로그인كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..
كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها.. كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة.. ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن... واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطيل مراقبة فريسته قبل الانقضاض عليها.. كان ماضيه في كندا يصرخ في ملامحه.. حياة منفلتة لا تعرف حرمة، مغامرات عابرة بلا قيود، ورغبات لم يكبحها ضابط من قيم أو أخلاق، والآن، تلك الرغبة عادت، في هذا المكان البعيد، عادت لتتمحور في عينين محدقتين بضي، كما لو أنها غنيمة هبطت أمامه دون عناء.. أحست ضي بالبرودة تتسرب في عروقها، إحساس غريب أن الأمان الذي كان يحميها طوال النهار قد انكسر فجأة، وتركها وحيدة في مواجهة شيء لا يُرى لكنه يقترب، حاولت أن تتجاهل وجوده وتواصل السير، لكن خطواته كانت تلاحقها، ثابتة، محسوبة، تقرّبها إلى المجهول.. صوت خطواته على الأرضية الصلبة صار أثقل من نبض قلبها.. أسرعت أكثر، حتى شعرت أن ركبتها ترتعش من الخوف، جالت بعينيها وهي تبحث عن أي شخص في الجوار ولكنها لم تجد أحد، وفجأة جاء صوته من خلفها، هادئًا، لكن يحمل تحت هدوئه شيئًا خبيثًا: • إلى أين تمضين بهذه السرعة يا ضي. تجمدت في مكانها لحظة، ثم دفعتها غريزة النجاة للاستمرار، لم تجبه، ولم تلتفت.. لكنه اقترب أكثر منها، حتى امتدت يده الباردة إلى كتفها، لمسة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل الدم يتوقف في عروقها، التفتت إليه وعيناها الخضراوان الواسعتان ترتجفان في مواجهة بريقٍ قاسٍ، ونظرة لا تعرف معنى التراجع.. ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بصوتٍ ثابت: • هل تهربين مني مرة أخرى؟! حاولت إبعاد يده بكل ما أوتيت من قوة، لكن قبضته كانت مثل قيدٍ من حديد.. الشارع كان ضيقًا، والجدران تقف كحراس صامتين وأنفاسها المتقطعة علت حتى غطّت على كل صوت آخر! حاولت أن تهرب، أن تتركه وتبتعد، لكن خطواتها المتعثرة فضحت ارتجافها، صدى قلبها كان يدوّي داخل رأسها، يدفعها إلى الركض، لكنها كانت محاصرة، لا باب يفتح ولا طريق يفرّ.. وفجأة، شدّها بقسوة، وساقها باتجاه كوخٍ مهجور وسط قطعة أرضٍ زراعية مقابلة للطريق، قدماها لم تعودا تملكان قوة المقاومة، جسدها صار ثقيلًا كالرصاص، وصوتها انقطع قبل أن يخرج من حنجرتها.. كان المكان بأكمله ينهار عليها كجدارٍ يطبق صدرها.. وفي داخل ذلك الكوخ كان الظلام أشد، بينما الحوائط الخشنة، والرائحة العفنة، وصوت أنفاسه المتلاحقة يهيمن على المسافة بينهما، حاولت الصراخ لكن فمها لم يطاوعها، وحاولت المقاومة لكن يديه كانت تطبق كالمسامير على معصميها.. وبينما كانت تستجمع قوتها الأخيرة، انزلقت فجأة إلى عتمةٍ أخرى، كأن عقلها أسلمها إلى غيبوبة، أو أنه ضربها على رأسها، فلم تعد تدرك ما يحدث! لقد أُُسدل ستار ثقيل على حواسها، لتغرق في عتمةٍ لا قرار لها، لكن تلك العتمة لم تحمها، بل جعلتها شاهدةً صامتة على وحشٍ ينهش جسدها ببطء وبتلذذٍ كبير، لم يكن ما فعله فعلَ رجل، بل انحدارٌ إلى غريزة بهيمية عارية، لا يعرف فيها معنى للرحمة أو الحياء.. كل لحظةٍ تمرّ كانت تُسجَّل في روحها جرحًا أعمق من أن يُشفى، جرحًا لا يراه أحد، لكنه سيبقى نازفًا ما بقيت على قيد الحياة.. كان جسدها غائبًا، لكن روحها تسمع صدى الخطيئة يتردّد كصرخاتٍ مكتومة بين الجدران، وتشعر بالعار يُزرع في عروقها مثل سمٍّ بطيء.. وحين فتحت عينيها من جديد، لم تعرف كم من الوقت مرّ، لكن جسدها أخبرها بما جرى قبل أن يخبرها عقلها، كانت محطمة، مرمية