Compartir

أنفاس الجحيم

last update Fecha de publicación: 2026-06-05 07:23:43

كان الرنين المكتوم لمحركات الغواصة العسكرية "التيتان الأسود" يبدو كأنه دقات قلب ميت يعود للحياة في جوف القاع. لم يكن الإبحار مجرد هروب تكتيكي خطط له المستشار أدهم الجارحي بعناية فائقة، بل كان انزلاقاً عميقاً نحو غياهب سحيقة من العتمة والترقب. في الداخل، كانت جدران الغواصة المصنوعة من سبائك التيتانيوم المعزز تئنّ تحت وطأة الضغط المتزايد للمياه المظلمة للبحر الأبيض المتوسط، بينما كانت مصابيح الطوارئ الحمراء الخافتة تبث ظلالاً دموية متحركة فوق شاشات الرادار والممرات الضيقة، لتجعل من قمرة القيادة التكتيكية أشبه بزنزانة عسكرية تحتفل بالموت.

في زاوية الغرفة التكتيكية، فوق مقعد معدني مثبت بمسامير غليظة في الأرضية المهتزة، كانت ليلى كتلة من الانهيار البشري الخالص. لم يكن رداء المخمل الأسود الذي يستر جسدها مجرد قماش؛ بل كان كفناً دموياً تفجرت فوقه دماء مراد السيوفي القرمزية الدافئة، تلك الدماء التي بدأت تجف الآن لتتحول إلى بقع داكنة يابسة تقبض على جلدها الشاحب كأشواك مسمومة. كان شعرها العسلي الطويل مبعثراً فوق كتفيها، ملتصقاً بوجنتيها بفعل عرق الخوف العارم ودموع الفقد الحارقة التي لم تتوقف عن التدفق كالشلالات.

كان وعيها يتأرجح على حافة جنون مطبق. لم تفارق عينيها العسليتين المتسعتين برعب حاد تلك النافذة الزجاجية السميكة الكاشفة لأعماق المياه، وهي تراه.. تراه بكامل طوله وجبروته الشامخ وسط لهيب رصيف "صخرة الغراب" المنهار، تراه والنيران تلتهم هيبته الملوكية قبل أن تخترق رصاصة القناصة الثقيلة ظهره العريض، ليتأرجح كالنمر الجريح فوق حافة الهاوية.

"مراد..."

خرج صوته مبحوحاً، ممزقاً، كأنه يخرج من حنجرة تعرضت للحرق. كانت تقبض بيديها الصغيرتين المرتعشتين على أطراف المقعد الفولاذي بقوة جعلت عظام أصابعها تبرز بيضاء شاحبة، بينما كان جسدها بالكامل ينتفض بنوبات رعب ميكانيكية لا يمكن السيطرة عليها.

"ليلى! انظري إليّ.. ليلى، اسمعيني جيداً!"

صاح أدهم الجارحي بصوته الرخيم العميق الصارم، وهو يجثو على ركبتيه أمامها، مستخدماً هيبته العسكرية وثبات عقيدته التي لا تنحني بمواجهة الكوارث. كان قميصه الأبيض العسكري ممزقاً، ملطخاً بسواد الرماد ودماء المعركة الشرسة التي خاضها ضد رجال قاذفات اللهب، لكن ملامحه الحادة الحازمة وعينيه السوداوين الكاحلتين كانتا تقطران ببرود مميت يحاول من خلاله احتواء عاصفة الجنون التي تضرب ابنة عمه.

