LOGINكان القصر غارقًا في سكونٍ مهيب، والليل يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يطلّ الفجر، كانت غسق تخطو بخفةٍ على أطراف قدميها في الممر الطويل المؤدي إلى غرفتها، قلبها يخفق كطيرٍ حبيس يحاول الإفلات من قفصه الذهبي، لم يكن النوم يعرف طريقًا إليها منذ أيام، وأثقلتها الأفكار والهموم التي تلاحقها في كل زاوية، خطوات غُسق كانت حذرة وهي تشقُّ أروقة البيت الكبير، كمن يحاول الهروب من جدارٍ يراقبه، أرادت أن تنسحب إلى غرفتها بعيدًا عن العيون، لكن القدر كان لها بالمرصاد..
من آخر الرواق، برز يمان، طويل القامة، عريض المنكبين، يحمل في نظراته شيئًا من غربة رجلٍ عاش بعيدًا وعاد ليجد الأرض غير الأرض، توقف أمامها، والضوء الخافت يتسلل من خلفه، يرسم ملامحه كطيفٍ مفاجئ، وهو يقول لها بصوت منخفض لكن فيه حدة لا تُخفى:
• إلى أين تمضين يا غسق في هذه الساعة؟ الليل ما زال مخيمًا، وأهل الدار جميعهم نيام.
ارتبكت للحظة ويدها تقبض على ثوبها، لكن كبرياءها لم يسمح أن يظهر الضعف في عينيها، فرفعت رأسها وقالت بثبات:
– ما يخصّك يا يمان… أنا أعرِف دربي.
اقترب منها بخطواتٍ ثقيلة، عيناه تُحدّقان في وجهها كمن يحاول أن يقرأ ما تخفيه:
• لا، بل يخصّني… وما في هذا الدار يخصّ كل ابنٍ من نسل عسير، الغربة لم تُنسني أنّ لي عينًا ترقب، ولسانًا يسأل.
توقفت غسق، وقلبها يخفق أسرع مما ينبغي، والليل يوشك أن ينقشع عن سرّ أكبر من قدرتها على إخفائه…
اقترب يمان خطوة منها، عيناه تحملان يقظة غريبة في هذا السكون:
• غُسق… أين كنتِ في مثل هذه الساعة؟ إن القصر بأسره غارقٌ في النوم، وأنتِ تتسلّلين بين الممرات.
ترددت غُسق قليلًا، ثم رفعت ذقنها بثباتٍ مُصطنع، وقالت:
— ما كنت إلا بالحديقة يا يمان… الليل طال وما جاني نوم، قمت أطرد وحشتي بين الشجر.
توقّف يمان أمامها، وحدّق مليًّا في ملامحها المتوترة قبل أن يقول بصوتٍ هادئٍ يحمل مسحة قلق:
– ما بكِ يا ابنةَ عمي؟ أرى الهمّ يثقل عينيكِ، كأنكِ تحملين ما لا يُحتمل، هَلُمّي بنا إلى الحديقة، فالليل أستر لحديثٍ يخرج من الصدر، احكي لي، فلعلّ في قلبي متّسع لهمّك.
ترددت غُسق، واضطربت نظراتها أكثر، كأنها عالقة بين جدارَي صمتٍ خانقٍ وكلامٍ تثقل به الروح، غير أنّ نبرة يمان الصادقة، وعينيه المليئتين بالعطف، سكّنت شيئًا من قلقها..
هي تعرف أنّها بحاجة لأن تُخرج بعض ما يضجّ في صدرها، ولن تجد من يُحسن الإصغاء مثل يمان ابن عمها الذي نشأ بعيدًا عن صحرائهم وعاداتها، فلا يحمل في عقله ما تربّت عليه بقية القبيلة..
زفرت ببطء، ثم أومأت برأسها، قبل أن تهمس باللهجة البدوية، كمن تستسلم أخيرًا:
– خلاص… خل نروح للحديقة.
خرج الاثنان من ممرات القصر الهادئة، والليل يكسو أرجاءه بسكونٍ ثقيل، لا يقطعه سوى وقع خطواتهما على الأرضية الحجرية، أضواء المشاعل المعلقة على الجدران ألقت بظلالٍ متراقصةٍ على وجهيهما، حتى وصلا إلى الحديقة الداخلية التي غمرها نسيم الفجر البارد، تتلألأ فيها قطرات الندى على أوراق الياسمين..
جلس يمان على المقعد الخشبي ودعها للجلوس بجواره، ثم ونظر إليها مليًّا وصوته يحمل دفئًا ممتزجًا بجديةٍ عميقة:
— غُسق… أخبريني، ما الذي يثقل قلبكِ إلى هذا الحد؟ وجهكِ يشي بما تُخفين، وعيناكِ تخونان سركِ.
انخفضت عيناها إلى الأرض، وأصابعها تعبث بوشاحها، ثم أجابت ببطء، بصوتٍ مبحوحٍ كأنها تُخرج الكلمات من صخرة:
— يا يمان… الروح مثقّلة، والليل ما عاد يرحم، والدار تحاوطها أسرار ما يقدِر الواحد يشيلها بروحه.
حدق بعينيها ونبرته اصبحت أكثر إصرارًا ولكن دون قسوة:
— أنا ابن عمكِ، ولستُ غريبًا عنكِ، احكي، ودعيني أحمل عنكِ بعض هذا الحمل. أريد أن أفهم ما يجري، وإن صمتِّ، فستلتهمكِ هذه الهموم.
رفعت غسق بصرها إليه لحظة، وفي عينيها شرارة خوفٍ ممتزجٍ بعناد، ثم تمتمت:
— تظن إنك تقدر تفهم يا يمان؟ اللي يجري بين العسيرات والجعافرة والواقاداب ما ينحكى لحد، واللي ينطق كلمة يضيع عمره ثمنها.
كانت الحديقة غارقة في السكون، والنسيم البارد يحرّك أوراق الشجر بحذرٍ كأنّه يشاركهما ما يُقال، اعتدل يمان على المقعد الحجري الموجود تحت شجرة زيتون، وأشار إلى غسق وهو لا يفهم سر توترها وقلقها، بينما عيناها مضطربتان امامه بطريقة جعلته يقول لها بهدوءٍ يخفي وراءه صرامة:
– غُسق، ما شأنكِ أنتِ بما يجري بين القبائل؟ أنتِ ابنة هذه القبيلة، وما يُدبَّر بين الرجال شأنهم هم، لا شأنكِ أنتِ.
ارتبكت، وبدت على محياها علامات التردّد، أصابعها تقبض على طرف ثوبها بعصبية، ثم تمتمت بصوتٍ متقطّع:
– أنا… ما لي دخل يا يمان… بس سمعت، سمعت شي ما يتركني أنام.
ارتفع حاجباه بدهشة، واقترب منها قليلًا، وصوته يزداد جديّة:
– ماذا سمعتِ؟ قولي بوضوح.
ترددت لحظة، ثم عضّت على شفتها السفلى، قبل أن ترفع عينيها نحوه وتقول بصوتٍ مُختنق كأن الكلمة تشعل النار في حلقها:
– سمعتُ إن جدّي عُسير… اقترح على آل واقاداب ينهون دمهم… بـ عروس الدم.
صُعق يمان، وجسده انتصب فجأة، وحدّق فيها بعينين متسعتين:
– عروس الدم؟ ما معنى هذا؟ فسّري لي.
أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تُلقي بنفسها في هاوية، ثم شرحت ببطء، تقطع كلماتها خوفًا من وقعها:
– يعني… القاتل اللي قتل سعدون… اللي هو شاهين ولد الجعافرة… يتزوّج بنت من آل واقاداب، ويصير نسب بينهم، وفي المقابل… بنت من بنات الجعافرة تروح لآل واقاداب، تتزوّج رجال منهم.
ابتلع يمان ريقه بصعوبة، وصوته ارتجف قليلًا:
– وهذا يُنهي الثأر؟
أومأت برأسها، وعيناها تغيمهما دموعٌ محبوسة:
– إيه، يذوب الدم في النسب… بس يا يمان، مو زواج عادي، بنت آل واقاداب تروح ملكة، مرفوعة الراس، واللي من الجعافرة تروح خادمة عندهم، مكسورة بين أيديهم… هيك الاتفاق. عروس تردّ دم بعز، والثانية تردّه بالمهانة.
غاص قلب يمان في صدره، وشعر بقبضة من حديد تطبق على روحه، ظل صامتًا للحظة، يحدّق في غُسق التي كانت تكتم شهقتها بصعوبة وهي تتخيل شاهين بين أحضان صديقتها، فردد يمان بصوتٍ خافتٍ أشبه بالهمس:
– يا الله… أي عقلٍ يقبل بهذا؟ زواج دمٍ يطفئ ثأرًا؟ يبيعون البنات كأنهن ثمنٌ للدماء؟
خفضت غُسق بصرها، وتمتمت كأنها تكلم نفسها:
– هذي حياة البدو يا يمان… الدم يجرّ دم، وما يوقفه إلا دم غيره… أو امرأة تنباع عشان رجالهم يعيشون.
ظل يمان ساكتًا برهة، عيناه مثبتتان في الأرض والهمّ يثقل جبهته، ثم رفع رأسه فجأة، ونظر إلى غُسق بصرامة، وصوته حادّ هذه المرة:
– وأنتِ ما دخلكِ بكل هذا؟ لماذا تهتمين بأمرٍ لا يعنيك؟
ارتبكت، وشعرت بحرارةٍ تصعد إلى وجهها، وتعثرت الكلمات على لسانها، فخفضت بصرها وقالت متلعثمة:
– أنا… أنا ما لي دخل يا يمان… بس البنات من العيلتين… صديقات، كيف ما يهمّني؟! اللي يصير إلهم كأنه يصير إلي.
ظلّ ينظر إليها طويلًا، كأنه يفتش بين كلماتها عن معنى مخفي، والشك يتعمّق في صدره، ثم تنهد ببطء، وصوته صار أكثر هدوءًا لكن لا يخلو من الريبة:
— صحابكِ… أم هناك ما تخفينه يا بنت العم؟
شدّت ثوبها بيديها المرتجفتين، تفرّ من ثقل نظرته، وقالت بخفوتٍ متحشرج:
– قلت لك اللي عندي… وزود ما عندي.
وقفت زهرة عند شرفة الممر الخاص بها، عينيها مركّزتان على يمان وغسق في الحديقة، تحاول أن تفهم كل حركة لهم، وكل نظرة تتبادلها الفتاة مع ابنها، كان قلبها يضطرب بين القلق والفضول، وهي تراقب بتمعّن شديد ولم تنتبه لخطوات خلفها حتى اقترب عُسير، وصوته مشحون بالغضب:
– يا زهرة! هل تظنين أنني تجاوزت تدخّلكِ في أمر ولدك يمان بلا إذني!
التفتت إليه بثبات، نظرة تحدٍّ في عينيها، وصوتها هادئ لكنه حاد:
– يا شيخ عُسير… أنت تعرف حدودي جيدًا، لن أتراجع عن كلامي، وما يخص يمان ويامن هو قراري أيضًا.
ابتسم عُسير ابتسامة مليئة بالقوة والتهديد، عيناه تلمعان بالغضب المكبوت:
– ها… واضح إنك ما زلتِ على عنادك، كل خطوة يا زهرة محسوبة، وأي تجاوز منك راح يجيبلك مشاكل أكبر مما تتصورين.
وقفا مقابل بعضهما، الشرفة الضيقة كانت مسرحًا لتلاقي قوة المرأة بعنفوانها مع نفوذ الرجل العجوز المهيب، حيث كل منهما يمثل تاريخًا وحاضرًا ممتزجين بصراع غير مرئي..
اعتدلت زهرة بخطى واثقة ونظرة تحدي صلبة، لم تتراجع عن وقفتها، بينما عُسير، بابتسامة نصفها استهزاء ونصفها تحكم، يراقب كل حركة لكل شفة وكل طرف عين..
ابتسم عُسير ببطء، صوته خشن ومشحون بالقوة:
– يا زهرة… تحسبين إنكِ إن فعلتِ شئ بحق ولدي يمان يمر من دون حساب؟
نظرت له زهرة بعزمٍ لا يلين، ترد بصوت واضحٍ يملأ الجو:
— أنا لا أخشى حسابك، يا شيخ عُسير، وقد تعلمتُ منذ زمن طويل أن أواجه من يظن أنه أكبر مني، والأثنان أبنائي وبالطبع لن أؤذي أحدٌ منهم.
ألقى عُسير نظرة طويلة صوبها، يزن كلماتها وجرأتها، ثم هز رأسه قليلاً، كما لو كان يقر بجرأتها، لكنه لم يخفِ غضبه:
• الجرأة وحدها لا تكفي، يا زهرة… الولد الذي تهتمين به قد يخطئ، وأنتِ ستسجلين التاريخ بقوتك أو بسقوطك.
أبقت زهرة عينيها ثابتتين على عينيه، ثم صمتت لحظة، ونطقت بهدوء لكن بحدة:
• ليست قوة يامن وحده ما يهم، بل من يقف خلفه ومن يعلمه… وأنا هنا لم أترك شيئًا للصدفة.
ابتسم لها ابتسامة خبيثة، ثم أدار رأسه ببطء نحو يمان وكأنه يلمّح إلى أن اللعبة لم تنته بعد، ثم عاد ينظر إليها:
• يظهر إن يمان لقى بنت عمه زي ما أنا كنت أبغى.
لم تتراجع زهرة ومع كل كلمة من كلمات عُسير كانت تزداد ثقتها، وهي تعرف أن مواجهة النفوذ بالقوة العقلية والصبر أحيانًا أقوى من أي تهديد..
فرمقته زهرة بنظرة حادة، ثم استدارت بخطوات ثابتة نحو نهاية الشرفة، وقالت بصوت حازم وواضح:
• انسَ ما في ذهنك يا شيخ عُسير… فقريبًا أنا ووالداي سنعود إلى بلدنا.
خطواتها كانت رتيبة، وكل خطوة تحمل تحديًا وإرادة قوية، بينما وقف عُسير ويده على عصاه يراقب ابتعادها، وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهه رغم غضبه، وكأن الصراع بين نفوذه وإرادتها لم ينتهِ بعد..
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته