共有

مملوكة لهُ

last update 公開日: 2026-06-01 06:24:50

كان الليل قد انقضى، والفجر انشقّ منذ ساعات، غير أنّ الغرفة ما زالت غارقة في سوادها، لا نافذة فيها ولا أثر لضوء، كان مالك يجلس في منتصفها، كتمثال أُرهق بالانتظار، عيناه غائرتان من سهرٍ لم يعرف النوم طريقه إليه، تحدّقان في شاشات متراصّة لا تكفّ عن بث صور الحطام، وأصوات المراسلين التي تتقاطع بين الاتهامات والتكهّنات..

حتى فُتح الباب بصريرٍ خافت، ودخل حمزة بخطوات متردّدة، يحمل على وجهه مزيجًا من التعب واليقظة، انحنى قليلًا، ثم قال بصوت خافت ولكنه حازم:

• سيدي... لقد بدأت أجهزة المخابرات تحرّياتها رسميًّا.

تحرّكت عين مالك ببطء نحو حمزة، ثم ارتفع رأسه كمن يزيح عن صدره ثِقلاً كاد يخنقه، ارتسمت على محيّاه ابتسامة واهنة، وقال بلهجة ثابتة:

• "إذن... لقد ابتعد الخطر عنا واللعبة تسير كما أردنا، ولن تصل إلينا أي تهمة.

ساد صمت قصير، قطعه مالك بنبرة متأنّية، أقرب إلى الهمس:

• الجرحى... الذين أُخرجوا من السوق، كيف حالهم؟

اقترب حمزة خطوة إلى الأمام، ورفع صوته قليلًا:

• الإصابات متوسطة وخفيفة، جميعهم أحياء.

أغمض مالك عينيه لحظة، ثم فتحهما وقال:

• هل سقط ضحية غير الخمسة الذين فجّروا أنفسهم طواعية؟

أجابه حمزة ونظراته لا تفهم ما يدور في عقل سيده:

• لا، يا سيدي... لم يُقتل غيرهم.

تراخى كتفا مالك، وبدت على ملامحه راحة عابرة، قبل أن يسأل بصوتٍ منخفضٍ ولكنه قاطع:

• والصغار؟

تردّد حمزة برهة، ثم أجاب بسرعة:

• الأطفال بخير، لم يُصب أحدهم بجراحٍ بالغة ولا يوجد وفيات بينهم، والكل تحت الملاحظة.

في تلك اللحظة، زفر مالك نفسًا عميقًا، امتدّ صدى أنفاسه في الغرفة كأنها تنفّس حياةً جديدة، أطرق برأسه، ثم ارتسم على وجهه شيء أقرب إلى الاطمئنان، وقال ببطء، وكأنه يخاطب ذاته لا سامعه:

• جيّد... هذا يكفيني.

ظلّ صوته معلّقًا في الجو، بينما عيني حمزة تحدّقان فيه بدهشة صامتة؛ أيعقل أن الرجل الذي يحرّك الدماء كأحجار على رقعة، يحمل في صدره خشيةً على أطفالٍ لم يعرف أسماءهم؟

ظلّ حمزة واقفًا، يتأمل مالك بصمت، ثم اقترب خطوة أخرى حتى جلس على المقعد أمام المكتب وقد عقد حاجبيه، وكأن شيئًا في صدره لم يعد يحتمل الكتمان وقال بنبرة يغلّفها التردد، لكنها مشحونة بالقلق:

• سيدي... اسمح لي بالسؤال، كيف استطعت أن تقنع العالم بأن الأطفال والنساء والشيوخ في السوق قد قُتلوا؟! الصور التي تبثّها القنوات تعجّ بالأشلاء والدماء... من أين جاءت كل تلك الجثث؟!

رفع مالك رأسه ببطء، وعيناه لا تحملان سوى ثباتٍ بارد، قبل أن يجيبه بصوتٍ واثق:

• أنت يا حمزة تنظر إلى ظاهر الصورة... أمّا باطنها فلا يراه إلا من صنعها، أنا لم أترك شيئًا للصدفة، ما تراه على الشاشات ليس حقيقة، بل حقيقة مصنوعة، مقاطع مركّبة، صور مُجمّلة، وجثث أُعدّت مسبقًا لتكون وقودًا لهذه المسرحية.

ارتبك حمزة، لكنه لم يصمت، بل تابع بدهشة أشد:

• لكن يا سيدي... العالم الخارجي قد يُخدع بما يُعرض أمامه، نعم... لكن كيف اقتنعت سيارات الإسعاف، ورجال الطوارئ، والشرطة، وحتى المخابرات التي كانت في المكان؟ هؤلاء لمسوا الأرض، ورأوا بأعينهم!

ابتسم مالك ابتسامة دقيقة، كمن يبتسم على سذاجة طفل، ثم انحنى للأمام وقال بصوت خافت لكنه يحمل وقع المطرقة:

• وهل تظن أن أولئك الذين جاؤوا إلى السوق بعد الانفجار بدقائق معدودة جاؤوا عن طريق الصدفة؟ لقد رُسمت أدوارهم قبل أن تطأ أقدامهم المكان، الطواقم التي دخلت أولًا لم تكن إلا أيادينا... أطبّاءنا، رجالنا، المصورون خاصّتنا، أما بقية الأجهزة، فما وصلها لم يكن إلا ما أردناه أن يصل.

تراجع حمزة بجسده إلى الوراء، و اتسعت عيناه بدهشة أكبر، كأنه للمرة الأولى يُدرك حجم الشبكة التي يديرها مالك..

نهض مالك من مقعده ببطء، وألقى بنظرة جانبية نحو شاشات الأخبار التي ما زالت تبث صور الفوضى والدماء، ثم قال بهدوءٍ يخلو من أي ارتباك:

• التاريخ يا حمزة لا يكتبه من يرى الحقيقة... بل من يصنعها، ونحن... صنّاعها.

تردّد حمزة لحظة، ثم شدّ على قبضته وقال بصوت أكثر جرأة:

• لكن يا سيدي... ماذا عن الشرطة الحقيقية؟ والمخابرات الحقيقية؟ والإعلام المستقل؟ لا يمكن أن تبقى الحقيقة مدفونة إلى الأبد... سيخرجون يومًا ليقولوا إن ما حدث كان مجرّد مسرحية، وإن القتلى لم يتجاوزوا خمسة فقط، وإن باقي ما وُصف بالمجزرة لم يكن سوى إصابات طفيفة!

ارتسمت على وجه مالك ابتسامة واسعة هذه المرة، ابتسامة رجل يعرف أنّ كل سؤال قد خُطط له قبل أن يُطرح، وقف خلف مقعده واستند عليه بكلتا مرفقيه وهو يقول بنبرة حادة، لكنها مشبعة بالثقة:

• نعم، سيقولون، سيخرجون على شاشاتهم، سيعقدون مؤتمراتهم، سيعرضون تقاريرهم الطبية، وسيكررون أن كل ما جرى لم يتجاوز خمس جثث وأشلاء متناثرة هنا وهناك... لكن أخبرني أنت:

مَن سيصدقهم؟

سكت لحظة، ثم رفع سبابته إلى الأعلى وهو يطرق بكلماته كالسيف:

• اللقطة الأولى يا حمزة... هي التي تترسخ في الأذهان، الدماء التي عرضناها، صرخات النساء، صور الأطفال المغطّين بالغبار... ومن قبلها سيُعرض عليها المقاطع المصورة قبل المجزرة بدقائق، ستتلوها الأخبار والصفحات على مواقع التواصل تحت عنوان ( هؤلاء هم ضحايا الانفجار قبل الحادث بلحظات) وبجوار الجملة ملصقٍ يبكي بحرقة وتعليقٌ مميز يتكرر جوار أشلاء الضحايا من الأطفال حتى يُحفر في أذهان الناس..

( بأي ذنبٍ قُتلت)

هذه هي الحقيقة التي ستعيش في وعي الناس، أمّا ما ستقوله الشرطى أو المخابرات بعد ذلك فلن يتجاوز همسًا يُبتلع وسط ضجيج الإعلام الموجَّه..

هزّ حمزة رأسه ببطء، وعيناه تتسعان كمن بدأ يدرك المعادلة لأول مرة، ثم قال بصوت خافت:

• إذن... الحقيقة لا تهم.

تحرك مالك من خلف مكتبه وخطى تجاه الشاشة الكبيرة المعلقة أمامه حيث كان العالم كله ما يزال يتداول صور الفاجعة المصطنعة، ليخرج صوته كالهمس المُزلزل:

• الحقيقة يا حمزة... تُدفن تحت أول كذبة تُروى بصوتٍ أعلى، ونحن من يملك الصوت الأعلى.

ثم استدار مالك نحو حمزة وقال ببرودٍ قاتل:

• هكذا تُصنع الحروب... وهكذا يُقاد العالم.

مدّ مالك يده إلى جهاز التحكم، وبحركةٍ حاسمة أطفأ الشاشات التي ظلّت تبثّ صور المجزرة المصطنعة طوال الليل، خيّم صمت ثقيل على الغرفة، لا يُسمع فيها سوى أنفاس حمزة المتقطّعة كأنها محمّلة بعشرات الأسئلة التي لم يجرؤ على طرحها بعد..

عاد مالك إلى مقعده، وفردّ رداءه الأسود على كتفيه، وهمّ بالمغادرة، لكن صوت حمزة أوقفه، مشوبًا بالقلق:

• سيدي... والرجال الذين ظهروا على الشاشات؟ هل يعقل أن المخابرات لن تتمكّن من تعقّبهم؟

توقّف مالك في منتصف الطريق، لم يلتفت، لكن صوته خرج واثقًا، قاطعًا:

• لا تقلق يا حمزة، لم يظهر وجه واحد منهم، كلّهم كانوا

خلف الكاميرات وكل تفصيله حُسبت بدقّة، لا بصمات، لا هويات، ولا أثر يمكن أن يُمسك به أحد.

تردّد حمزة لحظة ثم أضاف:

• وماذا عن المذيعين... عن القنوات الكبرى التي نقلت البث؟ ألا يُمكن أن يُسألوا عمّا بثّوه؟

التفت مالك أخيرًا، وابتسامة باردة تزيّن ملامحه:

• لم يرتكبوا خطأ، هم نقلوا حدثًا جرى أمامهم، وكل ما ظهر على شاشاتهم كان واقعًا مصوّرًا، الإعلام لا يُحاسَب يا حمزة... بل يُستَخدَم. ونحن قد استخدمناهم من حيث لا يشعرون.

ثم مدَّ يده إلى الزر الصغير بجانب الجدار، فانفتحت الخزانة الحديدية خلفه ببطء، كاشفةً عن صفوف من الحقائب السوداء المرتبة بعناية، تحرك مالك نحوها، وسحب إحداها إلى الطاولة، ثم الثانية والثالثة حتى اكتمل صف طويل أمامه..

انحنى قليلًا فوقها، وأخذ يضع بطاقة صغيرة على كل حقيبة، وقد كُتب عليها بخطّ واضح اسم صاحبها، أدار بصره نحو حمزة الذي كان يتابعه بعينين متسعتين من ثقل المشهد، ثم قال ببرود آمر:

• هذه حصصهم... أموالهم كما وُعِدوا، كل حقيبة ستذهب إلى صاحبها، لا تُخطئ في التوزيع يا حمزة.

ثم تناول حقيبة أخيرة، ورفعها بيده نحو حمزة، وملامحه لم تتغيّر:

• وهذه حصتك يا حمزة، خذها وتمتع بما فيها فقد أتممت عملك كما ينبغي.

كان حمزة ما يزال واقفًا أمام الطاولة التي تكدّست فوقها الحقائب السوداء، يتأمل البطاقات المثبتة على كل حقيبة، قبل أن يرفع رأسه فجأة ويسأل بصوتٍ خافتٍ متردد:

• سيدي... ذلك الرئيس الذي طلب تنفيذ هذه العملية، إن علم أنّ التفجير لم يكن حقيقيًّا كما ظهر للعالم... ماذا سيكون ردّ فعله؟

أطلق مالك ضحكة قصيرة جافّة، ثم أرخى كتفيه وهو يسحب نفسًا عميقًا، وحدق به بعينين ثابتتين:

• أولًا... هو لن يعرف، وثانيًا... حتى إن عرف، فليس له عندنا سلطان ولا حجّة، ما يهمه تحقّق بالفعل:

العالم صدّق الرواية، والعداء اشتعل بين الدولتين كما أراد.

ثم مدّ يده وأغلق الحقيبة الأخيرة بقوة، حتى ارتجّ القفل المعدني، وأكمل بصوتٍ حاسم كأنّه يضع قاعدة لا تقبل الجدل:

• التنفيذ ملك يدي، والكيفية من صُنع عقلي أنا وحدي، هو لا يشتري غير النتيجة...أما الوسائل، فهي لا تخصّه في شيء.

تردد حمزة لحظة، قبل أن يمدّ يده ويأخذها بخضوع، فيما واصل مالك ترتيب بقية الحقائب على الطاولة، وصوته ينزل بثقلٍ على مسامع حمزة:

• وزّعها الليلة، لا أريد حقيبة واحدة أن تبقى هنا مع طلوع الفجر.

ثم خطا نحو الباب ببطء، وصوته يخترق الظلام كالسكين:

• اطمئن واستمتع بإجازتك فاللعبة ما زالت بأيدينا.

وخرج، تاركًا وراءه صدى كلماته يثقل هواء الغرفة أكثر من أي دخان بارود..

وظل حمزة يرمقه بقلقٍ ممزوج بالانبهار،

بينما خطوات مالك تُدوّي في الممرّ الضيّق حتى وصل إلى الساحة الخلفية حيث كانت الطائرة الخاصة تنتظره، محاطة برجاله الذين اصطفّوا كالجدار، لم يتكلّم أحد، لم تُسمع سوى هدير المحرّكات وهي تستعدّ للإقلاع..

صعد الدرج المعدني ببطء، وكأن كل خطوة تُعلن أنه يترك وراءه ساحةً من الدخان والفوضى، ويتجه نحو عرشٍ ينتظره، جلس في مقعده الجلدي الفاخر، وأسند رأسه إلى الخلف، بينما أغلقت الأبواب، وأعطى الطيار الإشارة بالتحرك..

ارتجّت الطائرة قليلًا قبل أن ترتفع، ومع كل متر يصعد به جسدها إلى السماء، كان مالك يشعر أنه يبتعد أكثر عن آثار الدماء التي خلّفها، ويقترب من ملاذه الآمن... قصره البعيد، حيث لا يُسمع سوى صدى أوامره، ولا يُرى إلا ما أراد أن يُرى..

أغمض عينيه لحظة، ثم تمتم بصوت خافت، كأنه يحدّث نفسه:

• هناك... يبدأ الجزء الثاني من اللعبة.

ومن تحت جناحي الطائرة، انكمشت المدينة المشتعلة حتى غدت مجرد نقطة صغيرة غارقة في العتمة، بينما كان هو يمضي نحو قصره، كملكٍ خرج من حربٍ لم يخسر فيها شيئًا..

وفي تلك الليلة المديدة، كانت ملك تدور في رحاب غرفتها الفسيحة كما يدور أسيرٌ في زنزانته، جدرانها مُزيّنة بالحرير، وسقفها مُطعّم بالزخارف، وأثاثها يفوح فخامةً لا حدّ لها، لكن كل ذلك بدا في عينيها كقيدٍ من ذهب، سجنٍ مترف تُقيَّد فيه أنفاسها..

كم مرة جلست إلى أريكتها الوثيرة، أو مرّت أصابعها على كتبٍ نادرة، أو لامست مفاتيح بيانو عاجي ينتظر أن ينبض بصوتها؟ ومع ذلك كانت تشعر أن الجدران تضيق عليها كلما غابت الشمس، وأن الغرفة مهما اتسعت فهي أضيق من صدرها حين يبتعد عنها الهواء الحر..

مرّت ثلاثةُ أيّامٍ كاملة لم تطأ خطاه عتبة غرفتها، ثلاثةُ أيّامٍ من الصمت الموحش والانتظار المُمزِّق، بعد آخر لقاءٍ بينهما كاد أن ينتهي بمأساةٍ تقبض على الأرواح؛ يوم حاولت أن تغرس خناجر غضبها فيه، وتُنهي قصتها معه ومع نفسها بضربةٍ واحدة..

أترى قد سئم مقاومتها؟ أتراه أعلن انسحابه بعد أن خذلته؟ أم أنّه اختار هذه المرّة أن يعاقبها بالغياب لا بالكلمات؟

خطت نحو الثلاجة الضخمة المصفوفة في زاوية الغرفة، لتتذكر أنها حين فاقت وضغط عليها الجوع وجدتها عامرةً بما يكفيها من ألوان الطعام لأيامٍ طويلة، ارتجف قلبها حين لمحت حينها أنّ كل وجبةٍ موضوعة بعناية لم تكن عشوائية، بل اختيرت وكأنّ يدًا خبيرة نبشت ذاكرتها، واستخرجت منها أسرار ذوقها المخبوء..

كل صحنٍ يحوي ما تهواه منذ صباها، كل قطعةٍ تنبض بذكرى، وكأنّ صاحبها كان يرافقها في كل لحظةٍ من حياتها الماضية، يترصّد رغباتها ويخزّنها ليعيد تقديمها أمامها في هذا السجن المذهّب..

وقفت حينها واجمة، بين العجب والخوف، من أين له أن يعرف كل هذا؟ كيف استطاع أن ينفذ إلى قلبها من أضعف منافذه، ليُحيل الطعام نفسه إلى أداة حصارٍ جديدة تطوّقها وتكبّل كبرياءها؟

كانت خطواتها ثقيلة وهي تنتقل نحو الشرفة ثم وقفت بها، تلك الشرفة المطلة على حديقة صغيرة، تُزيّنها نافورة متواضعة تتناثر منها خيوط ماء كأنها تنهيدة باهتة في صدر الصمت، رفعت بصرها إلى الأفق حيث كان قرص الشمس يتهاوى بلونٍ نحاسيٍّ دامع، وابتسامة حزينة ارتسمت على وجهها..

كانت طالما حلمت أن ترى الغروب بجانبه، وأمامهم تلك النافورة الساحرة لكي تقتسم معه سكينة تلك اللحظة؛ وحين صار المشهد حقيقًة، أدركت أنها لا تملكه، بل هي مملوكة له..

كانت تشعر أنها طائر حبيس في قفصٍ فسيح، يقدر أن يخفق بجناحيه، لكن سقف الحديد فوقه يذكّره أنه لن يطير أبدًا، وفي قلبها سرٌّ لم تبح به:

أنها عاشت أعوامًا تتعقّب أثره، تسأل عنه، تبحث في الطرقات والوجوه، تطرق أبواب الجيران، وتنتقل من مدينة إلى أخرى لتبلغ خبرًا ولو صغيرًا عن مكانه..

ومع ذلك كان يذوب كطيفٍ بعيد لا يُمسك، يختفي ويُخفي وراءه كل أثر..

وحين عاد، لم يعد كما تمنّت بل كان أكثر مما تخيلت، لقد اختطفها من رجلٌ أحمق، واثبت لها أنها عشقهُ الوحيد، وفي طُرفة عين كانت ترتدي فستان زفافها الذي لم تحلم به حتى، وتم عقد قرانها على من أحبته بصدقٍ وعاشت سنواتها تحلُم بقربه، وبعدما تحققت جميع أحلامها التي من المفترض أن تجعلها أسعد فتاة في الكون، صار بينهما أمدٌ شاسع، قربه يحرقها وبُعده يفتتها..

وبالطبع لن تُفصح له أنها كانت تبكي كل ليلة من هذه الليالي الثلاث على غيابه، كبرياؤها سورًا يصدّها عن الاعتراف، وإصرارها هو السلاح الوحيد الذي يمنعها من أن تنكسر أمامه..

وما يقتلها حقًا هو واقعه البغيض؛ رجل متزوج بثلاث نساء، وله "ملك يمين" كما يقال، لفظة لم تستطع أن تفهم معناها، لكنها تجرح كبرياءها كلما ترددت على مسامعها، فكم مرة صرخت في وجهه:

"اذهب إلى نسائك واتركني وشأني!"

لكنها في كل مرة تهتف بها كانت تحاول أن تبني سدًا شديدًا حتى لا يطول حديثه معها خشية أن يمنحها الحوار ضعفًا تكرهه..

رفعت يدها تمسح دموعها المتساقطة، وفي تلك اللحظة انقطع الصمت بنغمة رسالة قصيرة! تجمّدت في مكانها، حدقت حولها بذهول… من أين أتى هذا الصوت؟! لا تملك هاتفًا فقد أخذه منها بعدما تواصلت مع أخيها معاذ، ولا يوجد معها جهازًا لوحيًّا، ولا حتى ساعة إلكترونية، فكل وسائل التواصل حُرمت منها بأمره قبل أن يختفي هذه الأيام الثلاثة، فهل يُعقل أن يكون وهمًا؟

اندفعت من أمام الشرفة بخطواتٍ سريعة، تتبع ذاك الصوت المتواصل كأنّه حبل نجاةٍ يُلقى لغريقٍ يتخبّط في الأعماق، توقّفت بدهشة حين أبصرت الهاتف مُلقى بجوار الباب الجانبي للغرفة، فتردّدت لحظة، ثم انحنت تلتقطه بيدٍ مرتجفة، وكأنّها تمسك بجمرٍ يتوهّج وما زال صوته الرنّان ينبعث منه بإلحاحٍ غريب..

أضاءت الشاشة فجأة، فانعكس وهجها على ملامحها المتعجبة، لترى رسالة واردة قد ظهرت من إحدى المنصّات، فبادرت بفتحها على الفور، ولم تكد تفعل حتى انبثق مقطعٌ مصوّر لرجلٍ مُلثّم، صوته جهوريّ يجلجل في الأرجاء كالرعد، يتحدث بالعربية الفصيحة وهناك لهجة في صوته لبلدٍ لا تعرفها، يقول كلماتٍ محكمة البناء، صلبة الجرس، كأنّها تُكتب بالحديد والنار..

أسلوبه يأسِر السمع، وقوة نبرته تُثير الرهبة في النفوس، حتى غلبها شعورٌ مُركّب بين الانبهار والرهبة..

ظلّت تحدّق في الشاشة حتى انطفأ المقطع فجأة، وبقيت مشدوهةً تتساءل:

أي صلةٍ تربطها بهذا الغريب؟ وما الحكمة من إرسال هذا التسجيل إليها هي دون غيرها؟ والأخطر:

كيف تسرّب هذا الهاتف إلى حجرتها المحصّنة، وهو وحده يملك مفاتيحها؟

وفيما كانت غارقةً في بحر أسئلتها، لم تنتبه لدخوله، كان يقف خلفها صامتًا، يرمقها طويلاً، وعيناه مشتعلة بوميضٍ غامض، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مترددة، كأنّه أبصر فجأةً حلمًا بعيد المنال يُطلّ عليه من بوابة الواقع..

فتساءل في أعماقه: هل حانت لحظة الصفح؟ هل تذكرت ما حدث وسوف تُعيد إليه ما سُلب منه من سعادة السنين؟

أخذ نفسًا عميقًا ليمسك زمام انفعاله، ثم قال بصوتٍ دافئ متردّد:

• لقد افتقدتُكِ افتقادًا يفوق حدود الخيال، شوقي إليكِ ينهشني كما لم ينهش قلبًا من قبل.

ارتجف جسدها من وقع كلماته، فاستدارت فجأة، وانفلت الهاتف من يدها ليسقط أرضًا، للحظة تغيّر وجهه تغيّر الفصول:

من فرحةٍ مشرقة، إلى ظلّ حزين، ثم إلى قسوةٍ عاتية تتفجّر في قسماته..

ارتبكت، وصوتها يتهدّج وهي تتراجع بضع خطوات:

• لقد وجدته هنا... لا أدري من ألقاه في الغرفة، أقسم أنّني لا أعلم شيئًا.

غير أنّ الشك كان قد ترسّخ في أعماقه منذ زمنٍ بعيد قد اقتحم عقله وقلبه معا، الخيانة التي ظلٌّ يطاردها منذ الطفولة، والغدر الذي تعوّد أن يكون لغةً يقرأها في وجوه الناس، ليتردد السؤال في عقله من مِن نسائه تجرّأت على اقتحام محرابه؟ ومن مدّ يده منهن إلى مملكته؟

راح ذهنه يحلّل الموقف في سرعة البرق، فيما كان جسده يتقدّم منها بخطواتٍ وئيدة، فتراجعت مرتعشة وهي ترى في ملامحه صرامةً لا ترحم، وفجأة توقّف، وانحنى يلتقط الهاتف، أعاد تركيب أجزائه التي تناثرت، ثم أشعل شاشته بنظرة نافذة، عاد المقطع المصوَّر إلى الحياة، ينطق بصوت الرجل الملثّم..

اقتربت هي منه ببطء، كأنّها تُساق إلى يقينٍ مرعب، ثم شهقت والذهول يكسو وجهها، وعيناها تتسعان بارتعاشٍ لا إرادي، قبل أن تنفجر الكلمات من شفتيها:

• أنت... أنت هو الرجل في التسجيل! أنت صاحب الوجه الملثّم

***************

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status