Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل السابع و العشرون

Share

الفصل السابع و العشرون

last update publish date: 2026-06-20 05:56:57

توقف الجميع أمام الباب المعدني.

كان أكبر مما توقعوا.

وأقدم.

غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.

17

شعرت رهف بانقباض في صدرها.

كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.

شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.

بل يشبه الحنين.

وهو ما أرعبها أكثر.

كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟

نظر آدم إليها.

"إنتِ كويسة؟"

أومأت برأسها دون اقتناع.

أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.

قال الراوي بصوت منخفض:

"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."

لم يرد أحد.

لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:

ماذا يوجد خلف الباب؟

تقدمت رفيف خطوة.

ثم أخرى.

ووضعت يدها على المعدن البارد.

وفجأة...

أغمضت عينيها.

شحب وجهها.

وتسارعت أنفاسها.

انتبهت رهف فورًا.

"رفيف؟"

فتحت رفيف عينيها بسرعة.

وكان الذعر واضحًا فيهما.

"لازم نمشي."

ساد الصمت.

قال آدم:

"إيه؟"

أشارت إلى الباب.

"لازم نمشي دلوقتي."

اقترب منها فارس.

"إنتِ افتكرتي حاجة؟"

ابتلعت ريقها.

ثم همست:

"افتكرت اللي حصل جوه."

شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة.

"إيه اللي حصل؟"

لكن رفيف لم تستطع الإجابة.

وكأن الكلمات اختنقت داخلها.

---

في الجهة الأخرى من المستشفى...

كان الرجل الغامض يسير عبر ممر ضيق.

وخلفه نادين.

كانت تحاول حفظ الطريق.

كل باب.

كل منعطف.

كل تفصيلة.

تحسبًا لأي فرصة للهرب.

لكنها كانت تعرف أن الأمر أصعب مما يبدو.

توقف الرجل أمام غرفة صغيرة.

ثم فتح الباب.

وأشار لها بالدخول.

ترددت.

لكنها دخلت.

وفور أن وقعت عيناها على ما بداخل الغرفة...

شعرت بالصدمة.

الغرفة كلها كانت مغطاة بالصور.

مئات الصور.

صور لرهف.

في المدرسة.

في الجامعة.

في الشارع.

في المقهى.

حتى صور التقطت لها من شرفة منزلها.

شعرت نادين بقشعريرة.

وقالت:

"إنتوا كنتوا بتراقبوها طول الوقت؟"

أجاب الرجل بهدوء:

"مش طول الوقت."

ثم ابتسم.

"من قبل ما تتولد."

---

أمام الباب رقم 17...

أخرج فارس المفتاح النحاسي.

المفتاح الذي وجدوه داخل الميدالية.

نظر إليه للحظات.

ثم أدخله في القفل.

صدر صوت معدني قديم.

كأن الباب نفسه استيقظ من سبات طويل.

ثم دار المفتاح.

وانفتح الباب ببطء.

صوت الصرير تردد في النفق كله.

وكأنه إعلان عن نهاية مرحلة كاملة.

وبداية أخرى.

دخلوا بحذر.

وكان أول ما لاحظته رهف...

أن الغرفة ليست غرفة.

بل جناح كامل تحت الأرض.

أكبر من القبو السابق مرات عديدة.

كانت هناك أجهزة قديمة.

أسرة طبية.

شاشات مراقبة.

وخزائن مليئة بالملفات.

لكن أكثر ما لفت انتباهها...

كان الحائط المقابل.

عليه أربع صور ضخمة.

أكبر من حجم الإنسان.

صورة رهف.

صورة رفيف.

صورة سلمى.

وصورة الطفل الرابع.

لكن تحت كل صورة كانت توجد معلومات.

تاريخ.

ملاحظات.

وتقييمات.

كأنهم كانوا جزءًا من دراسة طويلة.

اقترب آدم من صورة الطفل الرابع.

لكن الاسم كان مخفيًا بشريط أسود.

تم إزالته عمدًا.

قال الراوي:

"حتى هنا خبوا اسمه."

أجاب فارس بصوت متوتر:

"لأن اسمه كان أخطر معلومة في المشروع كله."

---

بدأت رهف تتجول داخل الغرفة.

حتى توقفت أمام خزانة زجاجية.

وبداخلها...

وجدت شيئًا جعل أنفاسها تتسارع.

دمية صغيرة.

أرنب أبيض.

قديم ومهترئ.

مدت يدها نحو الزجاج.

وتجمدت.

لأن صورة خاطفة مرت داخل رأسها.

طفلة صغيرة تبكي.

تمسك الأرنب نفسه.

امرأة تحاول تهدئتها.

ثم صوت رجل يقول:

"ابدأوا التسجيل."

تراجعت رهف خطوة.

وأمسكت رأسها.

شعرت بألم حاد.

كأن ذكرياتها تحاول الخروج بالقوة.

أسرع آدم إليها.

"رهف!"

لكنها لم تسمعه.

كانت ترى المشهد بوضوح أكبر الآن.

الغرفة نفسها.

الأرنب نفسه.

المرأة نفسها.

ثم...

وجه المرأة.

وفجأة...

عرفته.

اتسعت عيناها.

وشحب وجهها.

وقالت بصوت مرتجف:

"أنا أعرفها."

التفت الجميع نحوها.

قال فارس بسرعة:

"مين؟"

رفعت رأسها ببطء.

والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

ثم قالت الجملة التي جمدت الجميع في أماكنهم:

"دي أمي."

ساد الصمت.

لكن ليس لأنهم صُدموا فقط.

بل لأن الصورة التي أشارت إليها رهف...

لم تكن صورة أمها التي ربّتها.

كانت صورة الدكتورة نجلاء.

المرأة التي وصفها ياسين سابقًا بأنها سبب كل ما حدث.

وفي اللحظة نفسها...

صدر صوت من إحدى الشاشات القديمة.

صوت لم يسمعوه منذ دخلوا الغرفة.

بدأ جهاز تسجيل قديم يعمل وحده.

وتردد صوت امرأة داخل السماعات.

صوت مرتعش.

خائف.

لكنه واضح.

قالت:

"إذا وصل التسجيل ده لرهف..."

تجمدت رهف.

أما الصوت فأكمل:

"يبقى أنا فشلت أحميكي."

وانطفأت كل الأضواء فجأة.

إلا شاشة واحدة فقط.

ظهرت عليها صورة امرأة تنظر مباشرة إلى الكاميرا.

الدكتورة نجلاء.

وبدأ التسجيل الحقيقي أخيرًاً

ظل الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة القديمة يملأ الغرفة.

أما بقية المكان فغرق في الظلام.

لم يعد أحد يتحرك.

لم يعد أحد يتكلم.

حتى آدم، الذي اعتاد البحث عن تفسير لكل شيء، وقف صامتًا.

كانت جميع الأنظار متجهة نحو الشاشة.

نحو المرأة التي غيرت حياتهم جميعًا دون أن يقابلوها يومًا.

الدكتورة نجلاء.

ظهرت جالسة أمام الكاميرا.

ملامحها متعبة.

وعيناها حمراوان وكأنها لم تنم منذ أيام.

خلفها كانت توجد أوراق كثيرة وصناديق مفتوحة.

وكأنها كانت تستعد للهرب.

أو للاعتراف.

تنفست بعمق.

ثم بدأت الكلام.

"لو رهف بتشوف التسجيل ده..."

توقفت للحظة.

وأغمضت عينيها.

ثم أكملت:

"فده معناه إن كل حاجة انهارت."

شعرت رهف بأن قلبها ينبض بقوة.

الصوت.

الوجه.

النظرات.

كل شيء داخلها كان يخبرها أن هذه المرأة ليست غريبة.

بل أقرب إليها مما تتخيل.

قالت نجلاء:

"أنا عارفة إنك دلوقتي عندك أسئلة أكتر من الإجابات."

ابتسمت ابتسامة حزينة.

"وأنا السبب."

ساد الصمت داخل الغرفة.

ثم أكملت:

"أنا شاركت في المشروع."

شعرت رهف بأن معدتها انقبضت.

أما فارس فأخفض رأسه.

وكأنه يسمع اعترافًا كان ينتظره منذ سنوات.

"في البداية كنت فاكرة إننا بنساعد أطفال."

تابعت نجلاء.

"لكن بعد شهور اكتشفت إننا بنخلق كارثة."

ثم ظهرت دمعة في عينها.

"ولما حاولت أوقفهم... كان الوقت فات."

نظر الجميع إلى الشاشة باهتمام أكبر.

وأكملت:

"المشروع 17 ما كانش مجرد دراسة."

"وما كانش تجربة على الذاكرة زي ما اتقال."

توقف قلب رهف للحظة.

لأن هذه أول مرة تسمع أحدًا يقول ذلك بوضوح.

ثم جاءت الجملة التالية.

الجملة التي غيرت كل شيء.

"المشروع كان بيحاول يصنع شخص معين."

ساد الصمت.

قال آدم فورًا:

"شخص؟"

لكن التسجيل استمر.

"شخص قادر يحتفظ بكل الذكريات."

"حتى الذكريات اللي المفروض ينساها."

