LOGINكانت المسافة بين عرين مراد السيوفي ومربع المربع الأمني لعائلة الجارحي في ضواحي العاصمة الشاهقة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمدى اتساع الفجوة بين عالمين؛ عالمٌ تحكمه لغة الرصاص الملوّث بالدماء وجنون التملك الشرس، وعالمٌ آخر تفرض فيه الدولة هيبتها الصارمة بملابس عسكرية مكوية وعقود قانونية ناصعة البياض. طوال الطريق داخل السيارة المصفحة السوداء التابعة للمستشار أدهم الجارحي، لم ينطق أحدٌ بكلمة. كانت حبات المطر الغزيرة تضرب النوافذ الزجاجية المعتمة بعنف يماثل اضطراب الدماء في عروقي، ورداء المخمل الأسود الذي دثرني به مراد ما زال يلتف حول جسدي المنهك، يحمل رائحة الصندل والتبغ والبارود.. رائحته هو التي ترفض مغادرة رئتيّ وكأنها ختمٌ سريٌّ طُبع في أعماقي.
كان أدهم الجارحي يجلس بجانبي على المقعد الجلدي الوثير، مستنداً بظهره وضخامة منكبيه بكبرياء ملكي صارم. معطفه الكحلي الطويل كان مفتوحاً جزئياً ليظهر شاراته الرسمية، وعيناه السوداوان الحادتان تنظران إلى الطريق ببرود لا يعرف الارتجاف، لكن عضلات فكه النحيت كانت تتحرك بحدة تعكس حجم الغليان المكتوم في صدره؛ فعائلة الجارحي لم تكن لتغفر لزعيم مافيا تملُّكه لابنة أخيها، حتى وإن تم الاتفاق بشروط صاغتها شجاعتي الطائشة وسط النيران.
عندما دخل رتل السيارات العسكرية من البوابة الفولاذية الضخمة للقصر الجديد، هالني منظر التحصينات؛ لم تكن جدراناً حجرية عشوائية كقصر مراد، بل كانت أسواراً مجهزة بأنظمة رادار ومراقبة سيبرانية متطورة، ورجال يرتدون ملابس رسمية موحدة ومدججين بأحدث الأسلحة، يقفون بآلية صامتة تعلن انصياعهم الكامل لقانون الدولة. ترجل أدهم بخطواته الرزينة الثقيلة، وامتدت يده الكبيرة الدافئة لتساعدني على النهوض، وحملني رجاله بلطف طاغٍ نحو الداخل، حيث استقبلتنا "أميرة"، امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها، بملامح أرستقراطية دافئة وعينين تفيضان بالدموع ما إن وقعت على وجهي الشاحب.
"ليلى.. ابنة أخي المفقودة،" همست أميرة بصوت متهدج وهي تسرع لاحتضاني برفق، راعيةً جرح ذراعي المصابة، "أخيراً عُدتِ إلى بيتكِ الشرعي. عشرون عاماً ونحن نبحث عن هذا الوجه الفاتن الذي يحمل جينات عائلتنا العريقة."
سمحتُ لها بضمي، وجسدي ينتفض بضعف، وعقلي في مكان آخر تماماً.. في ذلك الجناح الملكي المحطم حيث تركتُ النمر واقفاً في منتصف غرفته وعيناه الصقريتان تشتعلان بغيرة شرسة وتوعد حارق باستعادتي ولو تحولت العاصمة إلى رماد.
تم نقلي إلى الجناح الخاص بي في قصر الجارحي، وكان تجسيداً للفخامة المخملية الصارمة؛ أثاثٌ كلاسيكي باللونين الأبيض والذهبي، ستائر من الحرير النقي تنسدل حول فراش ملكي واسع، ونافذة زجاجية ضخمة تطل على الحدائق الشرقية المحصنة. أحضرت أميرة خيرة الأطباء التابعين للمستشفى العسكري، والذين قاموا بتنظيف جرح ذراعي بدقة تامة، وخياطة أثر نصل آسر بخيوط تجميلية رفيعة، ثم تضميده بالشاش الأبيض الناصع الذي بدا متناقضاً للغاية مع الفوضى التي عشتُها بالأمس.
استحممتُ بالماء الدافئ لأزيل آثار الغبار ودماء المعركة، وارتديتُ ثوباً ناعماً من القطن الأبيض الدافئ، وتركتُ شعري البني الطويل غجرياً ينساب على كتفيّ. وعندما حل المساء، ودخلت خيوط الليل العاتمة لتطرد ما تبقى من غسق النهار، انفتح باب الجناح بوقار ليدخل المستشار أدهم الجارحي.
كان قد خلع معطفه العسكري، وارتدي قميصاً أبيض ناصعاً فتح أزراره العلوية بعشوائية تذكرني لشدة غرابته بمراد، لكن ملامحه الصارمة والباردة كانت مختلفة تماماً. جلس على المقعد الجلدي المقابل لفراشي، وتأمل وجهي بنظرة فاحصة وعميقة، وقال بصوته الرخيم الجهوري:
"تبدين أفضل باللون الأبيض يا ليلى. الأسود والمخمل اللذان فرضهما عليكِ مراد السيوفي لا يليقان بفتاة تحمل دم الجارحي. لقد تم تسوية الأوراق الرسمية، ومنذ الليلة، أنتِ الوريثة الشرعية الوحيدة لثروة عائلتنا، واسمكِ بات محاطاً بحصانة رسمية لا يجرؤ كائن في هذه الدولة على اختراقها."
نظرتُ في عينيه السوداوين، وقُلت بنبرة خفيضة حاول كبريائي الأنثوي لملمتها:
"شكراً لك يا سيادة المستشار.. على إنقاذي، وعلى التزامك بالشرط الذي صغناه في عرين مراد. لكنني أريد أن أسألك.. هل نفوذ الجارحي وقوانين الدولة كافية حقاً لإبعاد النمر؟ أنا رأيت في عينيه جنون تملُّك وغيرة شرسة لا تخبو.. رأيت رجلاً مستعداً لحرق المدينة بأكملها لكي لا يخسر طريدته."
تحركت شفتي أدهم بابتسامة باردة وساخرة، تحمل كبرياء رجل قانون يملك سلطة الإبادة الرسمية، وقال:
"مراد السيوفي رجل مافيا طائش، يتحرك بغريزة الحيوان الكاسر الذي يدافع عن صيده يا ليلى. الشروط التي قبلتُ بها بالأمس كانت احتراماً لشجاعتكِ ورغبتي في إخراجكِ دون قطرة دم واحدة تخصكِ. أما نفوذه ومملكته الملوثة.. فهي تحت مجهر أجهزتنا السرية منذ أشهر. إذا التزم حدود أسوار قصرِه الخرب، فسنتركه يعيش في أوهام زعامته. أما إذا تجرأ خطوة واحدة، أو حرك أصبعاً واحداً نحو محيط قصرِي لاستعادتكِ.. سأنسى هذا الاتفاق وأريه كيف تسحق الدولة الحشرات التي تظن نفسها نموراً."
نهض أدهم بكامل قامته الفارهة وضخامة منكبيه، وانحنى ليطبع قبلة حانية، أفوية ووقورة فوق جبهتي، وتحدث بنبرة قاطعة كالسيف:
"ارتاحي وثقي بقانون عائلتكِ الجديد. أنتِ هنا في أمان مطلق.. ولا مفر لأي رجل مافيا من شباكنا إذا حاول اللعب معنا."
التفت وغادر الجناح بخطواته العسكرية الرزينة، ليغلق الباب خلفه ويتركني مجدداً في وسط الصمت المخملي القاتل.
وفي هذه الأثناء، وداخل العرين المكلوم للسيوفي، كانت الأجواء ليلة أمس واليوم عبارة عن بركان هائج يغلي بالدماء والرماد وغليان الغيرة الشرسة التي لا تهدأ. داخل الجناح الرئيسي المحطم، حيث كان زجاج الشرفة ما زال متناثراً فوق الرخام كشظايا الماس المكسور، كان مراد السيوفي يذرع الأرض ذهاباً وإياباً بخطوات فتاكة، وحشية، ولا تعرف الرحمة.
كان عاري الصدر، وجرح كتفه الخلفي الذي تلقى فيه الرصاصة الغادرة بدلاً مني قد تم خياطته بعشوائية ودون تخدير بناءً على أمره، والدماء القرمزية الدافئة كانت تتسرب ببطء من بين الغرز المتباعدة لتلوث بنطاله الأسود الفاخر. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا تحترقان بنيران غيرة عمياء وجنون تملك فاق كل الحدود؛ فكرة أن ليلى، قطته الفاتنة وحرمه الخاص، باتت مستلقية في فراش يخص عائلة الجارحي، وتحت حماية رجل آخر غيره، كانت تنهش أحشاءه وتجرده من صوابه ومظهر بروده المعهود.
كان "سليم" يقف عند زاوية الغرفة بنكس رأسه رعباً، وجسده يرتجف بوضوح من فرط الهالة التدميرية التي كانت تنبعث من سيده.
"سليم!" دوى صوت مراد الجهوري المبحوح كأنه رعد القيامة، صوت حمل بحّة الغيرة القاتلة والتملك المطلق الذي أعمى بصيرته، "أريد تقريراً شاملاً عن المحيط الأمني لقصر أدهم الجارحي! أريد معرفة تفاصيل الأنظمة السيبرانية، تحركات الحراسة الرسمية، والثغرات في أسوارهم الشرقية! أقسم بجلال الله لو انقضى هذا الأسبوع ولم تكن ليلى في أحضاني وتحت لمساتي مجدداً.. سأجعل من هذه العاصمة ساحة معركة لا تبقي ولا تذر!"
"ولكن يا مراد بيه،" قال سليم بصوت مرتجف ومليء بالاضطراب الصريح، "المستشار أدهم قام بتفعيل منظومة حماية عسكرية من الدرجة الأولى بالتعاون مع جهاز الأمن الوطني. القصر محاط بقوات نخبة مدربة على أعلى مستوى، وأي تحرك مسلح من طرفنا سيُعتبر إعلان حرب رسمية على الدولة، وهو ما سيؤدي إلى سحق نفوذنا ومملكتنا بالكامل في غضون ساعات."
تقدم مراد نحو سليم بخطواته الثقيلة الفتاكة، وبلمحة عين قبض على ياقة سترته بيده الضخمة الحارة، وجذبه إليه بعنف جعل الأخير يحبس أنفاسه، وتغلغلت عيناه المشتعلتان في أعماقه بنبرة تفيض بالقسوة والوعيد الخطير:
"المملكة.. النفوذ.. الأموال.. والرجال! كل هذه القذارات صنعتُها لسبب واحد، وهو ألا يجرؤ كائن على انتزاع ما يخصني يا سليم! ليلى تحمل اسمي، وختم تملُّكي مطبوع فوق بشرتها وعنقها الفاتن بأثر قبلاتي! أدهم الجارحي يظن أن قوانينه الرسمية ستحمي طريدتي مني، ولم يفهم بعد أن جنون غيرتي يفوق خطط الدولة برمتها! اجمع خيرة رجال الاستخبارات لدينا، وابدأوا في نسج خطة الاختراق الصامت.. سأدخل قصر الجارحي كشبح، وأستعيد ملكتي طواعية أو كرهاً، ومن يقف في طريقي سأقطعه إرباً وهو حي، حتى لو كان المستشار أدهم نفسه!"
أطلق سراح سليم بدفعة عنيفة جعلت الأخير يتراجع خطوات إلى الخلف وينحني مسرعاً ليغادر الغرفة وينفذ الأوامر دون مناقشة. التفت مراد بكامل جسده الطاغي نحو الشرفة المفتوحة على المطر والعاصفة، وقبض على حافة الرخام بقوة جعلت أظافره تدمي، واستنشق الهواء البارد بعمق، وعيناه تشعان ببريق وحش يستعد لتمزيق شباك القانون من أجل أنثاه.
مرت ثلاثة أيام على إقامتي في قصر الجارحي، ثلاثة أيام عشتُ فيها في بحبوحة الحصون المخملية، لكن روحي كانت تذوب كالشمع رغماً عن أمان المكان. كنتُ أجلس في ليل اليوم الثالث أمام النافذة الزجاجية الضخمة، أرتدي رداءً من الحرير الأحمر الداكن الذي أحضرته لي أميرة، ورغم أنه لم يكن رداء مراد، إلا أنني اخترتُ اللون ذاته لأشعر بدفء مشاعره الشرسة التي تحيط بي في كوابيسي.
