공유

لقاء القدر

last update 게시일: 2026-06-06 06:00:13

في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...

شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..

فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..

وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..

طال السكون بينهما حتى صار الهواء يخنق انفاسهما المضطربة، رفعت تولاي رأسها فجأة، وحاولت أن تقرأ ملامح شقيقتها، فوجدت في عينيها ظلّ ارتباكٍ مألوف، جعلها تقول لها بصوتٍ خافتٍ، حاولت أن تجعله عابرًا:

– ضيّ… لماذا تنتظرينني؟ ألم تنتهِ حصصك منذ قليل؟

أجابت ضيّ سريعًا، كمن يغلق بابًا قبل أن يتسلّل منه الضوء:

– لا أريد أن أعود وحدي… ولا تسألي عن السبب.

أمالت تولاي رأسها قليلًا، تراقبها في صمت حتى رأت في ارتعاشة أصابعها ما لم تنطق به الشفاه، كادت أن تسألها عمّا حدث، لكن قلبها ارتدّ إلى فارس ولحظته معها، وكأنّ سؤاله سيجرّها هي أيضًا للاعتراف..

مرّت نسمة باردة حرّكت خصلات شعر ضيّ، فتأمّلتها تولاي طويلًا قبل أن تردف بنبرةٍ مُبطّنة بالحنوّ:

– حسنٌ، تأكدي أنكِ لن تعودي وحدكِ، ولن يضيع أحدنا في الطريق ما دام الآخر معه.

ابتسمت ضيّ ابتسامة باهتة، ابتسامة تشبه جدارًا هشًّا يخفي خلفه زلزالًا كامنًا، ولم تجرؤ أيٌّ منهما على الاعتراف بأنّ لكلٍّ منهما سرًّا يحاصرها، سرًّا يثقل القلب أكثر من حقيبة الكتب التي يحملنها على الأكتاف، وأنّ الطريق إلى البيت سيكون أهون من الطريق إلى البوح..

مرت ساعتان حتى خرجت تولاي أخيرًا من قاعة الدرس الأخيرة، حقيبتها متدلية على كتفها وملامحها تحمل إرهاق الساعات الماضية، كانت ضيّ تنتظرها بالداخل أمام البوابة الحديدية للمدرسة، كتفيها مطويّين على بعضهما كمن يحاول الاحتماء من شيءٍ غير مرئي، التقت نظراتهما في صمت قصير قبل أن تتشابك أيديهما تلقائيًا؛ حركة صغيرة لكنّها تحمل كل ما لم يُقال..

الشمس كانت تنتصف السماء و تلقي بأشعتها البرتقالية على جدران المدرسة العتيقة، كان الهواء مُحمّل بروائح الطباشير وبقايا الضجيج الذي خرجا مع الطالبات في نهاية اليوم، تحركا معًا إلى الطريق، خطواتهما متناغمة رغم الثقل الذي يحمله قلب كل واحدة منهما، تولاي تحدثت عن شيءٍ تافه – سؤال عن الواجب أو حكاية عابرة – لكن صوتها كان مُرتعشًا قليلًا، كأنها تحاول إخفاء قلقها على شقيقتها ضيّ التي بدورها أجابت بجمل مقتضبة، تبتسم بلا روح، وتُراقب الظلال الطويلة على الأرصفة أكثر مما تُراقب الطريق..

وعلى مسافةٍ ليست بعيدة، كان يامن يقف متخفّيًا بين سيارتين متوقفتين، جسده متوتّر ويداه معقودتان خلف ظهره، عيناه تتبعان ضيّ في صمتٍ غاضب، وعضلة فكه تنقبض مع كل خطوة تخطوها بجانب شقيقتها، لم يتوقّع أن يراها تسير برفقة أختها، ولم يعجبه ذلك الإحساس بأن وجود تولاي جعلها خارج متناوله..

تقدّم بضع خطوات بطيئة خلفهما، كظلٍّ ثقيل يلتصق بهما، يختبر الأرض حوله ويتربّص، وكلما اقترب منهما، لاحظ الازدحام في الشارع..

بائع متجوّل يدفع عربته، أمّ تمسك بيد طفلها، وصوت درّاجة نارية يقترب، فهم في لحظة أنّ أي حركة متهوّرة ستلفت الأنظار له على الفور وحينها ستقتله زهرة وجده الذي يكرهه من نظراته، التقط أنفاسه وعيناه تشتعلان ببرقٍ كامن..

توقّف فجأة، يحدّق في ظهريهما الصغيرين وهما يبتعدان بين الحشود، أحسّ بالدم يغلي في عروقه، وشيء مظلم يزحف إلى صدره، أدار ظهره ببطء، كمن يكبح عاصفة، وسار إلى سيارته بخطوات متحفّزة، يده تشدّ على مقبض الباب بقوة تكاد تكسره حين كان يغلقه خلفه، ارتسم على وجهه شبه ابتسامة باردة، ابتسامة تُشبه وعيدًا وهو يتمتم بجنون:

– لن يفلتكِ حضور أختكِ إلى الأبد… يا ضيّ، ستدركين قريبًا أنّكِ لي مهما حاولتِ الهرب.

قاد سيارته عائدًا إلى القصر، والغضب يتردّد في صدره مثل طبول حرب، وعينيه تشعّان بوعدٍ مظلم لما سيأتي.

---------

في الممرِّ الطويل للقصر، كانت الجدران المزدانة بالنقوش العتيقة تتلألأ تحت ضوء الشمس المتسلِّل من النوافذ الزجاجية، لتصبغ المكان بهالةٍ من الفخامة والرهبة..

كان عسير يجلس في قاعة المجلس العائلية، عيناه تتنقّلان بين وجوه أولاده الجالسين حوله في دائرة صامتة، أصابعه تضرب بإيقاعٍ ثابت على ذراع المقعد الخشبي الثقيل، صوتها أشبه بعدّادٍ يحصي اللحظات المتبقية قبل أن يقرر كيف سيخرج من فخّ شاهين، ملامحه القاسية تخفي اضطرابًا داخليًا، لكن عينيه اللامعتين لم تسمحا لأيّ من أولاده أن يشك في هيبته..

وفي الطابق العلوي، كان يامن يسير بخفة القط، قدماه تمتصّان صوت الأرض الرخامية حتى لا يثير الانتباه، قلبه كان يدقّ بعنف، وانفاسه تلهث كلّما اقترب من جناحه الخاص، لم يكن يريد أن يراه أحدٌ الآن؛ لا جده عُسير، ولا أحدٌ من أعمامه أو أولادهم، كان يحمل على كتفيه ضيقٌ وغضبٍ يكاد يحرقه حيًا، وحين بلغ منعطف السلم المؤدي إلى غرفته، انحنى قليلًا وألقى نظرة سريعة على المجلس ليتأكد أن الطريق آمن..

لكن الصوت الذي اخترق السكون أوقفه في مكانه:

– يَــمــان!

وقف يامن في موضعه وقد سُحبت الأرض من تحت قدميه، عيناه اتّسعتا والدم تجمّد في عروقه وهو يلتفت ببطء كي ينظر إلى جدهُ الذي كان قد اعتدل في مجلسه وهو يتطلع إليه ونظراته تمثل رجلٍ يختبر كذب الآخر..

اقترب يامن على مضض، خطواته حذرة لكن ثابتة، حتى وقف أمامهم، جلس حيث أشار له عُسير، وسط أعمامه وأبنائهم، محاطًا بعيونهم التي تلتمع بالتساؤل، حدّق فيه عُسير بعينين تضيقان من الغضب المكبوت، صوته منخفض لكنه حادّ كسكين:

– اجلس مثل الرجال معنا، ولا تختبئ في الغرف كالنساء؛ ففي هذا البيت الأسرار لا تدوم، والضعف يقتل صاحبه قبل أعدائه.

وفي الخارج، خلف الجدار المجاور، كانت غسق تلتصق بالحائط، أنفاسها محتبسه وأذنها مشدودة إلى الشق بين الباب وإطاره، قلبها يخفق بسرعة، وكل كلمة تتسرب من المجلس كانت تزرع في صدرها قلقًا أكبر، وعندما سمعت صوت الكراسي تتحرك والأصوات تتداخل، ابتعدت بهدوء، تسحب جسدها كمن يهرب من فخ..

دخلت إلى الجناح الداخلي حيث أمّها تُرتّب بعض الأقمشة قرب النافذة، تقدّمت منها غسق بخطوات محسوبة، تحاول أن تبدو عادية، لكن نظرة أمها اخترقتها وهي تقول لها:

– يمّه… لازم أطلع هالحين أجيب كم حاجة مهمّة لي.

رفعت الأم رأسها، حدّقت فيها بصرامة واضحة:

– لا الحين… استنّي لما يخلّصوا الرجاجيل شورهم، وخُدي وياك واحد من خوّتك.

تغيّرت ملامح غسق إلى رجاءٍ خالص، صوتها اختلط فيه التوسل بالقلق:

– يمّه، بالله عليكِ… ما راح أطوّل، إن مشيت الحين برجع قبل لا يدروا، والرجاجيل مشغولين، وما له داعي أدوّخ خوّتي.

هزّت الأم رأسها، تتشبّث بموقفها:

– لا يا بُنيتي… ذا ما هو وقتها الحين.

تقدّمت غسق خطوةً، عيناها تلمعان بإصرارٍ طفولي لكنه يحمل نبرة امرأة تعرف كيف تنال مرادها:

– أعِدك يا يمّه ما أتأخّر، والدرُوب زينَه، وما أقرب صوب أي مكان مشبوه.

تنفست الأم بعمق، نظرت إليها طويلًا ثم أطبقت يديها على حافة النافذة بعصبية، وكأنها تزن الخطر في قلبها، فظلت غسق تقبل خدها بتوسل و أخيرًا أومأت ببطء، لكن نبرة صوتها بقيت حازمة:

– هَيّه… بس لا تسوقي لحالك، خُذي السايق معاكِ، لو لمحِك واحد من رّجالك تسوقي… يقتلُوك قبل ما تفَكّي كلمة.

ابتلعت غسق ريقها بصعوبة، وأومأت سريعًا:

• زي ما تبغَي يا يمّه.

أدارت ظهرها لتخرج، وعلى وجهها مزيج من الانتصار والقلق، أما الأم فظلّت واقفة عند النافذة تراقب الشوارع في الخارج وقد اقترب الظلام على أن يغرق قريتهم بالكامل، تنفست بعمقٍ وهي تشعر أن شيئًا ما يوشك أن ينفلت من بين يديها..

تسلّلت غسق بخفّةٍ حذرة إلى السيارة السوداء اللامعة، وجلست في المقعد الخلفي للسيارة، بينما ارتسم على وجهها مزيجٌ من الجسارة والقلق الخفي وهي تقول له بصوتٍ هادئٍ يغلّفه أمرٌ خفيّ:

ــ ودّيني السوق الكبير… لا تْبعد عن الباب لين أرجع.

هزّ السائق رأسه موافقًا، وانطلقت السيارة في صمتٍ لا يقطعه سوى أزيز المحرّك، كان قلبها يخفق بانتظامٍ متوتر، وعيونها تتابع الطريق من خلف الزجاج الداكن، فيما الليل يمدّ أذرعه فوق القرية، حينها توقّفت السيارة أمام المول، فأمالت جسدها قليلًا وهمست:

ــ تْرَكّز هِنا ساعه وحده… لا تْخطو مِن مكانك.

ثم هبطت بخفّة من السيارة ودخلت عبر الأبواب الزجاجية الواسعة، مُظهرةً انشغالًا زائفًا بتفقّد واجهات المتاجر، قبل أن تختفي بين الزحام، ثم، بخطواتٍ محسوبة، سارت نحو البوابة الخلفية للمول، وألقت نظرةً سريعة حولها قبل أن ترفع يدها لعربة أجرة توقفت إلى جانب الرصيف، فتحت الباب بسرعة وجلست، وقالت للسائق بصوتٍ منخفضٍ لكن واثق:

ــ رِدّني لقصر العسيرات… مِن البوّابة اللي ورا، ما هيش الرئيسية.

لم يعلّق السائق سوى بإيماءةٍ مقتضبة، وتحركت السيارة بين أزقّة جانبية بعيدة عن الأنظار، وحين بلغت البوابة الخلفية، انزلقت غسق من السيارة برشاقة، واندست بين الظلام كأنها طيفٌ يعرف كل منعطفٍ في القصر..

التفتت بحذر، تأكدت من أن أحدًا لم يلمحها، ثم سارت بخطى متسارعة نحو الحديقة الجانبية حيث يقيم أصيل النمر..

وقفت خلف شجرةٍ كثيفة الأوراق، ونادت بصوتٍ منخفضٍ لكن حازم:

ــ أصيل… أصيل تعال!

ثم صفّرت غسق صفيرًا خافتًا يحمل معنى النداء، لم يطل انتظارها حتى اندفع أصيل، من خلف كثيبٍ مرتفع، وبره يلمع تحت ضوء القمر كأنه قطعة من الليل ذاته، عيناه الخضراوان تشعّان بالذكاء والوفاء، وخطواته على الرمل خفيفة كأنها هسيس ريح..

تقدّم نحوها، فانحنت تربّت على رأسه العريض، وضحكت ضحكة قصيرة تخفي تحتها شوقًا:

ــ هاه يا أصيل… ودّنا لمكانّا المعتاد، يا رفيق دربي.

أطلق أصيل زئيرًا منخفضًا بدا وكأنه جواب وعدٍ قديم، ثم خفَض جسده العريض لتصعد على ظهره، أمسكت بوبره الكثيف، وشدّت ساقيها حول جانبيه و مع أول اندفاعةٍ له، انفتحت الصحراء أمامهما ككتاب أسرار...

