وصمة، يا وليدي… وصمة ما تنمسح.

أما شاهين، فكان يسمع كل كلمة كأنها خنجر جديد يغرس في صدره، جسده ما زال ثابتًا بقوة أمام الجميع، لكن قلبه يشتعل نارًا، وعيناه لا تفارقان وجه جده، يبحث فيه عن بصيص رحمة أو تفسير يخفف من حدّة ما يسمعه… ولم يجد إلا الصرامة، وكأن الحقيقة نفسها قد سُطرت بالدم، لا يغيرها الزمان ولا يمحوها النسيان..

كانت وجوه الرجال متجهمة، كلٌّ منهم غارق في ذاكرته بين ماضٍ لم ينطفئ وجراح لم تلتئم، رفع الجد رأسه أخيرًا، وصوته جاء عميقًا، يطرق الأسماع بوقعٍ أثقل من السنين:

– قولوا لي يا عرب… إذا جاكم رسول العسيرات، وش تسوّون؟ تقابلونه؟ ولا تردّونه؟

تبادل الرجال النظرات، ثم تنحنح شيخ من الصف الأول وقال بحرارة:

– نردّه، يا طويل العمر… ما لنا بيهم حاجة، ولا نبي عُسير يتدخل ف صوالفنا، كل مرة يحشر نفسه، ويزيد الطين بلّة.

رد آخر، عريض المنكبين، صوته كالرعد:

– العسيرات؟ لا… وحاشا عُسير! هالرجل ما يجينا بخير، يكفي اللي سواه من سنين لا نبغي منه اليوم أن يوقف الواقاداب عن ثارهم، حنا ما ننسى، ولا نغفر له

تدخل ثالث، وهو يلوّح بيده كأنه يطرد ظلًّا:

– يا جد… نقفل الباب بوجوهم، ونقولها صريحة: ما نبي وساطتكم، الجعافرة يعرفون كيف ياخذون حقهم، والواقادب يعرفون طريقهم، ما يحتاجون لعُسير ولا لغيره.

هز شيخ عجوز رأسه ببطء، وعيناه تقدحان شررًا:

– لو قابلناهم اليوم، بكرا يقولون العرب كلّها بيدهم… وذي إهانة ما نرضاها، لا مقابلة ولا حديث… نردّهم ردّة ما تنسيهم كرامة الجعافرة.

ارتفعت الأصوات في المجلس، بعضهم يضرب الأرض بعصاه، وبعضهم يلوّح بيده تأكيدًا لرفضٍ قاطع، الغضب كان سيد الموقف، وكلهم يجتمعون على أمرٍ واحد: لا للعسيرات… لا لعُسير.

أما الجد، فظل صامتًا يستمع، يراقب وجوه رجاله بعينٍ خبيرة، كأنه يجمع خيوط الإجماع ليصُبها في قرارٍ لا رجعة فيه..

كلٌّ منهم كان يزيد فوق الآخر، حتى كاد صخب المجلس أن يطغى على أنفاس المكان، لكن الجد، وهو شيخ السادة، رفع يده الثقيلة ببطء، فانطفأت الأصوات كما تنطفئ النار حين يُلقى عليها الماء، ساد الهدوء فجأة، ولم يبق إلا أنفاس الرجال المتلاحقة وهم يترقبون..

أدار الجد رأسه ببطء نحو شاهين، نظر إليه نظرة طويلة كأنها تخترق صدره لتبلغ قلبه، ثم قال بصوت عميقٍ يملأ القاعة:

– يا رجال… هَدّوا، خلّوا ولدكم يقول كلمته، وش رايك يا شاهين؟ نسمع منّك، ترى هالدم يخصّك قبل لا يخصّنا.

تحوّلت الأنظار جميعها إلى شاهين، بعضهم يرمقه بتشكيك، وبعضهم بانتظاره، كأن كلمته قد تغيّر وجه المجلس كلّه، هوى الصمت على المكان، حتى هدير الريح خلف جدران القصر بدا كما لو كان ينتظر ما سيخرج من فمه..

ظلّ شاهين في موضعه، والعروق في جسده تضج كطبول حربٍ، والدم يغلي في صدره كجمرٍ متأجّج، يعلو ويهبط مع أنفاسٍ متلاحقة تثقل صدره، كان بداخله صراعٌ عاصف يكاد يمزّقه إربًا؛ غضبٌ يشتعل كالبركان، وكبرياءٌ يتأجّج في عروقه، وعقلٌ يحاول عبثًا أن يطفئ النار بقطرات الحكمة، شعر بالأرض تتأرجح تحت قدميه وكأنها تنكر ثباته، أيُعقل أن يُسمح للعسيرات، وبالأخص ذلك الشيخ "عُسير"، أن يتدخّلوا في أمرٍ ممهورٍ بالدم بين الجعافرة والواقاداب؟ أيُّ جرحٍ يلحق الكرامة أعمق من هذا! وأيُّ مهانةٍ تُحتمل بعد هذه!

