LOGIN- دي مبقتش عيشة.... هو أنتِ أول واحدة تحبل في الدنيا؟ الدكاترة قالوا أول ما تعدي الثالث كل ده هيروح، وأنتِ أهو بتخلصي في الرابع ولسه زي ما أنتِ
نزل الكلمات من فم حسن زي السكاكين، صوته كان عالي ومشحون بالضيق وهو واقف على سريره، بعد ما هاجمت نهى نوبة الغثيان المعتادة بمجرد ما قرب منها. كأن الجنين اللي في بطنها مش مجرد قطة لحم، كأنه كائن واعي وحاسس بالشرخ اللي في قلب أمه، وشايف الصراع النفسي المرير اللي بتعيشه وعدم تقبلها لـ أبوه، فقرر ينفر منه هو كمان ويرفض وجوده. شد حسن الغطا من عليه بعصبية ونفضه في الهوا، ورماه بإهمال على السرير وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، بينفث بيه عن غضبه المكتوم وقلة صبره، قبل ما يهبد رجله في الأرض ويمشي وهو بيتحلطم. في الحمام من الداخل، كانت نهى بتعيش قطعة من العذاب؛ تشعر إن أحشائها بتتقطع وتخرج مع كل دفعة تقيؤ عنيفة بتهز جسمها الضعيف. تلاشت طاقتها تماماً، ومبقتش قادرة حتى تسند طولها أو ترفع راسها اللي تقلت عليها، فصبت جسمها المهدود على الأرض الباردة، وسندت ضهرها وراسها على الحيطة السيراميك وراها، وهي بتتنفس بصعوبة وسرعة. حاولت تجمع الباقي من صوتها، ونادت على حسن بنبرة خافتة، ضعيفة، ومبحوحة.. نداء أخير طالع من روح بتستغيث. لكن قبل ما يوصلها صوته أو خطوته، كانت الدوامة السودا أسرع؛ دارت بيها الأرض، وتقلوا جفونها، فغمضت عينيها واستسلمت لظلام دامس سحبها بعيد عن وجعها وعن وعيها بالكامل. ✨✨✨✨✨✨✨✨ - مفيش حاجة اسمها هتفسخي الخطوبة..... مش كل يومين تتخطبي وتفسخي وتلعبيبنا معاكي.. وبعدين أحمد ماله؟ عيبه إيه؟ راجل وميعيبوش حاجة، إنما أنتِ اللي لسه عايشة في أوهام زمان ومش عاجبك العجب نزلت كلمات عماد على قلب يسرا كالسياط. كان هذا رده القاطع والحاد حين تجرأت وطلبت منه التدخل لفسخ تلك الخطبة، بعد أن ضاقت ذرعاً ولم تعد تحتمل ذرة راحة واحدة مع هذا الشخص ولا مع عائلته التي استباحت كل خصوصياتها. كانت تبكي وتشتكي لأخيها وهي تجهل تماماً المؤامرة الصامتة التي حيكت خلف ظهرها، وتجهل ذلك الحديث المسموم الذي دار بين والدتها وعماد قبل قليل؛ حيث تحاملت صفية كثيراً على يسرا بفعل سموم نرمين ووصفهتا بأنها أصبحت مدللة أكثر من اللازم، ومتمردة بلا سبب، وأن دلعها هذا سيخرب بيتها ويفسد زيجتها الثانية ويجعلها سيرة على كل لسان. تطلعت إليه يسرا بعينين مغرورقتين بالدموع، يملأهما انكسار حاد. عماد.. الأخ الأكبر، الذي كان دائماً سندها في الحياة، ودرعها الآمن الذي تحتمي به من غدر الأيام، يتخلى عنها اليوم بدم بارد! لم يكتفِ برفض سماعها، بل زاد من ألمها وجرح كرامتها حين أقسم بغلظة وقسوة أن الزواج سيت تم في الميعاد المحدد، وأنها ستزف إلى هذا الشخص رغماً عن أنفها. شعرت يسرا بغربة شديدة في بيتها، وكأن الجدران تضيق عليها لتخنقها. بدأت تنسحب من أمامه بخطوات ثقيلة ومتهالكة، لكنها التفتت ورمقته بنظرة جانبية طويلة، نظرة عاتبته فيها على خذلانه، نظرة حملت في طياتها نهاية الأخوة وبداية الجفاء، ثم رددت بنبرة ميتة، يقطر منها الألم واليأس - خلاص يا عماد.. أنا هتجوزه، بس اعمل حسابك.. من يوم ما هدخل بيته، مش هدخل البيت ده تاني، ولا هتشوفوا وشي. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ جلس حسن على المقعد الخشبي المجاور لسريرها، مطأطئ الرأس، ينهشه شعور عارم بالذنب والندم. لأول مرة، يرى الحقيقة عارية أمام عينيه؛ لقد غلبت دنيويته وأنانيته على إنسانيته، فسمح لغضبه الأعمى أن يقوده ليتركها في حالتها تلك ويغادر المنزل دون رحمة. تناسى في لحظة طيش أن هذا الطفل الذي ينمو بين أحشائها، ويمتص من عافيتها، هو السبب في كل ما تعانيه، وأنها مجرد جسد مستسلم لأمر لا تملك فيه ناقة ولا جمل. على سرير المستشفى الأبيض، كانت نهى ترقد بجسد هامد، لا حول لها ولا قوة. غُرست في ظهر يدها النحيلة إبرة المحاليل المغذية التي تقطر ببطء لتمدها بالحياة، بينما كانت عيناها مغمضتين في سبات عميق، هروباً من واقع مرير. ورغم غيابها عن الوعي، كانت هناك دمعة ساخنة تنزلق بين الحين والآخر من طرف جفنها، لترسم مساراً حزيناً على وجنتها الشاحبة، كأن روحها تبكي ما عجز لسانها عن بوحه. في تلك اللحظات، هاجم حسن إحساس قوي، كاد يصرخ في أعماقه، يؤكد له أن زوجته باتت تنفر منه حقاً، وأن جسدها يرفض وجوده. حاول جاهداً أن ينزع هذا الإحساس الصارخ ويهدئ من روعه، مستبدلاً إياه بموجة جارفة من الشفقة والأسى؛ وهو يتأمل شحوب وجهها الذي غادرت منه الدماء، ووهن جسدها الذي بدا كغصن مكسور. تنهد حسن بعمق، وحسم أمره في داخله؛ قرر أن يتخلى تماماً عن أسلوبه الفظ، وجفائه الذي لا مبرر له، وأن يقمع فوران عصبيته، ويتحمل تقلبات مرضها برحابة صدر، على الأقل حتى يخرج ابنهم إلى النور وتسترد عافيتها، معاهداً نفسه ألا يتركها للوجع بمفردها مجدداً. ✨✨✨✨✨✨✨✨ بهذا القرار القاسي، حُرمت يسرا من دلال إخوتها.. ذلك الحب النقي والرعاية الفائقة التي كانت تحيطها بهما عائلتها، والتي كانت في الحقيقة تؤرق مضجع نرمين للغاية، وتُشعل في قلبها نيران الحقد والغيرة تجاه هذه الفتاة البائسة، التي لم تكن تمتلك من حطام الدنيا وثرواتها سوى هذا الحب العائلي المفرط. كانت يسرا تحمل طفل نرمين الصغير بين يديها الحانيتين بعد أن انتهت من تبديل ملابسه وصنع لفافته بعناية. انحنت برأسها وطبعت قبلة دافئة على كفه الصغير الرقيق، ورددت بنبرة تفيض حباً وعطفاً - حبيب عمتو القمر أنت.. نام بقى شوية وارتاح، علشان ألحق أقوم أعمل الأكل لماما وتتغذى. وضعت يسرا الطفل في فراشه الصغير جانباً، وظلت تتطلع إلى ملامحه الملائكية بحب خالص، محاولةً فصل نفسها عن كل ما يحيط بها من بشر وجدران. لقد أصبحت الأجواء خانقة، والعلاقات متوترة ومشحونة بينها وبين الجميع في البيت، ولم يكن هناك ما يخرجها من حالة السكون البارد والعزلة النفيسة التي فرضتها على نفسها سوى آلام مخاض نرمين وولادتها، التي أيقظت في يسرا غريزة العطاء والواجب. في تلك الأثناء، كانت نرمين تراقبها من فوق فراش وعكتها، وتدور في رأسها أفكار لم تعتدها؛ فتقول في نفسها - بالرغم من إن ده اللي كنت عاوزاه والتخطيط اللي خططته عشان أبعدهم عنها، بس غصب عني حسيت بالشفقة على يسرا.. شكلها حزين انكسارها باين في عيونها ومطفيها أوي. وبرغم الحزن والكسرة اللي هي فيها، مقصرتش معايا في أي حاجة، ولا سابتني لحظة واحدة طول فترة ولادتي وتعبت معايا بجد.. كأنها أختي من دمي وأكتر. على الجانب الآخر، كان عماد يقف بعيداً، يتطلع إلى أخته بنظرات مغلفة بالحزن والأسى على حالها، وشيء من تأنيب الضمير ينهش قلبه. لكنه سرعان ما نفض عنه تلك المشاعر؛ فبالنسبة له، لابد من وضعها أمام الأمر الواقع، ولا تراجع عن زواجها المحدد، انصياعاً لكلمات والدته وتأكيداتها المستمرة بأن هذا هو الصواب الذي سيحمي العائلة من كلام الناس.حان الوقت المرتقب، موعد عودتها اليومي من العمل. وقف خالد في مكانه المعتاد على ناصية الشارع، يختبئ خلف نظراته المتلهفة، يتابع الطريق بعينين قلقتين، يتمنى فقط أن يلمح طيفها القادم من بعيد ليبرد به جوف اشتياقه. لكن الخوف كان ينهش صدره هذه المرة؛ فقد تملكه خجل عارم وجزع شديد منذ أن أرسل رسالته بالأمس. كان يخشى حتى فتح هاتفه أو تفقّد صندوق الرسائل، مرعوباً من ردة فعلها، ومستسلماً لهواجس الرفض التي قد تهدم حلمه الزجاجي.وفجأة، أطلت راندا. مرت من أمام المقهى بخطواتها الهادئة الواثقة، لكن الأمر هذه المرة لم يكن كالمعتاد؛ التفتت برأسها قليلاً، ورمقته بنظرة خاطفة استقرت في أعماق عينه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة غامضة. في تلك اللحظة، شعر خالد وكأن تياراً صعقاً من الكهرباء قد سرى بعنف في جميع أنحاء جسده، فانتفض قلبه بين ضلوعه، وتجمدت الدماء في عروقه من فرط المفاجأة السعيدة.أطلق ساقيه للريح وركض نحو داخل غرفته كالمجنون، التقط هاتفه بيدين ترتجفان وعرق يتصبب من جبينه. فتح الشاشة بسرعة لاهثة، ودخل إلى محادثتها ليجد سطرها الوحيد الذي غير مجرى حياته(أنا موافقة...)توقف الزمن من حوله، وشعر خالد
وقفت يسرا في منتصف ذلك المطبخ القديم، الذي تفوح من جدرانه رطوبة خانقة، وهي محاصرة بتلال من الأواني الكثيرة والمتراكمة التي تبدو كأنها بلا نهاية. كانت تجر يدها المجهدة فوق الصحون بحسرة ممتزجة بالمرارة، بينما يخترق مسامعها صوت قهقهات زوجها أحمد الصاخبة، الممتزجة بضحكات أخواته البنات ووالدته في الصالة المجاورة. كان صدى فرحتهم يطير في أرجاء البيت ليتحول في صدرها إلى خنجر مسموم يذبح كرامتها. انقبض قلبها وهي تقارن بين واقعها المرير، وبين شريط الذكريات الذي مر أمام عينيها فجأة؛ تذكرت نرمين، زوجة أخيها، في بداية زواجها.. كيف أنها لم تطأ قدمها خارج شقتها لمدة شهر كامل، وربما أكثر، وكيف كانت والدتها صفية تمنع أي شخص من إزعاجها، وتردد دائماً بفخر - دي عروسة جديدة، ولازم تكون مدلعة في بيتها، دي أجمل أيام في العمر كله. أما هي.. فها هي تقف وسط القاذورات والدهون في ثاني يوم لعرسها، تنظف أواني لم تتسبب في اتساخها، بالرغم من أنها في بيت والدتها وبكامل دلالها لم تكن تفعل ذلك قط، ولم تجبر يوماً على غسل هذه الكمية المرعبة من الصحون. دارت عيناها في المكان بيأس، وحدثت نفسها بمرارة على لسانها - إيه كم
تطلعت إليه خلود بتعجب وذهول من جراء هذا السؤال الفج، وشعرت بموجة عارمة من النفور والاشمئزاز تتضاعف في صدرها تجاهه؛ فطريقته في إلقاء التهم والتدخل في نواياها نزعت من عينيها أي مساحة للاحترام. عقدت حاجبيها ورددت بنبرة جافة يكسوها ضيق واضح لا يقبل المواربة - أظن حضرتك عرفت ردي النهائي على طلبك من كريم أخويا.. فمش فاهمة لازمتها إيه الأسئلة دي دلوقتي؟ وهتفرق مع حضرتك في إيه أساساً؟ تحرك العريس في مقعده، ومال بجسده ليقترب منها أكثر، وارتسمت على شفتيه ابتسامة صفراء تشع خبثاً ولؤماً، ثم أردف بنبرة متهكمة حملت طابع التشفي - هتفرق كتير طبعاً.. أصل أنا أبقى صاحب محمود ابن عمك والروح بالروح، وسمعت منه شخصياً وبلسانه إنك كنتِ بتحبيه بجنون وبتموتي فيه.. عشان كده بس سألت، عشان أتأكد لو رفضك ليا ده مجرد عناد وتضحية عشان خاطر محمود في تلك اللحظة، شعرت خلود وكأن أحدهم قد سكب على جسدها دلواً من الماء المثلج؛ تجمدت الدماء في عروقها، واهتزت الأرض من تحت قدميها. أإلى هذه الدرجة الدنيئة وصل الاستهتار والنذالة بابن عمها؟ أيتحدث عن مشاعرها القديمة ويجعل من كرامتها وسيرتها مادة للتسلية والتباهي بين أصدقا
انقشعت عتمة تلك الليلة الثقيلة، وأُسدل ستار الليل لتدب الحياة مجدداً في عروق يوم جديد، تملؤه الشمس بأشعتها الدافئة وضياؤها اللامع. استيقظت يسرا بجسد مهدود وروح منطفئة، والتفتت لتتطلع إلى ذلك الرجل الغافي بجوارها في سبات عميق، غير آبهٍ بما تركته ليلته العاصفة في وجدانها. انقبض قلبها بنفور تلقائي، لكنها سرعان ما قمعت هذا الإحساس، وبدأت تلوم نفسها بقسوة على تلك الأفكار السوداوية التي تراودها. فكرت في سرها لا مجال الآن للتراجع أو الندم.. لقد أصبحت زوجته أمام الله والناس، ولا بد أن أكون على قدر الثقة التي وضعها أهلي فيّ، وأن أحافظ على هذا البيت. غادرت الفراش بخطوات وئيدة، وراحت تتجول في أرجاء الشقة الغريبة، كأنها تحاول ترويض غرفها واستئناس جدرانها. نظرت إلى الأثاث والديكورات التي لم تسترْشَر في اختيارها، وحاولت جاهدة إقناع نفسها بأن كل شيء على ما يرام، بل وجميل. حدثت نفسها بنبرة توسلية تطمئن بها مخاوفها - إيه يا يسرا؟ ما الحاجة جميلة وزي الفل أهو.. ما هي مامتك كمان اشترت حاجات كتير من غير ما تاخد رأيك ومزعلتيش.. العمر لسه قدامنا طويل، وبكرة نغير ونبدل كل اللي مش عاجبنا على ذوقنا. توجهت
وقفت يسرا على عتبة باب الشقة، متجمدة في مكانها كتمثال من رخام، تتطلع إلى الفراغ بشروود تام وعينين غائمتين، وكأنها لا تعيش واقعاً بل استيقظت فجأة داخل كابوس أسود أحكم خناقه عليها. أهبطت رأسها بآلية ميتة، وألقت نظرة باهتة على فستان زفافها الأبيض الذي بدا لها كأنه كفن يُطوق أنفاسها، ثم دارت بنظراتها التائهة في أرجاء تلك الشقة الغريبة. كانت عيناها تتنقلان بين الزوايا والأثاث، تحاول استكشاف جغرافيا هذا المكان الذي سيصبح سجنها، بينما ظل جسدها ثابتاً، عاجزاً عن تحريك خطوة واحدة للأمام، وكأن قدميها غُرستا في الأرض. عادت بنظراتها المنكسرة إلى موضع قدمها، واجتاحها تساؤل مرير يمزق أحشاءها: هل كان هذا هو حلمها؟ هل هذه هي النهاية التي رسمتها لنفسها كأي فتاة تحلم بمنزل الزوجية، ذلك الملاذ الدافئ الذي يجمعها مع فتى أحلامها في رحلة حب واختيار؟ لقد أُجبرت على كل شيء بدم بارد. أُجبرت على هذا الأثاث الذي تراه للمرة الأولى اليوم بعد أن اختارته والدة أحمد وأخواته وتجاهلوها تماماً، وأُجبرت على هذا الفستان الذي لم تشارك في تفاصيله سوى بوجع ارتدائه، بل وأُجبرت قبل كل شيء على هذا الرجل الواقف قبالتها، والذ
