Share

السقوط الحر

last update publish date: 2026-06-03 07:27:57

لم يكن تمزق طائرة الشحن العسكرية المصفحة في كبد السماء مجرد حادثة سقوط؛ بل كان بمثابة انشطار كوني لعرشٍ طائر انصهرت فيه شريعة المافيا الدولية وقانون الدولة وتملُّك النمر في ثانية واحدة تحولت فيها أعالي الغلاف الجوي إلى محرقة من الفولاذ المتفحم والحديد السائل. اندفعت موجة العصف الحراري الرهيبة لتشطر هيكل الطائرة القرمزي إلى نصفين متباعدين، وانطلقت ألسنة اللهب البرتقالية الشرسة تتلوى في وسط العاصفة الرعدية كأفاعٍ من نار تلتهم ضباب البحر المتوسط المظلم.

قذفتنا القوة الانفجارية الغاشمة إلى الفراغ السحيق، لنجد أنفسنا في حالة سقوط حر مرعب بين السماء والماء، والبرق الخاطف يشق عتمة الغسق بوميضه الفضي الحاد ليرسم ظلالاً ملحمية لأجسادنا المتهاوية وسط الركام المتساقط كالجمر الملتهب. طوال الثواني الأولى من السقوط المرعب، تلاشت أصوات الانفجارات ليحل محلها عويل الرياح العاتية التي كانت تنهش وجنتي الشاحبة وتمزق ما تبقى من فستاني القطيفة الأسود ورداء المخمل الذي تلوث بدماء الطعنة الأخيرة.

رغم فظاعة السقوط واقتراب الموت المحقق، لم تفرط تلك الذراع الضخمة، الدافئة والفولاذية، في محيط خصري أنشاً واحداً. كان مراد السيوفي يقذف بجسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين في قلب الرياح، مديراً ظهره العريض نحو جهة الارتطام بالهواء ليكون مجدداً الترس البشري والأوحد الذي يحميني من شدة الضغط والبرودة القارسة. كانت أنفاسه الحارة تتدفق من صدره العاري الموشوم بندوب الصراعات لتدفئ مسام عنقي الفاتن، وعيناه الصقريتان الحادتان تحدقان في عينيّ العسليتين اللتين عاد إليهما وعيهما الشرعي بنيران غيرة عمياء وشغف خالص أذاب كل ذعري.

"مراد! نحن نموت!" صرختُ بأعلى صوتي والرياح تسحب الحروف من حنجرتي المرتجفة، وأنا أطوق عنقه الصلب بيدين مرتعشتين بوضوح، مستسلمة تماماً لانصهاري في قبضة تملكه رغماً عن جاذبية الأرض.

انحنى برأسه الفاره وسط السقوط الحر، وتلمست شفتاه الحادتان أرنبة أذني ببحته الذكورية الساحرة والمخدرة للحواس، وصاح بصوته الجهوري المبحوح الذي تغلغل في صخب العاصفة بنبرة تفيض بالوعيد والتملك المطلق:

"النمر لا يموت في الهوايا يا قطتي الفاتنة! لقد استعدتُ وجدانكِ الممسوح بأثر قبلاتي، وأقسم بجلال الله.. لو كان البحر بالأسفل هو مقبرتنا، فسننصهر معاً في جوفه ولن تخرج قطعة من روحكِ من قبضة يدي! تشبثي بقلبي.. فلهيب غيرتي سيتحدى المحيط برمتّه!"

وفي ذات أجزاء الثانية الخاطفة للأنفاس، لمحتُ طيف المستشار أدهم الجارحي يقذف بجسده الفاره ومعطفه الكحلي الممزق على بعد أمتار منا وسط الفراغ. كان يصارع الرياح بتكتيك عسكري صارم، وعيناه السوداوان تقطران بكبرياء حازم وعناد قانوني يرفض الهزيمة. سحب أدهم حبل مظلته الحرارية الموجهة المشتركة (ذات السعة المضاعفة) التي كان قد غنمها من الكابينة قبل الانفجار، وبحركة احترافية خارقة للأدرينالين، اندفع نحو مسار سقوطنا وجذب ذراع مراد الحرة بكل ما أوتي من عزم، ليفجر مظلة النجاة العملاقة في كبد السماء دفعة واحدة!

