Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل السادس و العشرون

Share

الفصل السادس و العشرون

last update publish date: 2026-06-20 05:51:30

تجمدت نادين في مكانها.

كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.

لكن خوفها لم يكن من القيود.

بل من الرجل الواقف أمامها.

الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.

كل ما كانت تراه هو ظله.

وصوته.

وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.

اقترب منها بخطوات هادئة.

ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.

وقال:

"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."

حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.

وقالت:

"إنت عايز منها إيه؟"

ابتسم الرجل.

"كل الناس بتسأل السؤال الغلط."

ثم فتح الملف.

وأخرج صورة قديمة.

ودفعها نحوها.

نظرت نادين إلى الصورة.

وشعرت بقشعريرة.

لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.

لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.

لكنها لم تكن رهف.

ولا رفيف.

ولا سلمى.

كانت طفلة أخرى.

طفلة لم تسمع عنها من قبل.

قال الرجل:

"السؤال الحقيقي..."

ثم أشار إلى الصورة.

"مين دي؟"

---

في الخارج...

وقف الجميع أمام مستشفى النور.

كان الليل قد ازداد ظلمة.

والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.

كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.

أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.

ثم قال:

"هننقسم."

رفضت رهف فورًا.

"لا."

نظر إليها.

فأكملت:

"إحنا أصلًا مش عارفين مين بيراقبنا."

أومأ الراوي.

"معاها حق."

وللمرة الأولى وافقه فارس.

بعد دقائق...

دخلوا جميعًا من المدخل الرئيسي.

صدر صوت خطواتهم داخل الممر الطويل.

وكان الصدى وحده كافيًا لإشعارهم أنهم ليسوا وحدهم.

مرت رهف بجوار مكتب استقبال قديم.

مغطى بالغبار.

وفوقه ساعة متوقفة.

عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.

شعرت بشيء غريب.

شيء يشد انتباهها نحو ذلك الرقم.

17.

مرة أخرى.

دائمًا 17.

وكأن حياتها كلها تدور حوله.

---

بينما كانوا يتقدمون داخل الممر...

توقفت رفيف فجأة.

التفتت نحو أحد الأبواب.

وكان وجهها شاحبًا.

قالت رهف:

"في إيه؟"

لم تجب.

ظلت تنظر إلى الباب فقط.

ثم همست:

"أنا أعرف الأوضة دي."

شعر فارس بالتوتر فورًا.

"إزاي؟"

رفعت رفيف يدها المرتجفة.

وأشارت إلى لوحة معدنية صغيرة مثبتة على الباب.

غطاها الغبار.

لكن الرقم كان ما زال ظاهرًا.

غرفة 12.

ابتلعت ريقها.

وقالت:

"كنت بحلم بالمكان ده."

ساد الصمت.

ثم تقدمت نحو الباب.

ببطء.

وكأن شيئًا يجذبها إليه.

حاول فارس منعها.

لكنها دفعت الباب قبل أن يصل إليها.

وانفتح.

---

في الداخل...

كانت الغرفة فارغة.

تقريبًا.

سرير قديم.

خزانة صغيرة.

وطاولة معدنية.

لكن الشيء الذي جذب أنظار الجميع...

كان الجدار.

الجدار كله كان مغطى برسومات أطفال.

مئات الرسومات.

شمس.

بيوت.

أشجار.

أشخاص.

ووجوه.

وجميعها مرسومة بالقلم الأحمر.

اقتربت رهف ببطء.

ثم توقفت أمام إحدى الرسومات.

وشعرت بأن قلبها توقف.

لأن الرسم كان يصور أربعة أطفال.

ثلاث فتيات.

وولد.

تمامًا مثل الصورة القديمة.

لكن المثير للصدمة...

أن أحد الأطفال كان مشطوبًا بعنف.

حتى اختفى وجهه بالكامل.

تقدم آدم.

وقال:

"واضح إن ده الطفل الرابع."

لكن رفيف هزت رأسها.

وكانت عيناها مثبتتين على الرسم.

ثم قالت بصوت مرتجف:

"لا."

نظروا إليها.

فأكملت:

"الطفل المشطوب ده..."

توقفت.

وشحب وجهها أكثر.

ثم همست:

"أنا."

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

حتى الهواء بدا وكأنه توقف.

قالت رهف بعدم تصديق:

"إيه؟"

لكن رفيف لم تكن تنظر إليها.

كانت تحدق في الرسم فقط.

ثم تقدمت نحو الجدار.

ولمست زاوية صغيرة خلف إحدى الرسومات.

فصدر صوت خافت.

صوت آلية قديمة تعمل.

وفجأة...

تحرك جزء من الجدار.

لينكشف ممر سري ضيق خلفه.

تراجع الجميع خطوة.

أما الراوي...

فأطلق لعنة منخفضة.

وقال:

"مراد."

نظر إليه آدم.

"إيه؟"

أجاب وهو يحدق في الممر:

"كان بيحب الممرات السرية."

---

في الجهة الأخرى من المستشفى...

كان الرجل الغامض يراقب شاشة قديمة.

شاهدهم وهم يكتشفون الممر.

ثم ابتسم.

وقال بهدوء:

"أسرع مما توقعت."

أغلق الشاشة.

ثم التفت إلى نادين.

وقال:

"يلا."

رفعت رأسها نحوه.

"على فين؟"

فتح الباب.

ثم أجاب:

"على الرسالة الأخيرة."

شعرت نادين بقشعريرة.

لأنها سمعت هذا الاسم من قبل.

في القبو.

في الدفتر.

وفي التحذيرات.

لكن لا أحد أخبرها ما هي الرسالة الأخيرة فعلًا.

أما الرجل...

فكان يعرف.

وكان مستعدًا لفعل أي شيء حتى يصل إليها أولًا.

---

في الممر السري...

أضاء آدم المصباح.

وامتد الضوء داخل نفق طويل تحت المستشفى.

جدرانه مغطاة بآثار الرطوبة.

والهواء فيه أبرد بكثير.

شعرت رهف بقشعريرة.

لكنها لم تتوقف.

لأنها كانت تشعر بشيء غريب.

شيء يشبه الذاكرة.

كأن خطواتها حفظت هذا الطريق يومًا ما.

وفجأة...

توقفت.

ثم نظرت إلى الجدار الأيسر.

وقالت بصوت خافت:

"هنا."

التفت الجميع إليها.

قال فارس:

"هنا إيه؟"

رفعت يدها.

وأشارت إلى نقطة معينة على الحائط.

ثم همست:

"هنا كنت واقفة."

اتسعت عينا آدم.

أما فارس...

فأصبح وجهه شاحبًا بشكل لم تره عليه من قبل.

لأن رهف لم تكن تتخيل.

لم تكن تخمن.

بل كانت تتذكر.

ولأول مرة منذ بداية الرواية...

بدأ الماضي يعود إليها قطعة حقيقية بعد أخرى.

وفي نهاية النفق...

بعيدًا عنهم بعدة أمتار...

كان هناك باب معدني ضخم.

وفوقه لوحة صدئة.

كُتب عليها رقم واحد فقط.

17

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status