LOGINمرت ثلاثة أيام منذ أن غادر لينار. ثلاثة أيام كانت كافية لتجعل سلين تعيش في حالة من الترقب الغريب. لم تكن حزينة كما كانت في السابق، ولم تكن يائسة. كانت هناك نظرة جديدة في عينيها، نظرة أمل خافت لكنها حقيقية.
كانت تتجول في القصر، ولكن هذه المرة كانت خطواتها أخف، كانت تبتسم للخدم، كانت تغني في المطبخ وهي تعد القهوة. كانت تفكر في تلك الليلة، في دفء جسده، في نبضات قلبه التي سمعتها تحت أذنها. "نام بجانبي..." كانت تهمس لنفسها، وهي تلمس المكان الذي كان يحتضنها فيه. "احتواني بين ذراعيه..." في الليلة الثالثة، كانت جالسة في غرفة المعيشة، تشاهد التلفاز دون أن تركز في أي شيء. كان قلبها يخفق بشدة، لأنها علمت من الخدم أن لينار سيعود الليلة. سمعت صوت الباب يفتح. وقفت بسرعة، وعدلت ثوبها، ومررت يدها على شعرها، ثم توجهت نحو المدخل. وكان هناك. لينار يقف عند الباب، معطفه الأسود يغطيه، ووجهه المتعب يظهر أنه لم ينم جيداً أثناء السفر. نظر إليها للحظة، ثم حول نظره إلى الأرض. "لينار..." همست سلين، خطت خطوة نحوه. "مرحباً بعودتك." لم يرد. فقط دخل، وخلع معطفه، وبدأ يصعد الدرج. وقفت سلين تنظر إليه، تشعر بقلبها ينقبض. لكنها هذه المرة لم تسمح للألم أن يسيطر عليها. تذكرت تلك الليلة، وتذكرت احتضانه لها، وتذكرت دفئه. "لا، لن أستسلم." قالت لنفسها وهي تصعد خلفه. --- وصلت إلى باب غرفته. وقفت هناك للحظة، تأخذ نفساً عميقاً، ثم طرقت الباب برفق. "لينار؟" نادته بصوت ناعس. "هل يمكنني الدخول؟" صمت من الداخل. ثم سمعت صوته البارد: "مشغول." لكن سلين لم تتراجع هذه المرة. فتحت الباب ببطء، ودخلت. كان لينار جالساً على مكتبه، ينظر إلى أوراقه، لكنها رأت كيف كانت قبضته مشدودة على القلم. "لينار..." قالت وهي تقترب منه ببطء. "لقد افتقدتك." رفع عينيه إليها للحظة، ثم عاد إلى أوراقه. "قلت لك، مشغول." لكنها لم تبتعد. وقفت خلفه، ووضعت يديها على كتفيه برفق. شعرت بعضلاته تتصلب تحت لمسها، لكنها لم ترفع يدها. "أعرف أنك مشغول..." همست. "أعرف أن العمل يهمك كثيراً... لكنني... أنا هنا، لينار. أنا موجودة. في الغرفة المجاورة. في هذا القصر. في حياتك." وقف لينار فجأة، وابتعد عنها. التفت إليها، وعيناه باردة. "ماذا تريدين مني؟" سأل بصوت حاد. توقفت سلين للحظة، نظرت إليه، ثم قالت بصدق: "أريد أن أكون جزءاً من حياتك. أريد أن تعطيني فرصة." نظر إليها، صمت طويلاً، ثم قال: "هذا مستحيل." وشعرت سلين بقلبها يتوقف للحظة، لكنها أصرت: "لما تعتقد ذلك؟" لم يرد. فقط جلس مجدداً، وأدار ظهره لها، وبدأ في كتابة شيء ما. وقفت سلين هناك لدقيقة، تشعر بدموعها تحاول التسلل، لكنها ابتلعتها. "سأنتظر." قالت بهدوء. "سأنتظر حتى تنظر إلي يوماً ما." ثم غادرت الغرفة، وقلبها ينزف أملاً جديداً. --- في الأيام التي تلت عودته، حاولت سلين الاقتراب منه بطرق مختلفة. كانت تحضر له القهوة كل صباح، تضعها على مكتبه قبل أن يستيقظ. كانت تترك له رسائل صغيرة تحت وسادته، تخبره فيها بأشياء بسيطة: "اليوم الجو جميل"، "الورود بدأت تتفتح"، "فكرت فيك اليوم." كان يقرأها أحياناً، يمزقها أحياناً أخرى. لكنه لم يعد يتجاهلها تماماً. في بعض الأيام، كان يرد عليها بكلمة واحدة: "شكراً." كانت كلمة صغيرة، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يخفق. كانت تشعر بشيء يتغير. شيء خفيف، بطيء، كذوبان الجليد في أول أيام الربيع. في إحدى الليالي، وجدته جالساً في غرفة المعيشة، يقرأ كتاباً. كانت هذه فرصة نادرة، لأنه عادة كان يختفي في غرفته بمجرد أن ينتهي من العمل. ترددت للحظة، ثم