الرمال كانت تتطاير تحت قدميه السوداوين، والريح تصفر حول وجهها، والقمر يرسم طريقًا فضيًا يمتد نحو قلب الصحراء..

قطع أصيل مسافاتٍ ليست بقصيرة، يتنقّل بين الكثبان بحذرٍ وخبرة، حتى بلغ منتصف الصحراء حيث صخرة بارزة يعرفانها جيدًا، هناك توقّف ببطء، وزفر أنفاسًا حارّة، فيما غسق نزلت من على ظهره بخفة، عيناها تتقدان بعزمٍ وهي تهمس له وهي تربت على عنقه:

ــ هاه، هنا… مثل ما نعرف دوم، الله يجزيك خير يا أحبيبي.

نزلت غسق وعيناها تبحثان بعزمٍ لا يتزعزع، لم تحتج للبحث طويلًا؛ فهناك، تحت بجوار تلك الصخرة لمحت إضاءة خافته، فوقفت قبالتها لتجد شاهين بانتظارها، كان منتصبًا بصدرٍ مرفوعٍ وكتفين ثابتين، عيناه تراقبان الأفق لكنهما أضاءتا حين لمحاها، في تلك اللحظة، غمرها يقينٌ صلب بأنها تعرف ما يدور بعقله كما يعرف هو ما يدور بعقلها، وأن قلبها على الرغم من كل المخاطر، قد قادها إلى حيث يجب أن تكون..

خرج صوتُه خشنًا وعميقًا كصوت الريح في ليالي البادية:

ــ كنت واثق يا غسق… إنّك أوّل ما تسمعي بالمغرز اللي حشرت فيه جدّك عسير… بتيجينـي.

تغيّرت ملامحها واشتعلت في عينيها شرارة غضبٍ صريح، تقدّمت نحوه بسرعة وضربت صدره براحتها بقوةٍ مفاجئة، فاهتزّ جسده قليلًا من وقعها، حتى أصيل لم يتحمّل المشهد وظن أنه يهاجمها فزمجر بصوتٍ عميق وانقضّ خطوةً للأمام كأنه يستعدّ لافتراس شاهين، لكن غسق، بنظرةٍ واحدة حادة وصوتٍ آمرٍ، رفعت يدها أمامه:

ــ وقّف يا أصيل! لا تقترب ولا تتدخل.

تردّد أصيل قليلًا، وأنفاسه تتلاحق من الغضب، ثم تراجع نصف خطوة وهو يرمق شاهين بنظراتٍ كالسهام، أما غسق فالتفتت إلى شاهين، وصوتها ينفجر غضبًا، والأرض تهتز تحت قدميها:

ــ انت اتجنّيت بعقلك؟! تبغى تاخذني عروس دم؟! أنا غسق بنت العُسيرات… أروح عندكم عروس دم؟! والله لاقتل واحد فيكم ورا الثاني قبل ما تحطّوني بهالعيب!

سكت شاهين للحظة متعجبًا، و ظلّ واقفًا، وقد شدّ فكّه بقوة، لكن عينيه لم تتركها لحظة.. انعكست أضواء النجوم والقمر على وجوههم، فأظهرت توتّرًا شديدًا على ملامح غسق الحانقة؛ وأصيل النمر يقف خلفها متحفّزًا، بينما هو مازال يتطلع إليها وكأنه يحسب كل كلمة وكل حركة..

كانت الريح تداعب أطراف عباءتها، لكن نبرة التحدّي في صوتها كانت كالسهم يشقّ السكون، تقدم منها شاهين خطوه وكتفاه العريضان مائلان قليلًا، وعيناه مثبتتان عليها بثقةٍ مشوبة بشيء من الاضطراب المكتوم، رفع حاجبيه قليلًا وقال لها وصوته يحمل دفئًا لا يظهر سوى لها:

ــ كنت فاكرك بتفرحي… إنّك بتصيرين مرّتي… وحلالي.

تقدّمت غسق خطوةً للأمام، وضوء القمر يلمع في عينيها كحدّ السيوف، وضربت الأرض بكعبها في إصرار وهي تردّ بحدة:

ــ مرّتك وحلالك؟! لما تجي تاخذني وتقالني بالدهب… قدّام العالم!

ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:

ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • رجال الله   عودة الأمير

    ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا

  • رجال الله   قلبٌ في قبضة السمّ

    ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت

  • رجال الله   سلبها جسدها عنوة

    كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي

  • رجال الله   دهاء الصقر

    وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status