LOGINخيم الصمت على الغرفة.
صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها. كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل. الطفل الرابع. بعد كل هذه المطاردة. بعد الملفات. والصور. والرسائل. والمكالمات. ها هو يقف أمامها أخيرًا. حيًا. حقيقيًا. ليس مجرد اسم داخل ملف قديم. ولا شبحًا من الماضي. نظر إليها بهدوء. وكأنه يعرفها منذ سنوات. بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا. قال آدم بحدة: "إنت مين فعلًا؟" ابتسم الشاب. "سؤال متأخر شوية." ثم تقدم خطوة إلى الداخل. ولم يبدُ عليه أي خوف. رغم وجود فارس. ورغم وجود ياسين. ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل. قال الراوي ببرود: "قول اسمك." توقفت الابتسامة قليلًا. ثم قال: "اسمي كريم." ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب. كريم. الاسم بدا مألوفًا. بشكل غريب. كأنها سمعته من قبل. في مكان ما. في وقت ما. لكنها لم تستطع التذكر. أكمل الشاب: "على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه." ثم نظر إلى الشاشة السوداء. حيث توقف تسجيل نجلاء. وأضاف: "أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع." --- قال فارس فجأة: "إنت كنت المفروض تموت." ساد الصمت. لكن كريم لم يغضب. بل ابتسم بسخرية. "ودي كانت المشكلة." ثم أضاف: "إني ما متش." تبادل الجميع النظرات. أما رهف فشعرت بأن التوتر يزداد. كان هناك تاريخ طويل بين كريم وفارس. أطول مما تتخيل. قال كريم وهو ينظر إلى فارس: "فاكر الليلة دي؟" لم يرد فارس. لكن عينيه قالتا كل شيء. فأكمل كريم: "فاكر لما قررتوا تمسحوا كل الأدلة؟" "فاكر لما قررتوا تمسحوا وجودنا؟" ارتجفت عضلات فك فارس. أما كريم فاقترب أكثر. ثم قال: "بس أنا هربت." --- قال آدم: "إيه اللي حصل فعلًا؟" نظر كريم إليه. ثم إلى رهف. وأجاب: "الحقيقة؟" تنهد. ثم جلس على طرف أحد المكاتب القديمة. وكأنه يستعد لحكاية طويلة. "في آخر سنة من المشروع..." "بدأت النتائج تظهر." ساد الصمت. وأكمل: "أربع حالات." وأشار إلى الصور على الحائط. "رهف." "رفيف." "سلمى." ثم وضع يده على صدره. "وأنا." أشار إلى صورة رهف. "كانت أنجح حالة." شعرت رهف بالاختناق. كرهت هذه الكلمة. حالة. كأنها ليست إنسانة. بل ملف داخل أرشيف. أكمل كريم: "لكن النجاح خلى بعض الناس يطمعوا." ثم نظر نحو صورة نجلاء على الشاشة السوداء. "ونجلاء كانت أول واحدة فهمت إنهم رايحين لكارثة." --- تقدمت رهف خطوة. وقالت: "أنا عايزة إجابات واضحة." رفع كريم عينيه إليها. فأكملت: "إنت قلت حد فينا خانني." "مين؟" ساد الصمت. صمت طويل. حتى آدم التفت نحو كريم منتظرًا الإجابة. أما فارس فكان جامدًا تمامًا. وكأنه يعرف ما سيأتي. ابتسم كريم ابتسامة صغيرة. ثم قال: "قبل ما أجاوب..." نظر إلى رهف مباشرة. "في سؤال أهم." عقدت حاجبيها. "إيه هو؟" قال بهدوء: "إنتِ متأكدة إن ذكرياتك ذكرياتك فعلًا؟" شعرت بقشعريرة. ثم تذكرت كلام نجلاء. وكلام الملفات. والذاكرة المزروعة. لكنها رفضت الفكرة فورًا. "طبعًا." هز كريم رأسه ببطء. "للأسف لا." --- ثم أخرج شيئًا من جيبه. شيئًا صغيرًا. معدنيًا. ووضعه على الطاولة. تجمدت رهف. لأنها تعرفه. دفترها الأسود كان يحمل نفس الرمز المحفور عليه. نفس الهلال الصغير. ونفس الحرف. ر قالت بصوت منخفض: "إنت جبت ده منين؟" نظر إليها كريم طويلًا. ثم قال: "إنتِ اللي اديتهولي." ساد الصمت. وكأن الزمن توقف. قال آدم بسرعة: "إيه؟" لكن كريم لم ينظر إليه. ظل ينظر إلى رهف فقط. وأضاف: "من خمسة عشر سنة." شحب وجه رهف. "مستحيل." "أنا ما أعرفكش." أجابها بهدوء: "إنتِ نسيتي." ثم أضاف الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقها: "بس أنا عمري ما نسيت." --- في تلك اللحظة... مرت صورة خاطفة داخل عقل رهف. طفلة صغيرة. حديقة. أرجوحة. ولد يقف بجوارها. يبتسم. ثم يعطيها ورقة مطوية. اختفت الصورة بسرعة. لكنها كانت حقيقية. حقيقية لدرجة أن أنفاسها تسارعت. تراجعت خطوة للخلف. وأمسكت رأسها. "لا..." همست بها. لكن الذكرى لم تتوقف. صوت طفل. ضحكة. وعد. ثم دموع. ثم باب يُغلق بقوة. ثم ظلام. كامل. --- لاحظ كريم ارتباكها. فقال بهدوء: "ابتديتي تفتكري." لم ترد. كانت تحارب الذكريات التي تتدفق فجأة. أما آدم فاقترب منها بسرعة. لكن كريم رفع يده. "متقربش." نظر إليه آدم بغضب. "إنت مالك؟" أجاب كريم: "لو ضغطتوا عليها أكتر دلوقتي... ممكن تفتكر حاجة أسوأ." ساد الصمت. ثم نظر كريم إلى الجميع. وخاصة فارس. وقال أخيرًا: "دلوقتي نرجع للسؤال الأول." تجمدت الأنظار عليه. وأكمل: "مين اللي خان رهف؟" ابتسم ابتسامة اختفت منها كل السخرية هذه المرة. وحل محلها شيء أخطر. شيء يشبه الحزن. ثم رفع إصبعه ببطء. وأشار نحو أحد الموجودين. فتجمدت رهف. وتجمد آدم. وتجمد الراوي. حتى فارس نفسه تغير وجهه. لأن الإصبع لم يكن يشير إليه. ولم يكن يشير إلى ياسين. ولا إلى آدم. بل كان يشير إلى شخص لم يشك فيه أحد منذ البداية... رفيف. وانتهى الفصل على صدمة جعلت الجميع ينظرون إليها في ذهول تام.خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي
توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك
تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين
كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال
ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل
الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم







