LOGINاستمر الأصدقاء في الحديث والضحك، حتى مرت الساعات دون أن يشعروا بها، إلى أن دقت الساعة العاشرة مساءً.
نظر عدنان إلى هاتفه، واتسعت عيناه قليلًا قبل أن يقول: "إيه ده؟ إحنا اتأخرنا أوي! عندنا شغل الصبح." نظر فارس إلى هاتفه هو الآخر، ثم تنهد فجأة وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. "يا نهار أبيض! في ورق لازم أخلصه، كده مش هلحق." نهض من مكانه على الفور، والتقط متعلقاته. "أنا هقوم، يلا سلام." قالها وهو يغادر المطعم مسرعًا، بينما تابع الثلاثة الآخرون خروجه بنظرات متسلية. ابتسم عمر وهو ينظر إلى الساعة، ثم قال: "أيوه، بكرة أول يوم دراسة... وهبدأ شغلي في الجامعة." رفع أنس رأسه إليه، ثم همَّ بالوقوف. "يلا يا شباب، نتقابل بكرة." ودعهم عدنان وغادر، بينما بقي أنس مع عمر. خرجا من المطعم معًا، وقررا أن يتمشيا قليلًا قبل أن يتوجه كل منهما إلى منزله. كان الليل هادئًا، والطرقات أقل ازدحامًا من ساعات النهار، بينما سار الاثنان جنبًا إلى جنب يتحدثان في أشياء مختلفة. وبعد لحظات من الصمت، نظر أنس إلى عمر، وقال: "أنت اضايقت مننا عشان موضوع البنت دي؟" التفت عمر إليه، ثم هز رأسه وهو يضحك. "لا، خلاص... اتعودت على تريقتكم." ضحك أنس. "إحنا بنهزر معاك، صدقني." أومأ عمر. "أنا عارف." ثم نظر إلى الطريق أمامه، وقال: "يلا، أنا همشي أنا بقى. ادعيلي أعرف آخد على الجو بتاع التدريس ده." ابتسم أنس، وربت على كتفه. "أنت قدها يا صاحبي." تبادل الاثنان نظرة قصيرة، ثم ودع كل منهما الآخر. اتجه عمر إلى سيارته، بينما واصل أنس طريقه إلى المنزل. --- عندما وصل أنس إلى المنزل، فتح الباب ودخل إلى الشقة. وبمجرد أن خطا إلى الداخل، وقعت عيناه على جود، ابنة عمته، التي كانت تجلس هناك بهدوء و تتحدث مع والديه توقف أنس للحظة، ثم قال باستغراب: "يااا ربي! أنتِ يا بت ما عندكيش جامعة الصبح؟ إيه اللي مقعدك هنا لحد دلوقت؟" رفعت جود عينيها إليه، ثم زمجرت بضيق: "وأنت إيه اللي مضايقك؟ أقعد براحتي." وقبل أن يرد أنس، جاء صوت والده ياسين من مكانه: "أنت عاوز إيه يا واد أنت؟ هي قاعدة على دماغك؟" نظر أنس إلى والده، ثم ضرب كفيه ببعضهما في استسلام. "أيوه طبعًا... طالما جود، يبقى مش هعرف آخد حق ولا باطل." انطلقت ضحكة من والدته نادية، وقالت: "طب بلاش غلبة واقعد يلا عشان تتعشى." نظرت جود إلى أنس وقالت بسخرية: "أكيد أكل مع أصحابه." جلس أنس وهو يجيبها بكل ثقة: "أكلت فعلًا... بس هاكل تاني." ضحكت جود وقالت: "طفس." رفع أنس حاجبه لها، لكنه لم يرد. همت جود بالمغادرة، إلا أن صوته أوقفها: "رايحة فين؟" استدارت إليه. "هروح أنام بقى، عندي محاضرة الساعة تمانية." ابتسم أنس، ثم اقترب منها وربت على كتفها بحنان. "مستني إنك تطلعي الأولى السنة دي كمان." ابتسمت جود له. كان أنس بالنسبة إليها أكثر من مجرد ابن خالها. كان أقرب شخص لها منذ طفولتها. كبر الاثنان معًا. كان صديقها المقرب و أخًا تستند اليه عندما تشتد عليها المحنه . وقبل أن ترد جود على كلامه، اقترب أنس من أذنها وقال بصوت خافت: "سلميلي على ليلى." رفعت جود إحدى حاجبيها، ونظرت إليه باستنكار. "على أساس إنكم مش بتكلموا بعض؟" ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه أنس. "ميمنعش إنك تسلميلي عليها برده." هزت جود رأسها بيأس. "مفيش فايدة فيك." ثم تركته وغادرت. ظل أنس واقفًا مكانه يضحك. كانت جود دائمًا تكره استخدامه لها كرسول بينه وبين ليلى، صديقتها المقربة. أما ليلى وجود، فقد تعرفتا على بعضهما في المرحلة الابتدائيه، ومنذ ذلك الوقت أصبحتا من أقرب الأصدقاء لبعضهما البعض. وكان أنس يعرف جيدًا أن جود لن ترفض طلبًا بسيطًا كهذا... حتى لو تظاهرت بالعكس.ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ
مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك
ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن
مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن
في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.
وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا







