LOGINتراجعت بخطوات ثقيلة إلى داخل غرفتها، تُغلق باب شرفتها خلفها وكأنها تُغلق بابًا على مشاعر وأفكارٍ أرادت أن تهرب منها مرارًا، جلست على حافة الفراش حيث أغطية الحرير التي تحمل عبق الصعيد تحتضنها كأنها تذكّرها بأنها هُنا بعيدة عن كل ما عرفته يومًا، أراحت رأسها على كفيها تأخذ نفسًا عميقًا بدا وكأنه محاولة لابتلاع مرارة الذكريات التي بدأت تزحف إلى ذهنها دون استئذان.
يمان ويامن...
ولداها ثمار حُبٍّ لم يستمر وألم لم يُنسَ.
لم يكن الزواج مجرد خطأ بل كان بداية لمعركة بين حريتها التي نبتت في كندا وبين قيد العادات والتقاليد الذي حاول أن يلتف حول عنقها بقوة ليجُرها تجاه المجهول فتضطرُ آسفةً أن تعود لتحتمي بهذا المكان..
تذكرت كيف كان لقاؤها الأول بوالد التوأم... دكتور شاب مصري في جامعة كندية، مثقفٌ ومفعم بالحياة، بدا وكأنه يُمثل الحلم الشرقي الذي سمعته من والدها، وحينما تزوجا شعرت للحظة أنهما يشكلان لوحة فنية تجمع بين ثقافتين مختلفتين ولكن الصورة كانت مُبهرة واستثنائية..
لكن بعد ولادة التوأم بدأ الحلم يتشقق، مشكلة بسيطة في الجامعة جعلته يُفصل وبدل من أن يحاول النهوض من جديد اختار أن ينقل عبء إخفاقاته عليها..
"أنا رجل هذا البيت، ولا يصح أن تعملي أنتِ بينما أبقى أنا جالسًا دون عمل!"
جملته تلك لا تزال ترن في أذنيها كصفعةٍ قاسية، حاول أن يُخضعها لكنه لم يدرك أن زهرة ليست امرأة تقبل القيد حتى لو كان من رجل أحبته يومًا..
تذكرت يوم المواجهة كيف وقفت أمامه بثبات رغم الدموع التي أغرقت عينيها، وكيف كانت كلماته الأخيرة أشبه بحكم بالإعدام على زواجهما..
"إمّا أنا، أو العمل... اختاري!"
فاختارت...
اختارت حريتها، اختارت أن تكون النموذج الذي أرادته لأولادها لا أن تكون أسيرة لقرارات رجل فقد السيطرة على حياته فأراد أن يُسيطر عليها هي، فاختارت أن تعيش لنفسها حتى لو كان الثمن أن تعود لعملها وحيدة تحمل عبء التوأم على كتفيها.
يمان ويامن... اللذان كانا عزاءها الوحيد...
ابتسمت رغم الغُصة التي تقف في منتصف حلقها تعوق تنفسها بشكلٍ صحيح وهي تتذكر كيف كانت تراقب خطواتهما الأولى، كيف كانا يعكسان قوتها رغم صغر سنهما، لكن رغم كل ذلك شعرت بالذنب حين اضطرت لاحقًا للعودة إلى مصر حيث حملتها الظروف والقرارات وصراعاتها الخفية مع عالم مريب لم تسمع عنه من قبل، لتؤخذ إلى حياة لم تكن تتخيلها...
السرير الآن بدا وكأنه قفص لا مكان للهرب منه، شعرت بالدموع تحرق عينيها لكنها لم تسمح لها بالسقوط يومًا وبالتأكيد لن تأذن لها الأن، فهمست لنفسها..
"لا بكاء أبدًا"
قد تكون اختارت عملها يومًا، لكنها لم تختَّر هذه الوحدة، هذا النفي داخل بلدة وبيت وحياة لم تختارهم أبدًا.
رفعت رأسها تنظر إلى صورتها في المرآة الكبيرة أمام السرير، امرأة خمسينية قوية الملامح تحمل عيناها قصصًا وحروبًا لم تُحكَ بعد...
لكنها اليوم وسط هذا البيت الكبير و وسط هذا العالم الذي يبدو وكأنه مِلكها، لم تشعر سوى أنها سجينة بين ماضٍ يرفض أن يغيب وحاضرٍ لا يمنحها السلام مهما حاولت..