على الأرضية الترابية، أنفاسها متهالكة، ملابسها ممزقة، لا يستر شئ عورتها والدموع جافة على وجنتيها، وعينيها تحدّقان في سقف الكوخ الخشن وكأنها ترى سماءً مقلوبة.. حينها فقط أدركت الكارثة.. أن ما سُلب منها ليس جسدها وحده، بل روحها واسمها ومكانتها في مجتمعٍ يعرف كيف يجلد الضحية، ويغضّ الطرف عن الجاني.. شعرت أن الموت أقرب من أي شيء آخر، وأن العار سيقتلها قبل أن تفعل أي يد بشرية. ************ اهتزّت أركان الغرفة على صدى الصراخ المذعور، واندفعت الأقدام في الممرات بخطواتٍ متلاحقة، انفتح الباب فجأة، وهرع الحرس يتقدمهم عائشة، وجهها متماسك لكن عينيها تكشفان علمٍ قديمٍ لم تعد قادرة على كتمانه.. كانت ملك جاثية بجوار مالك، شعرها المبعثر يلتصق بوجهها، ودموعها تنساب على وجنتيها كأنها تتفتّت من الداخل، بينما ذراعاها تحاصرانه بحمايةٍ غريزية، كلما اقترب أحد مدّت يدها كأنها تدفعه بعيدًا، ارتعشت وهي تهتف بصوتٍ مبحوح: ــ لا تلمسوه! لا أحد يقترب منه! أين معاذ! لكن عائشة تقدمت بخطواتٍ ثابتة، لم تلتفت لاعتراض ملك، بل ركعت بهدوءٍ عند حافة السرير، نظرت إلى مالك الذي يترنح جسده بين الحياة والموت، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ لكنه قاطع: ــ الأمر لم يعد سرًّا… مالك مُسموم، والسم يأكل من جسده رويدًا منذ أسابيع، واليوم أوشك أن يبتلعه تمامًا، دعيني أتصرف. جحظت عين ملك وقد انغرست الكلمات في صدرها كخنجرٍ قوي، أطبقت أصابعها على كتفيه المرتخيتين كأنها تحاول أن تُبقي روحه حبيسة في جسده، وترددت أنفاسها وهي تهمس بارتباكٍ مذعور: ــ مسموم؟! من الذي… من الذي أراد قتلك؟! من الذي فعل ذلك! لم يُجبها، بل مالت رأسه على وسادة غارقة بعرقه، شفاهه المتشققة كانت تتحرك ببطءٍ بلا صوت، و الكلمات تتبخر في حلقه قبل أن تولد! انحنت ملك عليه، وجهها يلامس وجهه الساخن، وهي تبحث عن أي بقايا حياة في صوته أو عينيه، ثم انفجرت دموعها من جديد، وصرخت وهي تهزه بعنفٍ ممزوج بيأسٍ قاتل: ــ مالك! افتح عينيك! لا تتركني… أسمعني، أنت لن تتركني! ارتعشت أوتار صوتها حتى بدت كاعترافٍ أخير، حتى صوت قلبها هو الذي يتكلم الآن لا لسانها، تساقطت دموعها على وجهه، وانزلقت على وجنتيه وهي تحاول أن تعيده للحياة بملحها، ولأول مرة، شعرت أنها لا تكابر، لا تُخفي إنها تحبه… تحبه حد الألم، حدّ أن فقده يعني فناؤها هي! في تلك اللحظة، ارتجفت الشموع الموزعة في الغرفة، وظلت ألسنتها تميل وتضطرب كأنها شاهدة على سرٍ انكشف بلا رجعة، أما الحراس وعلى رأسهم حمزة، فتبادلوا نظراتٍ واجمة، بين خوفٍ من المصير القادم وعجزٍ عن كسر تلك الدائرة الحميمية التي رسمتها ملك حوله.. ظلّت ملك تحتضنه، وتردد بصوتٍ مهتزٍّ بين الرجاء والأمر: ــ عد إليّ يا مالك… لا تتركني هكذا، لم أقل لك بعد أنني… لم أقل أنني… وانكسرت الكلمة في حلقها، وقد غُمر صدرها بالأنين، واكتفت بأن تواصل بكاءها المتصل، فيما ظلّ جسده بين يديها كمن رحل نصفه، والنصف الآخر ما زال معلقًا بخيطٍ واهٍ لم ينقطع بعد.. اندفعت الأقدام إلى الغرفة اندفاع الريح العاتية، ومعاذ كان أول من اقتحم العتبة ومن خلفه باقي رجاله، عيناه متسعتان حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وصدره يتسع وينقبض في ارتجافٍ مذعور، لم يتوقف ليسأل أو يلتقط أنفاسه، بل انقضّ بجسده نحو السرير، حيث كان مالك ممدّدًا فوقه كظلٍّ واهنٍ يتشبث بخيطٍ رقيق من الحياة.. جثا معاذ إلى جانبه، قبض على كتفيه، يهزّه بعنفٍ مشوب برجاءٍ يائس: ــ مالك! أفق… افتح عينيك يا أخي! ما الذي حدث لك! لكن جسده كان ثقيلاً كجبلٍ من تراب، ساكناً