Share

سيمفونية السقوط

last update publish date: 2026-06-04 08:58:13

لم يكن دويّ انفجار المولد الرئيسي مجرد تمزق ميكانيكي في أحشاء "صخرة الغراب"؛ بل كان انهياراً كونياً مصغراً تداعت معه كل قوانين النجاة البشريّة. انشطر الدرج الفولاذي الحلزوني في مخاض النيران، وارتجت الجدران الخرسانية السميكة للمنشأة السرية كأنها أوراق شجر في مهب عاصفة بركانية. تحوّل الفراغ السحيق للممر الهابط إلى محرقة تلتهم في جوفها بقايا المنظومة الأمنية، بينما ارتفعت سحب الدخان الكبريتي الأسود الممتزجة بألسنة لهب قاذفات البارون لتغزل كفناً من نار وضباب في آن واحد.

وفي تلك اللحظة الخاطفة التي يرتعد فيها الموت نفسه، تجسد جبروت مراد السيوفي في حركة خارقة لكل المقاييس البشرية. ومع بداية ميلان الهيكل الحديدي وتهاويه نحو الهاوية المشتعلة، لم يلتفت إلى النيران ولم ينظر إلى الأسفل حيث يربض القتلة الدوليون؛ بل اندفع بجسده الطاغي وعرض منكبيه الشامخين، كأنه وحش كاسر يقتلع أنثاه من مخالب الفناء.

بذراعه الفولاذية الضخمة التي كانت تنبض بعروق نافرة من فرط الأدرينالين، أحكم قبضته حول خصري الضيق وجذبني إليه بعنف وشغف أعمى بصيرته عن شلل العالم المحيط بنا. ارتد جسدي المرتجف ليرتطم بصدره العريض الحار، في حين قذف بجسده الفاره في الهواء، متجاوزاً الفجوة المشتعلة التي خلّفها انهيار الدرج، ليندفع نحو رصيف خرساني معلق يمتد كجسر سري نحو القنوات السفلية للمنشأة.

استقر جسدنا الضخم فوق الأرضية الصلبة بعنف متناهٍ، وتدحرج مراد محتضناً إياي بالكامل، واضعاً ظهره العريض وكتفه المصاب كترس بشري لا ينثني ليتحمل صدمة الارتطام بالرخام البارد والشظايا المتطايرة، بينما تفحمت العتبة الحديدية التي كنا نقف عليها منذ ثانية واحدة وتلاشت في جوف الجحيم بالأسفل.

رغم فظاعة الموقف واقتراب الموت المحقق، ورغم دويّ إنذارات التدمير الذاتي التي كانت تبث رعباً أحمر متقطعاً في أرجاء المكان، لم تفرط تلك الذراع الدافئة في محيط خصري أنشاً واحداً. كانت أنفاسه الحارة، اللاهثة والمتدفقة بنبرة تفيض بالوعيد والتملك المطلق، تلفح عنقي الفاتن ونحري الشاحب كالجمر الذي يذيب الصقيع.

جثا مراد فوقي محاصراً إياي بالكامل تحت وطأة طوله وعضلات صدره العاري الملطخ بالبارود والدماء الدافئة. تلاقت عيناه الصقريتان الحادتان بعينيّ العسليتين اللتين عاد إليهما كل شغفهما المظلم؛ فلم يعد هناك مجال للخوف أو التراجع، بل خضوع تام لسيطرة نمر لا يرحم الضعف.

"ألم أخبركِ من قبل يا قطتي الفاتنة؟" همس بصوته الرخيم الجهوري المبحوح، ونبرته تحمل بحّة ذكورية ساحرة تغلغلت في أعمق خلايا روحي المستهلكة بالعشق، "حتى لو انشطرت الأرض إلى نصفين وتهاوت عروش الجبابرة تحت أقدامنا، ستبقين أنثى مراد السيوفي التي لا تخرج من قبضته إلا إلى قبر يضم كفني وكفنها معاً! تملككِ في عروقي شريعة كُتبت بالدم، ونيران غيرتي الليلة ستحرق أسطول البارون وخيانة العاصمة برمتها!"