نهضت من الفراش ثانية تُصلح طيات ملاءته بيدين قويتين كأنها تريد أن تُعيد ترتيب حياتها أيضًا بطريقة تلقائية، ثم نظرت مرة أخرى من نافذة الغرفة حيث أضواء القرية بدأت تخفُت والليل يبتلع كل شيئًا حتى أصوات الهمس الصادر من الجدران...
"يمان ويامن..."
همست زهرة بأسمائهما وكأنها تعيد الخيط الممزق الذي لا يزال يربطها بعالم كانت قد فقدت توازنه فجأة ودون سابق إنذار..
كانت الكلمات تخرج من شفتيها ببطء كما لو أنها تعيد ترتيب عالمٍ متهدم محاولة تجميعه مرة أخرى لكي يتماسك..
جلست زهرة على مقعدٍ جانبي أمام الشُرفة محاطة بذكرياتها التي كانت تعصر قلبها بعنف أكبر من أي وقت مضى، وجهها كان شاحبًا من التعب، وعيونها مرهقةٌ من السهر والهموم، ولكن في هذه اللحظة كانت الأوقات التي مرت كظلال تتراقص حولها وهي تُلقي بثقلها عليها، منذ أن أنجبت تغيّرت الحياة من حولها وكأن الزمن نفسه قد عارضها في كل لحظة، وبدأ يسحب منها أكثر مما يعطي..
ابنها الكبير يُدعى يمان، وآخر يلحقه بعدة دقائق اسمه يامن..
لكن الفاجعة التي تكوي قلبها هي أن كلاً منهما يجهل تمامًا بوجود الآخر!
فقد قد قسمتهما الحياة في لحظة قسوة ولم تمنحهما فرصة للاحتكاك أو معرفة الحقيقة حتى هذه اللحظة القاتلة..
كبِر كل منهما في عالمه مع كل ما منحه له القدر، لكن كان ينقص كلاهما جزءٌ كبير من ذاته لم يعلمه حتى الأن..
كان يمان يعتقد أنه الابن الوحيد في هذا العالم، بينما يامن كان يعيش في نفس الوهم بعدما فرقت الحياة بينهما و ألقت بهما في عالمين متوازيين لا يلتقيان ابدًا ولن يحدث ذلك إلا بمعجزة..
وكلما مر الوقت زادت مشاعر زهرة تعقيدًا، كان كل أسبوع يحمل لها وداعًا ولقاءً جديدًا، وكلما حاولت أن تحل العقد التي في قلبها كلما ازدادت تلك العقد تشابُكًا..
كيف لامرأة أن تتحمل أن تعيش بين خيوط وهمٍ كبير، أن تكون أمًا لأبناء لا يعرفون بعضهم، وتعيش حياتها بين ذلك التناقض؟ وكيف يمكن لها أن تتابع خداعهما بحبٍ مُزيف وهي تعلم في أعماقها أن كل شيء تفعله هو مجرد مسرحية، وأن قلوبهم جميعًا محاصرة في أسرارٍ أكبر من قدرتها على التحكم فيها؟
أغمضت عينيها للحظة محاوِلة أن تخمد صوت الذكريات الذي كان يصدح في رأسها، لكنه كان أقوى من أن يتم تجاهله..
في ذهنها كان يمان يحمل ملامح والده، مع عينين يعكسان الحزن نفسه الذي لطالما خنق قلبها..
أما يامن فكان يُشبه شخصًا آخر، قاسيًا في طبعٍ يشبه نغمة غريبة في حياتها ولكن الحقيقة هو كان انعكاسٌ لها ولكنه بطريقة بشعة وغير محتملة..
وعلى الرغم من كون الحقيقة واضحة تمامًا لها كانت أبعد من ذلك بكثير بينهما، ماذا لو عرفا كلاً منهما أن هناك شخصًا آخر يشبهه، يحمل نفس الدماء؟
كيف كان سيؤثر هذا على حياتهما؟ وكيف سيتعاملان مع الحقيقة التي طالما كانت غائبة عنهما؟ هل سيتقبلانها أم يفرّان منها؟
أخذت نفسًا عميقًا محاولةً أن تهدئ من نفسها، لكن ذلك لم يساعد على تخفيف الضغط الذي كان يخنق صدرها كل ليلة، وبينما هي غارقة في أفكارها بدأت الأنوار في المنزل تنطفئ واحدة تلو الأخرى كأنها تُنذر ببداية لحظة فارقة في حياتها، ومع ذلك كان هناك شيء غريب يهمس في قلبها:
"الوقت الآن قد حان"
كان الإحساس بأن الوقت يضيق على أسرارها، يُخيم على كل شيء كما لو أن الأقدار قد قررت أن تكشف عما كان مستورًا..
وفي تلك اللحظة دخل يمان الغرفة وكان دخوله كالعاصفة الهادئة التي تحطم جدران الذاكرة.
وقف يمان عند باب الغرفة للحظات دون أن يتحدث، كانت عيناه تُراقبان والدته بصمتٍ أربكها أكثر من أي سؤال، وكأنّه شعر بما يجري داخلها دون أن تنطق بحرفٍ واحد.
انعكس ضوء المصباح الجانبي على ملامحه الحادة، فأعاد إلى قلب زهرة ذلك الخوف القديم الذي لم يفارقها يومًا… خوفها من أن تكتشف الأيام ما أخفته طويلًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
توقف الزمن في تلك الغرفة الخشبية الضيقة، وتحول الصمت إلى كتلة من الأسلاك المشدودة بين أنفاس الأبطال. كان صوت ارتطام الجسد بالخارج كافيًا ليعيد مالك إلى غريزة الصياد التي لم تخطئ يومًا. تحامل على آلام خاصرته الممزقة، وضغط بيده اليسرى على جرحه الذي بدأ ينبض بدم دافئ جديد، بينما ثبتت يمناه المسدس نحو قفل الباب بجمود فولاذي.لم يكن الخوف يعرف طريقًا لقلب مالك، لكن الصراع النفسي الذي يعصف بكيانه في تلك الأجزاء من الثانية كان يتعلق بتلك المرأة المتربصة خلفه. التفت لبرهة خاطفة نحو "ملك" التي كانت تقف محتمية بجدار الحاوية، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينيه بنظرة حملت من العشق واللوعة ما يفوق احتمال البشر. رآها ترتجف، لا ذعرًا من الموت، بل رعبًا من أن تفقده بعد أن امتزجت روحاها ببعضهما وسط لظى المعارك. تمنى في تلك اللحظة لو يلقي بسلاحه ويدفن وجهه بين خصلات شعرها الحريري ليتنفس الطمأنينة، لكن طبول الحرب كانت تقرع بالخارج بلا رحمة.أشار مالك لجلال برأسه، فتحرك جلال بخفة الشبح نحو الجانب الأيمن للباب، مستعداً للأسوأ. وفجأة، تحرك مقبض الباب ببطء، وانفتح ليقذف إلى داخل الكوخ جسداً مترنحاً
تحول الكوخ الخشبي خلال الساعات التالية إلى غرفة عمليات مصغرة، تغذيها الشموع وبعض أجهزة الاتصال المحمولة البدائية التي لم تكن متصلة بالشبكة العامة لتفادي تعقب سامح ورجاله. كان مالك يتبادل النظرات مع جلال الذي بدأ يستعيد توازنه النفسي تدريجياً، مدفوعاً برغبة حارقة في إنقاذ شقيقته الصغرى وتطهير شرف ولائه الذي تلوّث بخيانة سامح.جلس جلال على مقعد خشبي واضعاً خريطة المنطقة الساحلية القديمة أمام مالك، وقال بتركيز شديد:— مالك... الأوراق السرية والملفات الاستخباراتية المشفرة التي يريدها العراب ليست في القصر المحترق، أنا أعلم ذلك. أنت نقلتها قبل أشهر إلى الخزنة الحصينة في السرداب السفلي للمرفأ القديم، تحت المستودع رقم ٣، أليس كذلك؟أومأ مالك برأسه، وكان يضغط بقطعة شاش طبي على جرحه الذي بدأ يلتئم ببطء رغماً عن الحركات العنيفة التي قام بها، وقال بنبرة باردة:— نعم. العراب يظن أنني سآخذ تلك الأوراق وأذهب إليه راكعاً في القصر مستسلماً لشروطه خلال الأيام الثلاثة. هو يعتقد أن إصابتي وخيانة سامح قد جردتني من القدرة على التفكير التكتيكي. لكنه أخطأ في الحساب؛ فالأوراق التي يبحث عنها
ترجل جلال بسرعة وفتح الباب الخلفي. وبمساعدة ملك التي كانت تقاوم تعب جسدها وإرهاقها النفسي الشديد، تمكنوا من نقل مالك إلى داخل الكوخ ووضعه على سرير خشبي عريض في الغرفة الرئيسية.أحضر جلال حقيبة الإسعافات الطبية المتقدمة، وبدأ بقطع قميص مالك ليكشف عن الجرح الشنيع. شهقت ملك وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي ترى الشظية المعدنية المستقرة بعمق داخل لحمه، والدماء التي لا تزال تنبض ببطء من الجرح.التفت جلال إليها وقال بجدية بالغة:— ملك... يجب أن أستخرج هذه الشظية الآن فوراً قبل أن يحدث تسمم في الدم. سأحتاج لمساعدتكِ... يجب أن تمسكي بيديه بقوة وتتحدثي إليه ليبقى مستيقظاً. الألم سيكون غير محتمل، ولا نملك مخدراً كاملاً هنا، فقط بعض المسكنات الموضعية. هل أنتِ مستعدة؟نظرت ملك إلى مالك، ورأت الخوف في عينيه... ليس خوفاً من الألم، بل خوفاً من أن يرى الضعف في عينيها. أخذت نفساً عميقاً، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها. تقدمت نحو السرير، وجثت بجانبه، وأمسكت بيديه بقوة غريبة تفوق حجم جسدها الصغير، وشبكت أصابعها بأصابعه.قالت وهي تبتسم له دمعة تتلألأ في عينيها كالنجم في عتمة الليل:—
ساد المستودع لثانية واحدة صمتٌ حاد، صمتٌ يشبه الوقوف على شفرة سيفٍ صقيل في مهب الريح. كانت فوهة بندقية "سامح" الأوتوماتيكية لا تزال مثبتة بدقة متناهية على جبهة مالك، وإصبعه يتحرك ببطء قاتل على الزناد. وفي تلك الفجوة الزمنية الضيقة التي تفصل بين الحياة والعدم، انطلقت الرصاصة المجهولة مزمجرة في عتمة المكان، لتمزق جدار الدخان الكثيف الذي يملأ المستودع. لم تكن الرصاصة موجهة إلى مالك، ولم تكن طلقة طائشة. استقرت الرصاصة بدقة فولاذية في معصم سامح الأيمن، الذي كان يقبض به على البندقية. دوت صرخة ألم وحشية من حنجرة الخائن، وسقط السلاح من يده محدثًا رنينًا حادًا على الأرضية المعدنية الصدئة، بينما تراجع إلى الخلف خطوات وهو يمسك بمعصمه المتفجر دماءً، وعيناه تملأهما الصدمة والذعر. من خلف سحب الدخان، ظهر طيفٌ مألوف، طيفٌ يحمل سلاح قنصٍ قصير المدى، يتقدم بخطوات واثقة تكاد لا تلامس الأرض من فرط خفتها وسرعتها. إنه "جلال"... الذراع الحقيقية والصديق الذي لم تلوث الأطماع نقاء ولاءه. كان وجهه مغطى برماد الانفجار، وعيناه تقدحان شررًا وهو يوجه سلاحه نحو صدر سامح المتألم.
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر داخل ذلك المستودع المهجور؛ صمتٌ يمزقه صوتٌ رتيب، بارد، ومستمر... صرير الثواني التي تتناقص على شاشة الموقت الرقمي المثبت أسفل المقعد الخشبي الذي قُيدت إليه ملك."59... 58... 57..."كانت الأرقام الحمراء تنعكس في عيني مالك كجمرات تشتعل في عتمة غضبه. تيبس جسده بالكامل، وبدت عروق عنقه ويديه كحبال مشدودة تكاد تنفجر من فرط الضغط. في تلك اللحظة، لم يكن مالك يرى المسلحين الذين يملؤون الشرفات العلوية، ولم يكن يسمع هتاف الريح والعاصفة التي تضرب الجدران المعدنية للمستودع في الخارج. كل وجوده انكمش وتكثف في مساحة واحدة: وجه ملك الشاحب، وعيناها اللتان تفيضان ببريقٍ مرعب يمزج بين ذعر الموت الوشيك وعشقٍ لا يموت.وقف العراب خلفها، واضعًا فوهة مسدسه الذهبي بدقة متناهية على صدغها. كانت يده ثابتة، لا ترتعش، كيد جراحٍ يوشك على استئصال قلب مريضه دون أي شعور بالذنب. ارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة الأبوية الباردة التي كانت تثير الرعب في نفس مالك طوال سنوات مراهقته وبدايات تدريبه.قال العراب، وصوته ينساب كأفعى في وادٍ مهجور:— ستون ثانية يا بني... ستون ثانية هي كل ما
كان صوت الرنين في الممر المظلم يشبه دقات ساعة جدارية في قصرٍ مهجور، كل دقة تقضم جزءًا من ثوانٍ قد تكون الأخيرة في حياة ملك. أخرج مالك الهاتف بيدٍ ترتجف غضبًا، وضغط على زر الإجابة دون أن ينطق بكلمة. كان أنينه المكتوم داخل صدره كافيًا ليعلن للطرف الآخر أنه استلم الرسالة الدموية.جاء الصوت عبر الطرف الآخر هادئًا، باردًا، يحمل تلك البحة الأبوية الزائفة التي طالما خدعت مالك في شبابه. كان صوت "العراب".— أهلاً بك في عالم الحقيقة يا بني. ظننتَ أنك دفنتني؟ النفوس الكبيرة لا توارى الثرى بكلمات تقارير استخباراتية صاغها صبية هواة.تصلبت عضلات فك مالك، وخرج صوته كفحيح أفعى جرحت في مقتلها:— إن لمست خصلة واحدة من شعرها... سأجعل ما فعلته بك في المرفأ قبل سنوات يبدو كنزهة أطفال. سأبيدك، وأبيد كل من تنفس هواءً مررت به.انطلقت ضحكة خفيضة، مستفزة، هزت سماعة الهاتف:— الغضب يعمي البصر يا مالك، وأنت اليوم أعمى تمامًا. امرأتك الجميلة معي، تتأمل البحر من نافذة مختلفة تمامًا عن نافذة قصرك العاجي. إنها ذكية... لم تصرخ، ولم تبكِ كباقي النساء، بل كانت تنظر إلى رجالي بنظرة تحمل اسمك، و
في الزمان والمكان ذاته، كانت ضي تدخل فصل الموسيقى بخطوات خفيفة كأنها تحلق بين الأرض والسماء، كل شيء في المكان بدا مختلفًا عن باقي فصول المدرسة، كأن الفصل نفسه كان يحمل سرًا، سرًا من الألحان والإيقاعات التي تبعث الحياة في الجدران من حولها، حتى أن الهواء كان مشبعًا بصوت الآلات الموسيقية التي تنتقل
همست والسؤال كان يحمل في طياته كل الحيرة التي انتابتها:– ماذا؟! تُصوّرني؟ابتسم مالك ابتسامة دافئة وكأن كل شيء في العالم قد اكتمل لتوه:– نعم، أودّ أن ألتقط لكِ صورة، لا تخافي… أعدك أنني لن أؤذيك.ختم جملته بضحكة يتحدها بها، لم تفهم ملك لماذا وافقت، ربما كانت عينيه، أو تلك الطمأنينة التي غمرتها في
عندما أغلق مالك الباب خلفه ارتجّت الغرفة لحظة، وكأن الصمت الذي خلفه كان أكبر من مجرد غياب، نهضت ملك فجأة وكأنها كانت غارقة في سباتٍ عميق لكن غيابه كان هو من أيقظها، تحركت ببطء وخطواتها كانت ثقيلة كما لو كانت الأرض تسحبها إلى الأسفل، كان قلبها يضرب بعنف في صدرها وتنقض عليها الذكريات المتناثرة بين أو
"إذن دعنا نبدأ... تأكد من أنه يعرف ما الذي عليه مواجهته، إذا فشل فلن تكون حياته فقط على المحك."صمت مرة أخرى ولكن هذه المرة كان الصمت عميقًا كأنه يختزن كل ما هو قادم، ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:"We will either win... or we will destroy everything in our path."" إما سننتصر... أو سندمر كل شيء في طريقن