دخلت وجلست على الأريكة المقابلة له. رفع عينيه إليها، لكنه لم يقل شيئاً. استمرت في القراءة، وهو استمر في القراءة. لكن الصمت لم يكن ثقيلاً هذه المرة. كان صمتاً مختلفاً. صمتاً يسمح بوجود الآخر. كانت هذه أول ليلة يجلسان فيها معاً منذ أشهر. لم يتحدثا كثيراً، لكنهما كانا هناك، في نفس الغرفة، يتنفسان نفس الهواء. وكان ذلك كافياً لسلين. كانت تبتسم في داخلها، وتشعر بأن هناك خطوة صغيرة إلى الأمام. --- بعد أسبوع من عودته، حدث شيء غير متوقع. كانت سلين نائمة في غرفتها، عندما استيقظت في منتصف الليل على صوت الباب يفتح. فتحت عينيها ببطء، ورأت لينار يقف على عتبة بابها، ينظر إليها بنظرة غريبة. "لينار؟" همست، وهي تجلس على السرير. "ما بك؟" لم يرد. فقط دخل الغرفة، وأغلق الباب خلفه، واقترب منها ببطء. كانت عيناه مشتعلتين بتلك النار التي رأتها في ليلة الحرارة، لكنها كانت مختلفة هذه المرة. كانت هناك رغبة، نعم، لكن كان هناك أيضاً شيء آخر. شيء يشبه الصراع، شيئاً يشبه الألم. في تلك اللحظة، شعرت سلين بشيء غريب في داخلها. لم تكن مجرد رغبة، كان شيئاً أعمق، شيئاً جعل جسدها يرتجف من الداخل. كانت غريزتها تستجيب له، تتوق إليه، تشتاق لقربه. كانت تتساءل: هل هذا هو شعور الذئبة تجاه رفيقها؟ هل هذا هو الرابط الذي يربطهما؟ "لينار..." قالت مرة أخرى، وهي تشعر بجسدها يبدأ في الاستجابة له، يشعر بالحرارة تعود من جديد. وقف أمامها، ينظر إليها من الأعلى، وكأنه يحارب شيئاً داخله. ثم، فجأة، جثا على ركبتيه أمامها، ووضع رأسه على فخذيها. "سامحني..." همس بصوت خشن، مبحوح. "سامحني على كل شيء." توقفت سلين للحظة، غير مصدقة ما تسمعه. لينار، الرجل البارد الذي لا يظهر أي مشاعر، كان جاثياً على ركبتيه أمامها، يعتذر لها. كانت هذه أول مرة يظهر فيها أي ضعف أمامها. رفعت يدها ببطء، ووضعتها على رأسه، شعرت بشعره الناعم تحت أصابعها. شعرت بجسده يرتجف تحت لمسها. "لست غاضبة منك..." همست بصوت ناعس. "لن أغضب منك أبداً." رفع رأسه ونظر إليها، وكانت عيناه الرماديتان مليئتين بشيء لم تره من قبل. شيء يشبه الألم، شيئاً يشبه الشوق. "أنا لا أستحقك." قال بصوت خافت. "هذا ليس قرارك." ردت عليه، وهي تبتسم. ثم، من دون كلمات، وقف، وجلس بجانبها على السرير، ومد ذراعه واحتضنها. كان احتضانه مختلفاً هذه المرة. لم يكن احتضان وحش جائع، كان احتضان رجل يبحث عن الدفء، عن الأمان، عن شيء فقده منذ زمن طويل. وضعت سلين رأسها على صدره، وسمعت نبضات قلبه، وكانت سريعة، متسارعة، لكنها كانت دافئة. كانت تتساءل في داخلها: هل يشعر هو بنفس الشيء؟ هل يشعر بهذا الرابط الذي يشدها إليه؟ هل يعلم أن غريزته ليست مجرد رغبة جسدية، بل شيء أعمق بكثير؟ "لينار..." همست. "ماذا حدث لك؟" لم يرد على الفور. فقط ظل يحتضنها، يمرر أصابعه في شعرها برفق. ثم قال بصوت خافت، بالكاد مسموع: "كنت خائفاً." رفعت رأسها ونظرت إليه. "خائف؟ من ماذا؟" "من أن أشعر بشيء." اعترف، وعيناه تنظران إلى السقف، كأنه يتحدث إلى نفسه. "من أن أحتاج شخصاً. من أن يصبح شخص ما مهماً بالنسبة لي." شعرت سلين بقلبها ينقبض. كانت هذه الكلمات، البسيطة والصادقة، أكثر مما تمنته. "فقط..." تابع لينار، وصوته يصبح أكثر خشونة. "فقط ابقي هنا. الليلة. لا تذهبي." ابتسمت سلين، ووضعت رأسها على صدره مجدداً. "لن أذهب إلى أي مكان." همست. "أنا هنا. دائماً." --- تلك الليلة كانت مختلفة. لم يكن لينار وحشياً، لم يكن جائعاً. كان بطيئاً، حنوناً، وكأنه يكتشف جسدها للمرة الأولى. بدأ بقبلة على جبينها، ناعمة، خفيفة، كنسيم الربيع. ثم انزلقت شفتاه إلى خدها، إلى زاوية فمها، إلى رقبتها، حيث توقف للحظة، يستنشق رائحتها، يشعر بدفئها. كانت سلين تشعر بكل لمسة منه، بكل قبلة، بكل همسة. كانت تشعر بأن جسدها يستجيب له بشكل مختلف هذه المرة. لم تكن مجرد استجابة جسدية، كانت استجابة روح، استجابة غريزة، استجابة قلب. شعرت بيديه تلمسانها برفق، وكأنها شيء ثمين، شيء يخشى أن ينكسر. كانت تلامس كتفيها، ذراعيها، خصرها، وكأنه يحفظ خريطة جسدها، يتعلم كل منحنياتها. ولأول مرة، شعرت سلين بأنها ليست مجرد جسد يرضي غريزته، بل امرأة يحبها رجل. سلين كانت تشعر بدموعها تتسلل من عينيها، لكنها لم تكن دموع حزن. كانت دموع فرح، دموع اكتمال. "لينار..." همست، وهي ترفع يدها تلمس وجهه. "أنا أحبك." توقف للحظة، ونظر إليها. كانت عيناه الرماديتان تعكسان ضوء القمر المتسلل من النافذة، وكانت هناك نظرة في عينيه لم ترها من قبل. نظرة اعتراف، نظرة استسلام. "أنا..." بدأ، لكنه توقف. بدا وكأنه يحارب كلماته، يحارب مشاعره. لكن سلين وضعت إصبعها على شفتيه، وأوقفته. "لا تقل شيئاً." همست. "فقط... كن هنا. معي." أطاعها. لم يقل شيئاً. فقط عاد إليها، يقبلها، يلمسها، يحتضنها. لكن هذه المرة، لم يذهب إلى النهاية. اكتفى باللمسات، بالقبلات، بالدفء. كأنه يريد أن يشعر بها، أن يتذكرها، دون أن يتجاوز الحد. "لا أريد..." همس في أذنها. "لا أريد أن تكون هذه مجرد غريزة. أريد أن أتذكرك. أريد أن أشعر بك." بكت سلين بصمت، لأن هذه الكلمات كانت أكثر حميمية من أي فعل جسدي. تلك الليلة، ناما في أحضان بعضهما البعض، في نفس السرير، وللمرة الأولى، شعرت سلين بأنها ليست وحيدة. شعرت بأنها محبوبة. --- صباح اليوم التالي استيقظت سلين، وشعرت بشيء مختلف. كانت دافئة، وآمنة، ومحبوبة. كانت لا تزال في أحضان لينار، وذراعه ملفوفة حولها، وأنفاسه الهادئة على رقبتها. كانت هذه اللحظة التي حلمت بها لمدة عامين. رفعت يدها ببطء، ولمست وجهه، شعرت بخطوطه الحادة تحت أصابعها. كانت تبتسم، وشعرت بسعادة غامرة تملأ قلبها. فتح لينار عينيه ببطء، ونظر إليها. للحظة، رأت شيئاً في عينيه، شيئاً يشبه الدفء، شيئاً يشبه القبول. ثم، فجأة، تغيرت نظرته. انسحب منها بسرعة، وجلس على حافة السرير، وظهره لها. شعرت سلين بالبرد يغزو المكان الذي كان دافئاً قبل لحظات. "لينار؟" همست، وهي تجلس خلفه، تضع يدها على كتفه. لكنه هز كتفه، مبتعداً عنها. "كان خطأ." قال بصوت بارد، جامد. "ما حدث الليلة الماضية... كان خطأ." توقفت سلين، وشعرت بقلبها يتوقف للحظة. "ماذا تقصد؟" وقف، وبدأ يرتدي ملابسه بسرعة، دون أن ينظر إليها. "الذئب اللعين." تمتم، وكأنه يلوم شيئاً آخر، شيئاً ليس هو. "كان هو من فعل ذلك. ليس أنا." شعرت سلين بأن الأرض تهتز تحت قدميها. نهضت من السرير، واقتربت منه، ووضعت يدها على صدره، فوق قلبه. "لكنك كنت هنا." قالت، وصوتها يرتجف. "أنت من احتضنني. أنت من قبلني. أنت من..." "توقفي." قاطعها، وصوته حاد، كسيف يقطع الأمل. "لا تجعلي من هذا شيئاً أكثر مما هو. لقد كنت ضعيفاً. هذا كل شيء." نظرت إليه، وعيناها مليئتان بالدموع التي كانت تحاول التسلل. "هل كنت ضعيفاً عندما احتضنتني؟" سألت، وصوتها مبحوح. "هل كنت ضعيفاً عندما طلبت مني البقاء؟" توقف للحظة، وبدا وكأن كلماتها تخترق جداره الجليدي. لكنه سرعان ما استعاد تماسكه. "لقد كنت في حالة ضعف. غريزتي كانت تتحكم بي. لكن ذلك لا يعني شيئاً." "لا يعني شيئاً؟" كررت سلين، وصوتها يرتفع قليلاً. "بالنسبة لي، كان يعني كل شيء." التفت إليها، وأخيراً نظر في عينيها. لكن نظرته كانت باردة، فارغة، كأنه يرى غريبة. "اسمعي، سلين." قال، وصوته هادئ لكنه قاسٍ. "لا أريد أن أكون في علاقة. لا أريد أن أحب. لا أريد أن... أشعر. لذلك، من الأفضل أن تنسي ما حدث. سأسافر غداً، وسأبقى بعيداً لبعض الوقت." "لينار..." همست، ودموعها تتساقط أخيراً. "أرجوك، لا تفعل هذا. لا تتركني مجدداً." لكنه كان قد انتهى من ارتداء ملابسه، وكان متجهاً نحو الباب. "سأرسل لك المال." قال دون أن ينظر إليها. "اشتري ما تريدين." ثم غادر، وأغلق الباب خلفه، وتركها وحدها، في الغرفة التي كانت دافئة قبل لحظات، والآن أصبحت باردة كالجليد. وقفت سلين هناك، تنظر إلى الباب المغلق، وتشعر بأن قلبها ينكسر إلى ألف قطعة. "عبء... أنا عبء..." همست، وكلماته ترن في أذنيها. "يقول لي إنني عبء... ولم يكن يريدني..." جلست على الأرض، وبدأت تبكي، تبكي حتى اختنقت. كانت كلماته تقطعها كالسكين: "غريزتي... ذئبي... خطأ..." --- مرت الأيام، وكل يوم كان يمر ببطء، كأن الزمن توقف. كانت سلين تعيش في حالة من الصدمة، لا تستطيع النوم، لا تستطيع الأكل، لا تستطيع حتى البكاء. كانت تجلس في غرفتها، تحدق في الفراغ، وتتساءل أين ذهب ذلك الرجل الذي احتضنها في تلك الليلة، الذي طلب منها البقاء، الذي جعلها تشعر بأنها محبوبة. كانت كلماته ترن في أذنيها كالصدى المؤلم: "كان خطأ... انتي مجرد عبء... لم اكن اريدك...ذئبي من وسمك لست انا..انا لم اكن اريدك" في الأسبوع الأول، كانت تبكي كل ليلة، تبكي حتى لا يبقى لها دموع. كانت تحمل وسادته، تستنشق رائحته، وتتساءل: "كيف يمكن لرجل أن يكون بهذا البرود؟ كيف يمكن لقلب أن يتحول إلى جليد بهذه السرعة؟" بدأت تنسحب من العالم. كانت ترفض الخروج من غرفتها، ترفض التحدث مع الخدم، ترفض حتى الأكل. كانت الخادمة العجوز، مارتا، تحضر لها الطعام وتضعه على الباب، لكن سلين كانت تتركه يبرد دون أن تلمسه. "سيدتي..." كانت مارتا تقول من وراء الباب بصوتها الحنون. "عليك أن تأكلي. لا تدعي الحزن يقتلك." لكن سلين لم تستجب. كانت غارقة في ألمها، غارقة في حزنها، غارقة في تساؤلاتها التي لا تنتهي. كانت تنظر من النافذة إلى الحديقة المغطاة بالثلوج، وتتساءل: "هل سيكون هناك ربيع بعد هذا الشتاء؟ أم أن الجليد سيستمر إلى الأبد؟" --- في اليوم الرابع عشر، بدأ جسدها يتغير. استيقظت في الصباح على شعور غريب في بطنها. كان شعوراً خفيفاً في البداية، كرفرفة جناح فراشة، لكنه سرعان ما تحول إلى غثيان مفاجئ دفعها إلى الحمام وهي تكاد تسقط من شدة الضعف. تقيأت كل ما في بطنها، وجلست على الأرض الباردة، ترتجف، تتساءل: "ما بي؟" في الأيام التالية، تكرر الأمر. كل صباح، كان الغثيان يعود، أقوى من اليوم السابق. أصبحت تشم رائحة الطعام من بعيد، وكانت معدتها تنتفض. حتى القهوة، التي كانت تحبها، أصبحت تنفر منها. بدأت تلاحظ تغيرات أخرى في جسدها. أصبح ثديها أكثر حساسية، يؤلمها حتى لمسة القماش الخفيف. أصبحت تشعر بالتعب طوال الوقت، وكأنها لم تنم منذ أسابيع. وكانت هناك رائحة جديدة في جسدها، رائحة خفيفة، حلوة، لم تشمها من قبل. وكان هناك شيء آخر، شيء كان يخيفها أكثر من أي شيء آخر: الشوق. شوق للينار. شوق لوجوده. شوق لرائحته، لصوته، لدفئه. كان جسدها يشتاق إليه، وغريزتها كانت تصرخ من أجله، وكان قلبها يتألم لبعده. في البداية، ظنت أنها مريضة. ظنت أن الألم الذي في قلبها انتقل إلى جسدها. لكن بعد أسبوع من الأعراض، بدأ الشك يتسلل إلى عقلها. "لا يمكن..." همست لنفسها، وهي تقف أمام المرآة، تنظر إلى وجهها الشاحب. "لا يمكن أن أكون..." لكنها تذكرت تلك الليلة. تذكرت أنه لم يستخدم أي حماية، لم يفكر في العواقب. "يا