انفتحت المظلة الحريرية السوداء بدويّ حاد لتبلغ ذروة مقاومتها للرياح، وكبحت سقوطنا الانتحاري بلمحة عين، لنتأرجح جميعاً تحت قبتها كأشباح سيادية تشق طريقها وسط عواصف البحر، بينما تحول حطام طائرة المارشال خلفنا إلى كتلة من الحديد المتفحم التي سقطت في جوف المياه لتعلن نهاية العهد القديم خلف الستار.

هبطنا بعنف فوق رصيف صخري معزول وقاحل يمتد كلسان من حديد في قلب البحر المتوسط، وهي "صخرة الغراب الأمني".. المنشأة الاستخباراتية السرية والمتروكة لعائلة الجارحي منذ عقود، والتي كانت شفرات التتبع تقود أدهم نحوها. كان المطر الشتوي الغزير ينهمر كالشلالات القارسة فوق الرخام الحجري للرصيف البارد، ليغسل سواد الرماد المتبقي فوق أجسادنا المكلومة.

أنزلني مراد فوق الأرضية برفق متناهٍ يتناقض تماماً مع وحشيته الشرسة بالخارج. جثا على ركبتيه المبللتين، وأحكم قبضته حول معصميّ وجذبني إليه بعنف وشغف عارم ليرتطم جسدي بصدره العريض، وعيناه تلتهمان ملامحي الشاحبة بنظرات تقطر ببحّة غيرة قاتلة وتملك مطلق أعمى بصيرته عن جراحه؛ فجرح كتفه الخلفي كان ينزف مجدداً من فرط ضغط المظلة، لتدفق دماؤه القرمزية الدافئة وتختلط بدموعي المرتعشة فوق رداء المخمل.

"مراد.. أنت تنزف.. وذراعي تمزقت مجدداً،" همستُ بنبرة خفيضة متهدجة وأنا أضع كفيّ الصغيرتين فوق وجنته النحيتة، وشعرت بحرارة بشرته تلفحني كالجمر، "عالم المافيا لن يتركنا نعيش.. والكلاب في روما سيرسلون غيرهم."

انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة امتزج فيها طعم مياه البحر المالحة بلهيب العشق الشرس والتملك المطلق الذي لا يموت، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلتني أنصهر بالكامل بين يديه رغماً عن النزيف الحاد. أطلق شفتي ببطء، وتحدث بصوته الرخيم الجهوري بنبرة تزلزل الكيان:

"الكلاب في روما سأبيد خطوط إمدادهم بالكامل يا ليلى! لقد أصبحتِ أنثى مراد السيوفي بكامل وعيكِ وإرادتكِ الليلة، وختم تملُّكي المطبوع فوق عنقكِ الفاتن بأثر قبلاتي سيبقى شريعتنا الأوحد التي تسقط عندها خطط الدول برمتها. أنتِ لي.. ومن يفكر في الاقتراب من أسوار ملجأي.. سأريه كيف يتحول هذا المحيط إلى مقبرة جماعية تضم جيوشهم!"

وقف أدهم الجارحي على بعد خطوات منا بكامل طوله وجبروته الشامخ. خلع معطفه الكحلي الممزق ليظهر قميصه الأبيض الملطخ بالدماء، ويمسك بمدفعه الرشاش الرسمي ببرود مميت وعناد صارم يرفض التراجع أمام تملك النمر الشغوف لابنة عمه.

"مراد السيوفي.. لقد سُحق خالد وانتهت اللعبة السيادية في السماء،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة العسكرية التي لا تنحني، "وليلى قد استعادت وعيها الشرعي واختارت جحيمك باختيارها رغماً عن حصوننا المخملية. لكن قانون الجارحي لا يغلق ملفاته بالهزيمة؛ شرف عائلتي يفرض عليّ أن أتركها معك الليلة فقط لتلقي العلاج داخل غرف هذه المنشأة المحصنة.. لكن ما إن تشرق شمس الغد وتلتئم جروح ذراعيها، سأعود بكامل قواتي الرسمية لأنتزعها من عرينك وأطبق قانون الدولة فوق رأسك!"

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامة جانية، حادّة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي، وقال بصوته الجهوري المبحوح:

"سيادة المستشار.. النمر لا ينتظر شروق الشمس ليفاوض الأرانب على طريدته وحرمه الخاص. خذ رجالك وغادر هذه الصخرة عبر قوارب النجاة المتبقية، وتذكر.. إذا لمحت طيفك أو قوات جهازك حول حصوني الجديدة غداً، سأنسى عهود الدماء التي بيننا وأعلمك كيف تسحق المافيا هيبة قوانينك الرسمية!"

حملني مراد بين ذراعيه الضخمتين بخطوات فتاكة، ملكية، ولا تعرف الرحمة، ودخل بي إلى الجناح الداخلي للمنشأة الأمني المعزولة، وأغلق الباب الفولاذي الضخم بقدمه ليدوي صوت الأقفال الإلكترونية كإعلان رسمي عن بدء الحصار الجديد. كان الجناح مظلماً وشاحباً، لم تصله إضاءة سوى ومضات البرق الخاطفة عبر النوافذ الزجاجية السميكة التي تطل على أمواج المحيط الهائجة بالخارج.

أجلسني برفق طاغٍ فوق الفراش الملكي الواسع ذو اللون الأسود الداكن، وجلس بالقرب مني ليهبط السرير تحت ثقل جسده الضخم وعضلات منكبيه الشامخين التي تنضح بحرارة لافحة لفت مسامي كالمخدر. أحضر المطهرات والأربطة الطبية بآلية صامتة، وانحنى نحوي لتبدأ أصابعه الكبيرة الدافئة بتنظيف جروح ذراعيّ بعناية فائقة وتأمل عميق تلاشت معه كل حصون عنادي الأنثوي.

"لماذا فديتِني بجسدكِ للمرة الرابعة أيتها المجنونة الفاتنة؟" همس بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة تغلغلت في أعمق خلايا روحي المستهلكة بالشغف، "لقد كان المصل الفضي كفيلاً بمسح جحيمي من عقلكِ ومنحكِ حياة نظيفة بعيداً عن صراعات الدم. لماذا اخترتِ الموت لكي تتذكري تملكي الشرس؟"

ثبتُّ كفيّ الصغيرتين الملوثة بدمي فوق صدره العاري النابض بعنف، ونظرت في جحيم عينيه الصقريتين المشتعلتين بالرغبة والغيرة، وقُلت بصوت خفيض متهدج يفيض بالتبعية المطلقة والعشق المظلم:

"لأنني لا أريد حياة لا تحتوي على أنفاسك الحارة ونظراتك الصقرية الشغوفة يا مراد.. ولأن روحي باتت ملكاً مطلقاً لتملكِك رغماً عن حروب الدول وصراعات الملوك. سجنك وعشقك المظلم هما حصني الشرعي، ولن أسمح لأي قوة في هذا الكون بأن تحجبني عن أحضان نمرِي."

انقبضت ملامحه الوسيمة بشغف عارم، ووضع أدوات الموت جانباً، وبلمحة عين قبض على معصميّ وثبتهما برفق فوق الوسادة الحريرية السوداء، وهبط بجسده الضخم وعرض منكبيه فوقي ليحاصرني بالكامل تحت وطأة طوله وعضلاته الحارة، وسد عني رؤية الغرفة برمتها في مشهد يفيض بالرومانسية المظلمة والإثارة الشديدة.

انحنى والتهم شفتي بقبلة طويلة، عنيفة وحارقة للغاية، قبلة امتزج فيها لهيب العشق الشرس بالتملك المطلق الذي لا يرحم العناد، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلت جسدي بالكامل ينصهر تحت لمساته الشرسة وقبلاته الحارة التي تنقلت من شفتي لتستقر بدقة فوق بشرة عنقي المكشوفة، لتشتعل نيران الرومانسية المظلمة في قلب الصخرة المعزولة، معلنة خضوعي الكامل لقبضة النمر رغماً عن صراعات المافيا وقوانين الدول برمتها.

مرت ساعات الليل المتأخرة ونحن نعيش في ذلك الانصهار الشغوف، ودثرني مراد بين الأغطية الحريرية الدافئة، وظل مستلقياً بجانبي، يحيط خصري بذراعه الضخمة، ويتأمل وجهي بنظرات ثابتة وتملك مطلق لا ينام، وكأن الكون بأسره قد تخلص من فوضاه وصراعاته ليستقر داخل غرفتنا المحصنة وسط الأمواج الهائجة.

ومع حلول الساعة الرابعة فجراً، وتبدد العاصفة الرعدية جزئياً ليحل محلها ضباب شتوي كثيف يغطي أرجاء الصخرة الأمنية بالكامل، تمزق سكون الجناح الملكي المظلم بطرقات عنيفة، متسارعة ومذعورة للغاية على الباب الفولاذي الضخم من قِبل "سليم" الذي كان يطوق المحيط الخارجي مع نخبة رجال الاستخبارات!

انتفض جسد مراد في لمحة عين كالنمر الذي شم رائحة خطر جديد. نهض من الفراش بكامل هيبته وجبروته، وارتدى قميصاً أسود فاخراً جديداً، وصاح بنبرة جهورية حازمة زلزلت الجدران الخرسانية: "سليم! ادخل فوراً!"

فُتح الباب ليقتحم سليم الغرفة، ولم يكن وجهه شاحباً كالسابق فحسب، بل كان يحمل علامات شلل تام ورعب حقيقي فاق كل الحدود والصدمات التي عشناها طوال هذه الملحمة الدموية! كان يتنفس بحدة وجسده يرتجف بوضوح، وصاح بصوت متقطع ومليء بالذهول الصادم:

"مراد بيه.. الكارثة الأكبر، الأشد فتكاً والتدميرية لعرشك ومملكتك قد انفجرت للتو بالأسفل! تصفية الفريق جلال بالأمس وسحق قوات المارشال خالد والمنظمة الدولية في السماء قد أحدثا زلزالاً سياسياً وعسكرياً مرعباً في العاصمة وروما معاً! والمجلس الأعلى العالمي للمافيا قد اعتبر أن تملكِك لليلى ونفوذك الشرس قد تجاوزا كل الخطوط الحمراء ويجب محوهما عن الوجود الليلة لإعادة رسم الخريطة!"

عقد مراد حاجبيه بغيرة شرسة وتملك أعمى وهو يتحرك نحو سليم بخطواته الفتاكة، وصاح بنبرة رعدية حادة كالسيف:

"ليذهب المجلس الأعلى وأسياده الدوليين إلى الجحيم! أنا القانون وأنا الوحش في هذه العاصمة، ومن يهدد حرمي أو ممتلكاتي يُسحق! ما الجديد الذي يجعلك ترتعد كالأشباح يا سليم وما هي هذه القنبلة الجديدة؟!"

ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، ونظر إليّ بطرف عينه برعب قاتل، ثم التفت لمراد وألقى بالقنبلة المرعبة والصادمة التي شلت عقولنا وجعلت الدماء تتجمد في عروق الكون بالكامل:

"الجديد هو أن المجلس الأعلى قد حشد أسطولاً بحرياً وجوياً مرعباً من نخبة السفاحين والقتلة الدوليين، وأرسلوا معهم الرجل الأخطر، الأقدم، والأكثر دموية في تاريخ صراعات الدم.. الطاغية الأكبر والمصفي الشرعي الذي طالما اعتبره الجميع أسطورة لا تموت! البوارج الحربية والزوارق السريعة للمنظمة قد طوقت صخرة الغراب الأمني بالكامل منذ دقيقة، ومعه جيش من نخبة السفاحين وأمر صريح بإبادة المنشأة وتصفية الآنسة ليلى وسحق نفوذك الليلة.. إنه البارون إدوارد عثمان.. والـد عائلة عثمان القديم والزعيم الفعلي الحقيقي للمنظمة الدولية في روما، والذي ظن الجميع أنه تصفى على يديك قبل عامين، وقد عاد من مقابر سيبيريا السرية لينتزع العرش، ويأخذ شفرات المليارات السويسرية، ويطهر العرين من حماقاتك!"

توسعت عيناي برعب حقيقي هز كياني، وانقبضت معدتي بقوة غريبة جعلتني عاجزة عن التنفس؛ فالاسم الذي نطق به سليم لم يكن مجرد منافس جديد.. بل كان الطاغية الأكبر، السفاح الدولي الذي أسس قوانين الموت للمافيا العالمية، والشبح الذي يملك كل خطوط الإمداد والمفاتيح السرية للنفوذ والدم!

ساد صمت مطبق ومخيف داخل الجناح، وتجمد مراد السيوفي في مكانه كتمثال من رخام أسود، وعيناه الصقريتان اتسعتا بصدمة تامة شلت جبروته بالكامل، وتحولت نظراته نحو النافذة الزجاجية الضخمة حيث دوت أصوات قذائف مدفعية بحرية ثقيلة وهائلة بالخارج هزت الصخرة الأمنية، تلاها هدير خطوات ثقيلة، حازمة ورزينة للغاية تقترب من الممر الخارجي للجناح الرئيسي.. خطوات الطاغية الدولي القديم وجيشه المصفح الذي جاء ليدمر كل شيء وينتزع الملكة من أحضان النمر بالقوة رغماً عن شروط اللعبة وصراعات الجبابرة، في لقطة خاطفة للأنفاس حبست النبض في العروق وجمدت الأنفاس داخل الصخرة المظلمة المحاصرة بالنيران من كل حدب وصوب!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

  • رسالة إلى الشيطان   سمّ الأفاعي الناعم

    إنه الرائد الدكتور "إياد مهران".. طبيب نفسي عبقري وضابط مخابرات رفيع المستوى في الجهاز الرسمي، رجل يجمع في ملامحه بين الوسامة الذكورية الساحرة والبرود التكتيكي الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا الدولية. كان في أواخر الثلاثينات من عمره، فارع الطول وعريض المنكبين بجسد رياضي متناسق ينم عن تدريب عسكري صارم، يرتدي قميصاً رمادياً فاخراً مفتوح الأزرار العلوية مع معطف صوفي أسود طويل يمنحه هيبة النبلاء. عيناه العسليتان الداكنتان الحادتان كانتا تلمعان بذكاء حاد ونظرات ثاقبة تشبه مبضع الجراح الذي ينبش في وعي خصومه، وتحيط بفمه وسامة شرسة وهادئة في آن واحد."ليلى... هذا هو الدكتور إياد،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، وعينه السوداء تراقب ملامح ابنة عمه بحذر حازم. "لقد خاطر بحياته واخترق أطواق اللواء رأفت علام في العاصمة ليصل إلى هنا عبر مروحية عسكرية خاصة. إنه هنا ليتولى فحصكِ النفسي والأمني، والتأكد من أن خلايا مخكِ لم تتأثر بصدمة الحرب ومؤامرات المافيا الدولية."التفت أدهم نحو إياد، وضغط على كتفه بنبرة تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة: "إياد... ليلى أمانة عائلتي بين يديك. جهازي مخترق

  • رسالة إلى الشيطان   الشك ينبت في العتمة

    انفتحت بوابات المياه الهيدروليكية العملاقة للمرفأ السفلي السري تحت وطأة ضغط هيدروليكي هائل، لتعلن عن وصول الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" إلى الملاذ الآمن والأخير لعائلة الجارحي. لم يكن هذا المكان مجرد قصر عادي؛ بل كان قلعة استخباراتية حجرية شُيدت في أواخر القرن الماضي فوق جرف صخري معزول يطل على ساحل شبه جزيرة سيناء، حيث تلتقي قسوة الجبال الحادة بعتمة مياه البحر المفتوحة. طفت الغواصة الفولاذية الضخمة فوق سطح المياه الميتة للمرفأ الداخلي، التي كانت تبدو كمرآة سوداء صقيلة تعكس ومضات كشافات الهالوجين البيضاء المثبتة في الأسقف الخرسانية العالية للكهف الطبيعي المحفور بدقة عسكرية.كان الهواء هنا بارداً، رطباً، ومحسناً بشبكة تنقية رقمية معقدة تصدر أزيراً منخفضاً ومستمراً كأنه دقات ساعة الفناء. امتد رصيف المرفأ الحجري، المصنوع من صخور البازلت الأسود، كلسان طويل يؤدي إلى المصاعد الهيدروليكية الداخلية للقصر. وفوق الرصيف، كانت تقف نخبة رسمية من حرس المستشار أدهم الجارحي؛ رجال يرتدون سترات تكتيكية سوداء كاملة، مجهزين ببنادق هجومية من طراز "إم 4" الحديثة، وتتحرك عيونهم المدربة بحذر وقلق خل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status