登入كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..
جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:
ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.
ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:
ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.
تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته قائلاً:
ــ يا شيخنا، عسير يعرف معدننا، إن جا بعياله وبهيبته، لازم يعرف إن بنات الواقاداب دمهن غالي، واسمهن ما ينقال إلا بالعز.
هزّ عمار رأسه ببطء، نظراته تنقل بين الرجال والنساء اللواتي كنّ يُهيئن العباءات ويزيّن الخيول استعدادًا للرحلة:
ــ تجهزوا… الكلام قبل السيوف، من يسبق سيفه لسانه، يضيع دمه، نسمع، ونشاور، لكن إن حاولوا إذلالنا، نردّ الهوان ولو احمرّت الرمال بالدم.
وقفت غالية، زوجة عمار، وهي تُثبت طرف العباءة على كتفه:
ــ يا شيخ القبيلة… احسب لكل كلمة ثمنها، عسير والجعافرة ما جاو إلا وهم حاسبين حساب كل ردّ.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة لكنها قاسية:
ــ قبيلة الواقاداب ما يخافون، يا غالية، إن سال الدم، ما بيكون دمنا وحدنا.
ارتفع صهيل الخيل مع أول شعاعٍ للشمس، والرجال يشدّون لُجم الجمال، والنساء يعلّقن حُلي الفضة على أعناقهن ليحملن هيبة اسم القبيلة، حتى الأطفال صمتوا، كأنهم شعروا بثقل هذا اليوم، ثم لوّح عمار بيده نحو فرسانه:
ــ اركبوا، وخلي الجعافرة يعرفوا أن الواقاداب يأتون للمجلس بهيبةٍ ما تُشترى ولا تُكسر.
تحرّكت القافلة ببطء، والغبار يتطاير خلفها كستارٍ من التاريخ، بينما الشمس تصعد رويدًا فوق الأفق، لتشهد على مسيرهم نحو مواجهةٍ قد تغيّر مصائر القبائل.
**************
انفجر الضوء الذهبي للفجر على حواف التلال، فاستيقظت أرض الجعافرة تتنفس بهدوء ثقيل يسبق العاصفة، في ساحة الدار الكبرى علت أصوات الخيول وهي تُسرّح من مرابطها، يتطاير بخار أنفاسها في هواء الصباح البارد، وفي ذلك الحين كانت النسوة يمرّرن بأيديهن على الأثواب المطرّزة، يُثبتن الحُلي على صدور البنات، بينما كان الرجال يُحكمون عُقَد الشماغ ويُمسكون مقابض السيوف..
جعفر كبير الجعافرة، وقف على عتبة بيته العالي الجدار، عريض المنكبين، يعلو جبينه أثر السنين والوقار، عينيه بلون الرمل الداكن، لا تفرّق بين الحزن والصلابة فيهما..
رفع يده يزيح الريح عن عمامته، ثم نادى بصوت غليظ كأنه قادم من جوف وادٍ قديم:
– يا وليدي… هات لي ذيك السيوف اللي ورثناها عن جدودنا، لا نروح للمجلس وإحنا إلا ورانا الهيبة اللي تعرفنا بيها العرب.
تقدّم ابنه الأكبر، حمد، وهو يُنفض الغبار عن سيف قديم مقبضه مفضّض:
– هاذي سيوفك يا بوي… واللي يطالع بحدّها يعرف إن الجعافرة ما يلينون.
أجاب جعفر وهو يمدّ يده إلى السيف:
– إيه، ما نلين… بس اسمع يا حمد، المجلس ذا ما هو بس سيوف ورقاب، هُو كلمٍ موزون، وعيونٍ تعرف وش تقول.
خلف الرجال، وقف شاهين ساكنًا لا يتحدث وملامحه مشدودة كوترٍ حاد، بينما عيناه كانتا في مكان آخر… عند غسق، يدرك في داخله أن المجلس قد يحشره في زاوية ضيّقة، تزويج بنت الواقاداب ليمسح دماءً سالت بسببه، قلبه يدقّ بإيقاع مُرتبك، يتساءل كيف سيخرج من ورطة كهذه، وغسق لم تزل تملأ صدره بالحيرة والشوق، لم يشعر بمن ناداه مرتين حتى وخزه سلمان في كتفه:
– يا شاهين… هاه! وش فيك؟ سرحت كأنك تشوف السراب.
ردّ شاهين بخفوت، وهو يُزيح نظراته إلى الأرض:
– ما فيني شي… بس أفكّر في اللي قدّامنا.
دخلت النسوة بأواني النحاس، يرششن الأرض بالماء ليسكت الرمل تحت الأقدام، الصغيرة نورة همست لأمها وعينيها متسعتان:
– يمّه… بيصير ذبح إذا ما وافقوا؟
انحنت الأم نحوها وهي تطمأنها بثبات:
– هاذي سوالف الرجال… بس اعرفي يا بُنيّة إن الجعافرة ما ينكسرون، حتى لو جمّعوا عليهم الدنيا.
زفر سلمان وهو يربط سيفه:
– ترى اللي بدى بالدم هم الواقاداب، واليوم إذا جوا يبغون الصلح… بناتهم يروحون خدامين في ديارنا، مو حريمٍ مكرّمات، هاذي هيبة الجعافرة، ولا غير.
نظر جعفر نحوه نظرة صارمة وصوتٍ عميق كالهدير:
– صح لسانك يا سلمان، لا يُرفع الكأس إلا وهم يعرفون إن اللي بدأ الدم… هو اللي ينحني، الواقاداب يرسلون بناتهم خدامين، وإلا تبقى السيوف هي الحَكَم.
هزّ حمد رأسه موافقًا، بينما شاهين ظلّ واجمًا، كأن قلبه محصور بين حافتين من لهب: حبّ غسق، وثأر قبيلته..
مشى جعفر بخطواتٍ بطيئة نحو فرسه السوداء، مرّر يده على عنقها فرفعت رأسها بكبرياء، كأنها تحفظ تاريخ الجعافرة كلّه، صهيلها دوّى في الفجر، فارتجفت الرمال كأنها تعرف أن الموعد اليوم ليس اجتماعًا عاديًا، بل موعدٌ على حدِّ السيوف.
************
تدفق ضوء الصباح على قصر العُسيرات كخيوط ذهبٍ شاحبة تتسلل بين شقوق الحجر العتيق، يُلقي بظلال طويلة على الممرات التي تشهد كل همسٍ وأسرارٍ لا يجرؤ أحد على البوح بها، في قلب القصر، وقف عُسير أمام مرآة محفوفة بالنقوش القديمة، يربط عمامته بيدين ثابتتين، وجهه الصارم يشي بسنينٍ ثقيلة من القرارات المصيرية، حوله اصطفّ أبناؤه الثلاثة — رشيد، ومبارك، وطارق — وكلٌّ منهم يحمل في عينيه يقظةً وحذرًا، كأنهم يستعدّون لمعركةٍ لا تقلّ خطورة عن حرب السيوف..
خارج المجلس، وقفت غسق عند زاوية مظلمة من الرواق، تتظاهر بترتيب وشاحها بينما عينها تراقبهم في صمتٍ ثقيل، لا تملك سوى أن تُنصت لأنفاسهم ومصائرهم من بعيد..
رفع عُسير رأسه وقال بصوتٍ جهوريٍّ يخترق الصمت:
– يا رجالي… الدم إن سال، ما عاد له سيلان إلا ياكل البلاد، الواقاداب بدّوا بالعداوة، وإن ما وقفنا النزيف الحين، الجعافرة بيحرقون الأرض وما يتركون حجر فوق حجر، لازم نكون الحكم، ولا نسمح لأحد يلعب بمصيرنا جميعًا، فتلك الحرب التي لا دخل لنا بها ستطالنا شئنا أم أبينا.
رد رشيد، الأكبر بينهم وأكثرهم حنكة، وهو يشد على حزامه الجلدي:
– صدقت يا بوي لو تركناهم، السوق يضيع، والقوافل تتهد، والتجارة اللي بنيناها تروح، لازم نوقفهم بعروس الدم قبل ما تتفرّع الثارات.
قال مبارك، بنبرةٍ تجمع بين الحذر والحزم:
– والشرط لازم ينكتب قدّام المجلس: بنات الواقاداب هنّ اللي يروحوا للجعافرة خدامين، مو العكس، هم اللي بدّوا النار، ولازم يتحمّلونها.
أضاف طارق، الأصغر سنًا، وقد بدا صوته مترددًا قليلًا لكنه قويّ:
– ولو رفضوا يا بوي؟ الواقاداب ما يعرفون إلا راس السيف، والجعافرة لو غضبوا ما حد يقدر يكبحهم.
اقترب عُسير منهم خطوةً، عيناه تقدحان بصلابةٍ وقوةٍ مكتسبة من تاريخٍ طويل من القيادة، وقال بلهجةٍ لا تقبل نقاشًا:
– إحنا ما نختار غير الحق، نقولها قدّام المجلس؛ إن وافقوا، وقف الدم، وإن أبَوا… نخليهم يعرفون إن العُسيرات ما تهاب إلا الله، بس حذاري تجرّون العداوة علينا، احكوا الكلمة مثل حد السيف، لا فيها ضعف، ولا فيها كبرياء أعمى.
ساد صمتٌ قصير، لم يُسمع فيه سوى تنفّس الرجال وثقل اللحظة، خارج المجلس، شدّت غسق على وشاحها أكثر، قلبها يدقّ بسرعةٍ لا تفهم سببها؛ لم يكن بيدها سوى المراقبة، بينما القرارات تُصنع في الداخل..
أكمل رشيد، وهو يضبط سيفه على خاصرته:
– صدقت يا بوي.. بنروح المجلس، ونخلّي العُرف فوق الكل، واللي يبي يخالف، يشوف العواقب قدّام عيونه.
أومأ مبارك ببطء:
– الله يعيننا على حمل الكلام اللي بنقوله… ثقيل مثل الجمر، بس هو اللي يحمي الديار.
مدّ عُسير يده نحو أبنائه، أشار لهم بالخروج وقال:
– امشوا، ولتكن خطاكم ثابتة، اليوم ينعقد الميزان، ونوقف الدم قبل ما يغرق الجميع.
غادروا القاعة بخطواتٍ راسخة، عباءاتهم تتماوج مع تيار هواء الصباح، وسيوفهم تلمع تحت شعاع الشمس المتسلل، وهناك في الظل البعيد، بقيت غسق جامدة، تتابعهم بأعينٍ واسعة وصدرٍ يعلو ويهبط؛ تعرف أن العالم بعد هذا اليوم قد يتبدل إلى الأبد، لكنها لم تجرؤ على الاقتراب أو الكلام — فقط المراقبة من بعيد، حيث تختبئ الأسرار بين الجدران العتيقة..
وهناك في الممر الحجري المؤدي إلى جناح غُسق كان يختنق بهدوءٍ ثقيل بعد ليلةٍ طويلة من همسات الدماء والثأر، غُسق كانت تسحب خطواتها بخفة، تتلفّت لتتأكد أنّ أحدًا لم يلاحظها وهي تراقب رجال القصر في الظلام، قلبها لا يزال يخفق من التوتر حين اصطدمت كتفًا بكتفٍ مع يامن في زاوية الممر، ارتدت إلى الخلف بدهشة، وحدّقت فيه بعينين واسعتين:
ــ مش تاخدّ بالك يا ولد الناس؟!
همست بها بحدة وهي تحاول كبح ارتجاف صوتها..
يامن لم ينطق وعينيه العميقتان كانتا غائبتين عنها، كأنّها لم تكن أمامه، ارتسمت على وجهه نظرة مسعورة، مشدودة إلى فكرةٍ بعيدة، دفع الباب الخشبي الصغير بجانبه وانسحب مسرعًا، يركض عبر الممر نحو قاعته الصغيرة، وقفت غُسق في مكانها، يعلو وجهها ذهولٌ صامت، وهي تتساءل في سرّها عن سبب شروده وجريانه..
أما يامن، فما إن أغلق باب القاعة خلفه واتكأ على ظهره وأنفاسه متلاحقة و قلبه ما يزال يضرب على إيقاع صورةٍ واحدة؛ ضيّ..
