LOGINكانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.
لم تعد تسمع شيئًا حولها. لا صوت آدم. ولا فارس. ولا حتى دقات قلبها. كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها. كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث. الطفل الرابع. "لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد." "الأولى إن مراد فقد السيطرة." "والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها." ابتلعت رهف ريقها. وأكملت. "هيقولولك إن المشروع كان تجربة." "وده صحيح." "وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا." "وده صحيح برضه." "بس الحاجة اللي محدش هيقولها..." توقفت أنفاسها. "إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع." "إنتِ كنتِ الهدف." ساد الصمت داخل القبو. شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد. الهدف؟ ماذا يعني ذلك؟ انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها. وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع. "من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك." "ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة." "وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها." قالت رهف بسرعة: "هبل." لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها. واصل آدم القراءة. "أنا عارف إنك مش هتصدقي." "وأنا نفسي مكنتش مصدق." "لحد ما شفت الملفات الأصلية." "الملفات اللي اتخبّت قبل ما تبدأ التجربة." رفع فارس رأسه فجأة. "الملفات الأصلية؟" نظر إليه الراوي. ولأول مرة ظهر القلق على وجهه. "يعني فيه ملفات إحنا نفسنا ما شفناهاش." أكمل آدم. "لو بتسألي نفسك أنا مين..." "فأنا الشخص الوحيد اللي هرب." "والشخص الوحيد اللي عرف الحقيقة كاملة." ثم توقف. لأن الصفحة التالية كانت ممزقة. شعر الجميع بالإحباط. لكن رهف لم تتوقف. بدأت تقلب الصفحات بسرعة. صفحة ممزقة. أخرى ناقصة. ثالثة ملطخة بالماء. وكأن أحدهم تعمد إخفاء أجزاء محددة. إلى أن وصلت إلى صفحة سليمة. وفي أعلاها تاريخ. 15 أكتوبر 2007 ثم كلمات قصيرة. "النهاردة شفتها لأول مرة." "البنت اللي المشروع كله معمول عشانها." "كانت بتضحك." "وما كانتش تعرف إن فيه ناس مستعدة تموت عشانها." ارتجفت يد رهف. ثم جاءت الجملة التالية. "اسمها رهف." ساد الصمت مجددًا. هذه المرة حتى آدم لم يجد ما يقوله. أما فارس... فجلس على أقرب كرسي قديم. وكأنه فقد فجأة القدرة على الوقوف. قالت رهف بصوت منخفض: "هو بيتكلم عني." لم يرد أحد. لأن الجميع يعرف ذلك. ثم انتبهت إلى شيء. أسفل الصفحة. كان هناك رقم. رقم هاتف. ومكتوب بجواره: "لو اختفيت قبل ما أوصل الحقيقة... اتصلوا بالرقم ده." نظر الجميع إلى الرقم. ثم تجمد آدم. وتغير وجهه. قالت رهف: "مالك؟" رفع عينيه ببطء. وقال: "أنا أعرف الرقم ده." شعرت رهف بقشعريرة. "بتاع مين؟" تردد للحظة. ثم قال: "أبويا." ساد الصمت داخل القبو. لكن الصدمة لم تنته. لأن هاتف رهف رن فجأة. صوت الرنين ارتفع داخل المكان كله. فتحت الشاشة. ورأت رقمًا مجهولًا. نظر الجميع إليها. أما هي فشعرت بشيء غريب. إحساس بأن هذه المكالمة ستغير كل شيء. أجابت. ولثوانٍ لم تسمع شيئًا. مجرد أنفاس. ثم جاء صوت رجل. صوت هادئ جدًا. قال: "أخيرًا لقيتي الدفتر." تجمدت رهف. "مين؟" ضحكة قصيرة خرجت من الطرف الآخر. ثم قال الرجل: "واضح إنهم لسه ما عرفوش." شعرت رهف بأن قلبها بدأ يدق بعنف. "إنت مين؟" ساد صمت قصير. ثم جاء الرد. "أنا الطفل الرابع." وتجمد الجميع في أماكنهم. لكن الرجل لم يغلق الخط. بل أكمل بصوت أكثر هدوءًا: "وإذا كنتِ عايزة تنقذي نادين... يبقى لازم تقابليني قبل ما يوصلوا ليّ." ثم انقطع الاتصال. وبقيت رهف تحدق في الهاتف. غير قادرة على الحركة. لأن اللعبة كلها تغيرت في لحظة واحدة. الطفل الرابع ليس ميتًا. ليس مفقودًا. بل يراقبهم. ويعرف مكانهم. ويعرف أنهم وجدوا الدفتر. والأخطر من ذلك كله... أنه يعرف شيئًا عن نادين. شيئًا جعل رهف تشعر للمرة الأولى أن الوقت بدأ ينفد. ظل هاتف رهف بين يديها حتى بعد انقطاع المكالمة. كانت الشاشة قد انطفأت. لكنها ما زالت تحدق فيها. وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى. أن يخبرها أن كل ما يحدث مجرد مزحة سيئة. لكنها كانت تعرف الحقيقة. الصوت كان حقيقيًا. والطفل الرابع حقيقي. ونادين في خطر. --- كان أول من كسر الصمت هو آدم. "قالك تقابليه فين؟" رفعت رهف رأسها. ثم هزت رأسها ببطء. "ما قالش." عقد آدم حاجبيه. "مستحيل يتصل عشان يقول كلمتين ويقفل." أومأ الراوي موافقًا. أما فارس فكان يفكر في شيء آخر. شيء بدا واضحًا من ملامحه. قال بهدوء: "هو عارف إننا هنا." التفت الجميع إليه. فأكمل: "وعارف إننا لقينا الدفتر." ثم نظر حوله. "وده معناه إنه قريب." شعرت رهف بقشعريرة. قريب. إلى أي درجة؟ داخل المبنى؟ في الشارع؟ أم يراقبهم منذ البداية؟ --- بدأ آدم يتفحص الهاتف. وسجل المكالمة. وأي شيء يمكن أن يساعدهم. لكن فجأة... توقف. ثم أعاد تشغيل المقطع الصوتي. مرة. ثم ثانية. ثم ثالثة. قال الراوي: "في إيه؟" رفع آدم الهاتف. وقال: "اسكتوا." ساد الصمت. وانطلق التسجيل مجددًا. في البداية لم يسمع أحد شيئًا. ثم انتبهت رهف لصوت خافت جدًا خلف المتحدث. صوت معدني. يتكرر كل عدة ثوانٍ. كأنه جرس. أو إنذار قديم. أغلق آدم التسجيل. ثم نظر إلى فارس. "سمعته؟" شحب وجه فارس قليلًا. ثم قال: "مستشفى النور." --- في اللحظة نفسها... في مكان آخر. كان رجل يجلس داخل غرفة مظلمة. أمام شاشة كبيرة. يعرض عليها تسجيلات كاميرات مراقبة متعددة. إحدى الشاشات كانت تعرض القبو. وأخرى مدخل المبنى. وثالثة ممرًا قديمًا. أما الرابعة... فكانت تعرض رهف. بثًا مباشرًا. ابتسم الرجل بهدوء. ثم أغلق الشاشة. وقال لنفسه: "أسرعوا." نهض من مكانه. واتجه نحو باب حديدي ضخم. خلفه ممر طويل. وفي نهاية الممر... كانت نادين. --- في القبو... أغلق فارس الملف. ثم قال: "هنروح مستشفى النور." سألته رهف فورًا: "وإنت متأكد؟" نظر إليها. "بنسبة كبيرة." "ولو كان فخ؟" تدخل الراوي هذه المرة. "أكيد فخ." ثم ابتسم ابتسامة باردة. "بس معندناش اختيار." لم يعجبها ذلك. لكنها كانت تعرف أنه محق. نادين هناك. أو على الأقل دليل يقود إليها. --- بعد أقل من ساعة... توقفت السيارات أمام مبنى ضخم مهجور. بدا وكأنه خرج من فيلم رعب قديم. مستشفى النور. الواجهة متهالكة. الزجاج محطم. والحديقة الأمامية تحولت إلى غابة صغيرة من الأعشاب البرية. شعرت رهف بانقباض في صدرها. والأغرب... ذلك الإحساس المألوف عاد مجددًا. الإحساس نفسه الذي شعرت به عند جمعية الأفق. وكأن المكان يعرفها. أو هي التي تعرفه. قال آدم: "جاهزة؟" لم تجب. كانت تنظر إلى المبنى فقط. ثم قالت بصوت منخفض: "أنا جيت هنا قبل كده." التفت الجميع نحوها. حتى فارس. قال ببطء: "إيه؟" هزت رأسها. "مش عارفة." وضعت يدها على صدغها. "بس متأكدة." ظهرت صورة سريعة داخل عقلها. ممر أبيض طويل. ضوء قوي. طفلة تبكي. وباب يحمل الرقم 17. اختفت الصورة بسرعة. لكنها كانت كافية. تراجعت رهف خطوة. وشعرت بالدوار. أمسك آدم بذراعها قبل أن تسقط. "رهف!" أغمضت عينيها للحظة. ثم فتحتها. وكانت أنفاسها متسارعة. قالت بصوت مرتجف: "افتكرت حاجة." ساد الصمت. وسأل فارس: "إيه اللي افتكرتيه؟" نظرت إليه. ثم إلى المبنى. وقالت الجملة التي جعلت الجميع يتجمد. "أنا ما كنتش في المشروع بعد ما بدأ..." توقفت للحظة. ثم أكملت: "أنا كنت موجودة من قبل ما يبدأ أصلًا." ساد الصمت. أما فارس... فأغلق عينيه. وكأن أسوأ مخاوفه بدأت تتحقق. لأن الذكريات التي حاول الجميع دفنها... بدأت تعود بنفسها. وفي مكان ما داخل المستشفى... كان شخص يراقبهم من خلف نافذة مكسورة. وعندما سمع كلمات رهف عبر جهاز التنصت... ابتسم. وقال بهدوء: "أخيرًا..." ثم فتح الباب خلفه. حيث كانت نادين مقيدة على كرسي. ورفعت رأسها نحوه بخوف. فقال لها: "واضح إن صاحبتك بدأت تتذكر."خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي
توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك
تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين
كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال
ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل
الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم







