Share

رجل لا يشبه الماضي
رجل لا يشبه الماضي
Author: كيان

١

Author: كيان
last update publish date: 2026-09-28 21:46:13

"مبروك يا صاحبي!"

قالها عدنان بحماس، وهو يبتسم لعمر ابتسامة واسعة، قبل أن يرفع يده ليصافحه بحرارة.

"اتعينت معيد في الجامعة."

تلقى عمر التهنئة بابتسامة هادئة، بينما توالت عليه المباركات من أصدقائه الثلاثة.

كانوا يجلسون معًا في مكان اعتادوا أن يلتقوا فيه من وقت لآخر، بعيدًا عن ضغط العمل والدراسة وكل ما يشغلهم في حياتهم اليومية.

فارس، وعدنان، وأنس...

ثلاثة أشخاص لم يكونوا مجرد أصدقاء بالنسبة لعمر، بل كانوا أقرب الأشخاص إليه، وأول من يعرفون أخباره، وآخر من يسمح لهم بأن يتركوه وحده عندما يكون هناك شيء يزعجه.

ابتسم عمر وهو يهز رأسه قائلًا:

"أيوه، مش عارف هتأقلم على الجو ده إزاي... بس هتعود."

ضحك فارس، وأسند ظهره إلى المقعد قبل أن يقول:

"طبيعي إنك تستغرب. أنت من وقت ما اتخرجت وأنت واخد على الشغل الميداني."

أومأ عمر موافقًا.

كان فارس محقًا.

منذ تخرجه، قضى عمر معظم وقته بين مواقع العمل، والمشاريع، والمخططات، والاجتماعات المتعلقة بشغله في مجال الهندسة المعمارية.

أما الجامعة، فكانت شيئًا مختلفًا تمامًا.

التعامل مع الطلاب، شرح المحاضرات، الوقوف أمام مجموعة من الشباب، والإجابة عن أسئلتهم...

كل ذلك كان جديدًا عليه.

ومع ذلك، لم يكن عمر من النوع الذي يتراجع أمام شيء جديد.

هو فقط كان يحتاج إلى بعض الوقت حتى يعتاد عليه.

ظل فارس ينظر إليه للحظات، ثم تبادل نظرة سريعة مع أنس وعدنان.

ابتسامة صغيرة ظهرت على وجهه.

ابتسامة لم تبشر بأي خير.

عاد بنظره إلى عمر، وقال بنبرة ماكرة:

"بس بصراحة... الوظيفة دي ممكن تفيدك في حاجة تانية."

رفع عمر حاجبه.

"حاجة إيه؟"

ابتسم فارس أكثر.

"أهو وظيفة كمان جنب شغلك في شركة باباك."

تدخل عدنان فورًا، وكأنه فهم إلى أين يتجه الحديث:

"آه، بالضبط."

نظر عمر إليهما بحذر.

أكمل فارس:

"يمكن تروح تتقدم للبنت اللي بقالك تلات سنين بتحبها دي."

انفجر أنس بالضحك.

"آه فعلًا!"

ثم أشار إلى عمر بإحدى يديه وهو يضحك:

"أنت على طول تقول: عاوز أبني نفسي بنفسي، ومش عاوز أعتمد على اسم أبويا أو فلوسه."

مال قليلًا إلى الأمام، وقال:

"أهي فرصة وجاتلك."

حدق عمر فيهما لثوانٍ، قبل أن يزمجر من بين أسنانه:

"هتستلموني؟"

ضحك فارس.

أما عمر فأضاف بجدية مصطنعة:

"هقوم أمشي."

أمسك أنس بذراعه سريعًا، وقال وهو يحاول كتم ضحكته:

"لا لا، خلاص، اقعد."

جلس عمر مرة أخرى، لكنه ظل ينظر إليهم بنظرة ضيق جعلت الثلاثة يضحكون.

قال عدنان:

"والله ما بنضحك عليك بس الموضوع غريب."

نظر إليه عمر.

"إيه اللي غريب؟"

هز عدنان رأسه:

"ما هو أنت اللي غريب يا عمر."

ثم رفع حاجبه وأضاف:

"واحد يحب واحدة المدة دي كلها، ومحاولتش تعرف اسمها حتى."

ساد الصمت للحظات.

كان السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة كان شيئًا تحدث عنه الأصدقاء كثيرًا.

عمر يحب فتاة منذ ثلاث سنوات.

ثلاث سنوات كاملة.

ومع ذلك، لم يحاول الاقتراب منها، ولم يسأل عنها، ولم يحاول حتى معرفة اسمها.

لم يكن الأمر منطقيًا بالنسبة لهم.

لكن عمر كان يرى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.

قال بهدوء:

"هبقى أعرفه."

ابتسم عدنان بسخرية.

"إمتى؟"

نظر عمر إليه بثبات.

"لما أتقدملها رسمي."

توقفت ابتسامة عدنان للحظة.

أما فارس فحدق في عمر وكأنه يحاول التأكد مما سمعه للتو.

"أنت بتتكلم جد؟"

أومأ عمر.

"آه."

ضحك أنس بهدوء، بينما قال فارس:

"يعني أنت ناوي تتقدم لواحدة أنت حتى مش عارف اسمها؟"

نظر عمر إليه وقال ببساطة:

"هعرف اسمها وقتها."

ضحك عدنان:

"إنت عارف إن الطبيعي إن الواحد يعرف اسم البنت الأول؟"

لم يرد عمر.

فقط ابتسم ابتسامة صغيرة، وكأنه لا يرى أن الأمر يستحق كل هذا النقاش.

رفع فارس يده باستسلام.

"أنا مش فاهمك."

ثم نظر إلى أنس.

"إنت فاهمه؟"

ابتسم أنس.

"فاهمه."

قالها بثقة جعلت عمر ينظر إليه.

كان أنس أكثر شخص يعرف عمر.

يعرف كيف يفكر، وما الذي يريده، وما الذي يرفضه.

وكان يعرف جيدًا أن عمر لم يكن يبحث عن علاقة عابرة.

حينما أحب تلك الفتاة، لم يكن يريد أن يدخل حياتها بطريقة قد تجعلها تشعر بأنه يلاحقها أو يفرض نفسه عليها.

كان يريد أن يقترب منها بطريقة واضحة.

رسمية.

وبمجرد أن يصبح قادرًا على بناء حياته بعيدًا عن اسم والده، سيتقدم إليها.

لهذا لم يرَ عمر أن معرفته باسمها قبل ذلك أمر ضروري.

بالنسبة له، الأمر كله كان مؤجلًا إلى الوقت المناسب.

رفع فارس حاجبه وقال:

"متأكد يا عمر؟"

وقبل أن يكمل جملته، أمسك أنس بذراعه برفق.

نظر إليه فارس.

قال أنس بهدوء:

"كفاية كده."

ثم نظر إلى عمر قبل أن يكمل:

"هو صح، مش غلط."

ابتسم ابتسامة خفيفة.

"هو بيحبها، مش عاوز يتسلى بيها."

نظر عمر إلى أنس للحظات، ثم أدار وجهه بعيدًا وهو يبتسم.

كان يعرف أن أنس يفهمه.

دائمًا كان يفهمه.

منذ سنوات طويلة، لم يكن أنس مجرد صديق لعمر.

كان الشخص الذي يستطيع عمر أن يتحدث معه دون أن يضطر إلى شرح نفسه كثيرًا.

أما أنس، فكان شابًا في بداية حياته المهنية كطبيب أسنان، لكنه رغم انشغاله بعمله كان دائمًا حاضرًا من أجل أصدقائه.

كان هادئًا، منصتًا، ومساندًا لهم في كل ما يخص حياتهم.

وعلى الجانب الآخر، كان عمر مختلفًا.

فعلى الرغم من أن والده، طارق الراوي، كان يمتلك شركات وأموالًا طائلة، لم يسمح عمر لنفسه بأن يعيش حياة تعتمد على اسم والده.

منذ سنوات، كان يريد أن يصنع لنفسه اسمًا مستقلًا.

أن ينجح بجهده.

أن يصل إلى مكانته دون أن يقول أحد:

"ده ابن طارق الراوي."

كان يريد أن يسمع الناس اسمه هو.

عمر الراوي.

دون أن يكون اسم والده هو السبب وراء أي نجاح يحققه.

قطع أنس شرود الجميع عندما سأل عمر:

"طيب، هتدرس مادة إيه يا عمر؟"

عاد عمر بنظره إليه.

"أسس العمارة."

رفع أنس حاجبه باهتمام.

أكمل عمر:

"لقسم الديكور والتصميم الداخلي."

بدت الدهشة على وجه أنس فورًا.

"بجد؟"

أومأ عمر.

"آه."

قال أنس:

"أنت عارف إن بنت عمتي بتدرس في القسم ده؟"

نظر عمر إليه باهتمام هذه المرة.

"بجد؟"

"آه."

"في سنة كام؟"

فكر أنس للحظة، ثم أجاب:

"حاليًا داخلة تالتة."

ظل عمر ينظر إليه لثوانٍ، ثم أومأ برأسه.

أما عدنان، الذي كان يستمع إلى الحديث منذ البداية، فقد تنهد بضجر ورفع يده في الهواء.

"أيوه بقى!"

التفت إليه الجميع.

قال عدنان:

"اقعدوا اتكلموا عن الجامعة بقى."

ضحك فارس.

تابع عدنان:

"إحنا جايين نغير جو، مش نتكلم عن الجامعة."

ضحك أنس، بينما هز عمر رأسه وهو يبتسم.

قال فارس:

"أنت اللي فتحت الموضوع."

رد عدنان سريعًا:

"أنا كنت بس ببارك له."

"وأنا؟"

"أنت دخلتنا في قصة البنت اللي بيحبها."

رفع فارس يديه باستسلام.

"خلاص، خلاص."

عاد الهدوء إلى جلستهم، واستأنف الأصدقاء حديثهم وضحكاتهم، بينما ظل عمر جالسًا بينهم بهدوئه المعتاد.

كان يعرف أن الأيام القادمة ستكون مختلفة.

جامعة جديدة.

طلاب جدد.

مسؤوليات جديدة.

وفي الوقت نفسه، سيواصل عمله في شركة والده، محاولًا أن يثبت نفسه بعيدًا عن اسم عائلته.

أما الفتاة التي أحبها طوال السنوات الثلاث الماضية...

فقد ظل أمرها مؤجلًا.

إلى أن يأتي الوقت الذي يراه عمر مناسبًا.

وحينها فقط...

سيعرف اسمها.

أبرز غموض عمر تجاه حبيبته

اجعل نهاية الفصل أكثر تشويقًا

قلل التكرار في شرح عمر

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٣

    ظلوا مجتمعين لبعض الوقت، وكان الحديث يدور بهدوء حول الدراسة وما ينتظرهم خلال الفترة القادمة.لم يكن أحد يريد أن يفتح أي حديث يتعلق بنهال أو بما حدث خلال الأيام الماضية.كانوا جميعًا يحاولون أن يمنحوا جود مساحة من الهدوء، وأن يتعاملوا معها بصورة طبيعية قدر الإمكان، دون أن يشعرها أحد بأنها تحت المراقبة أو أن كل كلمة تقولها ستخضع للتفسير.قالت يارا وهي تنظر إلى عمر:— دكتور عمر، هو في مشاريع هتبدأ؟أجابها عمر بهدوء:— لا، رئيس القسم لسه بيحدد المشاريع، وممكن يبدأ يعلن عنها بعد أسبوع أو عشرة أيام بالكتير.قال فارس:— ممكن دي تبقى الحاجة الوحيدة اللي تشغل جود شوية.أومأت ليلى موافقة.— فعلًا، ضغط المشروع بيخلينا مش عارفين نفكر في حاجة تانية.ابتسم فارس ابتسامة خفيفة، ثم قال:— أهو على الأقل نرجع نشوفها بتتخانق معانا على تقسيم الشغل.ضحكت يارا ضحكة بسيطة، بينما ابتسمت ليلى.أما عمر، فاكتفى بالنظر إلى الدرج للحظات، قبل أن يعيد عينيه إلى بقية المجموعة.ظل الحديث مستمرًا لدقائق.وفي الوقت نفسه، كانت جود قد بدأت تستيقظ في غرفتها بالطابق العلوي.فتحت عينيها ببطء.ظلت مستلقية للحظات دون حركة، تنظ