جلست خلود تتوسط الصغيرتين؛ زينة ابنة أخيها، ولمار، تلك الطفلة التي تخطت بفطرتها فارق السن لتصبح صديقتها المقربة. لقد تعلقت لمار بخلود تعلقاً شديداً، وباتت تقضي جلّ أوقاتها معها، متمسةً في حنانها دفئاً كانت تفتقده. انفتح الباب ودلف كريم، يحمل في يده أكياس الحلوى التي تعود أن ينشر بها البهجة. بمجرد رؤيته، قفزت الصغيرة زينة بسعادة الأطفال الصافية، وفردت ذراعيها كعصفور يهم بالطيران، فتلقفها والدها بين أحضانه بحب جارف، ورفعها عالياً وهو يبتسم، قبل أن يمنحها قطعتها المفضلة من الشوكولاتة. طبع كريم قبلة حانية على جبين ابنته، ثم وضعها جانباً برفق. التفتت عيناه نحو لمار التي كانت تجلس هادئة، يرتسم في عينيها الصغيرتين شبح حزن خفي، ممتزج بنظرة فقد وحاجة لحنان أبوي تراقبه من بعيد. شعر كريم بوخزة في قلبه، فاقترب منها بخطوات حثيثة، وانحنى بجسده حتى صار في مستوى طولها، وسألها بنبرة تقطر حناناً وأبوة - القمر مجتش في حضن عمو ليه عشان تاخد الشوكولاتة بتاعتها؟ لم تكد الكلمات تلامس مسامعها حتى ضربت السعادة لمعة براقة في عينيها، وارتسمت ابتسامة رقيقة وواسعة على شفتيها الصغيرتين. فتحت ذراعيها بتلقائية و
الصمت مالي الأوضاع، تقيل ومكتوم، ومفيش صوت طالع غير أنفاس عماد العالية اللي فضحا غضبه. بص لأخوه سمير بنظرات حادة، وبعدين لف لمامتهم اللي كانت عمالة تفرك في منديلها بقلق وخوف. - أنا حذرتكم من الأول عماد بدأ يتكلم وهو بيضغط على كل كلمة - قلت لكم الراجل ده ميتأمنش على ضفرها، فما بالكم بحياتها؟ كلا
عادت خلود من السوق وهي تحمل أكياس الخضار والاحتياجات اليومية، تجر خطى متعبة بعد جولة في لاهب النهار. وبينما كانت تصعد درجات السلم المؤدية لشقتها، اخترق سكون البناية صوت نحيب خافت، بكاء طفولي متقطع ينم عن خوف شديد. توقفت خلود، وتلفتت حولها حتى انتبهت لتلك الكتلة الصغيرة المنكمشة على نفسها في زاوية
ولم يطل مكوثه في ساحة الغزل، إذ سرعان ما عرج بالحديث نحو المرتب، وبدأ يلقي عليها نصائح مطولة في الادخار، وحسن التدبير، والتوفير للمستقبل. كان حديثه يدور في حلقة مفرغة، محورها الأساسي وسؤاله المبطن... كم يبلغ راتبك تحديداً؟.تسلل الضيق إلى صدر يسرا وحاولت كتمانه، حتى باغتَها في منتصف الحوار بسؤال مب
جلست يسرا بجوار شقيقها عماد، تحيطه بحنانها وتحاول مواساته على ضياع ذلك الحب الكبير؛ حبٌّ صمد لثلاث سنوات كاملة، وتحدّى الكثير، لكنه تبخر وتلاشى في لحظة واحدة عاصفة.كان عماد يشعر بضيق شديد يكتم أنفاسه، وتدفقت الدموع في عينيه بغزارة، لكنه جاهد بكل ما أوتي من كبرياء لتبصقها جفونه وتظل حبيسة في مقلتيه