لكن، في قلبه كان هناك صوتٌ آخر، أخفت من الهمس، يذكّره بالدماء التي سالت، وبالجد الذي يثق به ويضعه في موضع القيادة يومًا ما، وما بين مطرقة الكِبرياء وسندان العقل، يحاول أن يمسك بخيطٍ رفيع لا يُرى، بين غضبٍ يشعل روحه وواجبٍ يثقل كتفيه وقلبٌ يدفعه إليها..

رفع بصره إلى جده، ورأى في عينيه صبر السنين وصرامة التجربة، فوزن كلماته قبل أن يخرجها وأطلق صوته أخيرًا، بنبرة ثابتة تحمل التحدي والبحث معًا:

– جدي… المرسال اللي جاك وقال إن عُسير بيدخل بيننا وبين الواقاداب… شقال لك؟ شنو الاقتراح اللي جابه معه عُسير لقبيلة الواقاداب؟

سقط سؤال شاهين على المجلس سقوط الصاعقة، فارتجّ المكان بالصمت و التفتت الأنظار كلها إلى الشيخ الجليل، فإذا به يميل برأسه قليلًا إلى الأمام، وعيناه الغائرتان تتفحّصان حفيده كما لو كان يقرأ ما وراء صدره، أطبق شفتيه وأخذ يعبّ من أنفاسٍ ثقيلة، والرجال من حوله يترقبون كلمته، غير أنّه لم يتعجّل..

طال سكوته حتى كاد يُرهق القلوب، لكن في داخله كان يُدرك أنّ شاهين لم يطرح سؤاله عبثًا، وأن حدّة ذكائه قد التقطت خيطًا لم يتنبّه له أحد، لقد رأى في عينيه بريقًا خفيًّا يوحي أنّ وراء السؤال ما هو أعمق من ظاهره، وأن عقله يعمل في مسارٍ لم يُصرّح به بعد..

تنحنح الشيخ، وأطرق برهة كأنّه يُخفي سرًّا لا يريد أن يبوح به أمام الجمع، ثم رفع رأسه ببطء وهو يقول بنبرةٍ متمهلة، تحاول أن تُخفي أكثر مما تُظهر:

– يا وليدي شاهين… المرسال ما جاب إلا اللي هو معتاد يجيب مثله، قال إن عُسير ما بغى غير الصلح، وطلب منّا نطفي دم الثأر قبل لا يكبر ويجرّ وراه دمٍ أعظم.

تحركت لحية الجد البيضاء مع كلماته، كأنه يقلب كل حرف في فمه قبل أن يُطلقه، وكأنّ وراء العبارة بحرًا من الأسرار لم يُبح به، ثم تابع ببطء، وهو ينظر في وجوه الرجال واحدًا واحدًا دون أن يُثبت عينيه على شاهين طويلًا:

– قال إن العسيرات يشوفون في حلّ النزاع سترٍ للعرَض، وحفظٍ للوجه، وكفّ للبلوى عن العرب كلّهم… كلام فيه من المعسول ما يُسمع، لكن ما هو بجديد على كل مرسال يبغى يهدي النفوس.

هز رأسه، وعاد ينظر إلى الأرض أمامه، وكأنه يتهرّب من عينَي حفيده، ثم أضاف بصوتٍ خافتٍ لكنه واضح:

– هذا اللي جابه المرسال، وما زاد عليه بشيء.

ومع ذلك، كان في نبرة الشيخ ما يوحي أن بين ضلوعه كلامًا آخر لم يُخرجْه، وأنه يُدرك أكثر مما باح، لكنه آثر أن يُبقيه طي الكتمان أمام الجمع..

تسلّلت خيوط الفجر الأولى من شبابيك المجلس العالية، ترسم على الجدران خطوطًا متكسّرة من نورٍ باهت، تحاول تلك الخطوط أن تبدّد ما علق في الأجواء من غبار الليل وثِقَل الهموم، كان السكون يخيّم على المكان، لا يُسمع إلا أنفاس الرجال المتقطّعة، وأنين الخشب تحت وطأة الجالسين..

ساد المجلس صمتٌ طويل بعد كلمات الشيخ، وكل صدرٍ فيهم يرزح تحت عبءٍ لا يُحتمل…

تبادل الرجال النظرات، بعضهم يهز رأسه مستسلمًا، وبعضهم يعضّ على شفتيه غيظًا، لكن ما من أحدٍ جَرؤ أن يُكمل الجدال..

رفع الشيخ يده إشارةً للختام، وصوته يجلجل بوقارٍ لا يُرد:

– كفاية حديث لليوم… كلٍّ يروح لشغله.

وقف الرجال واحدًا تلو الآخر، حنوا رؤوسهم احترامًا، ثم خرجوا ببطء، والهمس يتبع خطاهم في دهاليز القصر..

لكن شاهين ظل جالسًا، لم يتحرك وعيناه شاخصتان أمامه، بينما وجهه متصلّب، وصدره يعلو وينخفض بأنفاسٍ كاتمة، لم يلتفت نحو الخارج، ولم يُبدِ أي نية للقيام..

أدرك جعفر الأمر، فأطال النظر إليه من عليائه، دون أن ينطق بكلمة، وفي عينيه بريق حذر وشيء من الاستفهام، أما شاهين فقد غرق في سكونٍ ثقيل يخفي وراءه طوفانًا من الشكوك والأسئلة التي لم يجد لها جوابًا بعد..

ظلّ الشيخ جعفر مطرقًا برأسه، أصابعه تعبث بلحيته الكثّة، حتى صار الصمت أثقل من الكلام، والأنفاس متقطّعة كأنها تتهيّب الخروج..

رفع شاهين بصره نحو جدّه، وفي عينيه حدّة لم يفلح في إخفائها:

– يا جَدّي… المرسال اللي جاب خبر تدخّل عُسير، ما قال لك وش كان اقتراحه؟

ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة، تحمل في طيّاتها الغموض أكثر مما تحمل من طمأنينة:

• يا ولدي، قد جاوبتك.

ارتجف فكّ شاهين وهو يحدّق في جدّه بصلابة، ثم ردّ بنبرةٍ تُشبه وقع السيوف:

– جاوبتني باللي ودّك نسمعه… وأنا أبغى الجواب اللي ما نطقت به بعد.

ساد الصمت لبرهة، والشيخ جعفر يحدّق في حفيده بعينين عميقتين، كأنهما تغوصان في أعماقه لتكشف ما يُضمره، شدّ يده على عصاه، وانحنى قليلًا للأمام، ثم بصوتٍ ثقيلٍ ينزل كالصاعقة قال:

– يا شاهين… عُسير ما جا غير باقتراحٍ يهزّ الجبال… قال: ما يصفّي الدم إلا عروس الدم.

تسمرت الملامح في وجه شاهين، كأن الأرض جمدت تحته، والأنفاس توقفت في صدره، بينما اتسعت عيناه بذهول حتى صار قلبه يخبط في ضلوعه خبط الطبول!

ارتجّت أفكاره كعاصفة هوجاء، ودوّى في رأسه صدى الكلمة: عروس الدم…!

إنها ليست سوى عهدٍ ثقيل، لا يُمحى إلا بالدم أو النسب؛ فإن كان قاتل سعدون من آل جعفر فليتزوّج من آل واقاداب، وعليه فليُعطَ بنتًا من نسل الجعافرة للواقاداب كي تعيش ذليلة وخادمة في بيت عائلتهم!

لكن النار التي تلسع صدره لم تكن من غرابة العرف، بل من اليقين الموجع الذي لا يفارقه: هو نفسه قاتل سعدون!

فكيف يُعقل أن يكون هو العريس المفترض لعروس الدم؟!

أي جنون هذا الذي يجرؤ عُسير على اقتراحه؟! وأي قيدٍ يريد أن يُلقيه في عنقه، وهو الذي ما زال الدم عالقًا في يديه، وما زال صدى صرخة سعدون يطارد ليله ونهاره؟

شعر بعرقه يتصبب رغم برودة الفجر، وغصّة ثقيلة تعلو حلقه، بينما عينيه تسترقان النظر إلى جدّه، يفتش بين قسمات وجهه عن سرّ يخفيه، عن جوابٍ أعمق من الكلمات التي نطقها..

لكن الجد ظل ثابتًا، عيناه تلمعان بوقار شيخٍ يعرف أن كل كلمة تُلقيها الريح قادرة أن تشعل حربًا أو تطفئ نارًا..

أما عن شاهين فكان في عينيه ظلامٌ لم يعد به يرى الفجر، بل ليلًا طويلًا، أسود كالهاوية، يمتد أمامه بلا نهاية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status