إلهي..." همست، وشعرت برجليها ترتجفان. جلست على السرير، ويداها على بطنها، وشعرت بشيء غريب. شعرت بأن هناك حياة بداخلها، حياة صغيرة، تنمو، تتغير، تتشكل. "طفل..." همست، وعيناها تتسعان. "هل يمكن أن أكون حاملاً؟" لكن الخوف سرعان ما غمرها. خوف من أن تكون حاملاً، خوف من أن يكون هذا الطفل عبئاً على لينار، خوف من أن يرفضه، خوف من أن يقول لها "أجهضيه" كما كانت تخشى دائماً. "لا..." همست، ودموعها تتساقط. "لا يمكن أن أكون حاملاً. ليس الآن. ليس وأنا لوحدي. وهو يكرهني..." لكن جسدها كان يخبرها بشيء آخر. كان يخبرها أنها حامل، وأن هذا الطفل حقيقي، وأنها ستصبح أماً. --- بعد ثلاثة أيام من التردد والخوف، قررت سلين شراء اختبار الحمل. كانت يداها ترتجفان وهي ترتدي ملابسها، وعيناها خائفتان. خرجت من القصر لأول مرة منذ أسابيع، وتوجهت إلى الصيدلية القريبة. وقفت أمام رف الاختبارات، تنظر إليها، وتشعر بأن قلبها يكاد يتوقف. كانت تعلم أن هذه اللحظة ستغير كل شيء. كانت تعلم أن النتيجة ستحدد مستقبلها، مستقبل علاقتها مع لينار، مستقبل حياة كاملة بداخلها. اشترت الاختبار، ووضعته في حقيبتها، وعادت إلى القصر بخطوات ثقيلة. كانت تخشى النتيجة، لكنها كانت تعلم أنها يجب أن تعرف. عندما عادت إلى القصر، اختبأت في حمامها، ونظرت إلى الاختبار في يدها، وشعرت بأن قلبها يكاد يتوقف. جلست على حافة حوض الاستحمام، وتنفست بعمق. "أرجوك..." همست. "أرجوك، لا تفعل هذا بي الآن. ليس الآن. ليس وأنا لوحدي." لكن القدر لم يستجب لدعائها. نظرت إلى الاختبار، ورأت الخطين الواضحين، وتوقفت. كانت حاملاً. --- شعرت بأن الأرض تدور تحت قدميها، وجلست على حافة حوض الاستحمام، وهي تمسك بالاختبار بين يديها المرتجفتين. كانت دموعها تتساقط دون أن تشعر، تتساقط على يديها، على الاختبار، على بلاط الحمام البارد. كانت مشاعرها مختلطة، متضاربة. في لحظة، كانت تشعر بفرحة غامرة، فرحة بأن هناك حياة جديدة تنمو بداخلها، فرحة بأنها ستصبح أماً. وفي اللحظة التالية، كان الخوف يغمرها، خوف من أن تكون وحيدة، خوف من أن يرفضها لينار مجدداً، خوف من أن يرفض طفلهما. كانت كلماته ترن في أذنيها: "كنتي خطأ... لم اكن اريدك..." "ماذا لو قال أن هذا أيضاً خطأ؟" سألت نفسها، وصوتها يرتجف. "ماذا لو طلب مني أن أجهضه؟" شعرت بالغثيان يعود، لكن هذه المرة كان الغثيان من الخوف، وليس من الحمل. وقفت بسرعة، ووضعت الاختبار في جيبها، وخرجت من الحمام، ودخلت إلى غرفة نومها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على السرير، ويداها على بطنها، وشعرت بالحياة الصغيرة التي تنمو بداخلها. شعرت بالدفء، بالأمل، بالخوف، بكل شيء في نفس الوقت. "سأحميك." همست للجنين الذي لم يولد بعد. "مهما كلف الأمر. سأحميك. حتى لو رفضك أبوك، حتى لو قال أنني خطأ، حتى لو تركني وحدي. سأحميك." لكنها كانت تعلم أنها لن تستطيع حمايته وحدها. كانت بحاجة إلى لينار، بحاجة إلى دعمه، بحاجة إلى قبوله. "لينار..." همست، وتخيلت وجهه البارد، كلماته القاسية. "كيف ستتقبل هذا؟ هل سترفضه كما رفضتني؟" جلست هناك، على سريرها، لساعات، تبكي وتحتضن نفسها، وتتساءل كيف ستواجه الغد. --- في الأيام التي تلت اكتشافها الحمل، كانت سلين تعيش في حالة من الرعب المستمر. كل صباح، كانت تستيقظ وتتساءل: "هل سيكون اليوم هو اليوم الذي سيعود فيه لينار؟" وكان قلبها يخفق بشدة كلما سمعت صوتاً في القصر. بدأت تتجنب الخدم، خوفاً من أن يلاحظوا تغيرها. كانت تأكل في غرفتها، وتخرج فقط عندما تكون متأكدة أن لا أحد في الجوار. كانت تنظر إلى نفسها في المرآة كل يوم، وتتساءل: "هل تغيرت؟ هل يمكن لأحد أن يرى أنني حامل؟" لكن بطنها كان لا يزال مسطحاً، ولم يكن هناك أي علامة ظاهرة على حملها. لكنها كانت تشعر به في داخلها، تشعر به ينمو، تشعر به يتغير كل يوم. كانت تتحدث معه في الليل، تهمس له: "أنا هنا يا صغيري. أنا هنا. سأحميك." وكانت تبكي، لأنها كانت تعلم أنها قد لا تكون قادرة على حماية نفسها، فكيف ستحميه؟ "ماذا لو رفضك؟" كانت تسأل نفسها. "ماذا لو قال أنك خطأ أيضاً؟ ماذا لو طلب مني أن أتخلص منك؟" وكان الجواب دائماً واحداً: ستظل تحبه، ستظل تحميه، ستظل تعطيه كل الحب الذي لم تستطع أن تعطيه لأبيه. حتى لو كان ذلك يعني مواجهة لينار، حتى لو كان ذلك يعني فقدانه إلى الأبد. --- في اليوم السادس عشر، عاد لينار من سفره. كانت سلين تجلس في غرفتها، تنظر من النافذة، عندما سمعت صوت الباب يفتح. شعرت بقلبها يتوقف للحظة، ثم بدأ يخفق بسرعة. "عاد..." همست، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. وقفت ببطء، ونظرت إلى نفسها في المرآة. كانت تبدو متعبة، شاحبة، لكنها كانت مصممة. كانت تعلم أن هذا هو اليوم. اليوم الذي ستواجه فيه الحقيقة. كانت تنوي أن تخبره، أن تواجهه، أن تعرف مصيرها ومصير طفلها. نزلت الدرج ببطء، ويداها ترتجفان، وقلبها يخفق كالطبول. كانت مستعدة لمواجهته، مستعدة لسماع كلماته القاسية، مستعدة لأي شيء. لكنها لم تصل إلى الباب. --- كان لينار قد دخل للتو، وكان يخلع معطفه في الردهة، عندما شمها. توقف فجأة، وكأن صاعقة أصابته. عيناه اتسعتا، ووجهه اصفر، ويده التي كانت تمسك بالمعطف تجمدت في مكانها. "ماذا...؟" همس، وصوته مبحوح. شم الهواء مجدداً، وتأكد. كانت رائحتها مختلفة. كانت رائحتها... حلوة. حلوة بشكل لا يوصف، رائحة تجعل ذئبه الداخلي يئن، يجعل غريزته تصرخ، تجعل كل خلية في جسده تستيقظ. رائحة المرأة الحامل. رائحة رفيقته التي تحمل نسله. في تلك اللحظة، سمعها. سمع نبضين إضافيين. نبضات قلب صغيرة، ضعيفة، لكنها موجودة. نبضات قلب طفله. ترنح، وكاد يسقط، ووضع يده على الحائط ليثبت نفسه. "مستحيل..." همس، وعيناه لا تصدقان. "مستحيل..." في تلك اللحظة، ظهرت سلين على الدرج. كانت تنظر إليه، وعيناها خائفتان، ويداها ترتجفان. رأت وجهه الشاحب، رأت يديه المرتجفتين، ورأت شيئاً في عينيه لم تره من قبل. "لينار..." همست، وصوتها بالكاد مسموع. رفع عينيه إليها، ونظر إليها. نظر إلى بطنها، إلى جسدها، إلى وجهها. كانت كل التفاصيل تقول له الحقيقة. رائحتها المتغيرة، نبضات قلبها المتسارعة، النبضات الصغيرة التي كانت ترافق نبضاتها. "أنتِ..." بدأ، لكن صوته خانقه. "أنتِ حامل." لم يكن سؤالاً. كان بياناً. حقيقة يعرفها بكل كيانه. توقفت سلين، وشعرت بقلبها يتوقف. كيف عرف؟ كيف عرف قبل أن تخبره؟ لكنها تذكرت. تذكرت أنه ألفا. تذكرت أن حاسة شم المستذئبين أقوى من البشر. تذكرت أن رائحة المرأة الحامل تتغير، تصبح أكثر حلاوة، تجذب رفيقها مثل العسل يجذب النحل. "نعم." همست، ودموعها تتساقط. "أنا حامل. من تلك الليلة." -- وقف هناك، ينظر إليها، وعيناه تائهتان. لم يقل شيئاً، فقط وقف، وكأن الزمن توقف من حوله. كانت سلين تخشى الأسوأ. كانت تتوقع أن يصرخ، أن يغضب، أن يقول لها كلماته القاسية. كانت تتوقع أن يقول لها "أجهضيه" كما كانت تخاف دائماً. لكن ما حدث كان غير متوقع. خطا نحوها ببطء، وعيناه لا تزالان مصدومتين. وقف أمامها، ورفع يده المرتجفة، ووضعها على بطنها. كانت لمسة خفيفة، حذرة، كأنه يلمس شيئاً ثميناً، شيئاً يخشى أن ينكسر. "طفل..." همس، وصوته مبحوح. "طفلنا..." نظرت إليه، ورأت عينيه تدمعان. رأت ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. رأت فرحة غامرة تملأ وجهه. "لينار..." همست، غير مصدقة ما تراه. "هل أنت... سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا تدمعان، لكنهما كانتا مليئتين بفرحة لم ترها من قبل. "طفلنا." كرر، وهذه المرة كانت كلمته مليئة باليقين، بالفرح، بالحب. "أنتِ حامل بطفلي." لم يعتذر عن الماضي. لم يقل أنه آسف على كلماته القاسية. لم يذكر كلمة "عبء" أو "خطأ" أو "غريزة". كل ما قاله هو: "طفلنا." وكان ذلك كافياً. --- ثم، من دون كلمات أكثر، مد ذراعيه واحتضنها. احتضنها كأنها كنزه الوحيد، كأنها النور في ظلامه الطويل. احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن يفقدها، وكأنه يريد أن يشعر بها، أن يتأكد أنها حقيقية. "طفلنا..." همس في أذنها، وصوته مبحوح من البكاء. "طفلنا، سلين. أنتِ تحملين طفلنا." وقفت سلين في أحضانه، مصدومة، غير مصدقة ما يحدث. كانت تتوقع الرفض، كانت تتوقع الغضب، كانت تتوقع الألم. لكنها وجدت الدفء، وجدت الفرح، وجدت الحب. "لينار..." همست، ودموعها تتدفق. "أنا خائفة. خائفة من أن ترفضه. خائفة من أن..." "لن أرفضه." قاطعها، وهو يرفع وجهها إليه، ينظر في عينيها. "لن أرفضكما. أبداً." "لكنك قلت..." حاولت أن تتكلم، لكنه وضع إصبعه على شفتيها، وأسكتها. "إنسي ما قلته." قال، وصوته حازم. "كان خطأ. كل ما قلته كان خطأ. أنتِ لستِ عبئاً. أنتِ كل شيء. أنتِ أم طفلي. أنتِ رفيقتي." بكت سلين، بكت طويلاً، لكنها كانت تبكي فرحاً. هذه الكلمات، من رجل بارد كالجليد، كانت تساوي أكثر من ألف كلمة حب من أي رجل آخر. "أنا خائف." اعترف، وهو يمسح دموعها بإبهامه. "خائف من أن أكون أباً. خائف من أن لا أكون جيداً بما يكفي. لكنني سأحاول. سأحاول من أجلك، ومن أجله." "أو من اجلها." همست سلين، وهي تبتسم رغم دموعها. ضحك، ضحكة خفيفة، أول ضحكة تسمعها منه. "أو من اجلها." --- وقفا هناك، في وسط الردهة، يحتضنان بعضهما البعض، ويبكيان معاً، ويضحكان معاً. كانت لحظة لا توصف، لحظة تغير كل شيء، لحظة تذوب فيها كل الجليد، وتولد فيها حياة جديدة. رفع لينار يده، ووضعها على بطنها مجدداً، وشعر بالدفء الذي ينبعث منه. "كم مضى؟" سأل، وصوته ناعس. "حوالي أربعة أسابيع." همست. "منذ تلك الليلة." أومأ برأسه، وعيناه لا تزالان تدمعان. "سأعتني بك. سأعتني بكما." "لينار..." همست، وهي ترفع يدها وتلمس وجهه. "هل هذا حقيقي؟ هل أنت حقاً هنا؟" "نعم." قال، وهو يقبل جبينها. "أنا هنا. ولن أذهب إلى أي مكان." احتضنها مجدداً، وشعرت سلين بأن الجليد الذي كان يحيط بها قد ذاب أخيراً. شعرت بأنها ليست وحيدة، شعرت بأنها محبوبة، شعرت بأنها تنتمي إلى مكان، إلى شخص، إلى عائلة. كانت بداية جديدة. بداية دفء بعد جليد طويل. بداية أمل بعد يأس. بداية عائلة. --- ❄️🔥 نهاية الفصل الثاني 🔥❄️ --- 🤔 سؤال للقارئ: بعد أن اكتشف لينار حمل سلين بنفسه، وأظهر فرحة غامرة لم تتوقعها... هل تعتقد أن هذا التغيير في لينار سيكون دائماً؟ أم أن خوفه القديم سيعود مع تقدم الحمل؟ وكيف سيكون مستقبل هذه العائلة الصغيرة؟ --- 📝 شاركنا توقعاتك في التعليقات! وإذا كنت تريد معرفة كيف ستتطور علاقتهما، وما هي التحديات التي تنتظر سلين ولينار... تابعونا في الفصل الثالث: "جليد يذوب" 🌸 --- سيأتي الفصل الثالث قريباً... دمتم بخير، ونراكم في الفصل القادم 💕الغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء. يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى
وقف لينار أمام سلين، ويده ما زالت على بطنها، وعيناه تدمعان بفرحة لم ترها من قبل. كانت تنظر إليه، غير مصدقة ما تراه. هذا الرجل البارد، الجليدي، الذي كان يعاملها كغريبة طوال عامين، كان يبكي فرحاً لأنها حامل. "طفلنا..." همس مجدداً. "طفلنا، سلين." لم تستطع أن تمنع دموعها من التدفق. فرحة غامرة لأنه لم يرفضها، وخوف عميق من أن يكون هذا مجرد وهم آخر. "لينار..." همست. "هل أنت حقاً سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا مليئتين بصدق لم تره من قبل. "أنا أكثر من سعيد. أنا ممتن. ممتن لأنك تحملين طفلي." احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن تفقدها. "سأعتني بك. سأعتني بكما. وعد." --- في الأيام التي تلت اكتشاف الحمل، تغير لينار تماماً. لكن تغيره كان موجهاً بالكامل نحو الجنين، وليس نحو سلين. كان يستيقظ كل صباح قبلها، ويحضر لها الإفطار بنفسه، لكنه كان يضع الطعام أمامها ويقول: "كلي. الجرو يحتاج إلى الغذاء." لم يقل: "كلي لتكوني قوية." بل قال: "الجرو يحتاج إلى الغذاء." كان يرافقها إلى الطبيب، يمسك يدها أثناء الفحوصات، ويسأل الطبيب عن كل شيء: "هل الجرو بخير؟ ماذا يحتاج أن يأكل؟" كان يسأل عن الجنين أولاً، ثم عن سلين
مرت ثلاثة أيام منذ أن غادر لينار. ثلاثة أيام كانت كافية لتجعل سلين تعيش في حالة من الترقب الغريب. لم تكن حزينة كما كانت في السابق، ولم تكن يائسة. كانت هناك نظرة جديدة في عينيها، نظرة أمل خافت لكنها حقيقية.كانت تتجول في القصر، ولكن هذه المرة كانت خطواتها أخف، كانت تبتسم للخدم، كانت تغني في المطبخ وهي تعد القهوة. كانت تفكر في تلك الليلة، في دفء جسده، في نبضات قلبه التي سمعتها تحت أذنها."نام بجانبي..." كانت تهمس لنفسها، وهي تلمس المكان الذي كان يحتضنها فيه. "احتواني بين ذراعيه..."في الليلة الثالثة، كانت جالسة في غرفة المعيشة، تشاهد التلفاز دون أن تركز في أي شيء. كان قلبها يخفق بشدة، لأنها علمت من الخدم أن لينار سيعود الليلة.سمعت صوت الباب يفتح. وقفت بسرعة، وعدلت ثوبها، ومررت يدها على شعرها، ثم توجهت نحو المدخل.وكان هناك.لينار يقف عند الباب، معطفه الأسود يغطيه، ووجهه المتعب يظهر أنه لم ينم جيداً أثناء السفر. نظر إليها للحظة، ثم حول نظره إلى الأرض."لينار..." همست سلين، خطت خطوة نحوه. "مرحباً بعودتك."لم يرد. فقط دخل، وخلع معطفه، وبدأ يصعد الدرج.وقفت سلين تنظر إليه، تشعر بقلبها ينقب
كان القصر كبيراً، فخماً، مليئاً بالغرف الواسعة والأثاث الثمين والحدائق الجميلة. لكنه كان بارداً. بارداً كقلب الرجل الذي تعيش معه.سلين كانت تستيقظ كل صباح على صوت الريح التي تعوي خارج النافذة، وعلى صمت القصر الثقيل الذي كان يزن على صدرها كجبل. كانت تنهض من سريرها الواسع، ذلك السرير الذي كان يتسع لشخصين لكنها كانت تنام فيه وحدها منذ عامين، وتبدأ يومها كالعادة.كانت حياتها عبارة عن روتين ممل، يتكرر كل يوم دون تغيير. تستيقظ، ترتدي ملابسها، تنزل إلى المطبخ لتعدّ القهوة، ليس لأن الخدم لا يستطيعون فعل ذلك، بل لأنها كانت تبحث عن أي شيء يملأ وقتها، عن أي شيء يجعلها تشعر بأنها مفيدة، بأنها موجودة. ثم كانت تتجول في القصر، تلمس الأثاث، تنظر من النوافذ إلى الحديقة، تتحدث مع الخدم بكلمات قليلة، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ كتاباً أو تشاهد التلفاز أو تحدق في السقف لساعات.كانت تنتظر. تنتظر لينار. تنتظر أن يعود من سفره. تنتظر أن ينظر إليها. تنتظر أن يتغير.لكن الانتظار كان طويلاً. والأسوأ أنه كان بلا نتيجة.---كلما عاد لينار من سفره، كانت تستقبله عند الباب، مبتسمة، كأنها تنتظر حبيباً غائباً. كانت تحمل