انحنى والتهم شفتي بقبلة تدميرية، عنيفة وحارقة للغاية، قبلة سحبت مني آخر ذرات المقاومة وجعلت جسدي بالكامل ينصهر تحت وطأة لمساته الشرسة. لم تكن مجرد قبلة نجاة، بل كانت طقساً دموياً امتزج فيه طعم البارود المالح بلهيب الرغبة المشتعلة وسط الرماد؛ قضم شفتي بضمأ وجوع ملوكي، متجاهلاً النزيف الحاد في كتفه الخلفي الذي عاد ليدفق دماءه القرمزية فوق رداء المخمل الأسود الذي يسترني، معلناً خضوعي المطلق لملكه رغماً عن حصون الدول وصراعات الملوك.

دهاليز السيادة وتكتيكات الدم

المؤامرة الثلاثية

وقف المستشار أدهم الجارحي على بعد خطوتين منا، بعد أن تمكن من القفز بحرفية عسكرية خارقة مستغلاً حبال التعليق التكتيكية الخاصة بنخبته الرسمية. كان قميصه الأبيض قد تمزق تماماً ليمتزج بسواد الرماد ودماء المعركة الشرسة، لكنه ظل محافظاً على كبريائه الشامخ وجبروته الصارم الذي يرفض الانحناء أمام فوضى المافيا أو خيانة جهازه.

سحب أدهم مدفعه الرشاش الرسمي ببرود مميت، وعيناه السوداوان تقطران بحقد حازم نحو الكاميرات الأمنية المحطمة التي كانت تبث خيانة اللواء "رأفت علام" من العاصمة.

"مراد.. اللعبة لم تعد مجرد تصفية حسابات مع البارون،" قال أدهم بصوته الرخيم العميق، ونبرته تحمل قسوة القانون وثبات العقيدة التي لا تنحني، "رأفت علام لم يبعني أنا فقط؛ لقد أرسل شفرات التتبع الخاصة بهذه المنشأة إلى الأسطول السادس التابع للمنظمة الدولية في روما مقابل الحصول على حصة سيادية من مبيعات السلاح في الشرق الأوسط. نحن محاصرون بين سندان قاذفات اللهب في الأسفل، ومطرقة صواريخ الكروز البحرية التي أطلقتها البوارج الدولية لتسوية هذه الصخرة بالبحر بالكامل خلال عشر دقائق!"

تقدم سليم بخطوات متعثرة، وهو يمسك بحقيبته الرقمية التي كانت تصدر أزيرًا متسارعاً يعلن عن بدء الاختراق النهائي لشفرات المليارات السويسرية، وصاح بنبرة مخنوقة بالذعر: "مراد بيه.. المستشار على حق! نظام التدمير الذاتي المرتبط بالأقمار الصناعية تم تعديله خارجيّاً؛ البارون إدوارد لا يريد ليلى هانم حية كما يدعي، إنه يستخدمها كطعم ليشغلك بها حتى يضمن إغلاق بوابات الهروب السفلية بالكامل ومحونا عن الوجود بعد أن يستولي على الشفرات عبر البث الفضائي المتسلل!"

ارتسمت على شفتي مراد الحادتين ابتسامة جانية، حادة وساخرة تفيض بالوسامة الشرسة والكبرياء الملوكي الذي لا يعرف التراجع. نهض بكامل طوله وهيبته الفتاكة، وسحب خنجره الفضي المصقول من غمده الجلدي، ليمسك به بيده اليمنى بينما استقرت يده اليسرى بقوة فوق قبضة مدفعه الرشاش الثقيل.

"سيادة المستشار.. النمر لا يحتاج إلى نصائح من جـهاز مخترق،" قال مراد بصوته الجهوري المبحوح الذي زلزل أرجاء الممر الخرساني المظلم، "رأفت علام والبارون إدوارد يعتقدون أنهم يملكون شفرات اللعبة لأنهم يملكون الطائرات والبوارج. لكنهم نسوا أنني أنا من أسس قوانين الموت في روما، وأنا من علّم البارون كيف يتنفس البارود! سليم.. كم من الوقت تحتاجه لإعادة توجيه منظومة الدفاع الجوي الصاروخية الخاصة بصخرة الغراب ضد بوارجهم؟"

ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة وأجاب بذهول: "أربع دقائق فقط.. ولكن هذا يتطلب إدخال شفرة التحكم اليدوية من غرفة التحكم الرئيسية.. وهي الغرفة التي يسيطر عليها جيش البارون إدوارد بالكامل في منتصف هذا الممر!"

التفت أدهم نحو مراد، وتلاقت نظرات الجبارين في تحالف مؤقت صُنع بنيران الغدر المشترك. "أنا سأتولى تطهير الممر الأمامي ورجال قاذفات اللهب يا مراد، شرف عائلتي وقانوني لن يسمحا لخائن في العاصمة أن يكتب نهايتي.. لكن ليلى ستبقى في حمايتك، وإذا لمحت خدشاً واحداً آخر على جسدها.. سأقتلك بيدي قبل أن تنفجر هذه الصخرة!"

اشتعال الحواس وسط العاصفة

رقصة المخمل والبارود

تحركت المجموعة بخطوات تكتيكية فتاكة عبر الممرات الضيقة المتعرجة لعمق المنشأة الاستخباراتية. كانت إضاءة الطوارئ الحمراء ترسم ظلالاً ملحمية لأجسادنا وسط الركام، بينما كان صوت ارتطام أمواج البحر الهائجة بالخارج بالأساسات الصخرية يبدو كأنه نبضات قلب الأرض المذعورة.

لم يتركنى مراد للحظة واحدة؛ كان يحملني بين ذراعيه كملكة متوجة وسط ساحة الحرب، يسير بخطوات ملكية سريعة وثابتة لا تعرف الرحمة، وجسده الضخم يلتف حولي مع كل رصاصة طائشة تخترق الجدران. شعرت بحرارة بشرته تلفحني كالمخدر، وتداخلت مشاعر الخوف العارم بلذة تملك شرس جعلتني أستسلم تماماً لقدره المظلم.

وصلنا إلى البوابة الخلفية المؤدية لغرفة التحكم الرئيسية. كان الدخان كثيفاً يغطي أرجاء المكان، وأصوات طلقات أدهم ونخبته تدوي في المقدمة كالعاصفة الرعدية. أنزلني مراد برفق طاغٍ وراء جدار خرساني سميك، وجثا على ركبتيه أمامي مجدداً. تلمست أصابعه الكبيرة الدافئة وجنتي الشاحبة برقة متناهية تتناقض تماماً مع وحشيته الشرسة بالخارج.

"انتظريني هنا يا ليلى،" همس بنبرة خفيضة متهدجة وعيناه الصقريتان تحدقان في وعيي بنيران غيرة عمياء وشغف خالص، "أعلم أن عقل الصراعات يحاول انتزاعكِ مني، لكن وجدانكِ المطبوع بأثر قبلاتي يعلم أنكِ خلقتِ لتكوني حرم النمر. لا تتحركي إنشاً واحداً.. سأذهب لإحضار رأس البارون وإعادة كتابة التاريخ تحت قدميكِ الفاتنتين!"

نظرت إليه وعيناي تفيضان بدموع العشق المظلم، وقبضت على قميصه الممزق بكل ما أوتيت من قوة: "مراد.. لا تتركني لعتمتهم. إذا كان الموت هو نهايتنا الليلة، فليكن بين يديك وتحت وطأة أنفاسك الحارة، لا تتركني لأسوار عائلتي ولا لجحيم المافيا!"

انقبضت ملامحه الوسيمة بشغف عارم، وانحنى ليطبع قبلة سريعة حارقة فوق جبيني، ثم التفت بكامل طوله وجبروته الشامخ واقتحم غرفة التحكم كالإعصار المدمر.

سقوط الطاغية الأكبر

مواجهة الغرفة الحمراء

كانت غرفة التحكم الرئيسية عبارة عن قاعة دائرية ضخمة تحيط بها النوافذ الزجاجية التي تطل على البحر، وقد تحولت إلى محرقة حقيقية. تقدم مراد السيوفي كآلة حصد بشرية، يطلق النار بكثافة مرعبة مستخدماً رشاشه الثقيل بيد واحدة، بينما يده الأخرى تلوح بالخنجر الفضي لتقطع أعناق كل من تجرأ على الوقوف في طريقه.

في منتصف القاعة، كان البارون إدوارد عثمان يقف مستنداً إلى طاولة القيادة الإلكترونية، وجهه العجوز مشوه بنيران الانفجار وجسده ينزف بغزارة، لكن عينه الزجاجية كانت تلمع بحقد مميت. وبجانبه كان اثنان من أضخم سفاحي المافيا الدولية يحملون قاذفات القنابل اليدوية.

"مراد.. لقد عدتُ من مقابر سيبيريا لأستعيد ما هو لي!" صرخ البارون بصوت مبحوح مجنون وهو يرفع مسدسه الذهبي نحو صدر مراد.

وبلمحة عين خارقة للأدرينالين، أطلق أدهم الجارحي رصاصة دقيقة اخترقت معصم البارون ليتطاير المسدس الذهبي في الهواء. وفي ذات جزء الثانية، اندفع مراد السيوفي كالنمر الكاسر، وتجاوز المسافة الفاصلة بينهما بلمحة عين، ليقبض بيده الفولاذية على عنق البارون إدوارد ويقتلعه من فوق الأرض بالكامل!

"لقد انتهى زمنك يا إدوارد،" زأر مراد بصوته الجهوري المبحوح الذي غطى على أصوات الانفجارات، وعيناه الصقريتان تقطران ببحّة الموت، "لقد أخطأت عندما اعتقدت أن المافيا الدولية يمكنها أن تتحدى نفوذي، وخطيئتك الكبرى التي لن تغفر.. أنك فكرت في لمس ممتلكاتي الخاصة. اذهب إلى جحيمك وتعلم كيف تحترم حرم النمر!"

وبحركة سريعة وفتاكة، غرس مراد خنجره الفضي في قلب البارون إدوارد عثمان بضربة قاطعة أنهت أسطورة الطاغية الأكبر للمافيا الدولية إلى الأبد. سقط جسد البارون جثة هامدة فوق لوحة القيادة، لتتلطخ الشاشات الإلكترونية بدمائه القرمزية الدافئة.

اندفع سليم نحو لوحة التحكم الرئيسية، وبأصابع مرتعشة بدأ في إدخال شفرات الإلغاء اليدوية، بينما كان أدهم الجارحي يراقب الممر الخلفي ببرود حذر. "سليم! أسرع.. الصواريخ البحرية للبوارج الدولية تم إطلاقها بالفعل وهي تشق الغلاف الجوي نحونا الآن!" صاح أدهم بصوته الصارم.

صرخ سليم بذهول حاد: "لقد نجحت! تم تفعيل منظومة الدفاع الجوي الصاروخية للصخرة.. الصواريخ الاعتراضية انطلقت الآن لتدمير قذائف البوارج في السماء!"

المؤامرة الأخيرة وسقوط الجسر

حصار الرماد

دوت في السماء الخارجية أصوات انفجارات جوية هائلة نتيجة اصطدام الصواريخ الاعتراضية بقذائف البوارج الدولية، وتحولت عتمة الليل إلى نهار زائف بفضل ومضات اللهب البرتقالية الشرسة التي أضاءت المحيط برمتّه.

تحرك مراد بسرعة مذهلة، وعاد إليّ ليحملني مجدداً بين ذراعيه الشامختين. ركضنا جميعاً عبر الممر السفلي الأخير المؤدي إلى المرفأ البحري السري حيث ترسو الغواصة العسكرية التابعة لعائلة الجارحي، والتي كانت وسيلة النجاة الأخيرة والوحيدة من هذه المحرقة المحاصرة بالنيران.

كان المرفأ عبارة عن كهف صخري ضخم مفتوح على البحر من الأسفل، والمياه السوداء تهيج بعنف وتضرب الرصيف الحجري. بدأت التصدعات الخرسانية تنهار من السقف بفعل الانفجارات المتتالية لنظام التدمير الذاتي الذي بلغ ذروته.

"أدهم! خذ ليلى واصعد إلى الغواصة فوراً!" صاح مراد بصوت جهوري قاطع وهو يضعني بين يدي ابن عمي، في حركة فاجأتنا جميعاً وتناقضت تماماً مع غريزة تملكه الشرسة.

"مراد! ماذا تفعل؟!" صرختُ بأعلى صوتي والدموع تنهمر كالشلالات فوق وجنتي الشاحبة، وأنا أحاول التشبث بقميصه الممزق بيدين مرتعشتين بوضوح، "لن أتركك هنا.. لقد وعدتني بأننا سننصهر معاً!"

نظر إليّ بنظرة تفيض بالعشق المظلم والغيرة القاتلة التي لا تموت، وقال ببحته الذكورية الساحرة: "الخونة في العاصمة.. اللواء رأفت علام قام بإغلاق بوابات المرفأ الهيدروليكية الخارجية عبر الأقمار الصناعية؛ الغواصة لن تتمكن من الخروج إلى المياه المفتوحة إلا إذا قمتُ بتفجير صمامات البوابات يدويّاً من غرف المولدات الجانبية بالأسفل. اذهبي مع أدهم يا قطتي الفاتنة.. النمر لا يموت في الجحور، وسأعود لأنتزعكِ من حصونهم رغماً عن قوانين دولتهم!"

وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، دفعنا مراد نحو جسر العبور المؤدي إلى بوابات الغواصة الفولاذية. وبحركة سريعة وصارمة، ركض نحو الممر الجانبي المظلم المؤدي إلى غرف المولدات السفلية، يتبعه سليم الذي كان يحمل حقيبة الشفرات.

اللحظة الخاطفة للأنفاس

صعدنا إلى ظهر الغواصة العسكرية رغماً عن وعيي الذي كاد يتلاشى من فرط الصدمة والشغف المظلم المستهلك لكياني. أغلق أدهم الجارحي البوابة الفولاذية العلوية للغواصة بإحكام، وتحركت المحركات الضخمة بدويّ مكتوم يعلن عن بدء الاستعداد للانطلاق تحت الماء.

ومن خلال النافذة الزجاجية السميكة لغرفة القيادة التكتيكية، كنت أنظر بذهول ورعب حقيقي نحو الرصيف الصخري للمرفأ السفلي. وفجأة، دوت سلسلة من الانفجارات المرعبة في عمق المنشأة، وانهار الجسر الخرساني الرئيسي بالكامل ليقطع طريق العودة تماماً.

وفي ذات اللحظة الخاطفة للأنفاس التي حبست النبض في العروق وجمدت الدماء في كيان الكون، انفتحت بوابات المرفأ الهيدروليكية الخارجية ببطء تحت وطأة التفجير اليدوي الذي نفذه مراد.. ولكن، ومن خلال ذات النافذة الزجاجية، لمحت طيف مراد السيوفي يقف بكامل طوله وجبروته الشامخ وسط النيران المشتعلة على حافة الرصيف المنهار، وتحت ومضات الإضاءة الحمراء المتقطعة، ظهر من خلفه في عتمة الممر المظلم جيش جديد من نخبة القتلة الدوليين التابعين للمجلس الأعلى العالمي للمافيا، والذين كانوا يحملون قنابل الغاز السام وقاذفات الصواريخ المحمولة، يتقدمهم رجل غامض يرتدي معطفاً جلدياً أسود طويلاً ويضع قناعاً فضياً يخفي ملامحه بالكامل.. رجل رفع سلاحه ببرود مميت نحو ظهر مراد، ودوى صوت إطلاق رصاصة قناصة ثقيلة اخترقت جسد النمر لتجعله يتأرجح فوق حافة الهاوية المشتعلة بالدماء، في لقطة مرعبة جمدت الأنفاس داخل الغواصة التي بدأت بالغوص في أعماق البحر المتوسط المظلم رغماً عن صرخاتي التي مزقت سكون الأعماق!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status