"وحتى الذكريات اللي مش بتاعته."

شعرت رهف بقشعريرة.

أما الراوي فشحب وجهه.

كأنه فهم شيئًا خطيرًا.

وأكملت نجلاء:

"إحنا كنا بنحاول نفهم الدماغ البشرية."

"لكن بعض الناس كانوا عايزين أكتر من الفهم."

"كانوا عايزين السيطرة."

ثم نظرت مباشرة إلى الكاميرا.

وكأنها تنظر إلى رهف نفسها.

وقالت:

"وللأسف..."

توقفت.

ثم همست:

"إنتِ نجحتي."

تجمدت رهف.

كلمة واحدة فقط.

لكنها كانت كفيلة بقلب عالمها.

نجحت؟

في ماذا؟

في مكان آخر داخل المستشفى...

كان الرجل الغامض يشاهد التسجيل على شاشة صغيرة.

وعلى وجهه ابتسامة هادئة.

أما نادين فكانت تقف خلفه.

تحاول فهم ما يحدث.

قالت فجأة:

"رهف مش تجربة."

نظر إليها الرجل.

ثم ابتسم.

"وده اللي إنتِ مصدقاه؟"

سكتت.

فأكمل:

"كلنا تجارب يا نادين."

ثم أعاد نظره إلى الشاشة.

"بس بعض التجارب كانت أنجح من غيرها."

عاد التسجيل.

وكان صوت نجلاء أكثر توترًا الآن.

"لو مراد لسه عايش..."

أغلقت عينيها للحظة.

"فمعناه إنه لسه بيدور عليكي."

شعرت رهف بأن الدم تجمد داخل عروقها.

ثم أكملت نجلاء:

"لكن أخطر شخص مش مراد."

ساد الصمت.

ثم قالت اسمًا واحدًا.

اسمًا لم يتوقعه أحد.

"الطفل الرابع."

اتسعت أعين الجميع.

حتى فارس.

قالت نجلاء:

"لو وصلتي للمرحلة دي من الحقيقة..."

"فمعناه إنه نجح."

شعرت رهف بالتوتر.

نجح في ماذا؟

لكن الإجابة جاءت فورًا.

"هو الوحيد اللي عرف الحقيقة كاملة."

"وهو الوحيد اللي خرج من المشروع بذكرياته."

ثم أضافت:

"كل ذكرياته."

شعر آدم بأن هناك شيئًا ناقصًا.

شيئًا لا تقوله.

وفعلًا...

تابعت نجلاء بعد ثوانٍ:

"وذكريات غيره أيضًا."

ساد صمت طويل.

أما رهف...

فشعرت وكأن عقلها توقف.

ذكريات غيره؟

هل يمكن أصلًا حدوث ذلك؟

وفجأة...

بدأت الصورة تتشوش.

ظهرت خطوط سوداء على الشاشة.

ثم عاد وجه نجلاء للحظة.

لكن هذه المرة كانت خائفة.

مرعوبة.

وكأنها رأت شخصًا خلف الكاميرا.

التفتت بسرعة إلى الخلف.

ثم عادت تنظر للشاشة.

وقالت بصوت مرتجف:

"لو سمعتي الرسالة دي يا رهف..."

"متثقيش في..."

وانقطع الصوت.

تشوشت الشاشة بالكامل.

ثم أصبحت سوداء.

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

مخيف.

لعدة ثوانٍ.

ثم...

صدر صوت من خلفهم.

صوت تصفيق بطيء.

مرة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

تجمد الجميع.

واستداروا بسرعة.

ليجدوا شخصًا يقف عند مدخل الغرفة.

شخصًا لم يسمع أحد دخوله.

شابًا في أواخر العشرينيات.

ملامحه هادئة.

وعيناه ثابتتان على رهف.

ابتسم.

ثم قال:

"واضح إنكم وصلتوا أسرع من المتوقع."

شعرت رهف بقشعريرة.

لأنها رأت هذا الوجه من قبل.

في الصورة القديمة.

الصورة التي كانت داخل ملف المشروع.

الصورة المكتوب تحتها:

الناجي الوحيد.

أما الشاب...

فنظر إليها مباشرة.

ثم قال:

"أهلًا يا رهف."

وتوقفت أنفاس الجميع عندما أكمل:

"أنا الطفل الرابع."

لكن الصدمة الحقيقية لم تكن ظهوره.

بل الجملة التالية.

الجملة التي قالها وهو ينظر إلى فارس.

ثم إلى آدم.

ثم عاد بعينيه نحو رهف.

وقال بهدوء تام:

"وأول حاجة لازم تعرفيها... إن حد من الموجودين هنا خانك من البداية."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status