كان المطر قد توقف، وحل محله ضباب كثيف يغطي أرجاء الحدائق الشرقية للقصر، ملقياً بهالة من الغموض التام على الأسوار العالية. وفجأة، وبينما كنتُ أتأمل الظلال المتداخلة للأشجار، انقطعت الأنوار فجأة داخل جناحي الخاص، وانطفأت أجهزة المراقبة الإلكترونية المعلقة في الزوايا بصوت طنين خفيف!
انقبضت معدتي برعب حقيقي، وتلاشت أنفاسي في صدري. وقبل أن أتمكن من الصراخ أو التحرك نحو الباب، انفتح باب الشرفة الزجاجي بآلية صامتة ومخيفة للغاية، ليتسلل منه طيفٌ طويل، فارع القامة وبكامل هيبته الطاغية وعرض منكبيه النحيت.. طيفٌ ينضح بهالة من الجبروت وعِطر أخاذ ممزوج بالصندل والتبغ والحرارة اللافحة.. عِطر مراد السيوفي!
شهقتُ برعب تام، وتوسعت عيناي بصدمة شلت أطرافي بالكامل في عتمة الغرفة التي أضاءتها خيوط القمر الفضية المتسللة عبر الضباب. خطا مراد نحوي بخطواته الثقيلة، المتأنية والملكية، وبلمحة عين امتدت يده الكبيرة الدافئة لتحيط بخصري بعنف وشغف عارم، وجذبني إليه ليرتطم جسدي الحريري بصدره العريض والصلب كالجدار الرخامي.
أحكم قبضته على قفاي، مجبراً إياي على رفع وجهي الشاحب، وأصبحت المسافة بين شفتينا إنشات معدومة في مشهد يفيض بالرومانسية المظلمة والإثارة الشديدة.
"مراد.. أنت هنا؟" همستُ بصوت خفيض متهدج، والدموع تجد طريقها أخيراً لعينيّ، "كيف اخترقت حصون الجارحي؟ هذا انتحار!"
"ألم أخبركِ سابقاً يا قطتي.. أن قوانين الدولة تسقط عندما يتعلق الأمر بتملُّكي لكِ؟" همس بصوته الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة غيرة قاتلة وتحدياً حارقاً يزلزل الكيان، بينما كانت شفتاه تلامسان بشرة عنقي المكشوفة بنعومة حارقة أرسلت قشعريرة عنيفة في عمودي الفقري، "لقد جئتُ لأستعيد ما يخصني.. والآن، أريدكِ أن تنصهري تماماً في قبضة النمر، فالعاصفة الحقيقية بدأت للتو."
انحنى والتهم شفتي بقبلة عنيفة، حارقة وعميقة للغاية، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلتني أتشبث بقميصه الأسود الفاخر بيدين مرتعشتين، مستسلمة تماماً لهيب عشقه الشرس وسط حصون القانون.
لكن، وفي غمرة هذه اللحظة الرومانسية الحارقة والمثيرة، دوت فجأة أصوات إنذار الطوارئ اليدوية بالخارج، وانفتح الباب الخشبي للجناح بقوة وإضاءة كشافات حادة، ليدخل منه المستشار أدهم الجارحي ومعه عشرة من رجال العمليات الخاصة المدججين بالسلاح، موجهين فوهات بنادقهم المؤشرة بالليزر الأحمر مباشرة نحو رأس مراد وظهره العريض!
وقف أدهم بقامته الفارهة، وارتسمت على شفتيه النحيفتين ابتسامة باردة ومليئة بالوعيد القاتل، وسحب مسدسه الرسمي وقال بصوت رخيم وقاطع كالقضاء:
"لقد وقعتَ في الفخ يا مراد السيوفي.. كنتُ أعلم أن جنون تملكِك سيقودك إلى هنا، وشباك القانون أطبقت على عنق النمر بنجاح!"
تجمّد مراد في مكانه، وأحكم ذراعه حول خصري بقوة تفيض بالتحدي المطلق، وعيناه الصقريتان تشتعلان بشرر مستطير.. معلنة نهاية الجزء الصامت وبداية أشرس مواجهة مباشرة بين رجل المافيا ورجل الدولة في قلب الحصون!
قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض
تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل
ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف
لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام
لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا
كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي







