Home / الرومانسية / رجال الله / سيوف العائلات

Share

سيوف العائلات

last update publish date: 2026-06-05 06:37:25

كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..

وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..

من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطارق الأصغر، تتأرجح في عينيه ملامح شابٍّ يوازن بين الحذر والطموح..

اقتربوا من الساحة بخطواتٍ ثقيلة لكنها محسوبة، ما إن بلغوا منتصف المجلس حتى تبادلوا النظرات، فأشار عُسير برأسه لأبنائه، فانتشروا في المكان يهيّئون الجلسة، بسط رشيد السجاد الإضافي على الأرضية ليُوسّع دائرة المجلس، بينما رفع مبارك إحدى القناديل المعلقة ليُعيد ضبط ضوئها كي يتلألأ أكثر مع أشعة الصباح، أما طارق فاقترب من مقاعد الخشب وأعاد ترتيبها، يزيح بعضها للأمام ويعيد توجيه بعضها الآخر كأنّه يهيئ المسرح لعرضٍ مصيري..

وقف عُسير في منتصف الساحة، يرفع بصره إلى الراية المرفرفة بصمت، ثم مسح بصره على الفراغ الممتد من حوله، وقال وهو يشدّ عباءته حول كتفيه:

ــ اليوم يا رجالي… إمّا نلمّ الدم… وإمّا يتفرّق الرمل علينا فرقاً، لابدّ أن يوافقوا على عروس الدم… بأي ثمن، لذا فهل سمع أحدكم أي خبر من القبليتين؟!

ردّ رشيد بصوتٍ خافت لكنه حادّ:

ــ لا يا بوي لم نسمع شيئًا ولم يصلنا لنا أي اعتراض من الاثنان، وعلى كُلٍ إن ما رضخوا… الثأر يا بوي ياكل ديارهم وديارنا، ما نقدر ناخذ طرف… وإلا الجعافرة يدمروا البلد ويقطعوا تجارتنا.

أجاب مبارك وهو ينفض غبارًا عن يديه:

ــ أقولها ثانية الواقاداب هم اللي بدوا الشرّ… لكن الجعافرة لا يُستهان بيهم، لو وقفنا مع طرف، بنغرق معاه لازم نلزمهم بالصلح مهما حدث.

طارق، الذي ظلّ ساكتًا حتى اللحظة، همس متردّدًا:

ــ والشيخ جعفر… تظنونه يقبل حكمنا بسهولة؟

ألقى عُسير نظرة ثقيلة نحو الأفق وقال:

ــ جعفر رجل ما يلين… لكن يعرف إن الدم إذا سال، ما يرجع، بناتهم لو سلّمن… يُسلّمن ملكات، والواقاداب يعرفون إنهم المخطئين، وإن رفضوا… النار تلتهمهم.

صوت الريح الخفيفة مرّ بين المقاعد، فصفّق أطراف العباءات وأحدث همهمةً طفيفة تدعم قولهم، جلس عُسير أخيرًا في صدر المجلس، وعيناه تراقبان البوابة الرملية البعيدة، ينتظر قدوم القبيلتين، فيما كان قلبه يعرف أنّ هذا الصباح إمّا أن يصنع سلامًا هشًّا، أو يشعل حربًا لا تُبقي ولا تذر..

بدأت الشمس تتسلّق الأفق ببطء، وكأنها تتردد قبل أن تكشف الصحراء على حقيقتها، الضوء الذهبي وحرارته القوية انسابت فوق الكثبان الرملية، ليعكس لمعانًا حادًا على السيوف المعلقة على جدران المجلس، خيّم هدوء ثقيل على المكان، و كل حبة رمل تنتظر وقع أقدام القادمين..

ومن بعيد، ارتفع غبار الطريق مثل سحابة تتشكل على مهل، تبعتها أصوات سنابك الخيل وهي تضرب الأرض بإيقاعٍ واثق، تميّزت أعين العُسيرات سارية رايةٍ سوداء تتوسطها نقوش فضية، دليلًا لا يخطئ على الجعافرة، وكلما اقتربت القافلة، تمايزت الوجوه الصلبة التي يطبعها الكبرياء والصلابة..