أمسك أدهم بمعصميها الناعمين بقبضته الفولاذية محاولاً تثبيتها، وصاح بالضابط المسؤول عن التوجيه دون أن يرفع عينيه عن وجه ليلى الشاحب: "أيها الملازم! ما هو العمق الحالي؟ وهل هناك أي تتبع برادارات المنظمة الدولية؟"

استدار الضابط بسرعة، والعرين يملأ جبهته، وصاح بنبرة عسكرية متوترة: "سيادة المستشار، نحن على عمق مئتي متر ونغوص بسرعة لنتجاوز رف الرصيف القاري. صواريخ الدفاع الجوي التي فعلها سليم دمرت قذائف البوارج، لكن الأسطول السادس التابع للمجلس الأعلى للمافيا يطوق المسح البحري برادارات السونار النشطة! إذا لم نصل إلى القناة السفلية المعزولة خلال ثلاث دقائق، سيتم رصد شحنتنا المغناطيسية وتدميرنا بالطوربيدات!"

"احرص على غلق كافة انبعاثات الطاقة، وفعل النظام الشبح فوراً!" زأر أدهم بأمر قاطع، ثم عاد بتركيزه الكامل نحو ليلى التي بدأت تصرخ بصوت هستيري مزق السكون المكتوم للغواصة.

"اتركني يا أدهم! دعه يتركني!" صرخت ليلى وهي تحاول انتزاع يديها من قبضته بقوة غير طبيعية استمدتها من فيضان الأدرينالين الخالص. كانت تتحرك بعنف، ورأسها يلتفت يميناً ويساراً كأنها تحاول الهروب من الأشباح التي تحاصر عقلها. "مراد بالخارج.. النيران تأكله! لقد وعدني.. وعدني بأننا سننصهر معاً وسط الرماد! قال لي إن النمر لا يموت في الجحور.. كيف تركتني أسحب إلى هنا؟ كيف سمحت لعائلتك وقوانينك اللعينة أن تفصلني عن أنفاسه الحارة؟ سأموت هنا.. أنا أختنق.. أختنق!"

"ليلى، استعيدي وعيكِ!" صرخ أدهم وهو يهز كتفيها بعنف، ونبرته تمزج بين قسوة القائد وخوف الأخ. "مراد السيوفي انتهى! هل تفهمين ما تعنيه رصاصة قناصة عيار خمسين في الظهر وسط منشأة تنفجر بالتدمير الذاتي؟ لقد ضحى بنفسه ليفتح لنا بوابات المرفأ الهيدروليكية! الخيانة لم تكن من البارون فقط، اللواء رأفت علام باعنا جميعاً للمجلس الأعلى العالمي للمافيا في روما! نحن في وسط مؤامرة دولية لتصفية حسابات ملوك الدم، وظيفتي الآن هي إبقاؤكِ حية، ولن أسمح لكِ بالانهيار من أجل رجل مافيا خطفكِ واستعبدكِ!"

كلمات أدهم القاسية عن "الاستعباد" و"الموت" نزلت على مسامع ليلى كصدمة كهربائية، لكنها لم تثنها، بل أشعلت داخلها وجداناً مظهراً مطبوعاً بأثر قبلات مراد الشرسة. تذكرت قبل ثوانٍ فقط، عندما كان يجثو فوقها بصدره العاري الملطخ بالبارود، نبرته الذكورية المبحوحة الساحرة وهي تتغلغل في خلايا روحها: *"ستبقين أنثى مراد السيوفي التي لا تخرج من قبضته إلا إلى قبر يضم كفني وكفنها معاً"*.

"هو لم يستعبدني!" هتفت ليلى بنبرة تفيض بالعشق المظلم الحارق، وعيناها العسليتان تتحديان برود أدهم الصارم. "أنت لا تفهم يا أدهم.. تملكه لي هو شريعة كُتبت بالدم! أنا أشعر به.. أشعر بحرارة بشرته تلفح عنقي حتى الآن! قلبي ينبض بنبضه.. هو لم يمت.. النمر لا يموت برصاصة غدر! أعدني إليه.. أرجوك أعدني إليه، أو اقتلني هنا بمسدسك ودعني ألتحق بكفنه!"

ارتجفت الغواصة بعنف مفاجئ نتيجة موجة ارتدادية لإنفجار تحت مائي ضخم وقع في أعقاب انهيار "صخرة الغراب" بالكامل في أعماق البحر بالخلف. تلاشت الإضاءة الحمراء للحظة كاملة ليحل ظلام دامس، قبل أن تعمل مولدات الطوارئ الاحتياطية بصوت أزير حاد. سقطت ليلى للأمام ليرتطم صدرها بصدر أدهم العريض، فاحتمت به رغماً عنها، وجسدها يرتعد كأنه ورقة شجر في مهب عاصفة بركانية.

في تلك اللحظات من الظلام والاضطراب، تقدم سليم، مساعد مراد الرقمي، بخطوات متعثرة وهو يحمل حقيبته الرقمية المعدنية بإحكام. كان وجهه الشاب شاحباً كالموت، وعيناه تلمعان بدموع مكبوتة وهو ينظر إلى ليلى ثم إلى المستشار أدهم.

"سيادة المستشار.. ليلى هانم على حق في جزء واحد من هلعها،" قال سليم بصوت مخنوق بالذعر والتكتيك في آن واحد. "المؤامرة ليست مجرد تصفية عادية. البيانات المتدفقة من الأقمار الصناعية قبل انقطاع البث تماماً تشير إلى أن الرجل ذو القناع الفضي الذي أطلق النار على مراد بيه هو 'أليكساندر'.. القائد التنفيذي للمجلس الأعلى العالمي. هم لم يأتوا لقتله فحسب؛ بل كانوا يريدون أسر مراد حياً لانتزاع شفرات الحسابات السويسرية والسيطرة على خطوط إمداد السلاح في الشرق الأوسط. الغواصة الدولية التي ترصدنا الآن تابعة له!"

اتسعت عينا أدهم بحقد حازم، وشعر بمدى قذارة اللعبة السياسية والمخابراتية التي تورط فيها بسبب خيانة رئيسه اللواء رأفت علام. "إذن.. أليكساندر يريد الشفرات، ورأفت علام يريد الحصة السيادية.. وليلى هي المفتاح البديل إذا فشلوا في إخضاع مراد،" همس أدهم بصوت رخيم يقطر بالوعيد.

نظر أدهم إلى ليلى التي كانت تنظر إلى سليم بذهول حاد، والدموع تجمدت في مآقيها. جملة "أسر مراد حياً" اخترقت ظلام يأسها كشعاع ضوء حارق. لم يعد الخوف من الموت هو ما يحركها، بل رغبة متوحشة في البقاء لمعرفة مصير نمرها المتملك.

أمسك أدهم بكتفيها مجدداً، لكن هذه المرة بنبرة التزام صارمة وهادئة: "ليلى.. اسمعيني بعقل عائلتكِ، بعقل الجارحي الذي يرفض الانكسار. إذا كان مراد السيوفي حياً في قبضة المجلس الأعلى، أو إذا كان قد سقط في الهاوية، فإن خروجكِ من هذه الغواصة حية هو أملكِ الوحيد لمعرفة الحقيقة أو للانتقام له. صراخكِ وانهياركِ الآن هو استسلام مجاني لأليكساندر ورأفت علام."

تنفس ليلى كان متسارعاً، لاهثاً، يلفح وجه أدهم. شعرت بمرارة البارود المالح في فمها، وتذكرت طعم قبلته التدميرية العنيفة وسط الرماد. انقبضت ملامحها العسلية الفاتنة بصلابة جديدة ولد من رحم الشغف المظلم والاستهلاك النفسي. قبضت على تمزقات قميص أدهم وقالت بصوت متهدج، لكنه يحمل بحّة القوة: "سأصمت.. سأبقى حية.. لكن اقسم لي يا أدهم.. بشرف قانون عائلتك وكبريائك الذي لا ينحني.. ألا تتركني لأسوار عائلتي لأسجن فيها، وأن تساعدني لنبش الأرض بحثاً عن أثر النمر!"