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٢

    مرت أيام قليلة على وفاة نهال، لكنها بدت وكأنها أطول مما ينبغي.كانت الأيام تمر ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه فقد قدرته على الحركة بصورة طبيعية منذ رحيلها.وظلت جود على حالها.منذ عودتها من المستشفى، لم تخرج من غرفتها إلا للضرورة، ولم تتحدث مع أحد تقريبًا. كانت تقضي معظم وقتها جالسة في صمت، إما تحدق أمامها دون تركيز، أو تجلس بالقرب من نافذة غرفتها وتنظر إلى الخارج، لكن عينيها لم تكونا تبدوان وكأنهما تريان ما خلف الزجاج.كانت ترى الأشياء دون أن تشعر بها.تسمع الأصوات دون أن تتفاعل معها.وكأن جزءًا منها ظل عالقًا في اللحظة التي عرفت فيها أن والدتها لن تعود.كان أصدقاؤها يطمئنون عليها باستمرار.يسألون عنها، يتابعون حالتها، ويحرصون على ألا تبقى وحدها لفترات طويلة.أما ليلى ويارا، فكانتا تبيتان معها كل ليلة.لم تكونا تحاولان إجبارها على الحديث، ولا تطلبان منها أن تتوقف عن الحزن، ولا تقولان لها إنها يجب أن تكون أقوى.كان كل ما تفعلانه هو البقاء.تجلسان بالقرب منها، حتى لو قضت جود الساعات دون أن تنطق بكلمة واحدة.كان وجودهما بجوارها هو الطريقة الوحيدة التي استطاعتا بها أن تقولا لها إنهما لن تترك

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣١

    ظل الصمت يملأ الغرفة.كانت مريم لا تزال ممسكة بيد جود، بينما جلست جود إلى جوارها دون أن تتحرك تقريبًا.كانت عيناها مثبتتين على الأرض، وكأنها لا ترى ما حولها بالفعل.لم يكن في ملامحها أي تعبير واضح.لا بكاء.ولا حديث.ولا حتى محاولة لإخفاء ما تشعر به.فقط سكون ثقيل استقر عليها منذ الأمس.رفع طارق عينيه إليها للحظات، ثم قال بهدوء:— الدكتور قال إنك لازم ترتاحي.لم تجبه جود.فقط أومأت برأسها إيماءة صغيرة.فهم طارق أنها سمعت كلامه، لكنه لم يرد أن يضغط عليها أكثر.لذلك سكت مرة أخرى.كانت مريم تنظر إلى جود، تحاول أن تقول شيئًا.كلما فتحت فمها، شعرت أن الكلمات تتوقف في حلقها.ماذا يمكنها أن تقول لفتاة فقدت والدتها بالأمس؟أي جملة يمكن أن تخفف عنها؟لم تجد شيئًا.وفي النهاية، اكتفت بأن مررت يدها على شعر جود برفق.لم تتحرك جود.لكنها لم تبتعد أيضًا.ظلت ساكنة، وعيناها شاردتان أمامها.قالت مريم بصوت خافت:— لو احتجتي أي حاجة... كلميني.رفعت جود عينيها إليها.ظلت تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول أن تستوعب الكلمات.ثم أومأت.كان ذلك كل ما استطاعت فعله.تنهدت مريم بخفة، ثم مسحت دموعها سريعًا قبل أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٣٠

    مرت دقائق قليلة، ثم بدأت مريم وطارق يستعدان للصعود إلى غرفة جود.لم يكن أي منهما يعرف ماذا سيقول لها.فالكلمات في مثل هذه اللحظات تبدو عاجزة، مهما كانت صادقة.كانت مريم تنظر إلى الدرج بين الحين والآخر، بينما ظل طارق جالسًا في صمت، يفكر في جود وفي حالتها منذ الأمس.نظرت ليلى إلى الدرج، ثم قالت بهدوء:— أنا هطلع أقول لجود إنكم طالعين لها.أومأت نادية.صعدت ليلى إلى الطابق العلوي بخطوات هادئة، حتى وصلت إلى باب غرفة جود.وقفت أمامه للحظات، ثم طرقت بخفة.— جود؟لم يأتِ رد.انتظرت قليلًا.ثم فتحت الباب ببطء.كانت جود جالسة على طرف السرير، في الوضع نفسه تقريبًا الذي تركتها عليه منذ قليل.كانت تنظر أمامها في صمت، وملامحها ساكنة تمامًا.دخلت ليلى وأغلقت الباب خلفها دون صوت، ثم اقتربت منها وجلست إلى جوارها.— جود...رفعت جود عينيها إليها.لم تقل شيئًا.ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الواضح في عينيها.قالت بهدوء:— ماما وبابا عمر طالعين يشوفوكي.ظلت جود تنظر إليها للحظات.لم يظهر على وجهها أي اعتراض، ولا أي رغبة في الحديث.فقط أومأت برأسها ببطء.فهمت ليلى أنها لا تريد الكلام.ولم تحاول أن

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٩

    في صباح اليوم التالي، ظل المنزل غارقًا في الصمت.لم يتغير شيء تقريبًا منذ الليلة الماضية.نفس الهدوء الثقيل.نفس الوجوه المرهقة.ونفس الشعور الذي يسيطر على الجميع، وكأن خبر وفاة نهال ما زال معلقًا في أرجاء المنزل، يرفض أن يصبح حقيقة يمكن استيعابها.كانت جود داخل غرفتها.جلست على طرف السرير، ويداها مسترخيتان إلى جوارها، بينما كانت عيناها معلقتين أمامها دون تركيز.لم تنم إلا لفترات قصيرة ومتقطعة.كلما أغمضت عينيها، عادت إليها صورة والدتها.صوتها.ملامح وجهها.طريقتها في الحديث معها.وآخر مرة رأتها فيها.كانت التفاصيل تعود إليها بوضوح مؤلم، وكأن عقلها يرفض أن يسمح لها بالنسيان ولو للحظة.حاولت جود أن تستوعب الفكرة.أن نهال لن تدخل غرفتها مرة أخرى.لن تناديها.لن تجلس معها.لن تسمع صوتها.لكن عقلها ظل يرفض تصديق ذلك.كلما حاولت أن تقول لنفسها إن والدتها رحلت، شعرت وكأن الجملة لا تخصها.وكأنها تتحدث عن شخص آخر.شخص آخر فقد والدته.وليس هي.رفعت جود يدها إلى وجهها، وظلت تغطي عينيها للحظات.ثم أنزلتها ببطء.لم تبكِ.كانت دموعها قد جفّت، لكن الألم لم يختفِ.فقط تحول إلى شيء أثقل وأكثر صمتًا.

  • رجل لا يشبه الماضي   ١٢٨

    وصلوا إلى المنزل بعد وقت قصير.ما إن دخلت جود حتى اتجهت مباشرة إلى غرفتها، دون أن تنظر إلى أحد أو تتوقف للحظة.تبعتها نادية وليلى ويارا، بينما ظل أنس في الخارج.وقف للحظات يراقب الباب الذي أُغلق خلف جود، ثم أطلق نفسًا طويلًا، وكأنه يحاول إخراج كل ما يحمله صدره من قلق منذ ساعات.أما عمر، فظل واقفًا في مكانه دون أن يتحدث.كانت عيناه معلقتين بباب غرفة جود.ظل ينظر إليه لعدة لحظات، ثم قال بهدوء:— أنا هروح البيت.رفع أنس عينيه إليه.كان يعرف أن عمر نفسه يحتاج إلى الراحة بعد هذا اليوم الطويل.قال له:— روح ارتاح يا عمر.أومأ عمر.لم يضف شيئًا، ثم غادر.---وصل عمر إلى منزله بعد وقت قصير.فتح الباب ودخل بهدوء.كانت والدته، مريم، تجلس في غرفة المعيشة، بينما كان والده، طارق، يتابع بعض الأوراق أمامه.ما إن رأته مريم حتى رفعت عينيها وابتسمت.— رجعت بدري.لم يجبها عمر.اكتفى بإلقاء مفاتيحه على الطاولة، ثم وقف للحظة وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه.لاحظ طارق ملامحه فورًا.رفع عينيه عن الأوراق.— مالك؟هز عمر رأسه.— مفيش.ثم صعد إلى غرفته دون أن يضيف شيئًا.تابعته مريم بعينيها حتى اختفى عن نظرها.ثم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status