في مقدمة الركب كان الشيخ جعفر، كبير الجعافرة، يمتطي جواده الأشهب بظهرٍ مستقيم ورأسٍ مرفوع، عباءته الثقيلة ترفرف عند كتفيه، ولحيته البيضاء الكثّة تعطيه مهابةً لا يجرؤ أحد على كسرها، بجانبه سار أبناء عشيرته الأقوياء، وأمامهم شاهين، ابن العشيرة الأثير، وجهه متوتر رغم محاولته إخفاء القلق تحت ملامح جامدة، عيناه لم تفارقا الأفق، لكن شيئًا أعمق كان يعتمل في صدره؛ صورة غسق التي علقت في ذهنه لم تفارقه، وها هو اليوم يُساق إلى مصيرٍ قد يربطه ببنت من الواقاداب..

على مقربةٍ منه، كان بعض رجال الجعافرة يتبادلون همسات سريعة، بينما سكت شاهين، غارقًا في صمته، وحين لمح المجلس أمامه، شدّ على لجام حصانه، فتوقفت القافلة في صفٍ مرتب، وعمّ المكان صليل حديد ووقع حوافر..

هبط جعفر عن جواده بخطوةٍ مهيبة، يده تضغط على مقبض خنجره المعلّق كرمز لا للقتال، بل لتذكير الجميع بثقل الدماء التي سقطت، التفت إلى رجاله وقال بلهجته الجهورية:

ــ أؤكد عليكم هذ المجلس… نطأه للصلح، لكن ما نطأه للذلّ، كرامة الجعافرة فوق كل راس، وإن رضينا بالسلام فلأجل دماء أبنائنا فقط.

ردّ أحد الشيوخ الواقفين خلفه:

ــ والواقاداب… يدرون إنهم المعتدين، بس نسمع منهم… وإن جاروا علينا، والله ما ينجو دمهم.

رفع جعفر يده يسكت الكلام، ثم سار بخطواتٍ ثابتة نحو صدر المجلس، مرّ بعينيه على المقاعد، وعلى عُسير الجالس بهدوءٍ مدروس، فالتقت نظراتهما للحظة كانت كافية لعقد كلمة مُلزمة بالهدوء المؤقت، تبادل الاثنان إيماءة قصيرة لا تحمل ودًّا ولا عداءً صريحًا، بل إقرارًا بحقيقةٍ يعرفها كلاهما؛ أيّ كلمة خاطئة قد تشعل الرمال نارًا..

دخل رجال الجعافرة المجلس وتوزعوا في أماكنهم، وجلس شاهين إلى يسار عمه جعفر، محاولًا أن يبدو ثابتًا بينما قلبه يضجّ بالأسئلة، أصابعه شدّت على حافة السجادة تحته، وعيناه أخذتا تتفحصان المكان بحثًا عن مخرج، عن أفقٍ آخر غير هذا الزواج المفروض عليه، ومع ذلك، لم يبدُ عليه سوى ملامح الشاب البدوي الذي يعرف أن السيف والدم والعهود هي اللغة الوحيدة هنا..

على الطرف الآخر، تبادل أبناء عُسير نظراتٍ حادة، ورشيد ألقى نظرة سريعة على مبارك وطارق، كأنه يذكّرهم بأن المجلس قد بدأ بالفعل قبل أن ينطق أحد، أمّا الصمت الذي ساد الساحة بعد جلوس الجعافرة، فقد كان كصوت عاصفة تتجمع في قلب الصحراء، تنتظر كلمة واحدة لتنفجر..

وفجأةً، ارتفع غبار جديد من جهة الجنوب، وصوت حوافرٍ كالرعد اقترب سريعًا، التفتت أعين الجالسين نحو الطريق، لترى القافلة الثانية تقترب في صفٍ منظم، يسبقهم فارسٌ يرفع راية بلونٍ رمليٍّ داكن، تتدلّى منها خيوط حمراء، علامة الواقاداب..

في مقدّمة الركب كان الشيخ عمار، كبير الواقاداب، يمتطي حصانًا أسود لامعًا كالليل، وجهه يقطر غطرسةً، وملامحه المتصلبة تحكي عن رجلٍ لا يعترف بالهزيمة، إلى جانبه بعض شيوخه المعروفين بقسوتهم، وأبناء العشيرة يحيطون به بأسلحة تتألق تحت ضوء الصباح..

حين اقتربوا من المجلس، انخفضت الأصوات إلى صمتٍ أعمق من السابق، وكأن كلّ نفسٍ يخشى أن يشعل شرارةً، أوقف عمار حصانه بخطوةٍ واثقة، فاهتز الرمل تحت حوافره، ثم ترجل ببطءٍ مدروس، يرفع رأسه بشموخٍ ثم تبعه رجاله حتى صاروا عند مدخل المجلس..

ألقى عمار نظرةً حادّة على الجالسين:

ــ يا عسير… يا جعفر.

ثم تابع بصوته الذي يجلجل في المكان:

ــ ترانا جينا على صلحٍ إن كان فيه صلح… وجينا نسمع الكلام اللي يبرد الدم، بس ما جينا نطاطي رقابنا، والواقاداب ما تعرف تردّ برأسٍ مطأطأ.

رمقه جعفر بنظرةٍ صلبة، ولم يتحرك فيها جفن، بينما اكتفى عُسير بإيماءةٍ صغيرة تشير إلى مكان جلوسهم، تقدّم الواقاداب بخطواتٍ موزونة، حتى صاروا في قلب المجلس، تبادل رجال العشائر النظرات الحادّة، كأن كل عينٍ فيها استعداد لثأر قديم..

جلس الشيخ عمار ببطء، فرشت عباءته فوق السجادة وكأنها راية حرب، ثم تبعه أبناؤه وشيوخه، التوتر في المكان صار محسوسًا كأنه خنجر على الرقاب، لم ينطق أحد بكلمة، حتى الهواء بدا أنه توقف في صدر المجلس..

ومع صعود الشمس لتقترب من كبد السماء بدا مجلس القبائل كأنه قطعة من التاريخ عادت لتتنفّس، كان هناك سكونٌ يلفّ الساحة الرحبة، إلا من همسات الريح وهي تمرّ بين أعمدة الخشب المنحوتة بزخارف قديمة، الأرض مفروشة ببُسط صوفية تبهت ألوانها من كثرة ما شهدت من دموع الرجال ودمائهم، وفي صدر المجلس حرك عسير عصاته وفرد قامته الشامخة، وملامحه كصخرة صقلتها الريح، بينما عيناه تحملان كل ثقل الأجيال..

رفع عسير يده، فعمّ الهدوء أكثر مما كان، وقال بصوت كالرعد البعيد:

– يا رجال القبيلتين، يا من تحملون إرث الجدود وتُقيمون على أرضٍ سقَتها دماؤهم… إنّ الدم بيننا ليس بالهين، لكن أعظم منه أن يضيع كلّ ما زرعوه بأيدينا، جدودنا ما كانوا يتركون التار يأكل بعضه بعضًا بلا عقلٍ أو ميزان. كانوا يعرفون أن النار إذا تُركت في الهشيم أحرقت البيوت قبل أن تأكل الخصوم.

سكت هنيه، ومرّر بصره على وجوه الواقاداب والجعافرة، ثم تابع، وصوته يزداد رسوخًا:

– كم ضاع منّا من خيرة شبابنا؟ كم أمًّا بكت حتى جفّ دمعها؟ ما عاد فينا من يحتمل أن يُدفن ولده أو أخوه تحت التراب من أجل كلمة أو نزوة، لا الجعافرة تقدر تستغنى عن عيالها ولا أرضها ولا تجارتها… ولا الواقاداب تقدر على ذلك، كلّنا في الهوى سواء.

ثم تغيّرت نبرة صوته، وصارت أكثر صرامة:

– سعدون… نعم، سعدون الواقادبي غلط يوم قتل ذاك الغلبان من الجعافرة، ظلم روحًا ما لها حيلة، وشاهين… شاهين الجعفري غلط يوم ما رجعش للمجلس ياخذ حق ولد عمه بعقل وحِلم، وبالرغم من ذا، الغلط الأكبر يطيح على الواقاداب، هم من بدأوا هذا الدم، والدم ما ينطفئ إلا بعروس الدم.