تلاقت نظرات الجبارين؛ المستشار الذي يمثل سلطة القانون والشرف، وعينا المرأة التي انصهر كيانها بالكامل تحت وطأة سيادة المافيا وتملكها الشرس.

"أقسم لكِ يا ليلى.. خيانة العاصمة لن تمر، وشرف عائلتي لن يغسل إلا بدمائهم،" أجاب أدهم ببرود مميت وثبات لا يتزعزع.

في تلك اللحظة، صاح الملازم مجدداً بنبرة كادت تخترق شاشات الرادار: "سيادة المستشار! تم اختراق خط الدفاع الجوي الخارجي بالكامل! غواصة هجومية تابعة للمجلس الأعلى أطلقت طوربيداً حرارياً موجهاً نحونا مباشرة! وقت الارتطام.. خمس وأربعون ثانية!"

انقلبت قمرة القيادة إلى ساحة حرب مصغرة؛ دوت صافرات الإنذار باللون الأحمر القاني المتقطع، واهتزت أجهزة التحكم الرقمية بصوت أزير متسارع يطالب بالمناورة الفورية. سحب أدهم ليلى خلف ظهره الشامخ كترس بشري وعضلاته مشدودة، بينما تقدم نحو مقود القيادة التكتيكي بنفسه، عازماً على خوض رقصة الموت تحت الماء ضد أساطيل المافيا الدولية، وسط صمت ليلى التي أغلقت عينيها وهي تتحسس موضع قبلة مراد على شفتيها، مستعدة لمواجهة الجحيم القا

دم في أعماق البحر المتوسط.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • رسالة إلى الشيطان   مواجهة حميمية شرسة

    قبضت على زهرية من الكريستال البوهيمي النادر، وقذفت بها نحو البوابة الفولاذية المصفحة لتتحطم إلى آلاف الشظايا الزجاجية المتطايرة التي لمعت تحت ومضات إضاءة الشموع العسلية. ثم اتجهت نحو الكونسول الخشبي العتيق المصنوع من الأبنوس، وسحبت مرآة ذات إطار فضي مصقول، وهوت بها أرضاً ليتهشم الزجاج وتنعكس فوق قطعه المتناثرة ظلال وجهها الفاتن ونحرها الشاحب الملطخ بعرق المجهود والدموع الحارة التي انهمرت كالشلالات فوق وجنتيها."أخرج إليّ يا مراد! أسمعتني؟" صرخت ليلى بأعلى صوتها، وصوت تكسر الزجاج يدوي كطلقات رصاص تكتيكية تخترق سكون القصر. "اخرج واجهني بنفسك! لا تختبئ وراء بنادق حراسك الدوليين وشفرات سليم الرقمية! إذا كنتَ النمر الذي يملك روما... فاخرج وأرني جبروتك، أم أن كبرياءك الملوكي يخشى مواجهة الضحية التي استغللتها كدرع لبناء عرشك؟"في ذات الوقت، في الممر الخارجي المظلم، كان اثنان من حرس النخبة الدولية يقفان ببنادقهما الهجومية في حالة تأهب قصوى، وعيونهم متسعة بذهول حاد من فرط دويّ التحطيم والصراخ القادم من الداخل. تواصل الحارس الأول بسرعة عبر اللاسلكي المشفر مع سليم في الأسفل: "سيادة الض

  • رسالة إلى الشيطان   السجن الأسطوري

    تسللت أشعة شمس الفجر الشاحبة، الباردة والقصية، عبر الألواح الزجاجية العملاقة والمصفحة ضد الانفجارات التي تشكل الواجهة الشمالية للجناح الأسطوري. كانت تلك الأشعة الباهتة تبدو كأنها خيوط من فضة سائلة تحاول جاهدة اختراق الضباب الكثيف الذي يلف قمم جبال الألب السويسرية، حيث يربض قصر مراد السيوفي المعزول كقلعة من حجر الغرانيت والصلب، منغرسة في أحشاء الصخور الثلجية كوتدٍ لا تنال منه عواصف الأرض. لم يكن هذا المكان مجرد قصر للرفاهية المترفة، بل كان عرين الطاغية الأكبر، حصناً استخباراتياً معزولاً عن رادارات الدول وأقمار العواصم الصناعية برمتها.فتحت ليلى عينيها العسليتين ببطء شديد، وشعرت بثقل يضاهي جبال الصقيع بالخارج يجثم فوق وعيها المنهك. تلاشت غيبوبة النوم العميق التي فرضتها عليها أنفاس مراد الحارة والاقتراب الحميمي الشديد الذي عاشته تحت وطأة سيادته في الليلة الماضية. انقبضت ملامح وجهها الفاتن بمجرد أن استنشقت الهواء المحيط؛ لم يكن هواء الملاذ الآمن لعائلتها المحمل برائحة الياسمين ومرارة بارود سيناء، بل كان هواءً نقياً ببرودة جافة، يمتزج فيه عطر العود الذكوري الحاد والفاخر الذي يفرزه جل

  • رسالة إلى الشيطان   صدام العشق والشك الحارق

    ببرود فتاك ومميت، التوى معصم مراد الأيمن ليغرس خنجره الفضي في القصبة الهوائية للحارس الأول بكتمان مطلق شل حركته وجعله يسقط جثة هامدة رغماً عن دروعه الواقية، وفي ذات جزء الثانية، قبض بيده اليسرى الفولاذية على فك الحارس الثاني وهشم عظام عنقه بضربة قاطعة دوت في الممر المظلم كتمزق الفولاذ. سقط الحارسان فوق الأرضية الباردة لتتلطخ الصخور بدمائهما الدافئة، دون أن يصدر منهما أنين واحد يخترق شبكة الاتصالات الداخلية لأدهم."سيادة النمر... الأطواق الداخلية تحت السيطرة، والحساسات الحرارية لا تزال معطلة برمجياً،" همس السفاح الأول عبر جهاز اللاسلكي المشفر بنبرة خفيضة تفيض بالخضوع لملك المافيا. "المستشار أدهم الجارحي يتواجد الآن في قاع غرفة العمليات الغربية مع سليم لتتبع شفرات العاصمة، مما يعني أن الجناح الشرقي حيث تقبع ليلى هانم مع الطبيب إياد مهران معزول بالكامل لمدة دقيقتين!"عند سماع اسم "إياد مهران" مقترناً بـ "الجناح الشرقي لليلى"، تحولت عيون مراد الصقرية بالكامل إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران تملك شرس لا يرحم الضعف. شعر ببركان الغيرة الملوكية يحرق أحشاءه وعروقه الناف

  • رسالة إلى الشيطان   العودة إلى العرين

    لم تكن العاصفة التي تضرب جبل "الجارحي" الساحلي في تلك الليلة مجرد تقلبات مناخية عابرة؛ بل كانت غطاءً كونياً أسود تداعت معه كافة تكتيكات الحذر البشري. كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط، الهائجة والثائرة بفعل الرياح الشمالية العاتية، تلتطم بالقواعد الحجرية للجرف الصخري بدويّ رعدي مرعب زلزل أحشاء المغارات السفلية للمنشأة. انهمرت الأمطار الاستوائية الغزيرة كشلالات من الرصاص السائل، لتغسل الأسوار الحجرية العتيقة للملاذ الآمن، بينما امتد ضباب كبريتي كثيف منبعث من رطوبة البحر ليعزل القصر المحصن عن وعي العاصمة وعن الأقمار الصناعية لجهاز المخابرات برمتّه.في قمرة التحكم والتشويش الرقمي التابعة للقصر، كانت الشاشات الإلكترونية تبث ومضات خضراء منتظمة تعلن عن سلامة الأطواق الأمنية وحساسات الحركة الحرارية. لكن في تلك الجزئية الخاطفة من الثانية التي يمتزج فيها صوت الرعد بوميض البرق البرتقالي الشرس، حدث انهيار صامت في المنظومة. عبر الفضاء الساخر، نجحت أصابع سليم الرقمية في تنفيذ الاختراق النهائي الفضائي المشفر؛ انطفأت رادارات الدفاع الجوي القصير ومستشعرات الليزر الأرضية لمدة مئة وثمانين ثانية كام

  • رسالة إلى الشيطان   رماد الغيرة الحارقة

    لم يلتفت مراد لنبرة سليم المرتعشة، ولم يتأثر بكلمات الترحيب؛ بل زفر بأنفاس حارة، لاهثة وممتزجة ببحّة ذكورية ساحرة، وقال بصوته الجهوري المبحوح الذي هز سكون الكنيسة: "سليم... اترك شفرات المليارات السويسرية والمافيا الدولية الآن. أخبرني عن قطتي الفاتنة... هل ليلى حية؟ هل هي في حصن يحميها من قاذفات أليكساندر؟"​ابتلع سليم ريقه بصعوبة تامة، وتصلبت أصابعه فوق لوحة التحكم الرقمية. "ليلى هانم حية وبأمان في قصر الجارحي المحصن، يا مراد بيه... ولكن..." تراجع سليم خطوة للخلف بوجل، مستشعراً الخطر المحدق، وتابع بنبرة متلعثمة: "ولكن هناك اختراق رقمي مرعب التقطتُه من كاميرات الجناح الشرقي السري للقصر... هناك تقارير وصور مسربة وجبتُ أن تراها."​بلمسة من أصابع سليم، انفتحت الشاشات الإلكترونية الثلاث لحقيبته الرقمية، لتبث في عتمة الكنيسة إضاءة زرقاء باردة عكست تفاصيل صور عالية الدقة تم التقاطها قبل دقائق معدودة عبر كاميرات المراقبة الداخلية المخترقة.​في تلك اللحظة الخاطفة، تجمد الدماء في عروق مراد السيوفي، وتحول بياض عينيه الصقريتين إلى كتلة من الجمر الأحمر القاني المشتعل بنيران غيرة عميا

  • رسالة إلى الشيطان   عودة النمر

    كانت الرائحة المنبعثة في الأجواء خليطاً عَفِناً من الكبريت النفاذ، ومحاليل التطهير الطبي الكيميائية، ورائحة الدم القرمزي الدافئ التي لا يمكن لزعيم مافيا أخطأه الموت أن يخطئها. لم يكن الوكر السري الذي استعاد فيه مراد السيوفي وعيه سوى حصن تحت أرضي منيع تابع للمجلس الأعلى للمافيا في روما، شُيِّد بخرسانة مسلحة مقاومة للانفجارات النووية، وتحوّل إلى زنزانة تكتيكية مضاءة بنوافذ نيون بيضاء باهتة ومزعجة لشبكية العين، تبث بروداً سيبيرياً يهدف إلى تجميد أطراف الضحايا وشل حركة الأدرينالين في عروقهم النافرة.استقرت بنية مراد الضخمة وجسده الفاره فوق طاولة تشريح معدنية صلبة ومصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، وكانت ذراعاه الفولاذيتان وساقاه الطويلتان مقيدتين بسلاسل حديدية غليظة مغلقة بأقفال رقمية معقدة الشفرات، مخصصة لشل حركة عمالقة القتلة الدوليين. كان صدره العريض العاري ملطخاً ببقايا الرماد والبارود المالح من معركة "صخرة الغراب"، بينما كان كتفه الخلفي والجزء العلوي من ظهره الشامخ ملفوفين بضمادات طبية بيضاء سميكة بدأت تتشرب دماءه القرمزية بغزارة إثر حركته المباغتة.لم يكن المخدر القوي

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status