LOGINوفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..
ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها.. كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا: ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت. توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج: ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم. شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امرأةٍ قرأت ما بين السطور منذ زمنٍ بعيد ما يحدث لأبن أخيها وصديقها المُقرب، اقتربت وجلست على المقعد الخشبي، وأشارت له أن يجلس إلى جوارها، جلس مُطيعًا للأمر ولم يتحرّك، رفعت يدها وربّتت على كتفه كما كانت تفعل حين كان طفلًا صغيرًا يرتجف من الحمى، وهي تقول له: • قول لي… من هي اللي قلبت حالك كذا؟! انحنى رأسه قليلًا، ثم ابتسم ابتسامةً تحمل من الشوق أكثر مما تحتمل الكلمات، ثم همس كمن يبوح بسرّ عظيم: ــ غسق… بنت العُسيرات، هي روحي، وهي اللي ما عاد يريد قلبي غيرها. أطرقت وردة لحظة، ثم زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تُسكن في صدره عاصفة لا تُكبح، رفعت نظرها إليه وقالت، وفي نبرتها عتاب الأم التي ترى الطريق مظلمًا أمام ابنها: ــ عشان كذا دبست عسير إن يزوّجك بالعافية؟ تظنّه سهل يُدبّس؟ عسير أدهى من اللي تحسبه، وإذا ناوي تاخذ حفيدته، لازم تدفع… وتدفع غالي. هزّ شاهين رأسه بعناد، ثم خطا خطوة إلى الأمام، وعيناه تلمعان كأنهما مرجلٌ يغلي: ــ أدفع يا عمه عمري كله، وأبذل روحي بلاش، بس تصير لي، ما عاد لي في الدنيا مطلب غيرها. تأملته وردة طويلًا، وفي عينيها خليطٌ من خوفٍ عليه، وإعجابٍ بصدق اندفاعه، وحسرةٍ على قرارٍ يعلم كلاهما أنه سيشعل صراعًا لا ينطفئ بسهولة، مدت يدها مرة أخرى، وضغطت على يده بقوة، كأنها تُثبّت قلبه في صدره وتقول له دون صوت.. الحب يا شاهين، نارٌ إن ما أكلتك، أكلت كل ما حولك.. لكنها لم تنطقها، بل تركته يعلّق روحه على خيطٍ رفيعٍ من الأمل، فيما النهار يرحل من حولهما وهو يُنصت إلى سرٍّ سيسقي الأرض دمًا إن أفصح عنه في غير وقته.. كان الغروب ينسكب على قصر الجعافرة كسيلٍ من النار، يلوّن جدرانه العتيقة بلونٍ نحاسيّ يوشك أن يتحوّل إلى سواد، الأبواب العالية بدت كأنها تبتلع العائدين في جوفها، والريح تدور في البهو الواسع فتُثير غبار الأرض وتُرجّ المشاعل المعلقة على الجدران، عاد جعفر بخطواتٍ ثقيلة يتبعه أبناؤه، وجوههم مكفهرة تحمل غبار الطريق وحرارة المجلس، وفي عيني جعفر غضبٌ مكتوم كبركان لم ينفجر بعد، يشي بما يحمله من شروط عسير التي ما زالت ترنّ في أذنيه كصفعة، القصر كان يضيق بهم رغم سعته، وأجسادهم المضطربة تشهد على ثِقل ما عادوا به من خبرٍ مُرّ.. وفجأة، اخترق صمت المكان وقع أقدامٍ سريعة وثقيلة، و الأرض من تحت أقدامهم تُدوّي مع كل خطوة، ارتفع الستار، ودخل جعفر يتقدّمه أبناؤه الثلاثة، وجوههم متصلبة، تتأجج فيها الغيرة والدم، كان جعفر كالجبل حين يهتز غضبًا، عينيه تقدحان شررًا، جبهته متقطبة كأنها ألواح حجرية، ولم يُسلّم على أحد، بل ثبت نظره مباشرةً على شاهين، الذي كان جالسًا قرب عمته، وقال له بصوتٍ أجش، مكتوم بالنار: - شاهين… ما جِتْشْ معنا ليه؟ ارتبك المجلس كله من حدّة السؤال، فتدخّل والد شاهين سريعًا، وقد رفع يده في الهواء مهدئًا: • يا حاج جعفر، كلنا وقفنا برّا، وشاهين شْ يسوّي؟ وش دخله قدام رجال القبائل الكبار؟ قل لنا ماذا حدث مع عُسير. لكنّ وردة، الجالسة قرب العمود الكبير، مالت برأسها قليلًا نحو شاهين، وعينيها تلتمعان بمرارة ممزوجة بسخرية، وهمست في أذنه بصوتٍ لا يكاد يسمعه سواه: • العِشق خلاك تِخاف تطالع عسير بعينك؟ شكلك وقعت وقعةٍ ما منها نهوض، يا ولدي. أحسّ شاهين بسهمٍ قد اخترق كبرياءه، وتجمّد وجهه، وانعقد لسانه، فلم ينبس بحرف، لقد فَهمته عمته التي هي أقرب من روحه.. جلس جعفر على مقعده الخشبي بعنف، وضرب كفّه بكفّه ضربةً جعلت المجلس كله يهتز، وقال وهو يضغط على كلماته: • عسير قال كلمته… وشروطه واضحة، ما في صلح إلا إذا تركنا له منفذنا التجاري عند التُخوم، تحت رايته لمدة سنتين، وإن وردة تقبل تتزوج مبارك ولده. تجمدت الأجساد في أماكنها، بينما انتفض شاهين واقفًا، ثم تراجع خطوة، وقد انزلقت الأرض من تحت قدميه، أما أولاد جعفر فانفجروا دفعة واحدة، عيونهم تقدح نارًا، وأصواتهم تتعالى كالسيوف حين تصطدم: الأكبر صاح بعناد: • لا صلح ولا خرابيط! نخلي الدم دم، واللي يقدر فينا يِردّها على عسير يردّها. والثاني شدّد على كلامه: ما نبيع دمانا بامرأة، ولا تجارتنا لهم، نخلي الحرب حرب، والسيف هو اللي يفصل بينا وبينه. أما الثالث فطرق الأرض بعصاه وقال بحدة: يا بوي، عسير يظننا نركع بشروطه؟ لا وربّ الكعبة! لو هو رجال يقابلنا في ساحة الوغى، ونشوف من يطيح قبل الثاني. كان الجو يغلي كمرجلٍ يغلي على جمرٍ مشتعل، والأصوات تتداخل، بينما شاهين يقف صامتًا، عاجزًا عن النطق، يحدّق في الأرض كأنه يبحث عن ملجأ فلا يجد! وهنا ارتفعت وردة من مكانها، بخطواتٍ ثابتة، عينيها فيهما مزيج من الحزن والإصرار، وصوتها يشقّ الضوضاء كالسيف: أما عن شرط زواجي فأنا راضية… راضية يا حاج جعفر، أتزوّج مبارك. ارتفعت رؤوس الجميع دفعة واحدة نحوها، كأن صاعقة ضربت قلب المجلس! انتفض جسد جعفر، وأطرق بعصاه أرضية القصر فارتفع الصوت عاليًا وهو يحدّق فيها بذهول كأنه لا يعرفها، وقال بصوتٍ يختنق بالغضب: • إنتِ تقبلي تكوني زوجة تانية لابن عدوي؟! اتجننتي يا بت؟ أنا ما رضيت تكوني الأولى! لكنها وقفت شامخة، دمعة لمعت في عينها ولم تنحدر، وردّت بحزمٍ لا يقبل جدالًا: وش فيها يبَه؟ مو شرع ربنا يبيح؟ إن كان في ذاك نجاة لكم، ما عليّ بأس، أنا ما أبيع دمي ولا دمكم إلا بهاي الطريقة. خيّم الصمت ككفنٍ على الجميع، وشاهين يحدّق فيها وقد جُمِد لسانه في فمه، غير قادر أن يصدق أنّها تفعل هذا من أجله، أما عن جعفر فظل يهز رأسه بعنف، غير قادر على استيعاب ما نطقته، وأبناؤه يتبادلون النظرات الغاضبة والساخطة، وأبو شاهين يجلس مبهوتًا لا يجد كلمة يقولها. وانتهى الأمر على تلك الوجوهٍ المذهولة، التي لا تُدرك كيف أن وردة التي ردّت كل شيوخ القبائل، رضيت أن تكون زوجة ثانية، وأن تفعلها طوعًا… أمام أعين من أحبّوها ومن خاصموها، لتقلب الموازين كلها رأسًا على عقب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كان ضوء العصر يتسرب من الشبابيك العالية، يرسم خطوطًا طويلة على أرض القاعة الكبيرة في قصر عسير.. السكون يلف المكان إلّا من خرير فنجان القهوة وهو يرفعه عسير إلى شفتيه، ببطءٍ مدروس كأنه يتلذذ بطعم النصر أكثر من طعم ذلك البن ذو المذاق المُر، جلس في صدر القاعة على مقعدٍ عريض مزخرف، تحيط به جدران شاهقة تُعلي من مكانته، فيما انعكست ملامحه الحادة على الأواني النحاسية اللامعة المصفوفة على الجوانب.. عيناه كانتا تلمعان ببريقٍ واثق، بريق رجلٍ يعرف أنّ كلمته التي ألقاها في مجلس الشيوخ قبل لحظات لا تزال تدوي في صدورهم، وتُثقل رؤوسهم كحجر لا يُرفع، ارتسمت ابتسامة خفية على وجهه، لم تكن فرحًا محضًا، بل مزيجًا من مكرٍ ورضى، كأنما يراقب شِباكه وهي تُحكم قبضتها على فرائسها دون أن يكلّف نفسه عناء المطاردة.. في الجانب المقابل جلس أولاده، مصطفّين كأنهم جنود ينتظرون أمرًا، عيونهم معلّقة بوالدهم، وقلوبهم تتسابق في صدورهم.. هل سيفتح عسير فمه بالبشارة التي ترفع من شأنهم، أم بالنذير الذي يُثقل خطاهم؟ قال بصوتٍ عميق، وهو يرفع رأسه عاليًا: • سمعوني يا عيالي… ما هِنّيت ولا واطيت راسي، للجعافرة، شرطين رميت بيهم على وجيههم، ومضيت، وخليت الكلمة عنده. • اقترب مبارك، ملامحه مشدودة، وقلبه يخفق كأنه يريد أن يخلع صدره، رفع عينيه يسأل: • وش قلت يا بوي؟ شبك عسير يديه وقال ببطءٍ يحفر الكلمات في الحجر: • أول شرط… سنأخذ منفذهم عند التُخوم، كي يدخل تحت راية العسيرات، الذهب ينسكب في خزائننا، والدهر يشهد إن دمنا ما راح هدر. وثاني شرط… وردة… بنت جعفر، تدخل بيتنا وتكون لك يا مبارك… زوجة ثانية، على سنة الله ورسوله. كأن صاعقة وقعت في المجلس، لكن هذه المرة لم يكن الرعد مخيفًا، بل مبهجًا لقلبٍ واحد... انتفض مبارك، عينيه اتسعتا، كأن تلك الكلمات أغنية قد حلم بها سنينًا طويلة، رفع كفيه إلى وجهه، ثم ضحك ضحكةً قصيرة فيها دموع الفرح التي حاول إخفائها بشق الأنفس: • بوي… تقولها قدّام عيوني؟ وردة لي أنا؟ بعد العمر ذا كله؟ • نظر عسير إليه بثبات وقال له: • إي والله، ليك أنت، سنين مرة ولم أنسى أنه جعفر صدّك عنها، وها الحين صارت في كفّك، لا عاد جعفر يقدر يرد، ولا قبيلة تقوى توقف بوجهنا. أغلق مبارك عينيه لحظة، كأنه لا يصدق أن الحياة أخيرًا ردّت له ما انتزعت منه، صور وردة بضحكتها، بعيونها اللامعة، بصلابتها التي رفضته يومًا بعد يوم، هاجمت قلبه دفعةً واحدة.. شعر أنه على وشك أن يطير من مكانه، أن يركض في أرجاء القصر ليصرخ باسمهـا: • يا وردة… يا وردة… جا دورك تكوني لي. ولكنه حاول الثبات وفتح عينيه وهو ينظر إلى أبيه بامتنان كبير، وقلبه يكاد يقفز من صدره وهو لا يدري أن آذانًا أخرى كانت تسمع! غسق، التي اعتادت أن تسير في أروقة القصر بخفة، وقفت خلف جدارٍ قريب، أنفاسها محبوسة، قلبها يتفتت مع كل كلمة، وتلك الكلمات ضربت رأسها كحجارة: "وردة… زوجة مبارك." عيناها اتسعتا في رعبٍ صامت، وهمست لنفسها: • أمي؟! جسدها ارتجف، وقد تزلزلت الأرض تحت قدميها، كيف يكون هذا؟ تلك التي طالما رأت في عينيها الكبرياء والرفض، الآن ستصير زوجة أبيها؟! عقلها امتلأ بالصور: وردة تجلس في بيت عسير، بجانب أبيها، والقبيلة كلها تنظر لها بعينٍ تشمت أو ترقب.. تساقطت دموعها رغماً عنها، وفي داخلها صوت أمها يرنّ: " أبوكِ يا غسق ما حبّني يوم، ولا هو بحابّني يوم. قلبه مع بنت الجعافرة، وما هو لي ولا بيكون لي. ما دريت بهالسالفة إلا بعد ما جبتكِ للدنيا، ومن يومها وأنا ساكتة. ما كان بيدي أتركه يا بنيّتي، هانِ المرأة يا غسق يا تبقى زوجة وأم وتتحمّل، يا تصير منبوذة ما لها لا حق ولا قيمة." لكن الآن… ماذا ستفعل حين تسمع الخبر؟ ستنكسـر! وربما تموت بحسرتها، أو تموت من وجع الخيانة، وهي التي لم تحب رجلاً غير مبارك، ولم ترضَ بغيره سندًا.. وضعت غسق يدها على فمها تكتم شهقة كادت تفلت، وهي تتراجع للخلف، رأسها يدور، وقلبها ينزف، والقاعة أمامها لم تعد مجلسًا منتصرًا، بل مأساة تتشكل أمام عينيها، حيث أباها يحتفل، وجدّها يعلن شروطه، بينما هي تتخيل أمها تُدفن حيّة في غصّةٍ لا تُطاق.ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