إلا من نفسٍ يعلو وينخفض ببطءٍ قاتل، قطرات العرق كانت تتساقط من جبين مالك كندى على حجرٍ حارّ، والحرارة المتوهجة في جسده جعلت معاذ يزداد هلعًا، مدّ يده المرتجفة إلى عنقه يبحث عن نبضٍ يطمئنه، فشعر بارتعاشةٍ باهتة بالكاد تُدرك! رفع عينيه المذعورتين، ليجد ملك جاثية على الأرض عند صدر مالك، تتشبث بذراعه كما يتشبث الغريق بخشبة نجاة، كان وجهها مبللاً بالدموع، شفتاها ترتجفان بصرخاتٍ مكبوتة، وعيناها ترفضان أن تتركا ملامحه، كأنها لو رمشت عينها سيختفي إلى الأبد.. صرخ معاذ، وصوته ارتجف بين الغضب والرجاء: ــ عائشة! ماذا تنتظرين؟! ألن تتحركي؟! مالك يموت أمامك! التفتت إليه عائشة ببطء، كأنها تتحرك من عالمٍ آخر، عيناها الهادئتان كان فيهما بريق حزنٍ عميق، وفمها ارتسم على حافته وجعٌ صامت وهي تحاول الثبات أمام هذا الموقف الكبير عليها، اقتربت خطوة واحدة فقط، ثم وقفت كأن شيئًا يثقل قدميها، وردّت بصوتٍ واهن، لكنه مشبع بمرارةٍ خفية: ــ ماذا أفعل… وأنا عاجزة عن أن أزحزحه عنها؟ وأشارت بإيماءة خفيفة نحو ملك، التي كانت كالمحمومة في مكانها، تحتضن مالك بذراعيها، تمنع أيادٍ أخرى من أن تلمسه، حتى لو كانت يد النجاة.. ارتجف صدر معاذ غضبًا، وصاح وهو يتشبث بكتفي مالك أكثر: ــ أيتها المجنونة! دعيه لنا لننقذه! لكن ملك لم تستجب، بل ازداد تشبثها به، وكأنها لو تركته ستسلب منه آخر ما يربطه بالحياة، ارتفع صوتها باكياً، متحشرجًا كأن الكلمات تتفتت بين أسنانها: ــ لن أتركه… لن يأخذه أحد مني! ارتفع الصخب في الغرفة، وظهرت أصوات متداخلة بين صرخات معاذ، وبكاء ملك، وباقي نساؤه الاتي تجمعن حولهم ولم يجرؤا على التقدم إلى الأمام حين رمقهم حمزة ليتوقفن على باب الغرفة في فزعٍ شديد بل وتتطور الأمر لبكاءً بصوتٍ مرتفع يصل إلى العويل.. اقتربت عائشة أخيرًا، ووقفت عند حافة السرير، عينيها مثبتتين على وجه مالك الشاحب، ومدت يدها بخفةٍ تتحسس جبينه، ثم سحبتها بسرعة كأنها لمست نارًا، نظرت إلى معاذ بعينٍ تلمع باليقين، وقالت بصوتٍ غارق في الأسى: ــ لابد أن نتحرك الأن يا معاذ، هيا بنا على غرفتي. لم ينتظر معاذ لحظة، مد ذراعيه بقوة، يرفع مالك من بين أحضان ملك التي التصقت به بكل ما تملك من قوة، كأنها قطعة من جسده، صرخت ملك بجنون، حتى أن صوتها اخترق جدران الغرفة: ــ لاااا! لا تأخذه مني! لن تلمسوه! سيستيقظ… دعوه هنا! ارتجف جسدها وهي تتمسك بذراعه المرتخية، لكن معاذ انتزعها بحدة، وصوته انفجر في وجهها كالرعد: ــ أفيقي يا ملك! إن لم ننقذه الآن فقد نفقده للأبد! شهقت ملك، عيناها دامعتان، تصرخ في وجهه كمن يُسلب روحها: ــ لا تجرؤ… لا تبعده عني! لكن معاذ لم يلتفت، حمل مالك بذراعين ثابتتين رغم ارتجاف قلبه، وصاح بأمرٍ قاطع، صوته يزلزل الغرفة: ــ حمزة! هيا، خذ بيدي وساعدني! اندفع حمزة بخطوات سريعة، عيناه متسعتان بالذهول والخوف، وأخذ بساعد معاذ ليساعده في رفع مالك، جسده كان ثقيلاً، يتدلى رأسه إلى صدره، وشعره المبتل بالعرق يلتصق بجبينه، بدا كأنه جثة لم يبقَ منها سوى نفس يتردد بشق الأنفس... سبقَتهم عائشة بخطوات متسارعة، ثوبها الأبيض ينسدل خلفها كظلٍّ متعجل، وعيناها تشتعلان بعزمٍ صامت، لم تنظر وراءها، كأنها تعرف أن كل ثانيةٍ تتأخر قد تكون آخر خيط يربط مالك بالحياة.. أما ملك، فقد اندفعت خلفهم تجري حافية القدمين، شعرها يتناثر على وجهها، وصوتها يلاحقهم في الممرات الطويلة: ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك! أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا



![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)