تبادل الرجال النظرات الثقيلة، وانحنت بعض الرؤوس كأنها تُقرّ بالحقيقة، أضاف عسير، وملامحه كحدّ السيف:

– حكمي، واللي ما فيه رجعة… إنّ عيلة الواقاداب تختار بنتين من بناتهم، يروحوا مطأطأين الرأس لعُرس الجعافرة، وحدة تُزوَّج لشاهين، والتانية لأخوه الأصغر… راجي.

هنا تعالت همهمة خافتة في المجلس، لكن عسير لم يُمهلهم فرصة للاعتراض، إذ أشار بيده أن يصمتوا، ونظراته الحادة تقول إن أي خروج عن الكلمة سيشعل النار من جديد..

انفجر الغضب من صفوف الواقاداب بعدما ألقى عسير حكمه، فنهض الشيخ عمار من مكانه، شاربه ينهض مع غضبه، ووجهه يشبه صخر الصحراء في صلابته، ووقع قدماه على الأرض كانا يمسحان ترابها بقرار لا رجعة عنه، فارتفع صوته مدوّياً:

– يا عسير! تحكم علينا وإحنا كبار القبايل؟! تظنّ بناتنا ينزلن على ركبهم لروحٍ ما تعذر؟! إذا جبنا بنتين، بنات الجعافرة راحوا عندنا خدامات كذا؟! والله ما نطيح راسنا!

تقدّم واحد من شيوخه، يلهث بالغضب ويضيف بصوتٍ مقطوع:

– وش نسوي؟ نرضى نخسّر هيبتنا؟ نخلّي الناس تقول إن الواقاداب لقوّلوا؟ لا يا رجال، ما يصير!

ازداد الهمهم، وبعض الشباب رفعوا أيديهم على مقابض سيوفهم في لحظةٍ تكاد تشعل النار، فتقدم عمار بخطوة واحدة وأشار بيده لتهدئة الهياج، لكنه لم يخفِ التحدّي في كلماته:

– إحنا ما نرضى الهوان، لكن اسمعوا: لو بناتنا يروحون، فالقانون عندنا، هذا حكم عسير وإن ما رضيتم، بنردّ بطريقة ما ترضيكم ولا ترضي غيركم، لا تنسوا إن اللي بَدَّ الدم بدأ به، وما بناخذ حقنا إلا بميزاننا.

ساد صمت مشدود بعد كلامه، ووجوه الواقاداب كانت مشتعلة بين الكبرياء والخوف، أما الجعافرة فجلست ثابتة لكن أعينهم لم تغب عن المشهد، وشاهين جلس جامداً كالنار تحت الرماد، كأن قلبه يصنع قرارًا لا يدرون عنه شيئاً..

دوّى صوت السخرية في أرجاء المجلس كصفعةٍ على وجوه الرجال:

– هين يا الجعافرة… لولا خوفكم منا ما جِيتوا ترضَوا بتلك المهانة!

لم يحتمل راجي، شقيق شاهين الأصغر، ذلك الاستهزاء، فنهض بغضبٍ مجنون، عيناه تقدحان شرراً، وأشار بإصبعه نحو الفتى المتحدث من الواقاداب، شاب قوي البنية يقارب عمره:

– اعرف مقامك يا ولد عمار… لسّاك تحبو بين الرِجال وتجرؤ تتطاول؟!

ردّ الفتى البَدوي بنبرة متحدّية، وصدره ينتفخ بالكبرياء:

– وأنت تظن نفسك رجال يا جعفري؟ دم سعدون في رقبتكم… ولسّاك رافع راسك!

في لمح البصر تقدّم راجي وأمسك بصدغه بقوة، فدفعه خصمه بدوره بعنف، وارتفعت أصوات المقاعد الخشبية وهي تحتك بالأرض.. هرع بعض الشيوخ للخلف، بينما بسط الواقاداب أيديهم نحو خناجرهم، وتحفّز الجعافرة بردّ الفعل..

