LOGINليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..
أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:
«النقطة كاي -47»
لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..
رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:
– من هذه اللحظة… كل خطوة محسوبة، وكل أنفاسنا تُوزن بميزان الخطر، التهوّر يعني الهلاك وليس هلاكي وحدي، بل هلاككم جميعًا، وهلاك الفكرة ذاتها، ما في هذا الملف… ليس عملية عابرة، بل حربنا الأخيرة في هذا المكان؛ النقطة التي ستفصل بين المجد الأبدي… أو النهاية التي لن يُذكر لنا بعدها اسم.
فتح الملف ببطء، وانبسطت على الطاولة خرائط وأوراق وصور التقطتها أقمارٌ صناعية، خطوط حمراء تقطع الخرائط وتلتقي عند دائرة سوداء صغيرة، أشار إليها بإصبعه، فمالت أنظار الرجال نحوها دون صوت وهو يُردف:
– هذه هي النقطة كاي-47، قلب الشبكة العسكرية التي تُدير كل مسارات العدوّ الحالي، إنها ليست مستودعًا مهجورًا كما يوهمون من يتتبعهم، بل حصنٌ مُحاط بثلاث طبقات حماية: محيط خارجي مليء بالمجسات الحرارية والليزرية، حلقة وسطى فيها وحدات حراسة مدرّبة على القتال الليلي، ونواة مركزية مخفية تحت الأرض بخمسة طوابق، مجهّزة بنظام عزل كامل لأيّ تسريب أو اختراق.
اقترب معاذ من الطاولة، نظر إلى الخطوط بحاجبين معقودين، ثم رفع عينيه نحو مالك:
– مالك… هذه ليست كأيّ عملية خضناها، كل مخابراتهم تتربّص هناك منذ شهور، ولدينا معلومات مؤكدة أنّهم زرعوا عملاء مزيفين بيننا ينتظرون إشارة ليكشفونا، خطوةٌ واحدة خاطئة… وستُغلق الفخاخ علينا جميعًا قبل أن نخطو حتى إلى بوابتهم.
حمزة، الذي ظل صامتًا طوال الوقت، أمال رأسه قليلًا وأطلق نفسًا عميقًا وهو يشارك معاذ قلقه:
– المخاطر هذه المرة تتجاوز كل حساباتنا السابقة، إن رصدونا قبل الوصول إلى النواة… لن يكون لدينا حتى فرصة للتراجع، سيُغلقون كل طرق الهروب، وسيمحون أثرنا كأننا لم نوجد.
مدّ مالك يده فجمع الخرائط إلى صورة واحدة، نظر إلى وجهي أقرب رفيقين له بنظرة حادة تشقّ السكون وهو يقول لهم:
– أعرف كل ذلك… بل أعلم أنّ هذه العملية ستكون معقدة بما يفوق تصوّركم، لكن الفرصة لن تتكرر، قلب عدوّنا بين يديّ، ومنه تنبثق كل خطوط تمويله وأوامره، إن استحوذنا على النقطة كاي-47، سنحكم اللعبة كلها… وسينهار كل ما بنوه في لحظة.
عاد إلى المؤشرات على الخريطة، صوته صار أكثر هدوءًا، لكن حِدّته ازدادت:
– المرحلة الأولى: تسلّل ليلي عبر الوادي الجاف، حيث لا تصل أجهزة الاستشعار، وهناك سينتظركم فريق الإمداد بالعتاد..
المرحلة الثانية: تعطيل المولدات الفرعية لقطع الطاقة عن الحراس قبل خمس دقائق من الهجوم..
المرحلة الثالثة: اقتحام النواة المركزية والاستيلاء على الخادم الرئيسي، تذكّروا… لا مجال للارتجال، الزمن بين كل خطوة والأخرى دقيق كالشفرة.
رفع معاذ رأسه، وقد انخفض صوته لكنه مازال يقطّع السكون كالسيف:
– إن خذلتنا الظروف أو حدث أي طارئ لدي في الأجهزة لن نجد نجدة، هل فكرت في خطة بديلة؟
أجاب مالك بابتسامةٍ باردة، تكشف عن مزيجٍ من ثقةٍ وهاويةٍ سحيقة خلف عينيه:
– في هذه الحرب… الخطة البديلة هي ألا نفشل، كل ثانية تردّد فيها؛ هي فرصة للعدو ليكسرنا، وإذا سقطنا… فلنسقط واقفين.
ساد صمتٌ ثقيل، حتى باقي الرجال عند الأطراف تبادلوا النظرات دون كلمة، خارج القاعة، كان الليل يغلق أبوابه، والقمر يتوارى خلف السحب الداكنة، لكن في أعين مالك ورجاله، كان هناك وهجُ من نارٍ يُنذر بعاصفة لن ينجو منها أحد..
كان صدى كلمات مالك لا يزال عالقًا بين الجدران المزخرفة، والرجال يقفون في صمتٍ متوتر، وجوههم متجهمة وأصابعهم مشدودة على مقبض السلاح الموضوع في جوانبهم، رفع مالك رأسه أخيرًا بعدما تجرع القليل من المياه الموضوع في الكوب الزجاجي أمامه، ليعلو صوته بصرامة لا تحتمل النقاش:
– انتهى الاجتماع، تجهّزوا جميعًا وفق التعليمات.
توقفت أنفاسهم لحظة، قبل أن يضيف بنبرةٍ حاسمة وهو يوجه بصره نحو معاذ:
– أنتَ… ابقَ هنا.
بدأ الرجال بالخروج واحدًا تلو الآخر، أصوات خطواتهم تتلاشى على أرضية الرخام، حتى لم يبقَ في القاعة إلا مالك ومعاذ وحمزة الذي ألقى نظرة سريعة قبل أن يغادر، تاركًا الباب يُغلق ببطء من خلفه بينما جسده متوتر من حواره الأخير مع فريدة الذي أثقل كاهله من كتمانه..
تقدّم مالك نحو الطاولة، وجلس في مقعده وهو يلتقط الملف الأسود ويضغطه بيده، كأنما يحاول أن يخنق التوتر العالق في صدره، التفت إلى معاذ وعيناه كسهامٍ نافذة وهو يقول له:
– كيف حال ملك؟ ماذا فعلتَ معها؟
معاذ، الذي كان يقف مستقيمًا عند حافة الطاولة، عقد ذراعيه أمام صدره، وجلس قبل أن يخرج صوته ثابتًا لكن فيه لمحة حنوّ مخفي:
– بقيتُ بجانبها حتى غلبها النعاس، كانت شاردةً، ولم تتحدث معي وظلت غاضبة مني رغم كل محاولاتي لاسترضائها.
ساد صمتٌ قصير، تقطعه أنفاس ثقيلة، ثم رفع معاذ حاجبه قليلًا، ينظر إلى مالك بنظرةٍ مستفهمة:
– ألم تذهب إليها ثانيةً… أو تحاول التحدث معها بنفسك؟
هزّ مالك رأسه ببطء، ونظرة من تعبٍ وإرهاق ظللت ملامحه:
– لا.. حضرتُ لها طعامًا، وأرسلته مع عائشة، لكنها تصنّعت النوم، ولم تفتح عينيها ولم تنطق بحرف رغم محاولات عائشة الواهية للتحدث معها، حتى خرجت من عندها وهي متضايقة وحزينة على حالتها.
عند ذكر اسم عائشة، انكسرت ملامح معاذ للحظة وهو يتذكر رؤيتها المرة الأخيرة ومدى اضطرابها وتشتتها، ارتعشت زاوية فمه وارتسم في عينيه وميض خجلٍ دافئ، كما لو انكشف سرٌ ظلّ يخفيه طويلًا، التقط مالك هذا التحول السريع، لكنه لم يعلّق، بل اكتفى بمتابعة النظر إليه، فحاول معاذ أن يستعيد تماسكه بسرعة، ثم قال بصوتٍ منخفض فيه رجاء:
– أتريد أن أذهب إليها مجددًا؟ لعلّها تحتاج إلى كلمة تهدئ قلبها.
أجاب مالك بهدوءٍ عميق لكنه حازم:
– لا… سأذهب أنا إليها الآن، لقد انشغلتُ في أمر هذا الملف الذي وصلنا اليوم… لكن لا ينبغي أن تظل في حالتها هذه للأبد لقد بدأ صبري ينفذ.
نظر له معاذ نظرة متفهمة وهو يهدئه:
– أنا أعرف شقيقتي جيدًا، ستجدها هذه المرة هادئة ومتزنة ولا تنسَ أنها كلما بدأت في تقبل أمر صفعها أمرٌ آخر، تحلى بالقليل من الصبر بعد وستعود إليك مثلما غادرتها.
ثم اقترب منه معاذ بمقعده، والقلق يجرّه إلى خفض صوته، وقال بنبرةٍ أكثر جدية، وعينيه تتشبثان بوجه مالك:
– مالك… هذه العملية تقلقني، علينا أن نعيد التفكير فيها، لا يمكن أن نعتمد على الحظ في أمر كهذا، إن أخطأنا في خطوة واحدة، ستكون نهايتنا جميعًا.
رفع مالك رأسه ببطء، وصوته جاء هادئًا لكنه يحمل قوة فولاذية:
– وهل رأيتني يومًا أعتمد على الحظ؟ أنا دائمًا أملك خطة بديلة.
تجهم وجه معاذ، وحاجباه انفرجا بدهشةٍ غامضة:
– إذًا… تشك في أحدٍ من رجالنا المقرّبين؟
اقترب مالك حتى صار ظلّ رأسه يغمر وجه معاذ، وحدّق فيه بعينين باردتين وهو يقول له:
– أنا لا أثق إلا بك يا معاذ.
شعر معاذ بوخزٍ داخلي بين الامتنان والخوف من ثقل هذه الثقة، حاول أن يردّ، لكن مالك كان قد وقف بإنهاكٍ واستدار ليخرج من باب الغرفة، كان يسير بخطى ثابتة نحو الممرّ الطويل المؤدي إلى جناح ملك، وقد انعكست أضواء المشاعل المعلقة على الجدران على ظهره، لتجعله يبدو ظلّاً يتحرك نحو قدرٍ لا مفرّ منه..
وخارج تلك القاعة، كان الليل قد اشتدّ سوادًا، والسكون يغلف القصر، سوى وقع خطوات مالك التي تتردّد في الممرات الحجرية، تحمل بين طيّاتها وعدًا بمواجهةٍ جديدة، ليست على الخرائط هذه المرّة، بل في قلبٍ مجروح خلف بابٍ مغلق..
ليلٌ كثيف يحيط بالقصر الكبير الذي ينتصب شامخًا فوق الهضبة الصخرية، ونوافذه العالية تعكس بريق القمر كأنها عيون تترصّد الظلام.. في القاعة الكبرى ذات الأعمدة المرمرية والستائر الثقيلة، وقف مالك أمام طاولةٍ فاخرة من خشب الأبنوس، تنتشر عليها خريطة مفصّلة بألوان داكنة، تتقاطع فوقها خطوط حمراء وزرقاء تشير إلى طرق الإمداد السرّية ونقاط التفتيش المميتة في المنطقة المحيطة بالعملية، الإضاءة الصفراء الصادرة من الثريا الكبيرة كانت تتراقص على جدران القاعة، فتلقي ظلالًا طويلة جعلت ملامحه أكثر صلابة وهيبة..أمام مالك، وُضع ملفّ جلديّ أسود، حوافه تلمع تحت ضوء المشاعل المعلّقة، مختوم بالشمع الأحمر، عليه كلمة واحدة:«النقطة كاي -47»لم يمد يده نحوه بعد، وكأنّه يخشى أن يفتح بابًا بلا عودة، كان يدرك أن ما بداخله سيقلب موازين القوة ويغيّر مصائر الجميع، على يمينه يجلس معاذ، كتفاه العريضتان مشدودتان وعضلات فكه تتحرك بتوتر مكتوم، وعلى يساره حمزة، يراقب بعينين دامستين كلّ تفصيلٍ في الغرفة وهو يقرأ المشهد ويفكر في جوانب تلك العملية المعقدة صمت..رفع مالك رأسه، وعيناه تتقدان كجمرٍ وشيك الانفجار:– من هذه اللحظة…
كانت الساعات الأولى من الصباح تتنفس ببطء، والشمس لم تزل في طور الولادة، تلوّن الأفق بخيوط ذهبية باهتة تتسرّب عبر حوافّ الجبال الرملية، النسيم البارد يلامس الوجوه يُنذر بيومٍ ثقيل، ورائحة القهوة الطازجة تفوح من إحدى الخيام القريبة، تمتزج بدخان الحطب الذي بدأ يخبو، فتُشعر من يمرّ أنّ تلك الساعات الأولى من النهار ستنتهي بقراراتٍ مصيرية..وفي قلب السهل الرملي، انتصب مجلس الشيوخ؛ أرضه مفروشة بسجادٍ عريض يحمل نقوشًا بدوية قديمة، وسارية الراية ترفرف بنصف يقظة، وهي تراقب خطوات القادمين، وعلى أطراف الساحة، نُصبت خيام صغيرة لاستقبال الضيوف، وأُعدّت مقاعد طويلة من الخشب الداكن، تُحكم صفوفها على شكل نصف دائرة تواجه صدر المجلس حيث تُتَّخذ القرارات..من بين ضباب الصباح، ظهرت قافلة العُسيرات، تقدّمهم عُسير بخطواتٍ ثابتة، عباءته الداكنة تعانق الرمال في هيبة، ووجهه المحفور بتجاعيد الصحراء لا يُفصح عن اضطرابٍ أو وجل، بل يحمل وقار الرجال الذين حكموا الثأر والصلح، خلفه سار أبناؤه الثلاثة.. رشيد العريض المنكبين، وعيناه تقدحان حزمًا؛ مبارك ذو النظرة المتفحّصة، يراقب كل تفصيلٍ حوله كأنه يحفظه في ذاكرته؛ وطا
كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل
وعلى الجانب الأخر كان حمزة يسير في ممرّ الدور الأول محاولًا أن يستعيد هدوءه بعد اللقاء المربك مع مالك، خطواته كانت متردّدة كأن الأرض صارت أثقل من أن يحملها جسده، وفجأة، يدٌ باردة امتدّت من الظلام، وقبضت على معصمه بقوةٍ مباغتة، فشهق بفزع، ودار بوجهه ليجد فريدة تجرّه خلفها كصيّادةٍ تسحب فريستها..فتح فمه محتجًّا، وصوته خرج متقطّعًا وهو يقاوم قبضتها:– ما الذي تفعلينه؟! أأصبتِ بالجنون؟! مالك… مالك في حجرته! سيشعر بنا يا مجنونة.لكنها لم تلتفت إلى اعتراضه، عيناها تتوهجان ببريقٍ غامض، وابتسامةٌ متشفّية تتلوّى على شفتيها، دفعت الباب الصغير لغرفتها بقوة، وأدخلته معها، ثم أوصدته خلفهما ببطءٍ متعمَّد، كأنها تُحكم فخًّا لن ينجو منه..اقتربت منه بخطواتٍ محسوبة، كتفاها يهتزّان بضحكةٍ مكتومة، ثم قالت بصوتٍ يقطر مكرًا:– لا تخشَ شيئًا… لن يحسّ بشئ على الأقل ليس الآن، يكفيه ما فعلته تلك البائسة التي جلبها إلى هذا القصر… لقد مزّقت صلابته وأفقدته اتزانه.جفّ حلق حمزة، وعيناه تراقبانها في ريبةٍ مشوبة بالرعب، وهو يقول لها بصوتٍ حاد:– ماذا تقصدين؟! ماذا فعلتِ؟!ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أمالت رأسها جانبًا، تن
تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...قام مالك من الفراش واندفع نحو الباب بخطواتٍ كانت تُحدث صدىً في صدر الأرض من تحته، قبضته انعقدت على المقبض بقوةٍ تنذر بالانفجار، وما إن فتح حتى بدا كأن الباب يُنتزع من مفاصله لا يُفتح فحسب..في العتبة ظهر معاذ، وجهه محمّل بارتباكٍ وقلق، عيناه لا تكفان عن المسير بين أخته التي وقفت مذعورة وزوجها الذي يتأجج غضبًا..قال معاذ بصوتٍ متقطعٍ يسبق أنفاسه:- ملك… هل أنت بخير؟لم ينتظر ردًّا، بل اندفع إلى الداخل كما يندفع منقذٌ إلى بيتٍ يشتعل، وأطبق ذراعيه على أخته، جاذبًا إياها إلى صدره، تمايل جسدها المرتجف بين ذراعيه كغصنٍ هشٍّ نالته الريح، فيما كانت عيناها تائهتين، لا تعرفان إلى أي وجهٍ تستقران: وجه أخٍ جاء مسرعًا يحمل القلق ف