قضى الليل بأكمله عالقًا في هوسه بها، لم يجرؤ أن ينام، بل ظلّ متخفّيًا بين أشجار الحديقة الخارجية، قريبًا من بيتها، فقط ليحظى بلمحةٍ واحدة منها..
عانده الحظ؛ فظلّ ينتظر حتى كادت الظلمة تذوب في أول خيوط الفجر، ومع كل دقيقةٍ مرّت كان يتخيّل باب بيتها يُفتح لتخرج، كان يتشهّى رؤية خطواتها على الطريق، ملامحها تحت ضوء المصابيح الباهتة، وحين دقّ موعد المدرسة، تحفّز قلبه، لكنّ من خرجت كانت فتاة أخرى… تشبهها قليلًا، شعرها غجريّ يتدلى بجنونٍ على ظهرها لا يشبه ضفائر ضيّ المرتبة، وفي لحظته تلك، أدرك أنّها ليست هي، وأنّها لم تغادر البيت حتى لذهاب لعملها..
ارتبك حين رأى خيوط الشمس تتسلل بين الجبال؛ عليه أن يعود قبل أن يلاحظه أحد، اندفع عائدًا إلى القصر، ترك هوسه يطارده حتى باب حجرته..
تحرك من خلف الباب نحو غرفته و دفع بابها بعنفٍ يكاد يخلعه، لكن المفاجأة كانت في انتظاره؛ أمه زهرة واقفةٌ هناك، ذراعاها معقودتان، عيناها تقدحان غضبًا متقدًا، أغلقت تحركت نحو ذلك الباب المفتوح وأغلقته بصوتٍ صاخب، وهي تقول بحدة:
– يامن! إلى أين كنت تظن نفسك ذاهبًا؟! أتغادر وأخوك في القصر؟! أترضى أن يراك أحدٌ فيفضح أمرنا؟!
حاول أن يتجاهل انفعالها، فمرّ بها وهو يخلع سترته، لكن صوتها ارتفع أكثر، يشقّ الجدران:
– يا ولد! أهذا وقت العبث؟! كأنك لا ترى النار تحيط بنا من كل جانب! لقد اصبحت قليل المسؤولية، وقليل العقل! أترضى أن تهدم ما بنيناه بتهورك؟!
استدار نحوها بغضبٍ لا يقلّ عن غضبها، وقبضته مشدودة وعينيه تقدحان وهو يحدثها:
– أما زلتِ ترينني طفلًا يا زهرة؟! أنا لم أفعل شيئًا يستحق كل هذا الصراخ!
تقدمت منه خطوة، وجهها يشتعل كالجمرة، وصوتها يهتز من شدّة الانفعال:
– أنت متهور… مستهتر… لا تفهم حجم الخطر الذي نحياه! إن كشف أمركما معًا، لن يبقى لنا مأمنٌ في هذا القصر، ولا في هذه الأرض!
رفع صوته أكثر، وكأن حدة الموقف أشعلت غضبًا دفينًا فيه:
– أنا لست عاجزًا كما تظنين! أعلم ما أفعل، ولن يحدث ما تخافينه.
لكن زهرة لم تلن، بل أشارت إليه بيدها، كمن يقطع خيط الجدال:
– يكفي يا يامن! لن أسمح لك بإفساد كل شيء بسبب طيشك، أنت معاقب… يومين كاملين، لا تغادر غرفتك، ولا تحاول الخروج، مفهوم؟!
بقي صامتًا، ينظر إليها بنظراتٍ مشتعلة، وأنفاسه تتلاحق، التفتت عنه أخيرًا، عباءتها ترفرف مع حركتها السريعة وهي تغادر الغرفة دون أن تلتفت، تاركةً وراءها صدى خطواتها الثقيلة وعبق الغضب في الهواء..
تسمّر يامن مكانه للحظات، قبضته لا تزال مشدودة، وعيناه تلاحقان الفراغ حيث كانت تقف، زفر بحدة، ثم أسند رأسه إلى باب غرفته المغلق، بين ضيقٍ وغليانٍ داخلي، يشعر أن الجدران تضيق عليه، بقي يامن واقفًا، رأسه مائل إلى الحائط، قلبه ما زال يلهث باسمٍ واحد يملأ كيانه: ضيّ.
**********
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