تكسّر الصمت بصرخة عسير، صوته يشقّ المكان كالرعد:

– كفى! هذا مجلس شيوخ… ما هو ساحة نقع فيها الدم!

خطا عسير إلى الأمام، وجهه مكفهر، وعيناه تقدحان غضباً، ثم أدار رأسه ناحية عمار، كبير الواقاداب:

– يا عمار… أمسِك ولدك قبل لا يضيّع دمكم ودمنا!

ثم التفت إلى جعفر، كبير الجعافرة، يشدّ على كلماته بصرامة:

وأن يا جعفر… كفّ راجي عن الطيش، والله لو سالت نقطة دم هالحين، ما حد يوقف النار بعدها.

سرت همسات متوترة بين الرجال، وتراجع الواقاداب ببطء، بينما مدّ جعفر يده ليقبض على ذراع راجي ويشده نحوه، صوته غاضب لكنه ثابت:

– اهدأ يا ولدي… ما نضيّع حقّنا بالحماقة.

نظر راجي إلى خصمه نظرةً حادّة، أنفاسه تتلاحق، لكنّه خفف قبضته وتراجع خطوة، فيما تراجع الفتى الآخر نحو قومه متأجج الغضب، وعمار يزجره بعينين صارمتين..

ظلّ الهواء مشحوناً بالعداء، كأن شرارة صغيرة تكفي لتشعل ناراً جديدة، لكن كلمة عسير وحزم الشيوخ أوقفا الانفجار في اللحظة الأخيرة..

فتبدَّت شرارة الغضب في عيون الحضور و وقف عمار رافعًا صوته بلهجةٍ حادةٍ:

– نحنا ما نرضى الذلّ! بناتنا ما يصير لهنّ مقام الخضوع والمهانة!

لم تمُضِ لحظاتٌ حتى نهض جعفر، وجهيه احمرَّ كالسيف المُحمّى، وعيناه قد فتحتا على مصاعِد الغضب؛ تقدّم بخطوةٍ واحدة، وصوته انطلق كالرعد:

– تعوّدتوا تحسبوننا ضعفاء؟ لا يا عمار، ما نركع! لو قلت بناتكم خدام، نرد عليكم بمنطقٍ غير!

تصاعدت النبرة، وتجلّت في المجلس رغبةٌ صارخةٌ في الانقضاض، وقد صار الهواء مثل الكهرباءً، وراح الرجال من الجانبين يدوّرون أعينهم نحو غمد السيوف ومحافظ الخناجر، هدير همهماتٍ قصيرة انتشر كزئيرٍ كامن، ثم صار صوت شدِّ الأحزمة، وطقطقة الحديد ضد الجلد، ومقابض السيوف تُمسك بقوّة..

في تلك اللحظة، بدا الخطر واضحًا جليًا كضوء الشمس الذي يعمي الأبصار فوقهم؛ القبيلتان تُعدّان أسلحتهما كما يُعدّ المقاتلُ نفسه للغزوة، الأجساد تقوّست، والأنفاس تعالت، والرمال تحت الأقدام تهيّأت لتسقط عليها شرر المعركة!

وقف عُسير في مركز الساحة، رفع يده ببطءٍ ثم وضعها على رأسه؛ كانت تلك حركة يشي بها القلق والاحتباس، كمن يقبض على زرٍ يمنع الانفجار، عيناه تجوّلتا في الوجوه، وفيهما مرارة رجلٍ يعلم أن كلمةً واحدة الآن قد تقطع حبلًا دقيقًا بين السلام والحرب، فتمتم بصوتٍ خافتٍ لكنه مُثقلٌ بالرهبة:

– يا رجال… إتقوا الله في دِم من فارق الدنيا، ما أريد أن أرى هالبلد يحترق بسبابنا.

حاول أن يخطو إلى الأمام، لكن قدماه كأنما تزلزلتا؛ الحشود ضغطت على حدودها، والذين حوله من الشيوخ يمدّون يديهم بلا جدوىٍ يطلبون التهدئة و عُسير قد وضع كفّيه على رأسه مرّةً ثانية، وكأنّه يبحث عن عقلٍ يخلّص المجلس من نفسه، ثوانٍ طويلة بدت كدهر؛ السيوف كانت قريبة من الخروج، والوجوه مشتعلةٌ بعنادٍ لا يقبل الحِلّ..

لم يَدرِ أيٌّ طريقة يكفّ بها الرجال عن الاستعداد للفتح: هل ينطق بحكمةٍ تردعهم؟ أم يصمت ويترك التاريخ يكتب سطورًا من نار؟ ظلّ عُسير واقفًا، يده على رأسه، فمُحتارًا، والهيل ينتشر في الهواء كدخانٍ يسبق عاصفة..

والسيوف تكاد تخرج من أغمادها، وفي تلك اللحظة الفاضلة ارتفع صوت شاهين فجأة، قويًّا كالرعد، فالتفتت نحوه العيون المشتعلة بالغيظ، فبدا كأنه يقطع شريان الفوضى بكلمةٍ واحدة، بينما في أعماقه ارتجف قلبه بصورة غسق التي تسكن روحه كطيفٍ عنيد، تُضيء له الدرب وتؤرقه في آنٍ واحد..

كانت يداه مشدودتين إلى جانبيه، عيناه تلمعان ببريقٍ متحدٍّ، وصوته يعلو فوق الضجيج:

– يا رجال، اسمعوا زين…!

ساد الصمت لحظة، حتى هدأت الأيدي الممسكة بالمقابض، وانكمشت الأصوات المتوعدة، تابع شاهين وهو يمسح بنظره وجوه الواقاداب والجعافرة والعُسيرات، كأنه يزن كل نفسٍ في المكان:

– ترى الدم لو سال اليوم، ما بترجع له سواقيه، واللي ينكسر منّا اليوم، ما له جبر إلا بالتراب، وعيالنا مو حجارة نرميها في نهر الثأر، أنتم تعرفون إنكم ما تقدرون تخسرون أرضٍ ولا ولد، لا الواقاداب ولا الجعافرة، والدمار بيجي على الجميع، تجارةً وداراً وعِرضاً.

كان قلبه في تلك اللحظة يضجّ بغسق — صورتها، ضحكتها، ظلّها وهي تعبر في خياله — لكن عقله كان بارداً، يستغل الفكرة التي ومضت في حديث عُسير، تنفّس شاهين بعمق، ثم ألقى كلماته التي قصمت التوتر:

أقترح عليكم حلٍّ يوقف السيوف ويصون الوجه، أنا… شاهين الجعفري… آخذ بنتاً من بنات العُسيرات لي ملكة، قدّام الناس كلهم، وبنات الواقاداب يسلّمون بنتين يجين لعشيرتنا بالحلال، لراجي أخوي ولسالم ولد عمي وبالمقابل، بناتنا يروحون لعمار ورجاله مرفوعات الرأس زوجات، مو خدامات، عشان ما يقال حد انهان، والبنت اللي آخذها من العُسيرات تصير ميزان الدم، شاهدة علينا جميعاً، رمزاً إن الدم صار واحد، وإن الكلمة اللي تنكسر بعدها ما لها إصلاح.

تعالت همهمات المفاجأة، وارتفعت حواجب الرجال، وكأن الفكرة نزلت كالصاعقة في ذلك الصباح المشتعل، تبادل الواقاداب نظراتٍ متحفزة، وشدّ جعفر فكيه وهو يرمق شاهين بحدة، أمّا عُسير فظلّ للحظة مشدوهاً، كأنه يحسب أبعاد هذه الضربة الذكية..

أكمل شاهين ونبرة صوته تهتزّ بعزمٍ خشن:

– ترى ما عاد ينفع التهديد يا شيخ عمار، ويا شيخ جعفر…و يا عيال العشيرة، هذا هو الطريق قدامكم، إمّا توفون به، وإمّا الدم ياخذنا كلنا، واللي عنده كلمة، يقولها الحين، قدام الرجال.

وبينما ارتفعت الهمسات وتحركت الأيدي فوق الأغماد، كان عقل شاهين يعيد وجه غسق مراراً، وقلبه يخفق بالخوف والرغبة والرجاء، لقد رمى كلمته كالسهم، وأحسّ أن كل الطرق الآن إمّا ستقوده إلى خلاصٍ عسير… أو إلى نارٍ أشدّ من نار الدم..

وفي سكونٍ متوتّرٍ تلا كلماته، كان الصبح قد ارتفع ضوؤه على الرمال الصفراء المحيطة بالمجلس، والشمس تلمع على حدِّ السيوف المعلقة على ظهور الرجال، صمت عسير طويلًا، عروقه على عنقه تنبض غضبًا، وأصابعه تقبض وتنبسط فوق مقبض سيفه وكأنها تبحث عن مخرج، كان يشعر بأن شاهين دفعه إلى زاويةٍ ضيقة، أدخل اسمه واسم بناته في نزاعٍ لم يكن له فيه يد، وكلّ عاقل هنا يعرف أنّه لو اعترض الآن لأ تّهموه بالنكوص عن حكمه وانه لا يرتضي لنفسه ما يحكم عليه به!

رمق الواقاداب بنظرةٍ عابسة، ثم حوّل عينيه نحو الجعافرة؛ عرف أن كلمته إن خرجت الآن غضبًا، ستُشعل القتال، فابتلع مرارته، وهو يفكّر: "إن قلت لا، قالوا: هو من حكم بعروس الدم ثم يهرب من حملها، وإن قلت نعم، دخلت بناتي في حسبةٍ ما لي فيها نصيب…"

ارتفع صوت شاهين فجأة، ويده تشاور بهدوء نحو جدّه جعفر:

– يا جدّي… نحن موافقين على هذا الحل، وأمام الرجال كلّهم، نرضى به ونوفي بالعهد.

بدت لمعة فرحٍ خبيثة في عيني جعفر وهو ينظر إلى حفيده الذي قال حلًا رغم أنه لا يرتضيه إلا أنه سُيقال بين الرجال أن شاهين الجعفري هو من حل النزاع في النهاية وصان الدم بين القبائل، ولن يُنظر لــ عُسير بعدها كحاكم كما يريد، ثم رفع رأسه شامخًا وقال بلهجة قوية:

– هكذا تُصان الدماء يا رجال… حفيدي حكيمٌ وفارس، عرف من أين تُمسك الأمور، نحن الجعافرة نرضى ونشهد على ذلك.

تبادلت الواقاداب النظرات، ثم مال الشيخ عمار إلى الأمام، وصوته ينخفض ثم يرتفع بثقةٍ محسوبة:

– دام بناتنا يروحْنَ ملكات، مو خدام… فالواقاداب يرضَوْن، ونوفي بالقول.

لم يكن أمام عسير إلا أن يشدّ لحيته بيده ويهزّ رأسه، يخفي الغيظ الذي يغلي في صدره، ويقول متحشرجًا:

– إذًا… المجلس ينتهي على هذا، نلتقي بعد أيام، وكلٌّ يفكر بعقله قبل غضبه، واللي ينكث بعد اليوم، يكون دمُه عليه.

أومأ الرجال جميعًا، وبدأت الأصوات تنخفض والسيوف تعود إلى أغمادها، لكن العيون بقيت مشتعلة، انسحب كل فريق إلى ركنه، يجرّ خلفه الشكوك والضغائن، وفي الزاوية، التقت عينا شاهين بعينَي جدّه جعفر، ثم بلمحةٍ سريعة صوب الواقاداب؛ كانت على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة، كأنّه أعلن النصر في معركةٍ لم تشتعل بعد… ابتسم ابتسامةٌ تحمل وعدًا بثأرٍ مؤجَّل، ودرسًا قاسيًا لعسير الذي غُلّقت عليه الأبواب بذكاء حفيده.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجال الله   لقاء القدر

    في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا

  • رجال الله   حين انكسر الضي

    ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته

  • رجال الله   مفترق الخوف

    ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…

  • رجال الله   سيوف العائلات

    كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا

  • رجال الله   موعدٌ على حدِّ السيوف

    كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق

  • رجال الله   العاشق المفتون

    استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status