LOGINالغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء.
يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى التي ملأت الغرفة بالحياة. صرخة أرين، ابنه. شعر وكأن قلبه يتوقف للحظة، ثم ينفجر بالحياة. خطا نحو الممرضة التي كانت تحمل المولود، وتناول الطفل بين ذراعيه. شعر بثقل صغير دافئ في حضنه، شعر بدقات قلب صغيرة تنبض تحت كفه. "طفلي..." همس، وصوته مبحوح. "ابني..." حدق في وجهه الصغير، في عينيه الرماديتين الغائمتين، في شعره الأشقر الناعم، وشعر بأنه يذوب من الداخل. كان أجمل شيء رآه في حياته. كان كل شيء. كان معنى وجوده. رفع عينيه للحظة، نظر إليها، لكن عينيه كانتا لا تزالان مشغولتين بالطفل، لم يرها حقاً. قال: "سأسميه أرين." لم يسألها. لم يقل: "ماذا تعتقدين؟" لم يقل: "هل تحبين هذا الاسم؟" فقط أعلن، كما لو كان الأمر لا يعنها. سمع همستها الضعيفة من السرير: "لينار... أنا... أنا بخير..." لكن صوته كان أعلى، وفرحته أكبر، وكان الطفل بين ذراعيه يبكي، يطلب حضنه، يطلب دفئه. مشى به نحو النافذة، بعيداً عنها، يحدق في وجه الطفل، يبتسم، يهمس له. تركها هناك، في السرير، تنزف، تتألم، تنتظر نظرة واحدة منه. لكنه لم يعد. "خذوه إلى الحضانة." قال للممرضات، وصوته حازم. "أريد أن يكون في غرفة دافئة. لا تدعوه يبرد." ثم التفت إليها أخيراً. نظرته كانت سريعة، باردة. كمن يمرر عينيه على أثاث الغرفة. "أنتِ بخير. الخدم سيعتنون بك. سأذهب لأرى أرين." وغادر. صوت خطواته يخفت في الممر، وصوت بكائها يخفت خلف الباب المغلق. لم يسمعه. أو ربما سمعه لكنه تجاهله. مشى إلى الحضانة، يحمل ابنه، يبتسم، وكأن العالم له وحده. تركها وحدها، تبكي، تنتظر، تحلم بشيء لن يأتي أبداً. في ذلك اليوم، في تلك اللحظة، كان لينار سعيداً. سعيداً كرجل يحمل كنزه بين ذراعيه. ولم يدرك أنه كان يشهد موت زوجته أمام عينيه. --- بعد شهرين، لاحظ شيئاً مختلفاً. القصر أصبح هادئاً جداً. الهدوء لم يكن هدوءاً عادياً، بل هدوءاً ثقيلاً، كئيباً، كأن الأرواح نفسها توقفت عن التنفس. كانت مارتا، الخادمة العجوز، تقف عند باب غرفة سلين، تنظر إلى داخلها بعينين حزينتين، وتقول: "سيدتي لا تتحدث منذ أيام. لا تأكل، لا تنام. فقط تجلس وتنظر من النافذة." وقف عند الباب، نظر إلى داخلها. رأى ظهرها الجالس على حافة السرير، شعرها الطويل المنسدل على كتفيها كشلال باهت، ضوء النهار يحيطها بهالة شاحبة. نادتها مارتا بصوتها الحنون: "سيدتي؟ لقد جاء سيدي ليراكِ." لكنها لم تتحرك. لم ترد. ظلت جالسة، تنظر من النافذة، كأنها لم تسمع شيئاً. وقف لينار هناك، يشعر بشيء غريب يتحرك في صدره. شيء يشبه القلق، لكنه دفعه بعيداً بسرعة. قال ببرود: "لا بأس. ربما هي متعبة. ستمر." ثم مشى بعيداً، وترك الباب مفتوحاً. في تلك الليلة، استيقظ على صوت غريب. صوت بكاء خافت، مكتوم، يأتي من غرفتها. وقف عند بابها، وضع يده على المقعد البارد، وسمع بكاءها. بكاء لم يسمعه من قبل. بكاء كأنه يخرج من أعماق شيء ميت. وقف هناك، يستمع، لكنه لم يفتح الباب. عاد إلى غرفته، وضع وسادته على رأسه، وتظاهر بأنه لم يسمع. بعد تلك الليلة، توقف بكاؤها. وتوقفت عن الكلام نهائياً. لم تنطق بكلمة واحدة منذ ذلك اليوم. --- في الخريف، عندما كانت أوراق الأشجار تتساقط خارج نافذة مكتبه، لاحظ شيئاً آخر. رائحتها اختفت. كان جالساً على مكتبه، يقرأ أوراق العمل، عندما توقف فجأة. رفع رأسه، وشم الهواء. كان يبحث عن تلك الرائحة التي كانت تسبقه دائماً، رائحتها التي كان يتعرف عليها من على بعد أمتار. رائحة الزهور البرية، رائحة الدفء الخفي، رائحة شيء كان حياً يوماً. لكن لا شيء. فقط هواء بارد، ورائحة الخشب القديم، ورائحة الغبار. وقف من كرسيه ببطء، ومشى في الممرات، يشم الهواء كالحيوان الذي فقد أثره. وصل إلى باب غرفتها، وفتحه بهدوء. كانت جالسة على الأرض عند النافذة، ترتدي ثوباً أبيض فضفاضاً. بدت كشبح، كظل، كشيء ليس حقيقياً. شم الهواء مجدداً. لا رائحة. كان يعلم أن هذا يعني شيئاً خطيراً. كان يعلم أن اختفاء رائحة الذئب يعني أن الذئب الداخلي يضعف، يختفي، يموت. لكنه دفع الفكرة بعيداً، وقال لنفسه: "ربما تغيرت رائحتها بعد الولادة. هذا طبيعي." وكان يعلم أنه ليس طبيعياً. كان يعلم أن شيئاً ما يموت بداخلها. لكنه اختار ألا يرى. في تلك الفترة، كان أرين يزحف على الأرض، يصدر أصواتاً جميلة، يضحك. كان لينار يحمله طوال الوقت، يلهو معه، يهمس له. كان ابنه يملأ حياته بالنور. وكانت سلين تجلس في غرفتها، وحدها، بلا رائحة، كأنها لم تعد موجودة. --- بعد سنتين، تغيرت. أصبحت نحيفة جداً، شاحبة كالثلج. عظام وجنتيها كانت تبرز تحت جلدها الرقيق، كأن الهيكل العظمي يحاول الخروج. عيناها الغائرتان كانتا بلا بريق، كعينين زجاجيتين، تنظران ولا ترى. شعرها الخشن المتساقط كان يغطي كتفيها، خالياً من أي حياة. كانت ترتدي ملابس فضفاضة تخفي نحافتها المفرطة، ملابس كانت كبيرة عليها، وكأنها تريد أن تختفي داخلها. رآها في الممر ذات يوم. كانت تمشي ببطء، كشبح يطفو في الظلام. توقفت عندما رأته، ونظرت إليه بعينين بلا تعبير. نظرت إليه وكأنه غريب، وكأنها لا تعرفه. وقف هناك، ينظر إليها، وشعر بشيء يضغط على صدره. ناداها بصوت خافت: "سلين؟" لكنها لم ترد. فقط استمرت في المشي، وتلاشت في ظلام الممر. وقف هناك ينظر إلى المكان الذي اختفت فيه، يشعر بثقل في صدره لم يستطع فهمه. عاد إلى غرفة أرين، يحمل طفله، يضحك معه، ويتظاهر بأنه لم يرَ شيئاً. في تلك السنة أيضاً، اختفت كل تفاصيلها الصغيرة. لم تعد القهوة تنتظره على الطاولة، لم تعد رسائلها تحت وسادته، لم يعد هناك طعام على مائدته عندما يعود متأخراً. اختفت كل الأشياء التي كانت تفعلها من أجله، وكان يشعر بالفراغ، لكنه لم يعترف به. قال لنفسه: "ربما هي مريضة. سأرسل لها طبيباً." لكنه لم يرسل. --- في السنة الثالثة، نطق أرين أول كلمة له. كانا جالسين في غرفة المعيشة، لينار يحمل ابنه بين ذراعيه، يلاعبه. فجأة، سمع صوتاً صغيراً ضعيفاً خارجاً من فم الطفل: "بابا." وقف لينار مندهشاً، نظر إلى ابنه بعينين متسعتين. "ماذا قلت؟ قلها مجدداً يا أرين." قالها الطفل مجدداً: "بابا." انفجر لينار ضاحكاً، حمله وقبله مراراً، دار به في الغرفة. شعر بفخر لا يوصف، سعادة غامرة. ابنه اختاره أولاً، اختار أباه قبل أمه. رفع عينيه، فرحة لا تزال على وجهه، ورآها. كانت واقفة عند باب الغرفة. كانت تنظر إليهما. عيناها فارغتان، وجهها بلا تعبير، كأنها ترى مشهداً لا يعنيها. لم تبتسم، لم تبكِ، فقط وقفت كشبح يشاهد حياة الآخرين. توقف عن الضحك للحظة، ناداها: "سلين؟" لكنها ابتعدت، وتركت الباب مفتوحاً خلفها. وقف هناك، يحمل ابنه، وشعر بشيء غريب في صدره. شيء يشبه الذنب، لكنه دفعه بعيداً. في تلك السنة أيضاً، لاحظ شيئاً آخر. لم تدخل سلين في حرارة. لا رائحة مسكرة، لا نار في عينيها، لا شيء. مرت السنة كلها، ولم تشتعل عيناها ولو مرة واحدة. جلس في مكتبه ليلاً، ينظر إلى السقف، ويسأل نفسه: "لماذا لم تدخل في حرارة هذا العام؟" لكنه لم يبحث عن الإجابة. دفن السؤال في أعماقه، وتظاهر بأنه غير موجود. كان يجب أن يعلم أن ذئبها قد تخلى عنها. أن ذئبها الأوميغا أدرك أنه غير مرغوب فيه، فاختبأ، اختفى، مات. لكنه اختار ألا يرى. --- في الليلة التي سبقت اليوم الذي يمر فيه الآن، كان قد عاد متأخراً من العمل. لقد تأخر الليلة بسبب الاجتماع و بعض العمل الذي يجب عليه القيام به دخل المنزل و شعر بنفس الشعور الكئيب في الهواء و الظلام يحيط بالمنزل أغلق الباب خلفه و اتجه نحو الأريكة و جلس عليها، فك ربطة عنقه و تنهد من التعب، ثم أسند رأسه على ظهر الأريكة و أغمض عينيه. "لينار؟" نادته فتح عينيه. كانت جالسة على الطاولة. أعدت العشاء. شموع صغيرة كانت تذوب على الطاولة، تضيء وجهها بتوهج ذهبي. طبقان من الطعام، زجاجة نبيذ، كأسان. كانت ترتدي ثوباً أزرق داكناً، كان يلف جسدها النحيل. وضعت أحمر شفاه خفيفاً، وحاولت تزيين شعرها. كانت تبتسم له. تبتسم كطفلة تخاف من الرفض. "لينار..." همست، وصوتها ضعيف، مرتجف. "لقد أعددت العشاء. أردت أن نجلس معاً. أن نتحدث." بقي ينظر إليها. إلى الطاولة الجميلة، إلى الشموع التي تذوب، إلى جهدها الذي بذلته. شعر بتعب يغمره، بغضب يملأ صدره، بضغط في رأسه. لم يستطع أن يتحملها في تلك اللحظة، لم يستطع أن يتحمل مجهودها، لم يستطع أن يتحمل وجودها. "هل طلبت منك أن تنتظريني؟" صرخ في وجهها، وصوته يرن في الغرفة كالرعد. "أضيع وقتي مع حضرتك!!" رأى وجهها يتغير. رأى ابتسامتها تنكسر كالزجاج، رأى عينيها تدمعان. رأى دموعاً تتساقط على خديها، رأى يديها ترتجفان وهي تضع الشوكة على الطاولة. رأى كتفها تهتز بالبكاء الصامت. فتح لينار عينيه و انحنى للأمام، نظر نحو الطاولة فلم يرى أحداً، ثم نظر بجانبه لم يكن هناك أحد، لم تكن هناك سلين لتزعجه إنه وحيد... تماماً كما أراد سابقاً أن تتركه سلين و شأنه. ثم أدار ظهره، وغادر الغرفة. مشى إلى غرفته، أغلق الباب خلفه، ونام. --- يجلس لينار على كرسيها البالي. ينظر من النافذة ويراها في الحديقة، تحت شجرة البلوغ العجوز. جالسة على الثلج، كتمثال، كشبح، بلا حراك. الثلج يتساقط على شعرها، على كتفيها، على ثوبها الأبيض الفضفاض، وهي لا تتحرك. لا تشعر بالبرد. لا تشعر بأي شيء. يشعر بشيء يخنقه، يضغط على صدره، يجعله يتنفس بصعوبة. يضع يده على قلبه، يشعر بنبضاته السريعة. "سلين..." يهمس، وصوته مبحوح، كئيب. "ماذا فعلت بكِ؟ كيف وصلنا إلى هنا؟" يعرف الإجابة. يعرف تماماً. لقد تجاهلها، أهملها، كسرها قطعة قطعة. جعلها تشعر بأنها غير مرغوب فيها، بأنها مجرد وعاء لإنجاب طفل، بأنها لا شيء. والآن، بعد أن أصبحت كالحجر، بعد أن مات كل شيء بداخلها، يبدأ هو بالشعور. لكن الأوان قد فات. في الليل، لا يستطيع النوم. ذكرياته تأتيه كالسهام، تخترق صدره. يوم أخبرته بحملها، وكان سعيداً بالجرو فقط. يوم رآها تبكي في الممر بعد أن اهانتها أمه، وتركها وحدها. يوم ولدت أرين، وكان مشغولاً بابنه، لم ينظر إليها. يوم وجدها تبكي في غرفتها، وتركها. تركها وحدها، كما فعل دائماً. يجلس على حافة سريره، ورأسه بين يديه. يشعر بالثقل في صدره، بالندم الذي تجاهله طوال هذه السنوات. يتمنى لو يعود بالزمن، لو يفعل شيئاً مختلفاً، لو يقول كلمة واحدة. لكن الزمن لا يعود. والأوان قد يكون قد فات. --- يشرق الفجر، ويقف لينار عند النافذة، ينظر إلى الحديقة. الثلج يتساقط بهدوء، يغطي كل شيء بالبياض. يراها هناك، جالسة تحت الشجرة، كالعادة. لا تتحرك، لا تنظر إليه، فقط تنظر إلى الفراغ. يشعر بشيء يموت بداخله. شيء كان يرفض الاعتراف به طوال هذه السنوات. كان يحبها. كان يحبها طوال الوقت. لكنه كان خائفاً. خائفاً من الحب، من الخسارة، من الألم. ولهذا دفعها بعيداً، حتى اختفت، حتى ماتت، حتى أصبحت كالحجر. والآن، بعد أن فقدها إلى الأبد، يبدأ بالشعور. "سلين..." يهمس، وصوته مبحوح. "هل يمكنني أن أعوض؟ هل يمكنني أن أعيدكِ؟" لكن لا جواب. فقط الثلج يتساقط، ويقف هناك وحيداً، يندم، ويشعر بالثقل الذي سيحمله إلى الأبد. لقد خسرها. خسرها إلى الأبد. وكل ما تبقى هو الظل الذي كان اسمها. --- ❄️🖤 نهاية الفصل الرابع 🖤❄️ --- 🤔 سؤال للقارئ: بعد أن أدرك لينار حقيقة مشاعره المتأخرة، وبعد أن رأى كيف دمر سلين ببطء على مدى أربع سنوات... هل تعتقد أن لينار سيحاول تعويض سلين؟ هل ستعود سلين إلى الحياة يوماً ما، أم أنها ماتت إلى الأبد؟ ماذا سيحدث لأرين عندما يكبر ويرى كيف عوملت أمه؟ وهل ستعود الفتاة الغامضة في الصورة لتغير كل شيء؟ --- 📝 شاركنا توقعاتك في التعليقات! وإذا كنت تريد معرفة ما سيحدث في الفصول القادمة... تابعونا في الفصل الخامس: "جليد ينكسر" 🌸 --- سيأتي الفصل الخامس قريباً... دمتم بخير 💕الغرفة مظلمة. الستائر الثقيلة لا تدع الضوء يتسلل إلا عبر شقوق ضيقة، كخيوط ذهبية رقيقة ترسم خطوطاً على الأرضية الخشبية الباردة. يجلس لينار على الكرسي، على ذلك الكرسي الذي كانت تجلس عليه سلين كل ليلة. كرسيها البالي، الذي يحمل في نسيجه المخملي بقايا رائحتها الخافتة، رائحة تختفي كل يوم، كأنها تموت ببطء. يمرر أصابعه على ذراع الكرسي، يشعر بالقماش البالي تحت أطراف أصابعه، يتنفس بعمق، يحاول أن يستنشق شيئاً منها. لكن لا شيء. فقط رائحة الغبار، رائحة الزمن الذي مضى، رائحة سنوات أهدرها في العمى. يغمض عينيه، ويترك رأسه يستند إلى ظهر الكرسي، وتأتيه الذكريات كالسهام، تخترق صدره قبل أن يتمكن من حمايتها. --- يتذكر ذلك اليوم بوضوح مؤلم. شمس الصباح كانت تخترق ستائر غرفة الولادة البيضاء، تحول الغرفة إلى بحر من الضوء الدافئ. كان الهواء معطراً برائحة المطهرات، ورائحة الدم، ورائحة الحياة الجديدة التي كانت تملأ المكان. وقف هناك، ينظر إليها، إلى سلين التي كانت منهكة مرهقة، وجهها شاحب، جبينها يلمع بالعرق، شعرها الطويل ملتصق بوجها. لكنها كانت تبتسم. كانت تبتسم له. ثم سمعها. صرخة الطفل. تلك الصرخة الأولى
وقف لينار أمام سلين، ويده ما زالت على بطنها، وعيناه تدمعان بفرحة لم ترها من قبل. كانت تنظر إليه، غير مصدقة ما تراه. هذا الرجل البارد، الجليدي، الذي كان يعاملها كغريبة طوال عامين، كان يبكي فرحاً لأنها حامل. "طفلنا..." همس مجدداً. "طفلنا، سلين." لم تستطع أن تمنع دموعها من التدفق. فرحة غامرة لأنه لم يرفضها، وخوف عميق من أن يكون هذا مجرد وهم آخر. "لينار..." همست. "هل أنت حقاً سعيد؟" رفع عينيه إليها، وكانتا مليئتين بصدق لم تره من قبل. "أنا أكثر من سعيد. أنا ممتن. ممتن لأنك تحملين طفلي." احتضنها بقوة، وكأنه يخاف أن تفقدها. "سأعتني بك. سأعتني بكما. وعد." --- في الأيام التي تلت اكتشاف الحمل، تغير لينار تماماً. لكن تغيره كان موجهاً بالكامل نحو الجنين، وليس نحو سلين. كان يستيقظ كل صباح قبلها، ويحضر لها الإفطار بنفسه، لكنه كان يضع الطعام أمامها ويقول: "كلي. الجرو يحتاج إلى الغذاء." لم يقل: "كلي لتكوني قوية." بل قال: "الجرو يحتاج إلى الغذاء." كان يرافقها إلى الطبيب، يمسك يدها أثناء الفحوصات، ويسأل الطبيب عن كل شيء: "هل الجرو بخير؟ ماذا يحتاج أن يأكل؟" كان يسأل عن الجنين أولاً، ثم عن سلين
مرت ثلاثة أيام منذ أن غادر لينار. ثلاثة أيام كانت كافية لتجعل سلين تعيش في حالة من الترقب الغريب. لم تكن حزينة كما كانت في السابق، ولم تكن يائسة. كانت هناك نظرة جديدة في عينيها، نظرة أمل خافت لكنها حقيقية.كانت تتجول في القصر، ولكن هذه المرة كانت خطواتها أخف، كانت تبتسم للخدم، كانت تغني في المطبخ وهي تعد القهوة. كانت تفكر في تلك الليلة، في دفء جسده، في نبضات قلبه التي سمعتها تحت أذنها."نام بجانبي..." كانت تهمس لنفسها، وهي تلمس المكان الذي كان يحتضنها فيه. "احتواني بين ذراعيه..."في الليلة الثالثة، كانت جالسة في غرفة المعيشة، تشاهد التلفاز دون أن تركز في أي شيء. كان قلبها يخفق بشدة، لأنها علمت من الخدم أن لينار سيعود الليلة.سمعت صوت الباب يفتح. وقفت بسرعة، وعدلت ثوبها، ومررت يدها على شعرها، ثم توجهت نحو المدخل.وكان هناك.لينار يقف عند الباب، معطفه الأسود يغطيه، ووجهه المتعب يظهر أنه لم ينم جيداً أثناء السفر. نظر إليها للحظة، ثم حول نظره إلى الأرض."لينار..." همست سلين، خطت خطوة نحوه. "مرحباً بعودتك."لم يرد. فقط دخل، وخلع معطفه، وبدأ يصعد الدرج.وقفت سلين تنظر إليه، تشعر بقلبها ينقب
كان القصر كبيراً، فخماً، مليئاً بالغرف الواسعة والأثاث الثمين والحدائق الجميلة. لكنه كان بارداً. بارداً كقلب الرجل الذي تعيش معه.سلين كانت تستيقظ كل صباح على صوت الريح التي تعوي خارج النافذة، وعلى صمت القصر الثقيل الذي كان يزن على صدرها كجبل. كانت تنهض من سريرها الواسع، ذلك السرير الذي كان يتسع لشخصين لكنها كانت تنام فيه وحدها منذ عامين، وتبدأ يومها كالعادة.كانت حياتها عبارة عن روتين ممل، يتكرر كل يوم دون تغيير. تستيقظ، ترتدي ملابسها، تنزل إلى المطبخ لتعدّ القهوة، ليس لأن الخدم لا يستطيعون فعل ذلك، بل لأنها كانت تبحث عن أي شيء يملأ وقتها، عن أي شيء يجعلها تشعر بأنها مفيدة، بأنها موجودة. ثم كانت تتجول في القصر، تلمس الأثاث، تنظر من النوافذ إلى الحديقة، تتحدث مع الخدم بكلمات قليلة، ثم تعود إلى غرفتها لتقرأ كتاباً أو تشاهد التلفاز أو تحدق في السقف لساعات.كانت تنتظر. تنتظر لينار. تنتظر أن يعود من سفره. تنتظر أن ينظر إليها. تنتظر أن يتغير.لكن الانتظار كان طويلاً. والأسوأ أنه كان بلا نتيجة.---كلما عاد لينار من سفره، كانت تستقبله عند الباب، مبتسمة، كأنها تنتظر حبيباً غائباً. كانت تحمل