LOGINما إن اختفى صدى خطوات آدم المتغطرسة في ردهات القصر، حتى ساد غرفة الطعام سكون ثقيل يسبق العاصفة. كانت عشق ما تزال قابعاً في مقعدها، وجسدها يرتجف بضعف وألم جراء الاحتكاك العنيف الذي فرضه عليها آدم قبل قليل لإجبارها على تناول الطعام. رتبت خصلات شعرها الأسود الفاحم الطويل بـأنامل مرتعشة، وحاولت استجماع شتات كبريائها الجريح أمام نظرات حنين اللئيمة التي كانت تتأملها بغيرة عمياء كادت تحرق أحشاءها. نهضت حنين من مكانها بقسوة، وتقدمت نحو عشق بخطوات سريعة يصدر عنها صوت كعبها العالي كقرع الطبول المتحدية، ثم انحنت فوقها وههمست بفحيح الأفاعي اللئيمة:- "لا تظني أن إجبار آدم لكِ على الأكل هو علامة عطف أو اهتمام يا عشق.. إنه فقط يريدكِ حية لكي يستمر في تعذيبكِ وإذلالكِ أمام عيني. أنتِ لستِ سوى حشرة في نظره، وسينتهي بكِ المطاف غارقة في دمائكِ تندمين على اليوم الذي ولدتِ فيه."رفعت عشق رأسها ببطء، وتلاقت عيناها الزرقاوان بعيني حنين بنظرة حادة تقطر احتقاراً، وقالت بصوت متهدج ولكن بثبات فاجأ غريمتها:- "وفري كلماتكِ المسمومة لنفسكِ يا حنين.. أنتِ من تعيشين على فضلات عطفه وتتوسلين نظرة واحدة من عينيه، أم
أشرقت شمس الصباح الجديد فوق القصر، لتكشف عن القضبان الحديدية المتينة التي ثبتها رجال آدم حول شرفة عشق خلال الليل، معلنة رسمياً إغلاق آخر منافذ الأمل في وجهها. كانت عشق مستلقية فوق الفراش، وعيناها الزرقاوان تنظران بجمود ونفور نحو تلك القضبان السوداء التي باتت تزين منظر السماء من غرفتها. كان مفعول المهدئ قد بدأ يتلاشى تدريجياً، تاركاً خلفه وهناً جسدياً حاداً، وشعوراً طاغياً بالمرارة والقهر. جمعت شعرها الأسود الفاحم الطويل بيدين ضعيفتين، وحاولت النهوض لترتيب ثيابها، مدركة أن سجانها لن يتركها بسلام في هذا اليوم أيضاً.ولم يخب ظنها؛ فسرعان ما انفتح الباب الخشبي الثقيل، ودخل آدم بكامل هيبته وطاغيتة الطاغية. كان يرتدي قميصاً أسود فاخراً يبرز عرض صدره وبنيته القوية، وانبعثت منه رائحة عطر الكولونيا الرجولية النفاذة الممتزجة برائحة السيجار. لم ينظر إليها برحمة، بل اقترب بخطواته الصامتة والواثقة حتى وقف فوق رأسها مباشرة، ونظر إليها باعتلاء قائلًا بنبرة رجولية حادة وجافة:- "انهضي يا عشق.. وتوجهي إلى الأسفل فوراً. أريدكِ أن تشاركينني طاولة الفطور هذا الصباح، ولا أريد سماع أي عذر أو محاولة لـرفض أ
مرت الساعات الأولى بعد حادثة الشرفة ثقيلة كأنها دهور ممتدة من العذاب الصامت. كانت عشق ممددة فوق الفراش الوفير، وجسدها النحيل ينتفض برعشة هستيرية متواصلة جراء سريان السموم ونقص المهددات في عروقها. كان شعرها الأسود الفاحم الطويل مبعثراً حول وجهها الشاحب، ملتصقاً بجبينها المبلل بعرق الألم البارد. كانت تقبض بيديها الصغيرتين المجروحتين على أغطية السرير، وتكتم أنفاسها المتهدجة لكي لا يخرج صوت نحيبها المكسور إلى أرجاء القصر، رافضة أن تمنح سجانها متعة السماع بضعفها.وفجأة، دوت خشخشة المفاتيح المعدنية في القفل الثقيل، معلنة انتهاء الترقب وبداية جولة جديدة من مواجهة الوحش. انفتح الباب ببطء متعمد، ودخل آدم بكامل هيئته الطاغية وجسده الممشوق الذي يفرض هيبته المرعبة في عتمة الجناح. كان يحمل في يده اليمنى زجاجة الدواء المهدئ، بينما كانت يده اليسرى مدسوسة في جيب بنطاله الفاخر ببرود تام. انبعثت منه رائحة السيجار الفاخر وعطره الرجولي النفاذ، ذلك العطر الذي بات يمثل لعشق رائحة القيود والهلاك.تحرك آدم بخطوات ثابتة وصامتة نحو الفراش، وكان صدى وقع حذائه فوق الأرضية الرخامية يمزق ما تبقى من هدوء عشق النفسي
تسللت أشعة الشمس الأولى عبر ستائر جناح عشق الثقيلة لتكشف عن ملامح ليلة قاسية تركت ندوبها النفسية على كل ركن في الغرفة الكئيبة. كانت عشق مستيقظة بالفعل، فلم يطرق النوم جفنها طوال الساعات الماضية إثر المواجهة العنيفة التي دارت بينها وبين آدم بعد عودته ليلاً. جلست على حافة الفراش، تجمع شعرها الأسود الفاحم الطويل بيدين ما زالتا ترتجفان بقوة تحت وطأة أعراض نقص السموم المهدئة، لكن بريقاً جديداً وحاسماً بدأ يلمع في عينيها الزرقاوين؛ بريق تولد من رحم الانكسار، بريق امرأة قررت ألا تستسلم لجلادها وسجانها حتى لو كلفها ذلك حياتها.أدركت عشق في تلك اللحظات الصامتة أن بقاءها في حالة الانهيار والاستسلام هذه هو بالضبط ما يبتغيه آدم، وأن دموعها ونحيبها هما الوقود الذي يغذي نار انتقامه الرهيب لأخيه الراحل سفيان. وقفت على قدميها المهتزتين، وتوجهت نحو الحمام لتغسل وجهها بالماء البارد، محاولة طرد الضعف والوهن من جسدها المنهك. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة، ورغم الشحوب الطاغي والهالات السوداء التي تحيط بعينيها، إلا أن ملامح التحدي عادت لترتسم على ثغرها الجريح. همست لنفسها بصوت منخفض ولكنه حاسم: "لن أكون
دفع آدم الباب الخشبي الثقيل ليتسع الشرخ في جدار الصمت الذي لف الغرفة المظلمة طوال الساعات الماضية. دخل بخطواته الهادئة والواثقة، والمنبعثة منها رائحة السيجار الفاخر الممتزجة ببرودة ليل المرفأ المهجور الذي شهد قبل قليل نجاح صفقته الكبرى مع لوكاس. لم تكن هناك أي إضاءة سوى خيوط ضئيلة من نور الممر الخارجي، والتي انعكست على جسد عشق الممدد على الأرض بجوار الفراش. كانت تبدو كجسد بلا روح، منكمشة على نفسها، بينما يحيط بوجهها الشاحب شعرها الأسود الفاحم المبعثر الذي تلطخ بدموعها المالحة إثر نوبة الانهيار الحادة التي أصابتها.أغلق آدم الباب خلفه بقفل معدني أصدر صوتاً قاطعاً، شق سكون الغرفة وجعل أوصال عشق ترتجف تلقائياً دون أن تفتح عينيها. وقف يتأملها لبرهة بنظرات صارمة لا تحمل أي ذرة من الشفقة؛ فبالنسبة له، كل أنة تصدر من هذه المرأة هي قربان يقدمه لروح شقيقه الراحل سفيان. تقدم نحوها ببطء، ووقف فوق رأسها مباشرة وهو ما يزال يشعر بانتشاء القوة بعد نجاحه في استلام الشحنة الثمينة وإخضاع لوكاس الخائن، ثم قال بنبرة رجولية حادة تفيض تملكاً وقسوة:- "إلى متى تنوين البقاء مستلقية على الأرض كالموتى؟ انهضي و
أما عشق، فكانت تجلس داخل غرفتها على الأرض تبكي بهستيرية ومرارة. وفي تلك اللحظة القاسية، أيقظتها حنين بكلماتها المسمومة لكي تتأكد عشق أنها مجرد رهينة في فخ الانتقام، وليست إلا سجينة بائسة في هذا الجحيم، وأن آدم هو السجان الذي سلبها كل شيء.استغلت حنين غياب آدم تماماً، وصعدت الأدراج بخطوات متعالية يصدر عنها صوت كعبها العالي كقرع الطبول المتحدية. فتحت باب غرفة عشق دون استئذان، ودخلت لتجدها ملقاة على الأرض، وشعرها الأسود الليلي الطويل ينسدل بنعومة مبعثرة على كتفيها ويغطي ملامحها الشاحبة. وقفت حنين تتأملها بنظرات تقطر كراهية وازدراء، وضمت ذراعيها إلى صدرها قائلة بنبرة سخرية لاذعة:- "انظري إلى نفسكِ أيتها القاتلة الهاربة.. أين ذهب ذلك الكبرياء الثري والجمال الأخاذ؟ لقد أصبحتِ مجرد حطام امرأة، دمية مكسورة يحركها آدم ليعاقب بها روح شقيقه الراحل سفيان. هل ظننتِ حقاً في أحلامكِ الوردية أنه قد يحبكِ يوماً؟ لقد أوهمكِ بالحب والأمان لكي تقعي في فخه بمحض إرادتكِ وتأتي إلى هنا لتلقي حتفكِ ببطء."رفعت عشق رأسها ببطء شديد، وكانت عيناها الحمراوان محاطتين بهالات التعب والإدمان، وملامحها مشوهة بالألم ال







